أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الجمعة، 28 أبريل، 2017

أخرس عسقلان



!
المكان: سجن عسقلان
الزمان: شهر تموز 1970م
ظهر في سجن عسقلان، الذي خصصته سلطات الاحتلال الإسرائيلي قبل ذلك بعامين أو أكثر كمحطة "تأديب" لأسرى المقاومة الفلسطينية "المشاغبين" والقادة، أخرس بين الأسرى.
شريف عمارنة (70) عامًا، أحد الذين نُقلوا من معتقل بيت ليد في عام 1968م، إلى سجن عسقلان، ليعيش إحدى أكثر التجارب الوجودية في حياته، والتي ما زالت آلامها المعنوية والمادية (الصحية) تنخر في وجدانه وجسده.
حكاية تلك السنوات في سجن عسقلان لم تُحكَ، ويتذكر عمارنة (لقاء خاص معه يوم 31-12-2016م)، ما يسميها رحلة الموت الطويلة إلى عسقلان عام 1968م التي استمرت ساعات، وخلالها أطفأ جنود الاحتلال سجائرهم في أجساد الأسرى المقيدين، ولم يتوقف الضرب، واستمرت في السجن، وجبات الضرب والعقاب، لفترة طويلة، وعندما تمكن الأسرى المقهورون، الذين عانوا من سياسة (الصدمة والرعب)، من التقاط أنفاسهم، أعلنوا في الخامس من تموز 1970م، إضرابًا عن الطعام، عُرف باسم انتفاضة سجن عسقلان، وما زالت ترن في أذني عمارنة صرخة الأسير فايز الغوراني من الطابق الغربي للسجن الرهيب:
"يا معتقلي عسقلان: هذا اليوم الخامس من تموز موعد انتفاضتكم فتضامنوا، والله أكبر"

ردد الأسرى عبارة الله أكبر مزلزلة بصوت واحد ولا شعوريا وهم ينخرطون في الإضراب.
تتوفر في أوراق كُتبت في سجن عسقلان (كتاب: شهداء الحركة الوطنية الأسيرة في السجون الإسرائيلية/عبد العليم دعنا)، أصبحت ضمن أدبيات التثقيف الذاتي في السجن، تسجيلاً لتلك اللحظات: (هدوء يبعث الرهبة في معتقل عسقلان...حتى العصافير تمر بباحة السجن هذا الصباح، مسرعة دونما توقف، مشقشقة بنغمة سريعة مرتقبة، ويخرق السكون بين الفينة والأخرى جعار سجّان جهوري (اسفرا) أي بالعبرية (عدد) تتبعه أحذية السجانين الذين يقومون بإحصاء المعتقلين (تمام الصباح). وانتهى العدد وفجأة كان الانفجار المذهل، كان الحدث الغريب الذي لم يتوقف بل ولم يخطر على بال أحد من رجال إدارة العدو الفاشية في معتقل عسقلان، هذه الإدارة وجهازها الذي لم يكن يتعامل مع المعتقلين في ذلك الوقت إلا بلغة الهراوة والصفع واللكم والبصق على الوجوه والأصفاد الحديدية والكرابيج المجدولة من كوابل الكهرباء، الغداء الحقير والقوانين الجائرة المذلة "قل سيدي قبل أن تخاطب السجّان وإلا... لا تنم أثناء النهار... لا تخلع نعليك، لا تصلي حتى يصدر لك الأمر عبر السماعة الملتصقة بالجدار... لا ترفع رأسك إلى الأعلى... لا تشك من مرض... لا... لا...لا...لا...
انفجرت الإرادة الإنسانية الثائرة التي لا تعبر عن الهوان، في ذلك الصباح المشهور، صرخ صوت مناضل من الزنزانة رقم 16 قسم د (يا مناضلي سجن عسقلان... اليوم إضراب) إذن، أُعلنت ساعة الصفر، وكانت الانتفاضة وكان أول إضراب عام، وقف مدير السجن النازي (حيوت) وزبانيته المتوحشون (طوليدانو)، (فنجر)، (اوري، (زكي)... مذهولين مندهشين، مرتعبين، لم يصدقوا بادئ الأمر... كانوا يعتقدون أنهم بإرهابهم ووسائل قمعهم قد استطاعوا قتل إرادة التحدي والنضال في نفوس المعتقلين، وها هم يواجهون بما لم يكن بالحسبان، وما أن أفاق (حيوت) الفاشي من ذهوله حتى أصدر أوامره بقمع الإضراب... ولكن هيهات".
يذكر عمارنة، كيف إن (حيوت) وطاقمه كانوا ما يزالون يعتقدون بأنهم يمسكون بزمام الأمور، وعندما بدأوا يصدرون الأوامر للأسرى بالعودة عن الإضراب، أخذ هؤلاء يرتطمون بالحواجز الحديدية للغرف بقوة وبعنف، ولسان حالهم: "بدلا من أن تضربونا ها نحن نضرب أنفسنا، لم يعد يهمنا شيء".
واستشهد خلال الإضراب الأسير عبد القادر أبو الفحم، من قادة قوات التحرير الشعبية، وكان تأثير ذلك على الأسرى كبيرًا-كما يذكر عمارنة.
تذكر أوراق سجن عسقلان: أمّا في الزنزانة رقم (1) فكان ثمة رجل مريض أثخنته الجراح التي يرفض العدو علاجها والتي أصبحت مع مرور الزمن تفرز الدماء والصديد بشكل دائم... إصابات في جميع أنحاء الجسد وخاصة في الصدر والحنجرة، كان لا يستطيع عمل شيء بشكل متواصل لمدة ربع ساعة، ولكن هذا الرجل كان يمتلك من صلابة الإرادة إرادة الرجال ما يكفي لقهر الأعداء وقيادة الرجال... التف حوله زملاؤه في الزنزانة، حاولوا بكل إصرار إقناعه بعدم الاشتراك في الإضراب، ولكنه أبى.. كان يعلم أن إضرابه سيؤدي بحياته لا محالة، ولكن لم لا...!!"
استمر الإضراب-الانتفاضة نحو عشرة أيام، ودخل تاريخ إضرابات الحركة الأسيرة، باعتباره أول رد فعل لأسرى عسقلان الذين تراوح عددهم آنذاك ما بين 1400-1500 أسير، ضد ما يصفه عمارنة بمرارة بالقمع والإرهاب وتحطيم هوية الفلسطيني الأسير بقيادة المتعجرف المجرم مدير السجن (حيوت).
2
وفي اليوم السابع من الإضراب ظهر أخرس عسقلان..!
شارك الكاتب صالح أبو لبن، الذي أمضى سنوات طويلة في سجون الاحتلال، وحُرر في صفقة التبادل الشهيرة منتصف ثمانينات القرن العشرين، في عدة إضرابات عن الطعام، وهو الذي كان يشعر بامتعاض شديد عند إعلان أي إضراب.
شارك أبو لبن في إضراب في سجن عسقلان، عُرف في أدبيات الحركة الأسيرة بالإضراب الكبير (1976-1977م).
ماذا يعني اليوم السابع من الإضراب بالنسبة للأسر؟ في كتابه (أربعون يوما على الرصيف) الصادر عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين في رام الله 2016، يخط عن اليوم السابع للإضراب: "كيف يمر النهار على مضرب عن الطعام، وهو يتقلب من جانب إلى جانب، عظامه تؤلمه وجسده يتآكل ودماغه من داخل رأسه يتوجع..لا صحوه صحو ولا ليله ليل ولا راحة له في النوم، كل شيء مقرف، وكل شيء ممل وكل شيء ما فوق فوق العادة..يكره الوقت وتعتصره الدقائق الثقيلة التي تمشي بطيئة على عظامه".
يستيقظ الأسرى: "على رائحة الأمعاء الكريهة التي تطغى على الجسم، وتحيل رائحة الفم إلى وبال لا يمكن تحمله، وتتداخل هذه الروائح مع الأغطية والبطاطين فيخال المرء أن الكون كله ملوث، اليوم هو السابع وفيه سيتثاقل على كل منكم جسمه وربما تصبح نوبات الصداع فيه أخف قليلاً، والأدق ان الجسم يبدأ في الاعتياد القسري عليها".
يضيف أبو لبن: "الإضراب في يومه السابع صعب، وهو من لحظته الأولى صعب وكلما توغلت فيه أكثر ازداد صعوبة، يتراكم الإعياء ويتعاظم الإحساس بالفراغ..فهذا الطعام وتلك الوجبات جزء من متاع الدنيا وجزء من تجزيء الوقت ونسيانه. في اليوم السابع لإضراب عسقلان الكبير جاء إلينا السجانون بقسوة وأخرجونا، أخذونا مجموعة وكنا تسعة أشخاص، والى عيادة السجن عبر الساحة الخارجية وهناك أمرونا بكسر الإضراب وتناول الأكل، فرفضنا الأمر، فعرضوا علينا الحليب، ورفضنا أيضًا، كنت مرتعبا من قصص الإطعام القسري السابقة".
تجربة الطعام القسري، هاجس الأسير المضرب: "تعال واجلس هنا، ضع يديك خلف الكرسي، ارفع راسك، يأتي السجان بالبربيج (الزّوندا) وهو بربيج طويل في آخره قمع، توقعت أن يزج البربيج في أنفي فتصلبت بأشد قدراتي لمواجهة الموقف، ولكنه طلب مني ان أفتح فمي، وأخذ يدفع بطرف البربيج إلى بلعومي، يرتطم البربيج بسقف حلقك يا صديقي فيجرحه، فيزجه بقوة إلى لوزتيك فيجرحهما أيضا ويدفع البربيج أكثر نحو مريئك، ويطلب منك بقسوة وعنف: خُذ نفسًا خُذ نفسًا، في لمحة ينغلق المجرى التنفسي وينفتح المريء ليدخل البربيج إلى داخله، فتحس به يمر في كل ملمتر من جسمك، إلى أن يرتطم مرة أخرى بقسوة بحلق المعدة، يرفع الممرض بيديه القمع ويسكب الحليب ساخنًا إلى معدتك".
في اليوم التاسع للإضراب: "كان المنظر مرعبا في عيادة سجن عسقلان..سجانون ضخام يلبسون المراييل الجلدية الحمراء وكأنك في مجزرة أو مسلخ..يسألونك نفس الأسئلة..ترفض..تجلس إلى الكرسي..يحشر البربيج في حلقك وتتكرر العملية إياها..ويسكب الحليب بطريقة مقرفة في جوفك ويسحب البربيج المغطى بسائل المعدة المخاطي اللزج ويوضع في برميل ماء لمرة واحدة سريعة..والماء مليء بالمخاط الممزوج بالدم..انه مخاط من سبقوك جميعهم ودمهم..ثم يأتي من بعدك أحدهم، ويوضع البربيج الملوث في مريئه بدون تنظيف أو تعقيم وتتكرر العملية..لا تسمع الاحتجاجات والاحتجاج مدخل للاهانة والضرب، وأنت بحالة ضعف شاملة".
3
في يوم 11-تموز 1970م، في اليوم السابع لانتفاضة أسرى عسقلان، لا أحد يستطيع إعادة رسم المشهد في إحدى غرف الأسرى المنهكين، القلقين، التي جعلت أحد الأسرى، يعبر عن غضبه تجاه زملائه الذين ضايقوه، بآخر وسيلة دفاع عن النفس يملكها، وهي الخروج عن الجماعة، فقال لهم: -سأوقف إضرابي..!
لم يأخذ أي أحد من زملائه تهديده على محمل الجد، وأي جد في وضعهم؟ جميعهم يشعرون بالإنهاك، وبالغضب، وبالتثاقل، وبروائحهم، وآخر ما يمكن أن يفكر فيه أحدهم، أن يتوقف فجأة، فتلتصق به صفات كالخنوع، والخيانة، وكل ما يناقض الرجولة، والمروءة، والوطنية.
وعندما ظهر الشرطي الحارس على الباب، اقترب منه الأسير الغاضب، متثاقلاً وقال له بصوتٍ مسموع، استخدم فيه ما بقي له من طاقة، أراده أن يكون رسالة لزملائه:
_أريد أن أفطر..أريد أن أفطر..!
ربما لم يفهم الحارس، أو انه فهم وتغاضى، وردة فعله أذهلت الأسير الذي عبر عن أدنى درجات ضعفه أمام زملائه، وهو يحاول "معاقبتهم" بالخروج عن إجماعهم:
_تفطر؟ ماذا تقول؟ روح...روح من هنا، ابعد..ابعد..!
توقع الأسير أي شيء، غير الذي حصل، جرب أن يتكلم، يقول شيئًا، يغضب على الشرطي، يقول لزملائه بأنه لم يكن جادًا، وأنهم بالتأكيد يدركون ذلك، ويعرفون معدنه، ولكنه أخذ يضرب رأسه في الباب عندما أيقن أخيرًا بأن صوته غار في حنجرته.
شعر بتحولاته الجسدية، هرموناته تدفقت بشدة، وتوسعت شرايينه، وبدا جسده يفتش عن طريقة لإنقاذ نفسه، فخنق صوته.
بعد ثلاثة أيام، انتهى الإضراب، والأسير منزو على برشه لا يبارحه، واكتشف بان الخرس ما زال ملازمه، ولاحقًا اخذ يتواصل مع زملائه بالكتابة على الورق، وفي أيام الزيارة، كان يكتب على ورقة ويرفعها ليراها أهله على الجانب الآخر من السياج الفاصل بين الزائرين والاسرى، وسُمح لأهله بان يستخدموا الورقة والقلم للتواصل معه.
فالورق والأقلام، في تلك السنوات عُدت من الممنوعات في السجون..!
لم يعد أحد يذكر اسم أخرس عسقلان، وربما هو أيضا لم يعد يذكر نفسه، وإلى متى لازمه الخرس نتيجة سبب غير عضوي، ولكن المؤكد، انه أمضى سنوات سجنه، قابلاً بوضعه غير متحمس أبدًا لاستعادة صوته. رجح بعض الأسرى بأنه خشي من العودة إلى الحديث، كي لا يتحدث عن عاره في لحظة ضعف، غير مقبولة أبدًا في مجتمع الأسرى المفعم بالثورية آنذاك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق