أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 27 أغسطس، 2017

الولي الطائر..!





لم يصدق أهل قرية جبع، نزيل قريتهم حريش، فاختبروه:
-إذا أنت فعلا ولي الله، انزل في النار لترينا من أنت..!
نزل حريش في النار، فقلب لطائر أخضر..وطار، فذهب النَّاس إلى أخته حريشا (طبعا لن يكون اسمها سلمى أو ليلى) وأعلموها مستفسرين عن حريش، فتركت العجين الذي بين يديها، ونزلت النار وقلبت هي الأخرى لطائر أخضر..وطار.
بنى حريش مقامه على قمة الجبل الشاهق الذي سيحمل اسمه، واختار قمة تطل على جميع القرى حتى البعيدة كالناصرة وجبل الشيخ وجبال الاردن، إلا القرية التي ظلمته، ويقال بأنه أيضا دعا على بنات القرية بدعاء باطل. الأولياء أيضا يحقدون، ولكن بمقدار، فالله أبطل دعائه.
تروي مياه الشتاء التي تنزل من الجبل مرج صانور الذي يتحول إلى بحيرة مؤقتة، أمّا مياهه باتجاه جبع فتفيض لتخرب الطريق الترابية والمنازل، وكل ذلك بنية حريش.
وما زالت حكاية أهل القرية مع حريش حاضرة وتعكس صعوبات تسلقهم إلى أرضهم في الجبل الشامخ، حتى بعد أن حطم مجهولون مقام الولي الحاقد الغاضب الشاهق.
‏مجرد سوء فهم، حدث كثيرا بين ناس وولي وسيط بينهم وبين الله في عليائه، ولكنه طال أكثر من اللازم..!

جبل حريش

اسطورة المساخيط في قرية الصرة

السبت، 19 أغسطس، 2017

جمهورية الدهيشة..!













لم يكن المنظر غريبًا ليلة الخميس في مخيم الدهيشة؛ ملثمون يتجمعون على بعد نحو 100 متر من مدخل المخيم، فمثل هذا المنظر والاستعراضات الكشفية للفصائل تشهدها بشكل دائم شوارع المخيم، ولكن ما لفت الانتباه، هو تسلح الملثمون بأدوات كهربائية بينها (صاروخ) يستخدم لقص الحديد. تقدم أحد الملثمين يساعده آخرون وقصوا الصفائح الحديدية التي وضعتها قوات الاحتلال على باب مكتبة الطريق في المخيم، معلنة إغلاقها لمدة عشرين يومًا.
الذين فتحوا المحل وقرروا تحطيم قرار الاحتلال، يدركون انهم يدخلون في معركة مع روني نومة ألوف قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية، صاحب الاسم الثلاثي الذي يذكر بأسماء المشاهير الدرامية المنغمة كمحمد حسنين هيكل وغابريل جارسيا ماركيز، صفته الرسمية قائد جيش الدفاع الإسرائيلي في يهودا والسامرة، والأخيرة تعني الضفة الغربية الاسم السياسي للهضبة الفلسطينية الوسطى، يهودا والسامرة اسم توراتي له وقع على الأقل بالنسبة للرئيس السادات الذي استطعم استخدامه خلال لقائه ببيغن في الاسماعلية وست استغراب مقربين له مثل وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل.

الثلاثاء، 15 أغسطس، 2017

عندما يصبح الجدار شاهدا على حياة كاملة





على بعد نحو 100 متر إلى الغرب من باب الخليل، ما زال الجدار القديم صامدا، وعليه حروف نافرة بارزة وكبيرة، تظهر بالانجليزية اسم عائلة طنّوس، صاحبة المبنى الذي كان في حي الشمّاعة الآفل.
شيد الأخوان طنّوس بنايتهما الكبيرة في ثلاثينات القرن العشرين، خلال النهضة الاقتصادية التي شملت حي الشمّاعة ومناطق واسعة في القدس الجديدة، يقدم واصف جوهرية شهادة، عندما سكن في بيت النقفورية أعلى حي الشمّاعة، ولم تكن هناك أية مباني، ويذكر كيف بدأت الحياة تدب وتتزايد المباني ومن بينها بناية الأخوان طنّوس.
في عام 1948، أصبحت بناية طنّوس والقدس وفلسطين على مفترق طرق، يذكر المؤرخ عارف العارف، انه في شباط 1948م قتلت العصابات الصهيونية عربيا وهدمت عدة منازل في حي الشمّاعة من بينها بناية طنّوس، ما استوجب هجوما فلسطينيا على مستوطنة المونتفيوري.
والواقع أن العصابات الصهيونية لم تنسف البناية التجارية والسكنية التي كانت جزءا من الحي التجاري في ماميلا (مأمن الله)، وإنما سيطرت عليها واستخدمت في شهر أيار عام 1948 من قبل العصابات التي حاولت الدخول إلى بلدة للقدس القديمة لاحتلال حارة اليهود.
وبعد أن صمتت المدافع أصبحت البناية في المنطقة الحرام بين القدسين، رمزا لتقسيم مدينة القدس، وتم إسكان المستوطنين اليهود فيها، وكانت مكشوفة للجيش الأردني المسيطر على أسوار القدس.
بدأ الاحتلال بهدم المباني الفلسطينية الواقعة على خط التماس، واستغرقه ذلك سنوات طويلة وسط نقاش إسرائيلي داخلي له طابع فني ومتعلق بالتخطيط الحضري لما تسميه دولة الاحتلال (القدس الموحدة)، وفي عام 1990م هدمت سلطات الاحتلال بناية طنّوس، كجزء من مشروع كبير لإعادة بناء الحي التجاري في ماميلا وتنشيطه وفقا لرؤى احتلالية، ولكن المحتلين أبقوا على المدخل تخليدا لاستخدام البناية يومي 18و19 أيار 1948م من قبل قيادة نتال لورخ كمخرج لفرقة من قيادة عصيوني/القدس، التي حاولت احتلال حارة اليهود في بلدة القدس القديمة ولكنها أخفقت في مساعيها.
يقول عصام السلطي الذي عاش طفولته في القدس الجديدة: "لم تلجأ سلطات الاحتلال لترميم المباني التاريخية، بل تم بشكل ممنهج مسحها وإزالتها، وقد تم هدم معظم تلك الأبنية لطمس البصمة الإسلامية أو الأوروبية التي حملتها فلم يبقى منها اليوم سوى النزر اليسير".
على أنقاض بناية طنّوس أقيمت مباني وشقق فخمة باسم قرية داود، تتراوح سعر الواحدة من مليون إلى 13 مليون دولار، وبعض المشترين هم من الإسرائيليين الذين يعيشون في الخارج.
الوحدات السكنية الفاخرة على أنقاض البناية الفلسطينية، متداخلة وتتمتع جميعها بإطلالات على وادي الربابة الذي يسميه الإسرائيليون وادي هينوم، وكذلك على قلعة باب الخليل التي تسمى إسرائيليا قلعة داود.
ويفخر قاطنو هذه الشقق بمستواها البرجوازي الكبير، وبأن من في الخارج لا يمكن أن يتصور ما بداخلها، وتخضع البنايات إلى حراسة دائمة.
ومن الغريب أن لا يتصور قاطنو الشقق أو الناظرون إليها، أنها أقيمت على أنقاض بناية وأرض مغتصبة..! من الجيد أن الجدار ما زال شاهدا..!
وهناك بناية ضخمة في شارع الملك جورج لعائلة طنّوس، يسيطر عليها المحتلون باسم "حارس أملاك الغائبين"، وهي مشغولة بمكاتب ومحال تجارية.


الجمعة، 11 أغسطس، 2017

سلاح عربي..!




عاد عبد القادر الحسيني قائد الجهاد المقدس، خائبا من لقائه باللجنة العسكرية لفلسطين التابعة لجامعة الدول العربية.
يتذكر عصام السلطي وكان عمره 17 عامًا: "..وبعد أن عاد عبد القادر الحسيني من رحلته لطلب الأسلحة من طه الهاشمي رافقت خالي رجائي وعبد القادر يوم 6-4-48 للقدس الشرقية بالسيارة البويك التي كان يقودها سامي الجوزي وقام بسؤاله ماذا فعلتم بدمشق فأجاب: بعت شباب يهموا شو في أسلحة بالبلد".
لا نعرف كم جمع الحسيني من أسلحة، فبعد يومين استشهد في معركة القسطل، ويقال بان ذلك تم بسلاح عربي..!

حبيبة الشيخ البرتقالي..!




أتأمل كثيرًا مستوطنة رامات راحيل، على تخوم القدس، وأتخيل كيف كان يتبادل احتلالها المقاومون العرب من جنسيات مختلفة والعصابات الصهيونية التي تمكنت في النهاية من السيطرة عليها، وفي الخمسينات أطلق جندي من معسكر مار الياس النار على مستوطنين فيها، خارقا وقف إطلاق النار، وقتل أربعة تبين لاحقا بأنهم من علماء الآثار، وتوصلت إلى الفدائي الذي يقترب من التسعين عاما الآن وسجلت حديثًا معه.

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

القطة التي اكتشفت أن الأسرى أكثر رحمة من السجانين/عيسى قراقع







(قط بئر السبع)، رواية جديدة للكاتب الصحفي أسامة العيسة، صادرة عن دار الهلال وتقع في 152 صفحة من القطع المتوسط، تبحر في عالم السجون والمعتقلات الإسرائيلية ومن خلال قطة لجأت إلى سجن بئر السبع لتعيش هناك بين الأسرى، تشاركهم همومهم وآلامهم وأحلامهم، تركت الصحراء القاسية وبراري الصيد بعد أن وجدت الرأفة والطمأنينة من قبل الأسرى المحشورين والمقيدين، تكون أكثر أمانا على ابراشهم وفي أحضانهم إلى درجة انها فضلت أن تنجب أبناءها في غرفة السجن لا في صحراء بئر السبع الواسعة.
القطة التي أطلق عليها الشقراء يعتني بها الأسير إبراهيم الصرعاوي والذي لُقب بسبب ذلك بإبراهيم البسة، كان يتحسس جسدها، يفهم نبرات صوتها وتقدير حركة ذيلها وإغماض عينيها وتحريك شاربيها، فتولدت ثقة بين القطة وإبراهيم، تاركة جسمها له، مرخية أذنيها لصوت الأسرى ولعاداتهم وتقاليدهم، لآلامهم ومعاناتهم، كان إبراهيم يطعمها بيديه، صديقته التي تشاركه الفراش، يمسد على فروها يخفيها في فترات العدد والمداهمات التي تقوم بها شرطة السجن، يتصيد لها العصافير، مستغربًا من هذه القطة التي فضلت السجن على البقاء في الصحراء ورائحة الرمل وقبلت بالحشر مع الآدميين المعتقلين.
القطة التي وجدت الحب من قبل الأسرى هربت من دولة إسرائيل التي حولت نفسها إلى معسكر كبير، مدجج بالسلاح، جففت الحياة، لا طيور ولا أفاعي ولا سحالي ولا حشرات في صحراء بئر السبع، بل سجون ومعسكرات ومفاعل نووي ومواد كيماوية سامة تدفن في الصحراء، أسلاك شائكة في كل مكان، دبابات ومجنزرات ومعسكرات تدريب وصوت رصاص في كل مكان، حتى السماء مسيجة، لا ماء ولا عشب ولا مكان للجري واللعب وممارسة المهارت.
القطة رأت بأم عينيها كيف دمرت البلدات الفلسطينية في بئر السبع، وهجر سكان عشرات القرى الفلسطينية من صحراء النقب والاستيلاء على أراضيها وتهجير 40 ألف من السكان البدو وتدمير 38 قرية والذي عرف ( بمشروع برافر) الإسرائيلي، فلم تبق نخلة تجلس تحتها القطة، ولا نبع ماء تشرب منه، فركضت خائفة جوعانة حتى وصلت السجن واجتازت الأسلاك الشائكة واندست في أجسام المعتقلين.
القطة وجدت ان الصحراء الجميلة أقامت فيها دولة الاحتلال سجونا ومعسكرات: النقب ونفحة وريمون وايشل وايلا وهولي كيدار وعسقلان، وأصبحت الصحراء مقابر للبشر، وكل ما حولها رعب وفزع، ثلاثة أسرى يسقطون في إضراب سجن نفحة خلال الإضراب عن الطعام، مداهمات وصوت قنابل في سجن النقب، سقوط الأسير محمد الأشقر محترقا بقنابل السجانين هنا ترتكب جرائم، رائحة موت صوت طائرات تقصف غزة، سيارات بوسطة حديدية تراها تتحرك ليل نهار تنقل فيها الأسرى، أصوات وجع وأنين لأسرى في الزنازين ومراكز التحقيق، أسرى مرضى ومصابين وجرحى، كل ما حولها رعب وجحيم.
القطة رأت أسرى مشبوحين تحت السياج، وشاهدت الكثير من المستوطنات التي أعدمت الحقول والمراعي والشجر، ورأت كيف تربى الكلاب المفترسة المتوحشة التي تلاحق الناس والفدائيين وتستخدم في مداهمة غرف وأقسام المعتقلين، كل ما حولها نباح مسعور لدولة تتأسس على الحديد والوحشية.
القطة لجأت إلى الأسرى لأن كل ما حولها حقول ألغام، وجثث مدفونة ومحتجزة في ما يسمى مقابر الأرقام، جدران وأسلاك مكهربة وحواجز عسكرية تمنعها من الوصول إلى الضفة الغربية والقدس، فقد تحولت إلى قنبلة موقوتة في دولة إسرائيل التي تكره الكائنات الحيّة، و تدوس على الخط الأخضر، لتمتد ابعد وابعد احتلالا واستيطانا وعدوانا.
القطة اكتشفت أن الأسرى أكثر رحمة وإنسانية من السجانين الذين لاحقوها وهاجموا غرف الأسرى لإلقاء القبض عليها وعلى أولادها، وهي التي عرفت أن هؤلاء الذين احتكروا دور الضحية تحولوا إلى جلادين، وأن دولة إسرائيل كما تقول القطة أصبحت دولة عنصرية تفرق في المعاملة بين سجين إسرائيلي وآخر فلسطيني، فالأسرى ممنوعين من كل شيء، من العلاج والطعام الجيد، من الكتب والصحف والزيارات، يتعرضون للقمع بكميات كبيرة من الغاز ومن فرق مدججة بالسلاح ، يتعرضون لمحاكمات جائرة وغير عادلة، للاهانات اليومية والإذلال والتعذيب.
القطة حفظت رواية إبراهيم الصرعاوي عن قريته صرعة الكنعانية المقامة فوق جبال القدس التي دمرت خلال نكبة 1948، واستولوا على أضرحتها ومقاماتها، وكيف أخفيت آثار القرى والناس بأشجار الصنوبر التي احترقت ذات يوم فخرج البشر من تحت التراب كالأشباح، فلم ينعم المستوطنون الجدد بمستوطناتهم بعد أن هاجمتهم أشباح الناس وعظامهم المتناثرة.
القطة عرفت كيف يصمد الأسرى عندما لا يستطيع السجن أن يسيطر على عالمهم الداخلي، فإبراهيم في زنزانته الانفرادية يعيد استكشاف ماضية منذ أن رحل من مخيم الدهيشة وعاد فدائيا مسلحا عبر الحدود ليشتبك مع الاحتلال ، ويستعيد علاقاته مع ناسه بالخارج، يتعرض للتعذيب القاسي وهو يقول: نحن هنا لأننا رفضنا أن نكون نكرات، أردنا أن نغير، أن نفكر خارج السائد، أن نقل لا للاحتلال، لا للظلم ، لا لقتلة الأطفال، مدمري المنازل وسارقي وطن الغير.
القطة وجدت أن الأسرى الفلسطينيين يعرفون أن استخدام القطط والعناية بها هو نوع من طقوس الاحترام لها والمستمدة من التراث ومن طقوس الفراعنة الذين رسموا إلهة الشمس برأس قطة حنونا وادعة، وقد سمعت إبراهيم الصرعاوي يقول: عندما اعتني بالقطة الشقراء أنا في الواقع أدافع عن البشرية المهدورة التي شوهها الاحتلال، ونحن لا نعرف ذواتنا إلا إذا عرفنا طبيعة علاقتنا بالقطط.
القطة التي أصبحت مراسلا للأسرى تنقل رسائلهم من غرفة إلى غرفة، وقد شاركتهم في الإضراب عن الطعام، وشاهدت كيف يستخدم قانون التغذية القسرية بحق الأسرى، وكيف يزج الأسرى في الزنازين وتمارس بحقهم العقوبات الكثيرة، وشاهدت سقوط أسير شهيدا خلال الإضراب ، اقتنعت أن إسرائيل التي تدعي أنها واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط ليست أكثر من دولة فاشية بعيدة عن السلام الذي أصبح كما قال لها إبراهيم: سلام الانحناء والاستسلام.
إدارة السجون قررت القبض على القطة التي أعطت حياة جديدة للمعتقلين، فشنت هجومًا على غرف الأسرى لأنها لا تحتمل هذا المواء الذي يكسر صمت السجن، ولا تحتمل هذا الحنين واللغة الخاصة بين الأسرى والقطة الجميلة الوديعة ، لا تحتمل أن تحمل قطة ذكريات وحكايات وروايات الأسرى وتصبح شاهدا طليقا في يوم من الأيام على ممارسات وجرائم المحتلين.
إدارة سجن بئر السبع تقرر إعدام القطة بعد إلقاء القبض عليها وبطريقة تمنعها من العودة إلى السجن بعد أن عادت أكثر من مرة، فتم إلقاءها إلى الكلاب المتوحشة المفترسة التابعة للسجن، والتي نهشت القطة ومزقتها، ليسمع الجميع مواء قطة على مصيرها المأساوي الذي لم تتوقعه عندما قررت العودة من الصحراء إلى سجن البني آدميين هذا.
لقد أعدمت الكلاب المتوحشة القطة أمام استمتاع الجلادين الذين لم يكن ينقصهم سوى جلود حيوانات، كان القط يصرخ والجلادون من حوله ينبحون.
قال الجلاد يوما لإبراهيم الصرعاوي: لو تعمل معنا شهرا تصبح متوحشا مثلنا. ‏