أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأربعاء، 31 أكتوبر، 2007

أراجيف أم حقائق عن هيكل سليمان؟

تحملت سلطة الآثار الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة، بصبر الهجوم القاسي الذي تعرضت له من قبل مجموعة من الاثاريين والأكاديميين والناشطين اليمينيين الإسرائيليين، بدعوى أنها تمنح الفلسطينيين غطاء لتدمير الآثار في الحرم القدسي الشريف، الذي يطلق عليه الإسرائيليون جبل الهيكل.ولكن هذه السلطة، التي اشرف مندوبون عنها على أعمال مد كابل كهربائي في الحرم، نفذته دائرة الأوقاف الإسلامية، خرجت عن صمتها إزاء الهجوم الذي تعرضت له ووصل المحاكم الإسرائيلية والكنيست، لتعلن، بأنها اكتشفت في الحرم القدسي الشريف لأول مرة قطعا أثرية يعود تأريخها إلى ما أطلقت عليه عهد الهيكل الأول المقدس لليهود الذي بناه الملك سليمان.وقالت سلطة الآثار الإسرائيلية، في بيان لا يخلو من الحماسة، بأنها اكتشفت هذه القطع الأثرية خلال إشرافها على أعمال للأوقاف الإسلامية في منطقة الحرم.ونشرت السلطة صورا لما كشفته، وهي عبارة عن حطام أوان فخارية، وبقايا عظام من القرن الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد.ورغم أن ما اعتبرته السلطة كشفا مهما، لا يعتبره غيرها كذلك، لان أنواع العظام والقطع الفخارية المكتشفة التي تحدثت عنها، تظهر مثلها كثيرا في الأراضي الفلسطينية، وحتى بدون أعمال حفر، إلا أنها أصرت على أن ما كشفته يمكن أن يساعد في ما قالت "على تحديد تخوم موقع الهيكل الأول".ولاحظ المتابعون فيما أعلنته سلطة الآثار، اعترافها، بان ما قالت انه اكتشافات تعود لفترة الهيكل الأول، يحدث لاول مرة، مما يسحب البساط عمليا، عن الدعاوى التي وقفت خلف عمليات الحفر التي بدأت منذ عام 1967 وما زالت مستمرة حتى الان تحت الحرم القدسي الشريف، وبجانبه وداخل البلدة القديمة، وآخرها قرار استئناف الحفريات قرب باب المغاربة التي فجرت غضبا عربيا وفلسطينيا لدى بدئها في شهر شباط (فبراير) الماضي، وفي كل هذه الحفريات، كان يتم ربط المكتشفات بالهيكل.وقالت السلطة، بان القطع الفخارية المكسرة والعظام التي أعلنت عنها، كشفت، في الركن الجنوبي الشرقي من الحرم.وأشارت السلطة، بان يوفال باروخ مسؤول الآثار في القدس، هو من تولى الإشراف على الكشف، وتحديد التاريخ الذي تعود إليه العظام والقطع الفخارية.وهو ما يعكس حرص باروخ، على أن يكون في الصورة، مذكرا بحالات كثيرة وضع علماء الآثار الإسرائيليون أنفسهم فيها، لتحقيق مجدا معينا، من خلال الإعلان عن اكتشافات تتعلق بالنظرة التوراتية لتاريخ فلسطين، وفي اغلب الأحيان، سرعان ما يتراجعوا عنها، أما لاكتشاف إقدامهم على تزوير القطع التي قالوا انهم اكتشفوها، أو لتصدي زملائهم لهم، بدافع الغيرة المهنية والتنافس في اغلب الأحيان، وسحب الغطاء عن مسوغات ما ذهبوا إليه.ومنذ بدء عمليات الحفر في باب المغاربة، ويوفال يحاول البقاء في صدارة المشهد، إلى درجة انه سبب حرجا كبير لإسرائيل، عندما نشر مداخلة مدافعا عن حفريات باب المغاربة اعترف فيها بالعثور على مسجد إسلامي، وهدمه.ولكن يوفال، وهو يدرك المزالق السابقة التي وقع فيها زملاء له واراد تجنبها، عرض القطع المكتشفة على طاقم ضم البروفيسور سي جيتن مدير معهد اولبرات للبحوث الأثرية في القدس، والبروفيسور إسرائيل فنكلشتاين من جامعة تل أبيب، والبروفيسور روني رايخ من جامعة حيفا.  وخلص هؤلاء، بعد دراسة القطع المكتشفة، بأنها بإمكانها تقديم معلومات والمساعدة في تحديد أبعاد وحدود الهيكل الأول واعماره.ولاقى هذا الإعلان استهجانا وصل حد السخرية من فريقين، على طرفي خلاف كبير، الأول الذي عبر عنه الشيخ إبراهيم صرصور، النائب الإسلامي في الكنيست الإسرائيلي الذي وصف ما أعلنت عنه سلطة الآثار بأنه أكاذيب وأراجيف وخاطب الإسرائيليين قائلا "كفوا عن الربط بين المسجد الأقصى والهيكل".أما الطرف الآخر الذي لم تعجبه النتائج التي توصل إليها يوفال وفريقه، فكان علماء الآثار الإسرائيليين المتعصبين الذين قادوا حملة ضد السماح للأوقاف الإسلامية بتنفيذ أعمال لتمديد الكابل الكهربائي.وبدأت حملة هؤلاء عندما باشرت الأوقاف الإسلامية بمد كابل رئيسي تحت الأرض، بدلا من السابق التالف، لتزويد المسجد الأقصى، والمسجد المرواني، وقبة الصخرة، ومنشات أخرى مثل المتحف الإسلامي، بالكهرباء، وجرت الحفريات على طول 500 متر، ومول المشروع الحكومة الأردنية بمبلغ يصل نحو 200 ألف دينار أردني.ويعتقد بان السلطات الإسرائيلية، سمحت بعمليات مد الكابل الكهربائي، وإجراء ترميمات أخرى، لعدم إغضاب الحكومة الأردنية التي اتخذت قرارا بتمويل المشروع، بناء على طلب دائرة الأوقاف الإسلامية.وما أن بدأت دائرة الأوقاف الإسلامية عملها، حتى انطلقت أصوات علماء آثار إسرائيليين، تطالب السلطات الإسرائيلية بمنع العمل، لانه يجري في منطقة هي الأقدس بالنسبة لليهود، وبان العمل في المكان سيدمر هذه الآثار.وظهر في الصورة عالم الآثار الإسرائيلي غابي باركاي من جامعة بار ايلان، والمعروف بتشدده، قائلا بان ما تفعله دائرة الأوقاف الإسلامية يدمر آثارا في غاية الأهمية بالنسبة للشعب اليهودي.وشن باركاري، حملة إعلامية واسعة، والقى بقنبلة إعلامية عندما أعلن للتلفزيون الإسرائيلي، بان الحفريات كشفت عن جدار سميك طوله سبعة أمتار يعتقد انه جزء من الهيكل الثاني المفترض الذي دمر عام 70 م.وباركاري هو نفسه من أثار ضجة قبل عامين، عندما أعلن عن عثوره على ختم قال انه يعود للفترة اليهودية في فلسطين، في النفايات التي تم إخراجها من المسجد المرواني داخل الحرم القدسي الشريف، الذي جرت عمليات ترميم واسعة له.وساندت (لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل)، باركاري، وطالبت بالوقف الفوري للأعمال داخل الحرم القدسي الشريف، وتضم هذه اللجنة عددا من ابرز علماء الآثار والأكاديميين في إسرائيل مثل الدكتورة ايلات مزار، التي تقود الحفريات التي تجري الان في بلدة سلوان، جنوب الحرم، باعتبارها وفقا لمزار، مدينة الملك داود.وكانت مزار شاركت مع جدها في الحفريات الواسعة التي تمت جنوب الحرم، بعد الاحتلال في حزيران (يونيو) 1967.وأثارت مزار قبل فترة ضجة حول مقبرة باب الرحمة الإسلامية المجاورة لسور الحرم، عندما أرادت دائرة الأوقاف إضافة قبور جديدة لها، وتمكنت مع لجنتها من وقف مشروع الأوقاف الإسلامية بإضافة قبور إسلامية جديدة، بدعوى أن ذلك يؤدي إلى تدمير آثار الهيكل المفترض.وأخذت القضية منحى أوسع، عندما وجه عدد من علماء الآثار، وشخصيات إسرائيلية عامة، من بينها الكاتب الشهير أ - ب يهوشوع، ورئيسا جهاز الموساد سابقا تسفي زامير، ويتسحاق حوفي، رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت طالبوه فيها بوقف "عملية تدمير الآثار في جبل الهيكل".وجاء في الرسالة أن الحفريات التي تقوم بها دائرة الأوقاف الإسلامية، لتمديد كابل كهربائي في الحرم القدسي "تعد جريمة خطيرة من ناحية علم الآثار وتسبب أضرارا لا يمكن إصلاحها".وخطت (لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل)، خطوة أخرى في نضالها لوقف العمل داخل الحرم، ورفعت التماسا إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، طالبت فيه بوقف العمل فورا داخل الحرم.وقالت اللجنة أن حفر خندق بطول 500 مترا وعمق متر ونصف يتسبب " في ضرر لا رجعة عنه بالنسبة لآثار ذات أهمية قصوى، وينفذ بصورة غير قانونية، من دون الحصول على الاذونات المطلوبة".وأشارت اللجنة، في التماسها، بان نحو 400 طن من الأتربة أزيلت خلال عمليات الحفر، وهي من طبقات أثرية متعددة شهدها المكان، وبان استخدام الآليات الثقيلة مثل الجرافات في أعمال الحفر، سيؤدي إلى تدمير الآثار.   وتضامنت صحيفة الجيروسالم بوست الإسرائيلية، مع المحتجين، وقالت بان دائرة الأوقاف تمنع التغطية الإعلامية لما يحدث.وتجاهلت سلطة الآثار الإسرائيلية، التي تشرف على الحفريات، الضجة، ورفض متحدث باسمها التعليق قائلا بان التوجيهات التي تلقاها من مسؤوليه تقضي بعدم الرد "على أي معلومات عن منطقة جبل الهيكل، نظرا إلى حساسية هذا المكان".ورغم التأييد الواسع الذي تلقته (لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل)، من قبل علماء آثار وشخصيات أكاديمية وعامة، إلا أن أحد الأثاريين الذي عملوا في الحفريات في المنطقة بعد الاحتلال، شكك في ما أعلنه الدكتور باركاي، عن اكتشاف آثار تعود للهيكل.وقال عالم الآثار الإسرائيلي دان باهات، بأنه ذهب شخصيا إلى حيث تجري الحفريات الجديدة لمد الكابل الكهربائي، ولم يجد شيئا مما أعلن، وقال "لو تم التوصل إلى اكتشاف كبير، لتدخلت سلطة الآثار التي لديها مراقب في المكان والشرطة التي تراقب المنطقة أيضا".واتهم باهات من اسماهم "علماء آثار ذوي ميول قومية متشددة" بأنهم "ينفذون حملة منظمة منذ سنوات بوحي سياسي من أجل تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى".ورد الشيخ عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية، على الحملة الإسرائيلية، قائلا بأنه تم التأكد قبل البدء في الحفريات من عدم وجود آثار في المنطقة التي يجري الحفر فيها، وان الحملة الإسرائيلية لها أهداف أخرى غير الحرص على الآثار.وتحاول دائرة الأوقاف الإسلامية، انتهاز أية فرصة تسنح لها لإجراء ترميم في الحرم القدسي، لان الحصول على اذونات إسرائيلية للقيام بذلك أمر يكتنفه الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، وتنطلق هذه الدائرة من أهمية الحفاظ على المكان عربيا إسلاميا، في ظل مخاطر التهويد التي تهدده.ولكن (لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل)، لم تقبل بالرد الرسمي الإسرائيلي، فلجأت إلى محكمة العدل العليا، وقدمت التماسا، ضد أعمال مد الكابل الكهربائي في الحرم القدسي الشريف، وقدمت حركة أمناء جبل الهيكل المتطرفة التماسا آخر أيضا للمحكمة، وقال ممثلو الحكومة الإسرائيلية للمحكمة بان أعمال الترميم تجري تحت مراقبة سلطة الآثار وأنها لا تلحق أضرارا بالآثار التاريخية.واصدر قضاة المحكمة قرارا، أمهل الملتمسين واحدا وعشرين يوما لتقديم رأي خبراء اثاريين بشان الأضرار التي قالوا بأنها نجمت عن أعمال الحفر.وقبل أن تلتئم المحكمة في جلسة جديدة، جاء إعلان سلطة الآثار الإسرائيلية المدوي الذي أراد أن يقول أيضا بان السلطة لم تكن مغفلة أو نائمة أو متواطئة مع الأوقاف الإسلامية في أثناء مد الكابل الكهربائي، وبان مشرفيها كانوا يقظين، فجلبوا معهم القطع الأثرية المكتشفة، وليتم الإعلان على أن ما كشفته سلطة الآثار من اثار تعود للهيكل الأول يجري لأول مرة، وبانها نجحت فيما فشل فيه الآخرون منذ عام 1967.ولكن علماء الآثار الذين تزعموا الحملة ضد سلطة الآثار وسماحها بالحفريات، شككوا في ما أعلنته سلطة الآثار، وقالت الدكتور ايلات مزار "غطت سلطة الآثار على عملية تدمير الآثار في جبل الهيكل التي نفذتها الأوقاف الإسلامية، والان يعرضون نتائج هذا التدمير، لكي يبرئوا أنفسهم من وزر التدمير".ووصفت مزار إعلان سلطة الآثار الإسرائيلية، بأنها قنبلة من الدخان لتغطية تدمير الآثار في الموقع الذي تسيطر عليه أمنيا السلطات الإسرائيلية، وتديره دينيا دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للحكومة الأردنية.ورغم إعلانها الذي أرادت فيه سلطة الآثار الإسرائيلية إثبات وجودها، إلا أن ذلك لم يمنع لجنة مراقبة الدولة الإسرائيلية، التابعة للكنيست، من المصادقة على قرار بإخضاع جميع أعمال الترميمات والصيانة والحفريات داخل الحرم القدسي الشريف،  لمكتب مراقب الدولة الإسرائيلية،  وعدم ترك الموضوع تحت إشراف سلطة الآثار الإسرائيلية لوحدها.وعقدت اللجنة جلستها، بناء على طلب لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل، وطالب أعضاء اللجنة اليهود،  أثناء الجلسة،  بان لا تبقى أعمال الحفريات والصيانة داخل الحرم القدسي خاضعة لسلطة الآثار الإسرائيلية فقط،  وانما لمراقبة ومتابعة مكتب مراقب الدولة الإسرائيلية أيضاً، متهمين سلطة الآثار بأنها مقصرة، وان أعمال الحفريات التي تنفذها الأوقاف الإسلامية، تؤدي إلى تدمير وهدم آثار الهيكل.واعترض عضوا اللجنة النائب الإسلامي عباس زكور،  والشيوعي الدكتور حنا سويد،  بشدة على مصادقة لجنة مراقبة الدولة الإسرائيلية، على القرار.وحاول زفولون أورليف،  رئيس لجنة مراقبة الدولة الإسرائيلية البرلمانية التخلص من زكور وسويد من الجلسة عندما طلب منهما الخروج من الجلسة وعدم التصويت على قرارها،  بحجة انهما ليسا عضوين فيها،  آلا أن زكور أكد له انه يحضر الجلسة نيابة عن زميله من نفس القائمة طلب الصانع، أما سويد فوبخ رئيس اللجنة أورليف، لانه لا يعرف حتى اليوم أن سويد عضوا في اللجنة.وقال زكور خلال الاجتماع بان "الحرم القدسي الشريف بكل ما فيه هو ملك خالص للمسلمين،  ولا يحق لأي جسم إسرائيلي التدخل في شؤونه، وان الأوقاف الإسلامية هي صاحبة الشرعية والصلاحية المطلقة في كل ما يتعلق بالأقصى المبارك".وندد زكور باستمرار أعمال الحفريات في باب المغاربة، وقال بان إسرائيل تتخلص من الآثار الإسلامية هناك، والتي صورها ووثقها بشكل شخصي عندما كشف للعالم عن وجود قنطرتين إسلاميتين ومحراب للصلاة في مكان الحفريات.

وما زالت الأحداث تتوالى، في ملحمة لا يتوقع أن تنته قريبا، تلهب عقول ومشاعر ملايين البشر، منذ قرون وتشعل الحروب، وتختلط فيها الحقوق المشروعة، بتلك المختلقة، والسياسة بالدين، والقوة بالغطرسة، والطموحات الفردية بالدعاوى القومية.  



http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issue=10564&article=443585

الأحد، 28 أكتوبر، 2007

لغز مومياء راهب روماني

في صحراء البحر الميت، توجد ما يعتبره قسم كبير من المؤمنين المسيحيين الأرثوذكس، أسطورة حية، تعني لهم الكثير. والحديث عن مومياء لاحد الرهبان الذي تنسك في هذه الصحراء، ورغم وفاته عام 1960، إلا أن جثته لم تتحلل، ويمكن رؤيتها في صندوق زجاجي يعرض في دير وادي القلط، أحد اشهر الأديرة الأرثوذكسية في صحراء البحر الميت. ويحمل الراهب اسم حنا الروماني، نسبة إلى بلده رومانيا التي ولد فيها عام 1913، ودخل في خدمة الكهنوت عام 1935، متنقلا بين اليونان، ومصر، وفلسطين وشرق الأردن. وعاش متنسكا في عدة أديرة في فلسطين، مثل دير مار سابا الذي شهد اولى الترجمات العربية للأناجيل، ودير حجلة، شرق أريحا، واستقر أخيرا في أحد كهوف وادي القلط، الذي تحيط به الجبال العالية، ويشكل موئلا مهما للطيور الجارحة. واعاد حنا الروماني، تأهيل الكهف، الذي يبدو معلقا في الجانب الشمالي لوادي القلط، ويطلق عليه الان (دير البنات) ويوجد فيه بقايا فسيفساء بيزنطية، والنزول إليه يكتنفه خطورة السقوط في الوادي السحيق.

ومن الفترات الحرجة في حياة حنا الروماني، اعتقاله من قبل الانتداب الإنكليزي على فلسطين، بتهمة العمل لصالح العرب في الصراع الذي كان محتدما بينهم وبين الحركة الصهيونية التي سعت لإنشاء دولة إسرائيل، ويحيط الغموض هذه الفترة من حياة حنا الروماني. وخلال السنوات الأخيرة من حياته، وبعد إطلاق سراحه من السجن، انتقل حنا الروماني من دير البنات، إلى كهف آخر يقع أعلى دير وادي القلط، حيث عاش فيه متنسكا منقطعا عن الحياة، وحتى عن رهبان الدير، الذين كانوا يضعون له الطعام في سلة، يسحبها بالحبل إلى مكانه في الكهف.

ولم ينزل حنا الروماني من كهفه، إلا بعد أن افتقده الرهبان، ولم يعد يرفع السلة التي يضعون له فيها الطعام، وعندما فحصوا الأمر تبين انه توفي، وكان ذلك عام 1960.وتم نقل جثمان الروماني إلى حيث قضى سنوات من عمره في دير البنات، وبعد عشرين عاما، في عام 1980، فتح الرهبان قبره، ففوجئوا بعدم تحلل الجثة، واحتفاظها بصلابتها.

واعلن عن حنا الروماني كقديس، بعد إجراءات، عادة ما تتخذها الكنيسة الأرثوذكسية، ونقل الجثمان إلى كنيسة القديس يوحنا في دير القلط، حيث يعرض أمام الزوار والمؤمنين.ولوحظ أن بعض الزوار، الذي يؤمنون بان ما حدث لحنا الروماني، هو أعجوبة ربانية، ينزعون شعرات من لحيته، ياخذونها معهم تبركا، وهو ما جعل رهبان الدير يحيطون المومياء بصندوق زجاجي، ويغطونها برداء.

ويروي رهبان الدير الكثير عن تصرفات الزوار وافتنانهم بمومياء حنا الروماني، ولديهم الكثير من القصص التي يعتقد أصحابها، بان تحولا في الاتجاه الإيجابي حدث لهم، ببركة القدس الروماني.

ولكن أيضا هناك من لا يرى في قصة حنا الروماني، أية قداسة، وينقسم هؤلاء إلى قسمين، الأول من اتباع الكنائس غير الأرثوذكسية، ويتخذون موقفهم هذا لأسباب طائفية على الأغلب، أما القسم الثاني فهم الذي يعزون عدم تحلل جثة حنا الروماني، إلى أسباب علمية، وليس لأسباب دينية أو ما يعتبرونها غيبية.

ويحفز موقف القسم الأول، نزعات طائفية وقومية بين بعض المهتمين بحنا الروماني من الأرثوذكس، خصوصا من الرهبان اليونان والرومان، الذين يعيشون في دير القلط، ومن الزوار والزائرات من هاتين الدولتين الذين يأتون إلى دير القط، مدفوعين بشغف لزيارة مومياء حنا الروماني.
وشكلت سيرة حنا الروماني، حافزا، من ضمن عوامل أخرى، للكنيسة في رومانيا، إلى بناء دير يضم كنيستين على الأقل، ومساكن للراهبات، تابعة لها في مدينة أريحا الفلسطينية.

ورغم أن العمل في المبنى لم ينته إلا انه يعتبر مأثرة عمرانية، متميزة بالأيقونات المستوحاة من العهد البيزنطي، وتذهب الراهبات بانتظام من هذا الدير، إلى دير القط، الذي لا يبعد كثيرا عن مكان إقامتهن، لزيارة مومياء حنا الروماني، وفي مرات كثيرة يبتن، في مكان مخصص لنزل الراهبات في دير القلط الصحراوي. ولم تخف إحدى الراهبات الرومانيات التي تحدثت لمراسلنا، اعتزازها بحنا الروماني، الذي وضعت عنه مؤلفات عديدة بالرومانية واليونانية، ولغات أخرى، وتعصبها لارثوذكسيتها.

وردا على وجهة النظر التي لا تؤمن بقدسية حنا الروماني لاسباب علمية، يقول يعقوب الأطرش وهو مسيحي فلسطيني يعمل في دير القط "لو افترضنا ان وجود جثة حنا الروماني في قبر، تساوت فيه نسبة الرطوبة مع الحرارة، فأدى إلى منع تحلله، فماذا نقول بعد أن تم نقل الجثمان إلى حيث يوجد الان في قاعة مفتوحة ومعرضة للهواء والشمس والحرارة؟". وما بين المتحمسين، والمشككين، يثير جثمان حنا الروماني، الراهب الذي عشق صحراء البحر الميت، وترك بلاده ليعيش ويدفن في كهوفها، الفضول والاهتمام.

http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2007/10/275184.htm

الأربعاء، 24 أكتوبر، 2007

الخاتم الذي حير الإسرائيليين يعود لأميرة فينيقية



فجّرت الباحثة الهولندية مارغو كوربيل، اخيراً، مفاجأة تتعلق بخاتم من العقيق، يعرض في متحف إسرائيل منذ اربعين عاماً، دون أن ينجح الآثاريون الإسرائيليون المولعون، عادة بإحالة القطع الأثرية إلى التاريخ التوراتي، في تحديد هويته. وهذا الخاتم الذي يعتبر من أكثر قطع المتحف بهرجة ولفتاً للأنظار، أصبح منذ أسبوعين، وبسبب نظرية كوربيل، مدار نقاش في الأوساط الأثرية الإسرائيلية، والجهات المهتمة بالدراسات الكتابية في أماكن مختلفة من العالم، ولا يزال هذا الجدال حوله على أشده.


حسب الباحثة الهولندية مارغو كوربيل، فإن خاتم العقيق المعروض في متحف إسرائيل منذ أربعة عقود، يعود لشخصية فينيقية - وثنية، من أقوى الشخصيات النسائية المذكورة في التوراة، وهي ايزابل ابنة اثبعل ملك الصيدونيين (صيدا) التي تزوجها -وفقا لميثولوجيا الكتاب المقدس - اخاب ملك السامرة الإسرائيلي، وخاض حروبا شريرة، بتحريض منها، حيث يقول سفر الملوك "اخاب الذي باع نفسه لعمل الشر في عيني الرب الذي أغوته ايزابل امرأته".


واخاب بدأ حكمه نحو عام 875 ق.م، وتزوج الأميرة الفينيقية إيزابل ابنة ملك صيدون، رغم أنها وثنية تعبد الإله بعل، وهو ما استتبع غضبا ربانيا عليه، وفقا للعهد القديم.


ويقدم محررو الكتاب المقدس ايزابل على انها امرأة قوية وعنيدة، جعلت الملك الإسرائيلي ينقاد خلفها ويعبد بعل، مما اثار غضب الرب، الذي أرسل النبي إيليا إلى اخاب، لينبئه بقدوم قحط عقابا على خطيئته، واستمر القحط ثلاث سنوات.


ونجح إيليا، بتحدي اخاب وايزابل، وانتصر على "أنبياء الأوثان" عبدة بعل الذين جمعهم على جبل الكرمل، حيث أرسل الرب، وفقا للعهد القديم، نارا التهمت الذبيحة. وأمام هذا التدخل الإلهي، اختار الشعب عبادة الرب وقتل أنبياء بعل. وقد تنبأ إيليا لأخاب بمجيء المطر، الذي نزل بغزارة منهيا سنوات القحط، ولكن اخاب وزوجته لم يتعظا.


وتقدم ايزابل التي كان مصيرها القتل، مثل زوجها، كامرأة قوية وشريرة، تقف وراء تحريض زوجها وإغوائه لارتكاب أي شيء من اجل توسيع مملكته. وهي صورة قد لا تخلو من شبهة تصفية حسابات مع حضارة ثرية وعميقة الجذور كالفينيقية.


وقبل سنوات، اكتشف الاثاريون في مدينة سبسطية الفلسطينية، شمال الضفة الغربية، ألواحا من العاج، يعتقد انها من بقايا قصر العاج الذي يقول الاسرائيليون بانه لاخاب، ويدل على المستوى العمراني الذي وصل له "اجدادهم" انذاك، ولكن يحلو لآثاريين آخرين، نسبته للملك الفينيقي الذي بناه لابنته ايزابل وزوجها اخاب. وهما الشخصيتان اللتان تعودان إلى دائرة الاهتمام الآن، بسبب نظرية الباحثة الهولندية حول الخاتم.


وأول من عثر على الخاتم، عالم الآثار الإسرائيلي ناحمان افجاد، الذي اشتراه من تجار الآثار، ولكنه لم تكن لديه الثقة في نسبته للملكة ايزابل، وان كان حدد تاريخه بأنه يعود لمنطقة السامرة في القرن التاسع قبل الميلاد. وكتب متسائلا "هل يعود الخاتم لزوجة اخاب؟"، ويجهل افجاد مكان أو كيفية العثور على الخاتم، وهو ما يشكل عادة عائقا لتحديد هويته.


وتعتبر كوربيل، من المتخصصات في البحوث الكتابية، وتقول بان الخاتم مدار الحديث، هو ذو حجم غير عادي، ويتميز برموزه، وشكله، والفترة الزمنية التي يعود إليها. وتقول، بأنها من خلال دراستها للخاتم، والرموز الموجودة عليه، ومقارنة ذلك بقصة ايزابل التوراتية، فان الأمر المنطقي، بالنسبة لها، ان الخاتم يعود للأميرة الفينيقية.


وقال د. هاجي ميسجي من الجامعة العبرية، تعقيبا على ما ذهبت إليه الباحثة الهولندية، بأنه يعتقد بوجود الكثير من القطع لدى سلطة الآثار الإسرائيلية ومتحف إسرائيل لم تدرس بما فيه الكفاية بعد، مشيرا إلى أن ما ذهبت إليه الباحثة الهولندية يحتاج في المستقبل إلى فحص اكثر شمولا.


أما عالم الآثار الفلسطيني د. إبراهيم الفني الذي شارك في التنقيبات التي جرت في سبسطية فقال ان "أي قطعة أثرية لم يتم العثور عليها في حفرية علمية، لا تكتسب أية شرعية، ولا يستبعد أن تكون مزورة".


واضاف لـ"الشرق الأوسط "أي قطعة أثرية تستخرج من حفرية أثرية، يجب أن تسجل وتعطى رقما، وأي شيء يشترى أو يعثر عليه في السوق غير الشرعية، يفتقد بالنسبة لنا كآثاريين، لأية قيمة". واشار الفني بأنه خلال الحفريات التي جرت في سبسطية عامي 1964 - 1965، تم العثور على ما يسميه "نجمة داريوس" وهي عبارة عن شعار الملك الفارسي داريوس، الذي حارب الاسكندر عام 331 قبل الميلاد، وكان يضعها كدبوس على صدره، ولكنه لا يذكر شيئا عن هذا الخاتم مدار الحديث، مشيرا بانه قد يكون عثر عليه في مكان آخر غير سبسطية.


وكانت القطع الأثرية التي يتم العثور عليها توضع في المتحف الفلسطيني بالقدس، الذي سيطرت عليه وما زالت السلطات الإسرائيلية، بعد حرب 1967، واسمته "متحف روكفلر"، ونقلت القطع النفيسة فيه إلى متحف إسرائيل ومتاحف أخرى، ويرجح الفني ان يكون هذا الخاتم من بينها.


ولا يحمل الفني كثيرا من الاحترام لزملائه الإسرائيليين الذين يقول بأنهم لا يتورعون عن الكذب والتزوير لإثبات معتقداتهم الدينية والسياسية. ومنذ تقديم روايتها عن الخاتم، تواجه كوربيل، أسئلة وتعليقات وسائل الاعلام في بلدها، إلى درجة أنها تقول، بان أي رنين للهاتف اصبح يعني لها انه لامر متعلق بنظريتها عن الخاتم، حيث ان أسئلة المهتمين والفضوليين تحاصرها حتى عندما تذهب للتسوق. وقد يثير هذا الاهتمام الواسع بقطعة أثرية الاستغراب، ولكن قد يكون سبب الاهتمام، هو شغف الجمهور بكل ما يتعلق بالتاريخ القديم وخصوصا قصص الكتاب المقدس. وتقول الباحثة الهولندية، بما يشبه الاعتراف، بأنه قد لا تكون هناك طريقة لإثبات نسبة الخاتم لايزابل، من الناحية النظرية، ولكنها مقتنعة بشكل شخصي بان الخاتم يعود للأميرة الفينيقية بنسبة 99%.


وانتقل النقاش الآن حول الخاتم بشكل واسع إلى المواقع الإلكترونية والصحف الإسرائيلية، التي حصل بعضها على تصريحات خاصة من كوربيل، حول الخاتم الذي ظل مهملا لمدة أربعين عاما في "متحف إسرائيل"، حتى أتت لتقول انه يخص تلك الأميرة الفينيقية التي لعنتها التوراة يوما ما.


http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=19&issue=10557&article=442609