أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الاثنين، 21 مارس، 2016

دوستويفسكي في القُدّس..!


تخبرنا آنا غريغوريتغا زوجة فيودور دوستويفسكي (1821 ـــ 1881)،‏ الكثير عن حالات اليأس والقنوط التي مر بها عظيم روائي العالم.
تذكر في مذكراتها، التي ترجمها للعربية خيري الضامن، بأنه اخبرها: "انه مقدم على اختيار أحد طرق ثلاثة، فإما الرحيل إلى القُدّس ليقيم مع الطائفة الأرثوذكسية هناك وربما لآخر العمر، وإمّا الهجرة إلى أوروبا ليغرق في القمار الذي أولع به، وإمّا الزواج للمرة الثانية لعلع يجد السعادة والفرحة في أحضان العائلة. وكانت كفة القُدّس هي الراجحة من حيث جدية نوايا دوستويفسكي، فقد عثرت بين أوراقه فيما بعد على رسالة مؤرخة في 3-6-1863 من رئيس اتحاد الأدباء الروس آنذاك إلى القنصل الروسي في القسطنطينية لتسهيل أمر رحيله، وسألني في هذا الخيار الذي كان سيغير مجرى حياته الفاشلة تغييرا جذريا".
احتارت السيدة آنا في الجواب، وليتها لم تتحير، عندما بدا لها إن: "نيته في الحيل إلى القُدّس العثمانية أو إلى كازينوهات أوروبا غامضة وخيالية، ولعلمي بوجود عوائل سعيدة بين معارفي وأقربائي نصحته ان يبحث عن أمنيته المنشودة في الأسرة".
يا لها من نصيحة بريئة..! يا لعلمنا عندما نعرف "العوائل" السعيدة، من غير السعيدة..!
دوستوفيسكي، كما هو متوقع منه علق على نصيحتها بسؤال يبدو فلسفيا:
*وهل تتصورين بان امرأة ستقبلني زوجا؟ وأية امرأة أختار؟ راجحة العقل أم طيبة القلب؟
وكما هو متوقع أيضا من امرأة مثل آنا أجابته، وكأنها توافقه على التقسيم الحاد للنساء، برؤية ذكورية:
*راجحة العقل طبعا، كي تناسبك.
ولا شك انها تقصد أن كاتبنا العظيم يحتاج إلى امرأة مثلها، وربما لم تتوقع رده:
*كلا أفضل امرأة طيبة القلب تشفق علي وتحبني.
وفيما بعد تزوج آنا، التي كتبت لنا هذه الكلمات، ربما لتظهر لنا دورها الإنقاذي لدويستوفسكي الفاشل المحبط.
ماذا لو لم يستجب عظيم الكُتّاب، لإغراء الطيبة والشفقة ورجاحة عقل امرأة، وجاء إلى القُدّس؟ أية قُدّس كان سيكتبها؟
بماذا كانت قُدسه ستختلف عن قُدّس كازنتزاكي المولع بشعب التوراة، ومارك توين الساخر من كل شعوب الكتب المقدسة وغير المقدسة، والذي ظُلم، عربيا وفلسطينيا، بسبب الثقافة السمعية، عن كتابه (الأبرياء في الخارج).
لوّ وصل دوستويفسكي القُدّس، لعله كان سيقطن مؤقتا في المسكوبية، ويتنقل في أديرة صحراوية، ويقيم بجانب نهر الأردن، ويستقر أخيرًا على جبل الزيتون..!
أية ملاحم كان سيخطها قلمه عن المدينة المؤسطرة..؟!
كيف كان سيؤسطر.. المؤسطر..؟!

أية قُدّس كنا سنعرف..؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق