أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

بين جبرا والعيسة/ يوسف أبو طاعة


 

بين جبرا إبراهيم جبرا، ابن بيت لحم، وأسامة العيسة، ابن مخيَّم الدهيشة، مسافة جغرافية قصيرة، لكنَّها مسافة طويلة في الذاكرة.

جبرا خرج من بيت لحم إلى العالم، وحمل مدينته معه في اللغة، وظل يبحث، في المنفى، عن فلسطين التي ابتعدت عنه كلما اتسعت المدن.

أمَّا العيسة، فجاء من المخيم، من المكان الذي لم يكن منفى عابرًا، بل صار وطنًا مؤقتًا لأناس اقتُلعوا من أوطانهم.

كلاهما كتب عن راحيل التي لم تغادر قُبتها، وكلاهما كتب عن وليد مات بعد يومين، ليصبح (بنيامين).

وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات قسوة:

أن لا يُكتفى بمصادرة المكان، بل يُعاد ترتيب الذاكرة أيضًا؛ تُعاد تسمية الموتى، ويُعاد تفسير الحكايات، حتى يبدو صاحب المكان غريبًا في حكايته.

في عمله الجميل (بهمش) يتحدَّث العيسة عن الناس والأماكن، ويمرّ على متحف مغدور.

ولعل هذا ما يجعل كتابة العيسة لذيذة، رغم قسوة موضوعها؛ فهو لا يقدم التاريخ بوصفه سجلًا جافًا، بل يعيده إلينا كحكاية لها رائحة المكان، وملمس الحجر، وخوف الأحياء، وارتباك الموتى.

قرأته، فوجدتني أعود إلى أماكن أعرفها، وإلى أشياء ظننت أنني نسيتها.

شكرًا أسامة، فقد ذكّرتني وذكرت المتحف بحب.

#يوسف_أبو_طاعة #جبرا_إبراهيم_جبرا #بهمش #المؤسسة_العربية_للدراسات_والنشر #أسامة_العيسة


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

على رصيف مدينة!



 


في سنوات المدرسة الابتداية، لم يكن من النادر، التدلي إلى بيت ساحور، أو نتنندل إلى قاعة النادي الأرثوذكسيّ العربيّ، لحضور محاضرات وندوات. منها، محاضرة لأكاديميِّ شاب اسمه جورج رشماوي، درس في الجامعة الأردنيَّة وتخرَّج فيها عام 1973، عن كتاب بعنوان صادم: نقد الفكر الدينيّ، لمفكرٍ صادم هو صادق جلال العظم الذي سيكتب ثلاثية نقدية، على الأقل، هي بالاضافة لنقد الفكر الدينيّ، النقد الذاني بعد الهزيمة، ونقد المقاومة الفلسطينيَّة. سيصدمنا عندما لم يعتبر الثورة الفلسطينيَّة ثورة، وإنما مقاومة، وتتبع بدأب التناقضات في تصريحات قادتها. وخمَّن، وصدقناه، إلى أين يقودون التضحيات.

أذكر أنَّ الدكتور رشماوي، ذكر شيئًا عن تدريس العظم في الجامعة الأردنيَّة، والاستغناء عن خدماته. أفادني أنَّ المسالة تعلَّقت بمعادلة شهادة الثانوية التي حصل عليها العظم. يبدو أنَّ إدارة الجامعة وجدتها حجَّة للتخلص من أستاذ صادم. هل الشهادة، أيَّة شهادة، ضرورية ليدرِّس عالم في الجامعة؟ لم لا يحقق صحفي مهتم بواقعة قديمة؟

ظلت محاضرة رشماوي حاضرة لدي، رغم نسياني ذكريات كثيرة عن تلك المحاضرات التي تتندلت إليها، وارتبطت ببحثٍ دؤوب عن هوية ثقافية، مرتبطة بالتحرَّر. هكذا كانت الندوات التي تحفر وتعلِّم في بيت ساحور، ومكتبات بلديات البيرة، ورام الله، ونابلس، وجامعة بير زيت، وجامعة بيت لحم، وغيرها.

يمكن التمعن في مرحلة النهوض تلك، وحال الفعاليات الثقافية، ما بعد أوسلو، فلا نجد ندوة أنتجت أدباءً أو رؤى جمالية وإبداعية، في مناخ يغلب عليه المهرجانية، وتصبح مشاركة أحدهم أو إحداهن بكلمة، في فعالية، مثار فخر عائلي لولد الولد. ونشر صور المثقفين مع وزير أو رئيس تجسيدًا لدونية المثقف اللاهج بالحمد.

لم أعرف ماذا حلّ برشماوي، حتى التقيته، في مفاجأة كبيرة، في مناقشة روايتي جسر على نهر الأردن الصادرة عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، وتقديمه مداخلة نقدية. كان اللقاء معه واهتمامه، بعد ثلاثة أو أربعة عقود مثار اهتمامي. بالطبع لم يكن ليتذكر، ولدًا حضر محاضرته ذات مساء رطب في مدينة حالمة، أكثر من اللازم.

يقيم رشماوي في أميركا، ويقضي جزءًا من الصيف في البلاد. يمكن للأكاديميِّ أن يكون مثقف رصيفي مثلي. على الرضيف دردشنا في مواضيع عديدة. أخبرني رشماوي عن منهجه في القراءة، حيث يخصِّص عدَّة أشهر قراءة لموضوع حديد. أؤيد هذا النوع من القراءة الممنهجة، وآخر منهجيته ما يتعلَّق بالنساك ىبرية القدس. سألته عن اللاهوتي الفلسطينيّ أبو قورة، تلميذ يوحنا الدمشقيّ الذي أقام في دير مار سابا، وتطرقنا إلى أهمية المخططوات المتعلقة بأبو قورة وغيره من لاهوتيين فلسطينيِّين في دير سانت كاترين. قال إن اليونان المتحكمين بالبطريركية والأديرة، يرفضون تطويب أبو قورة، لأنه كتب بالعربيَّة. طوَّحنا إلى المدن الميتة المنسية في شمال شرق سوريا، وكنيسة سمعان العمودي، وجميعها مصدر نهضة معمارية في أوروبا العنصرية.

استفسرته عن صحة كتابة ميلفل قصيدة من نحو 5000 بيت عن مار سابا، ومثلها عن بيت لحم.

عندما أنهيت، مرَّة كتابًا عن حياة ميلفل من إصدار مؤسسة فرانكلين الدعائية الإمبريالية، حزنت لأن "البحَّار الصغير"، لم يعش ليشهد سطوعه الثقافيّ. أكَّد رشماوي المتخصص في أدب صاحب موبي ديك ذلك. أعرف قدرتنا على إهدار الكثير من آليات القوَّة الناعمة.

أتفق وصديقي على الزهو بتراثنا، ونقد العنصرية الغربية، من موقع الند، وليس التصاغر. إنَّ الغرب يعرف ما سرقه منا، ومنا من يستحديه ويتوسله.

#جورج_رشماوي #جسر_على_نهر_الأردن #مكتبة_كل_شيء

#أسامة_العيسة

الاثنين، 24 أغسطس 2026

على جبل الديك!


 


تعبِّر الصورة الَّتي تجمع الراحل فيصل الحسينيّ، وجدعون عيزرا، نائب سابق لرئيس الشاباك، عن جانب من مرحلة فلسطينيَّة بعد اتفاق أوسلو، وأوَّل انتخابات تشريعيَّة، شابها بعض التزوير، كما في القدس، والخليل، الأرجح أنَّ الرئيس عرفات أراد احكام قبضته على ملفي المدينتين.

استقبل الفلسطينيُّون، بمعظمهم، في الأرض المحتلة، الاتفاق، ولم يكن يهمهم بنوده، بترحيب وحسن نية، بعد سنوات الانتفاضة الأولى الصعبة، واحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية، ومن نشطاء فصائل من قدَّم الورود لجنود الاحتلال على الحواجز، فرحًا باتفاق سياسي. لكنَّهم اكتشفوا بسرعةٍ، بعد إحكام إغلاق القدس، الَّذي بدأ في 30 آذار 1993، خصوصًا بين التوأم بيت لحم والقدس، وعزل المدن، وأحياء المدينة الواحدة عن بعضها، أن الطريق ما زالت طويلة.

أبرز التحركات الفلسطينيَّة، كانت الهبَّة ضد الاستيطان على جبل أبو غنيم، الَّذي تحوَّل إلى أشهر جبل في العالم آنذاك. سبق الاعتصام الطويل على جبل الديك المقابل لجبل أبو غنيم، مسيرات وتظاهرات، سعت السلطة الفلسطينيَّة للتحكم فيها، وعندما نصبت خيمة على الجبل في يوم ماطر، تدخل جنود الاحتلال، لتكون في منطقة ب.
نصب فيصل الحسيني خيمته، وسط اهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية والاسرائيليَّة، ومن الأخيرة من نصب عدَّة البث استعدادًا لإيام إخبارية طويلة.

في موقع الأحداث، أخذت خيم الاعتصام في جبل الديك، تستقطب المزيد من الاهتمام، وتستقبل أعدادًا كبيرة من الزوَّار من مختلف أنحاء العالم. وإحدى هذه الخيم حوَّلها الزعيم الفلسطينيِّ الراحل فيصل الحسيني، مقراً له، واستقبل فيها ضيفًا غريبا هو جدعون عيزرا، الَّذي جاء يبحث موضوع الجبل مع الحسيني، وسط هوجة إعلاميَّة، وكان من بين المعتصمين من قال لا للزيارة واعترض على وجود عيزرا، مثل عبلة طه، وزعيم الحزب الوطني القومي الاشتراكي الجبريلي العرفاتي أبو بيبرس إخميس. لكن تدخل مرافق الحسيني الحاسم، أمَّن زيارة آمنة للضيف المخابراتي.

شارك عيزرا في لقاءات كثرت في تلك السنوات، بين نشطاء من الطرفين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وفي إحداها، عرَّف رئيس الوفد الفلسطينيّ مروان البرغوثي، على أعضاء وفده من شبيبة فتح، بذكر السنوات التي قضاها كل منهم في سجون الاحتلال. بينما عرَّف رئيس الوفد الإسرائيلي، عيزرا، بابتسامة عريضة قائلًا: هذا جدعون الذي اعتقكم كلكم!

بعد أيَّام، ودَّع الحسينيِّ، الذي يناديه الجميع بكنيته (أبو العيد) المعتصمين، وأبلغهم أنَّه سيذهب في جولة خليجيَّة، وعندما عاد، مكث وقتًا قصيرًا في الجبل، ثم شكر المعتصمين وأبلغهم أنَّه حصَّل خلال جولته، على مبلغ يناهز السبعة ملايين دولار، تبرع بها الأشقاء العرب، وهذا ما كان ليحدث لولا صمودهم. وغادر الحسينيّ ليمارس عمله من القدس، ولم يعد مرة أخرى، لكن شخصيَّات إسرائيليَّة وعربيَّة وعالمية واصلت التدفق إلى الجبل، ومنهم الكاتب المصري لطفي الخولي، أحد أقطاب ما عرف آنذاك بمجموعة كوبنهاغن. وهي مجموعة مكونة من إسرائيليِّين وعرب، رأت فيما يحدث في جبل أبو غنيم مناهضًا لسعي المجموعة من أجل السلام.

حضر أيضًا عماد الدين أديب، وحذر في حديث للصحفيِّين، وكنت حاضرًا، أميركا، قائلًا إن مصالحها في خطر، إن لم تغيِّر سياستها.

عرَّاب الاستيطان في جبل أبو غنيم، كان نتنياهو. نظم الشاعر سامي غانم من بيت ساحور، التي شارك ناسها بفعالية في الاعتصام الطويل، قصيدـتين على الأقل في ذم رئيس وزراء الاحتلال آنذاك والآن، نشرتا في العدد الأوَّل من مجلة بيت ساحور (أيول 1996م):

أنا نتنياهُ، ذا شعبي يؤيِّدني/ في وضع حدٍّ أتى بالسلم لا الحرب

عهدُ السلام مضى لا سِلمَ أطلبُهُ/ بل أطلبُ الأرض معُ أمنٍ، فذا طلبي

إذْ عهد "بيرس" قد ولَّت حكومتُهُ/ تأتي حكومتُنا بالقمعِ والرعُب

في قصيدته الثَّانية، يهدد "ببعث الانتفاضة من جديد"، وهو ما حدث بعد أربغ سنوات، وقبلها هبَّات من أجل الأسرى وضد النفق:

قولوا "لبيبي" إننا ثُوارُ ما همَّنا/ قمعُ ولا أسوارُ

#جبل_أبو_غنيم

#أسامة_العيسة

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

خنساء بغداد!


 


في تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1994م، وصلت إلى الخليل القديمة المحاصرة بالبوابات الاحتلالية، لألتقي عبد الرؤوف المحتسب، بجوار الحرم الإبراهيمي، وسط الغيتو الاستيطاني والعسكري الاحتلالي، صامدًا، يضحك، ويتسلى مع الزوَّار الأجانب، والمتضامنين مع شعبنا، متحملًا سفالة المستوطنين. وهو يرى الموت، بعينيه، يوميَّا، ولكنَّه حافظ على حس الفكاهة الخليلي، كواحد من مستلزمات الصمود.

أعددت حينها قصَّة صحفيَّة، ليس عن عبد الرؤوف، الذي سألتقيه لاحقًا، مرَّات عديدة، ولكن عن عائلة شقيقه التي قضت في قصف إمبريالي لملجأ العامرية في بغداد خلال حرب الخليج الثانية. فشلت الصواريخ الذكية واستهدفت المدنيِّين في الملجأ.

عُرفت أم غدي، التي فقدت سبعة من أبنائها في قصف الملجأ، على نطاق واسع، وأعددت عنها مادة صحفية، استنادًا لمن زاروا بغداد والتقوها في الملجأ، حيث أوقفت حياتها للشرح عن المأساة.

في شهر نيسان (أبريل) زرت بغداد، والتقيت من وصفت بخنساء بغداد، في الملجأ الذي تحوَّل لمعرض لصور الضحايا، ومن بينهم أبناء عائلة المحتسب.

بدا وجهها وقد قُد من بازلت، لا تضحك ولا تبتسم، وتقدِّم حكايتها بجدية. كتبت في سجل الملجأ، ولكن لا أعرف إذا شكَّل ذلك، عزاء لها. ما أرخص الكلام.

عثرت على صورة خنساء العراق في أرشيفي، أين رمتها الأقدار؟ كيف واصلت حياتها، في أقدار العراق العاصفة؟ وقد أضحت الخنساوات بالآلاف في أوطاننا.

هل تتبع صحفي أو كاتب مصير واحدة من العاديين أمثالنا، في أزمان الحروب؟

أمَّا عبد الرؤوف، فغادر دنيانا، غير مفرِّط في كانون أوَّل (ديسمبر) 2022م

#ملجأ_العامرية

#أسامة_العيسة

الاثنين، 17 أغسطس 2026

القوس الفلسطينيّ!






 


يشكِّل هذا البناء، خارج بلدة الخليل القديمة، إعلانًا اجتماعيًا وطبقيًا صارخًا، يتجاوز مهمة البيت الزراعيّ، الَّذي يسمى في الخليل بيت الحجر، وهو الأكثر تواضعًا معماريًا، نسبة للمناطير والقصور الممتدة من بيت لحم، حتَّى سلواد، وارتبطت بموسم العنب والتين. يعزِّب فيها الفلَّاح ما بعد عيد الخضر، حتى مطرة المساطيح الأولى. ثم يعود لاحقًا من أجل الزيتون.

بيت الحجر بدون سقف، في حين أنَّ المناطير تطوَّرت معماريًا، ومنها ما بني كطابقين، ملحق بها آبار ماء، ومدابس لصنع الدبس، والنبيذ (عابود مثلًا)، ومصاطب لصنع القطين. لم يبق من آلاف المناطير، إلَّا القليل، يمكن مشاهدة بعض النماذج متنوعة العمارة، في عين قينيا (رام الله) والمخرور (بيت جالا).

يتميَّز هذا البناء، بشكلٍ خاص، بواجهته الشرقيَّة، وفي طابقيه بما يعرف بالقوس المدبَّب، الَّذي عُرف لأوَّل مرَّة، في مسجد قبة الصخرة، وإذا كان ثمة تأثر في بناء القبة المذهل، بالفن البيزنطي، إلَّا أن ثمة بصمة عربيَّة أمويَّة، يمثلها القوس المدبب (وتفاصيل أخرى) تجعلنا نسمي هذا القوس، بقوس القدس أو القوس الفلسطينيّ.

استفاد الغربيُّون من قوسنا، وأصبج جزءًا من العمارة القوطية. ولم يكن ذلك فقط نتاج التلاقح المعماريّ-الثقافيّ، فثمت الكثير.

بعد فترة انقطاع طويلة، عاد إلينا قوسنا المدبَّب، والقوس ثلاثي الفصوص، ونماذجه الأولى بارزة داخل قبة الصخرة، مع البنايات التبشيرية بعد منتصف القرن التاسع عشر. والتي كانت ورشات تخرج منها آلاف البنائيين والحجَّارين.

في الطابق العلويِّ من هذا البناء، يمكن الوقوف على نماذج الأعمدة البصلية، التي اختفت من العمارة الفلسطينيَّة وحل محلها الأعمدة الماسورية المزعجة.

على الأغلب، فإنَّ هذا البناء وغيره، اطلع به بناؤوا بيت لحم وبيت جالا، ومنهم من ترك على البنايات، رمزًا مسيحيًا، في معقل الإسلام الإبراهيميّ.

#الخليل

#أسامة_العيسة

الأحد، 16 أغسطس 2026

الترند اللعين!



في يوم واحد اطلع عدد وافر من فضائيي الفيس بوك، مثلي، على خبرين عن أحمدين. الأوَّل أحمد عودة، وهو أستاذ في جامعة النجاح دَبك، فرحًا، واهتز ونط وصفَّق، خلال حفل تخرج طلابه، والثَّاني أحمد عبد الكريم، مواطن غزيّ، خرج من السجن إلى خيمة النزوج، ليفاجأ بفقدان ستة من ابنائه استشهادًا.

لو وصل الخبران لمحرِّر صحيفة، لأبرز خبر أحمد عبد الكريم، وربَّما نشره على ثمانية أعمدة، إذا لم تتوفر أخبارًا عن فخامته أو جلالته أو دولته، خبرًا رئيسًا على الصفحة الأولى، فعودة أب، أي أب، ومن أي مكان ليجد أنَّ ستة من أبنائه قُتلوا أو استشهدوا أو قضوا في عملية إجرامية أو سطو أو حريق، مأساة يُطلع عليها القرَّاء.

وربَّما، نشر خبر الدكتور عودة، في مكانٍ على الصفحة الأولى أو أظهر صورته دابكًا، ملونة على الصفحة الأخيرة، ضمن الطرائف أو المنوعات.

لكن في عصر الترند الأمر اختلف، تصدَّرت دبكة الدكتور الصفحات الزرقاء، وبدلًا من سعى فضائيات كبيرة، كالجزيرة والعربيِّ والعربيَّة، لجدولة الأخبار، وفق رؤاها، والتباهي بقدرتها على فرضها، أخذها الترند لملعبه، وسارت خلفه. أُعدت مرئيات عن الدكتور عودة، واستضيف، وفّخر كثيرون من طلابه ومعارفه.

أمَّا، استشهاد ستة أبناء لأسير محرَّر نجا من موت محقَّق، فلم يصل درجة الترند، ولم يحم حوله أو يقترب منه.

كيف يعمل الترند فعلًا؟ هل اكتسب قوَّة ذاتيَّة؟ أم يوجد من يحدَّد لنا عناوين اهتمامتنا اليوميَّة؟ ولماذا علينا القبول؟

لا شك بوجود من يعلم أسرار الترند، على عكس أمثالي الجهلاء، ويصنعه مثل السيِّدة شروق، زوجة الشيف دكتور فود، الَّتي تمكنت من جر الفضائيَّات، مثل العربيَّة والحدث، لتهتم بإعدادها لحفلة طلاقها المفترضة، التي ستكلف من سيحضرها ما بين خمسين إلى مائة دولار.

هل ما يحدث في الإعلام، من الأمور الطبيعيَّة؟ أم أنَّ أمثالي غير الطبيعيين؟ أم هي المسافة، بين من كنا نعتقد أنَّه أبغض الحلال إلى استحقاقه الاحتفال، والدفع لحضوره مباشرًا.

ما زلت أؤمن أنَّ الصحافة، هي الصحافة المكتوبة، ولا يمكن للتحقيقات التلفازية أو نشرات الفضائيَّات واستضافة محللين ونشطاء، التغلب عليها، مهنةً.

ما زالت بعض الصحف تنمو، وتتكيَّف، وتخبط، مثل هآرتس، ونيويورك تايمز، التي لم يكن من النادر أن تخصص صفحتها الأولى للشهداء الأطفال الفلسطينيِّين، هذا يترك بصيصًا. إذا فقدنا صحافة الخبر، فبأي هلاميَّة نعيش؟

#أسامة_العيسة

الجمعة، 14 أغسطس 2026

هذا الكتاب..هذا المؤلف!


 


صدر هذا الكتاب: نصارى القدس/ دراسة في ضوء الوثائق العثمانيَّة، في بيروت في أيلول عام 2007م، وهو رسالة دكتوراه لأحمد حامد القضاة.

أعتبر الكتاب، من أهم الكتب في مجاله، وضعه مؤلف لم يزر القدس، معتمدًا على الوثائق. وهذا النوع من الكتب، التي يكتبها، أو يترجمها، فلسطينيُّون وعرب من بعيد (ومن قريب أحيانًا)، عادة ما يكتنفها الكثير من الأخطاء الفاضحة.

أعتقد لو أنَّ للكاتب معرفة بالمكان، وبشخوص ثرية ورد ذكرهم في الكتاب، وخضع لإعادة كتابة وتحرير، مستفيدًا من تقنيات الكتابات التَّاريخيَّة-السرديَّة، لعد الكتاب تحفةً في مجاله.
في الكتاب هنات صغيرة، وهذا طبيعي، منها مثلًا قوله عن مذكرات واصف جوهرية حول القدس العثمانيَّة، أنَّه: ليس لواصف جوهرية؛ بل لوالده جريس جوهرية الذي عمل محاميًا في القدس، وكان شاهد عيان على بعض الأحداث". بالطبع هذا خطأ.

عدت للكتاب، لغايات بحثيَّة. أرغب بتحية الدكتور القضاة، الذي لا أعرف شيئًا عن سيرتيه الحياتيَّة والعلميَّة.

عاد الكتاب إلى مكمنه، غير متأكد إذا كنت سأعود إليه مرَّة أخرى، وإذا كان سيصمد وينجو، كما نجا خلال السنوات الماضية، في بلاد تُستهدف فيها المكتبات، مثل البشر والحجر والشجر، والكلاب (المستوطنون سرقوا كلبي منذ أشهر).

#أحمد_القضاة

#أسامة_العيسة

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

ثلاث بيضات!


 


في مرئية قصيرة (ريلز) منتشرة على الفيس بوك، يتحدَّث الأستاذ هيكل، ممرورًا تكاد الدمعة تفر من مآقيها (ليس مجازًا)، عن تسليم مدينة القدس للبريطانيِّين، مقابل ثلاث بيضات فقط!

الأستاذ هيكل، أستاذي، رغم أنَّني لم ألتقه، وسرت، بعد أكثر من عقدين في شوارع مشاها، كشارع القدس-الخليل، الذي أبصرت عليه، حياةً، تشبه حيوات ملايين، وتناقض حيوات ملايين، وأماكن أبرق منها لصحفه، وحضر وجوده الفلسطينيّ
 في روايتي: قُبلة بيت لحم الأخيرة.

الأستاذ؛ ليس فقط أُسطى مهنتنا، ولكنَّه أيضًا أُسطى كبير في فن المسافات بين البشر، ومعرفة الذات والمساحات المحفوظة، حفاظًا على ألق الصنعة وأينعهتا، وكرامة النفس وسموها من النرجسية. ليس أكثر بغضًا من الاضطرار لاحتمال نرجسيّ متعالم.

يذكر هيكل، متأثرًا، أنَّه لم يكتب حكاية البيضات، رغم الجزاء الماليّ، مشيرًا إلى أنَّه زار موقع تسليم القدس في باب العمود، خلال الحقبة الأردنيَّة.

لا شك أنَّ التأثر خلط الأمور على الأستاذ، فمكان تسليم القدس محلة الشَّيخ بدر من أراضي بلدة لِفتا الفوقا، ولم يكن بإمكانه زيارته، لأنَّها مم احتل بعد 1948م. والآن تعرف باسم روميما، تفخر بالحادثة، بنصب تركه البريطانيُّون في المكان.

حسب ما يمكن توثيقه من مسألة تسليم القدس، مع التقهقر العثمانيِّ، أنَّ وثيقتي تسليم حُررتا بالتركية، ترجمهما الفهَّامة الدكتور توفيق كنعان، ونشرهما الدكتور عبد اللطيف البرغوثي في مجلة التراث والمجتمع (العددد 25/ 1995). إضافة لرسالة بالعربيَّة، من إسماعيل الحسيني، إلى المفتي كامل الحسيني، حول تسليم المدينة.

المؤكَّد في حكاية التسليم أنَّ حسين الحسيني رئيس البلدية، ومرافقوه استلوا شرشفًا أبيض، من المستشفى الإيطاليِّ، في طريقهما للبحث عن ما يمكن تسليمه المدينة، وفي الشَّيخ بدر التقيا جنودًا، فالتقط مصورو الكولونيوليَّة الأميركيَّة، صورة التسليم. وفيها يظهر آخرون مثل لورنس، إضافة لجنديين. أمَّا شرف حمل الراية البيضاء، فكان من نصيب اللبناني سليم، سائق سيَّارة جمال باشا المتقهقر. هل كانت المسألة عفوية وعرضية فعلًا؟

ستتطوَّر رواية استشراقيَّة، فيها الكثير مما سيخدم الدعاية البريطانيَّة لاحقًا، أنًّ جنودا من الإمبراطوريَّة التي هزمت إمبراطوية فسدت بيضاتها، كانوا يبحثون عن البيض في ريف القدس، عنما اصطدموا بالمطربش رئيس البلدية اللاهث ومرافقوه.

يمكن أن لا تصمد حكاية بيض الإمبراطوريَّة التي لا تغب عنها الشمس، كثيرًا للنقد، فالحديث عن شهر كانون الأوَّل، البارد في جبل القدس، وفيه تستعصي الدجاجات عن البيض وتحرن، تحتاج على الأقل لشهر أو لشهرين، لكي تظهر الدجاجة بيضتها الأولى، إلَّا إذا كانت دجاجات لِفتا ودير ياسين، استخف بها الفرح بقدوم بني التايمز، فباضت على أمل، تغيُّر أحوال أربعة قرون بأفضل منها، كما فرح الكثير من النخبة المثقفة، فباضت احتفالًا، شعرًا ونثرًا ونقاشًا مثل اسكندر الخوري البتيجاليِّ، والشيخ عبد الله الريماوي، وخليل السكاكيني، وعادل جبر، وغيرهم.

كان الجنرال اللنبي، قائد الحملة المصريَّة، كما عُرفت، متشوقًا لفتح القدس، مفعمًا بالاستعمارية الدينيَّة، ليقدِّم الخبر، هدية الكريسماس لقومه، وعندما وصل باب الخليل، سار مشيًا، احترامًا لقدسية المدينة، وعندما وقف أمام القلعة في السَّاحة التي تحمل اسم فاتح آخر قديم لها، هو عمر بن الخطَّاب، أعلن انتهاء الحروب الصليبيَّة، فغضب مقدسيون، ورد على "فاتح القدس" الشَّاعر أحمد شوقي، المعجب الأستاذ هيكل به.

يقدِّم واصف جوهرية، في مذكراته رواية قد تكون الأفضل، كشاهد عيان، لتسليم القدس، ويحدِّد أسماء من "تشرَّفوا" بتسليم المدينة، ونبذات عنهم، لأنّه عرفهم جيدًا. وفخر أنَّه سلَّم بنفسه "علم التسليم الأبيض إلى من يحمله". كتب في مفصلٍ تاريخيِّ، ناعيًا امبراطويَّة بني عثمان: "شاء القدر أن تتخلَّص القدس وأهلها من نير الأتراك الظالمين وانطبق القول: دار الظالمين خراب ولو بعد حين". فكَّك جوهرية حكاية البيضات ببراعة.

أعتقد أنَّ الأمر لم يكن بحاجة لتأثر الأستاذ هيكل، وخسارته المالية، وهو يتبنى رواية منسوبة لتشرشل الاستعماريِّ الساخر، الذي جلس على قمة جبل في القدس عام 1919، مؤسسًا دولًا في شرقنا.

بيضات تشرشيل الثقيلة، غطَّت على دماء أعداد كبيرة من الجنود العثمانيِّين، تظهر الصور مشاهد مؤثرة لجثث ملقاة حول القدس في شعفاط وغيرها.

ربَّما كان على هيكل الاهتمام أكثر "بالمتطوعين" الفلَّاحين المصريِّين، الذين جُروا للخدمة في جيش الاستعمار، وقضوا، آلافًا، في محاور الحرب، ومنها في سيناء وفلسطين.

#محمد_حسنين_هيكل

#أسامة_العيسة

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

رحَّالة مع كل رواية/ ردينة ياسين


الحقيقة كل رواية أقرأها لأسامة أتساءل: هل يوجد إبداع أكثر من ذلك؟ لنكتشف، أننا لا زلنا في البداية وأنَّ كلَّ رواية لها إبداعها. ورمزيتها وما أكثر رموز كاتبنا المبدع. فرموز الكاتب نبض الرواية. وإن تحدَّثنا عن الحروف، نجد أنَّها تشكَّل تاريخ يُستحق أن يُفهم ويُقرء.

اكتشفت كاتبنا العظيم من خلال قبلة بيت لحم فهي أوَّل معرفة لي به لأجد نفسي، رحَّالة مع كلِّ روايه وكلِّ حرف.

أخيرًا؛ لا أستطيع إلَّا ان أقول: دام ابداعك ودام قلمك.

#ردينة_ياسين

#أسامة_العيسة


الاثنين، 10 أغسطس 2026

في بيتنا كاتب/ ربيع وحنان الحلو

















تشرفنا في منزل ربيع الجواريش بزيارة الكاتب المبدع، أسامة العيسة، والأستاذ القدير عَزِّة العَزَّة.

جاء أسامة مباركًا لابننا عمرو ووفيًا لوعده الذي قطعه له بتاريخ، 6/10 /2025م ، يوم التقى به في مدرسة تراسنطا، ودار بينهما حديث خاص، فكان الوعد من أسامة بتسليم عمرو مخطوطة تاريخيَّة نادرة تخصّ قريته المهجَّرة المالحة، في حال حصل عمرو على التميّز بالتوجيهي، وقد كان.

في اللقاء أوفى العيسة بوعده لعمرو، سلمه المخطوطة، وأهداه كتابًا موقعًا من كتبه. شكرًا أسامة، وشكرًا أستاذ عزة وألف مبروك عمرو تميزك 99.6%

7- 8- 26م ، ربيع وحنان الحلو – الجواريش.

#ربيع_الحلو #حنان_الحلو #عزة_العزة #أسامة_العيسة

الأحد، 9 أغسطس 2026

مرمجة بيت لحم وكرملتها!


الشائع أنَّ اسم بيت لحم، الوارد في سفر التكوين، يعني بيت الخبز، ولكن بالنسبة للأب أوغسطين س. مرمرجي الدومينكي (بغداد 1881- القدس 1963)، العراقيِّ الذي خدم في القدس في دير الدومينكان، وخدم المدينة وفلسطين، وصاحب الكتاب الرائد (بلدانية فلسطين العربية) المترجم للفرنسية، له رأي مختلف.

الأب مرمرجي، واحد من ملافنة (علَّامة) عصرنا وملافتته، انضم لدير الآباء الدومينكيين في شارع نابلس في "القدس الشريف"، وهذا الاسم العثمانيّ للقدس الَّذي تمسك به مرمرجي، وعيِّن أستاذًا في المعهد الكتابي والآثاري.

أتقن مرمرجي: السُّريانيَّة، والآراميَّة، والعبريَّة، والكلدانيَّة، والسومريَّة، والأكديَّة، والحبشيَّة، والفرنسيَّة، والإنكليزيَّة. أذكر هذا لأذكِّر معجبي طلقاء البحث الكتابي، مثل الراحل الربيعي، وراحل فلسطيني، يذكره طلقاء القرَّاء ليؤكدوا ثقافتهم، معنى أن يكون المرء باحثًا حقًا.

في صيف عام 1926، غادر الأب مرمرجي القدس، في إجازة لبغداد، ونشر بحثًا في مجلة لغة العرب في العام التالي، التي يحرِّرها واحد من الملافنة الكبار: أنستانس الكرملي (1866-1947)، عن أصل كلمة بيت لحم.

كتب مرمرجي: "لا غرابة في أن تكثر على العائد إلى الوطن أسئلة المحادثين في شأن الأصقاع القادم هو منها، ولا سيما إذا كانت من البلاد الشهيرة وكانت منزلتها في نظرهم منزلة عالية مثل بلاد فلسطين، وفي رأسها عاصمتها القدس الشريف، وما جاورها من المدن ذات الشأن".

رأى الأب مرمرجي أنَّ كلمة لحم، في اللغتين العبريَّة والآرامية، تعني الخبز، وفي العربيَّة تدل على اللحم، وتوصَّل إلى أن معنى بيت لحم، لا يعني، فقط، بيت الخبز، إنما بيت القوت. وتحمَّس لما توصَّل إليه.

نشر البحث الضافي الألمعي في العدد السادس من مجلة لغة العرب عام 1927. لم يشأ المحرِّر الكرملي، إلا كتابة ملاحظة في الهامش، مشيرًا إلى أن كلمة لحم، بمعنى خبز انتقلت إلى العربيَّة بصورة لقم. "ولما كان الخبز يكثر في طعام جميع الناس، سمُّوا كلّ ما يدخل الفم لقمًا من باب التوسع، وهو ما يطلق على البُر أو الشعير واللحم واللقم من باب واحد".

كان هذا أوَّل خلاف لُغوي بين مرمرجي والكرمليّ، صاحب المعجم المساعد، في خمسة مجلدات، و6 الآف صفحة. ولكنَّه لم يكن الأخير. رد مرمرجي على الكرملي بمقالٍ طويل في العدد الثاني من مجلة لغة العرب (شباط 1928) بعنوان: الألسنية السامية واللحم واللقم. خلص مرمرجي، إنَّ: "اللحم بالحاء لا يدل على الخبز أو البُر أو الطعام في اللغة العربيَّة كما وصلت إلينا، وأنَّ اللقم العربيَّة ليست بمبدلة من لخم العبريَّة أو لحمًا الآرامية، وأنَّها لا تطلق على الخبز ولا على الطعام ولا على البُر، إنما معناها طريقة من طرائق الأكل أو صفة من صفاته وهي السرعة والمبادرة إليه".

أكَّد على ما أراده: "إن النتيجة التي كان قصدي استخراجها مما أبديته، هي أن أصل اسم بيت لحم ليس بيت الخبز وحسب، كما يتبادر إلى الذهن، لأوَّل وهلة، بل أنَّ بيت يجدر به أن يتخذ بمعنى الأرض أو البلد، وأن يطلق على كلمة لحم مدلول القوت، فيكون الناتج عن ذلك بلد القوت أو الأرض المخصبة".

يضيف: "كما يؤيد ذلك مرادفها (أفراثة) ومعناه المخصبة في العبريَّة، وهذه النتيجة الصادرة عما جئت به من الأدلة في المقال، تبقى ثابتة لا تتغيَّر عندي، سواء اتفقت أو لم تتفق اللغات الساميَّة الثلاث، أي العربيَّة والآراميَّة والعبريَّة في تأدية (لحم) بمعنى الخبز".
بالطبع هذا هامش على هوامش منافرات فكرية ولغوية وتاريخية ألمعية، لملافنة، لم يغادرونا في زمان بعيد.

تقدير للدكتور حامد ناصر الظالمي، الذي جمع مقالات مرمرجي في كتاب وقدَّم له، وافيًا.

 

السبت، 8 أغسطس 2026

ذات أيلول في القدس!


 

ذات أيلول في القدس!

في أواخر أيلول تعيش القدس، عادةً، حالة انتظار، تسمِّم مناخاتها، وتذكِّرها بصبرها السرمديِّ، كمدينة منتظرة، إلى ما لانهاية، قد يخفِّف منه شتوة المساطيح، رشوة تقدمها السماء، لمدينتها الأرضية، قبل الصيف الثَّاني بين التشرينين.

في أيلول 1991، كانت المدينة تعيش حالة العالم العامَّة، ما بعد الغزو الصدَّامي الكارثيّ للكويت، واكتشافها لنفسها مدينة خائفة، يمكن لبعض ناسها رؤية صورة متغطرس بدوي على القمر. ما بين الأغاني التي صدحت في المصرارة، باعتبار الكويت، محطَّة على طريق القدس، وإرهاصات مؤتمر للسلام في مدريد بعد شهرين، يبدد قطاف الانتفاضة الأولى غير المحظوظة، والأزمة المالية التي ستطيح بمؤسسات منظمة التحرير غير الرسميَّة كصحيفتي الفحر والشعب، سار الخطَّاط عيسى اللوصي في شارع صلاح الدين يوم 29 أيلول 1991، قاصدًا المركز الثقافيّ الفرنسيّ، ليشارك في افتتاح معرض لزميله يوسف النجَّار، الذي خطفه الموت قبل عشر سنوات. لفتة ليست متأخرة بالنسبة لمواقيت الأرض المقدَّسة، التي كُتب عليها في اللوح المسطور، ما بين انتفاضة وأخرى انتفاضة.
ضم المعرض 14 لوحة، بمختلف الخطوط، منها لوحة: إن الله جميل يحب الجمال، تعود لعام 1944 بخط ثلث مركب، وتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام، خطها النجَّار عام 1980 بالخط الكوفي.
ضم المعرض، أيضا، 26 لوحة من الزجاج والسيراميك، معظمها آيات قرآنية.

قدَّم للمعرض عبد الله العَزِّة الخطَّاط، بتحية لأستاذ له قدرة عجيبة على خلق أشكال خطية بديعة. وصفه: "رفائيل معاصره محمد صيام الخطاط وجمال بدران المزخرف".

ختم العَزِّة الخطَّاط عن النجَّار: "لوحاته النفيسة الرائعة، والمزخرفة بالزخارف الهندسيَّة والبنائيَّة التي دبجتها أنامله قد أعادت لفلسطين مجدًا عريقًا سالفًا في فن الخط الكوفيّ، والَّذي لا يزال شاهدًا شاخصًا منذ القرن الأوَّل للهجرة إلى يومنا هذا في قبة الصخرة المشرفة".

كان الحصار المشدَّد المفروض على القدس، بعد غزو الكويت، ما زال شاخصا. بعد فترة قصيرة ستدخل البلاد حقبة أوسلو في أيلول آخر، سيزحف يمين فلسطين ويتبعه يسار، ولكن يمين آخر سيمتلك القدرة، لقولها لا لكل الأرض التي لا ترى خطوط الدم الفلسطيني. ستسيل الدماء، خطوطا تحاول إكمال هوية خطاطي فلسطين، منذ أوَّل شخبطة على حجر!

*مطوية معرض النجَّار، أُنقذت ضمن أرشيف من حاوية نفايات.

#أسامة_العيسة

الجمعة، 7 أغسطس 2026

مديح القدس العالي/ علي جرادات


 

تستحق رواية أسامة: سماء القدس السابعة، المديح العالي. برأي أهم كتبه، المتميزة بالحس الإنسانيّ والمعطى المعرفي.

قرأت لأسامة: مجانين بيت لحم، وقط بئر السبع، والمسكوبية، وشهداء الرب، والإنجيل المنحول لزانية المعبد، وغيرها. أقدّرها جميعًا، والأسباب كثيرة.

#علي_جرادات #مجانين_بيت_لحم #قط_بئر_السبع #شهداء_الرب #الإنجيل_المنحول_لزانية_المعبد #أسامة_العيسة

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

ابن الأرض!


 


تصادقت والشيخ أبو حمزة، اثر تماس مع المؤسسة الدينيَّة الرسميَّة، بعد أن كتبت في الصحيفة: "الشيوخ يفضلون كوثر" وكوثر هي الزميلة كوثر سلَّام، نزيلة فيينا الآن. وذلك خلال الإرهاصات الطويلة لتهويد مقام قبة راحيل. استدعى ذلك، توجيه كتاب من وزير الأوقاف، بالختم الرسميّ، مطالبًا حظرتنا بحقٍ عشائريِّ!

الشيخ أبو حمزة، من الصامدين المواجهين للاستيطان. متشبث بأرضه وسط مدينة أفرات الاستيطانية، التي يعتبرها المحتلون، حدود القدس الجنوبيَّة.

صمد أيضًا في أرضه في وادي الغويط، التي شهدت المعركة الكبرى التي استشهد خلالها المناضل السوري، منشأً وعقيدةً سعيد العاص (أبو سعاد)، وأصيب عبد القادر الحسيني، الذي سيتمكن من الهروب من المستشفى الحكومي بالقدس.

لم ألتقي، أبا حمزة منذ فترة، ولا أعرف حال صموده في أرضه، في جبال بلدته الخضر، في ظروف ما بعد السابع.

رحل الشيخ أبو حمزة، في ظل الهجمات التي لم تتوقف ضد ناسنا. غاب واحد منا، عصيًا على الهزيمة.

*الصورة: بلطفٍ عن أوان الرأي.

#محمد_عايش

#أوان_الرأي

#أسامة_العيسة

الأحد، 2 أغسطس 2026

مجنون يا خواجة!


 


عندما اقتحم جيش الاحتلال المخيَّم، بدأ ما ينفِّذونه غريبًا حينها، أغلقوا خلال ساعات، مدخل المخيَّم الرئيس بالإسمنت، ليصمتوا أولاد المخيَّم المجانين الذين يسوطون مركبات الاحتلال على شارع القدس-الخليل، بالحجارة.

خلال تصدي الأولاد (والبنات) الَّذين تسمنتوا، لمهمَّة جيش الاحتلال الليليَّة المفاجأة، أُصيبت إيمان، ونزل الأولاد المجانين بعد انسحاب الجيش لإزالة الكتلة الإسمنتيَّة، الضخمة فوجئوا بجفاف الإسمنت الفوريِّ. أَسمنت الجيش، على الأولاد، بجولةٍ. لكن للأولاد والبنات جولات.

أغلق الجدار الإسمنتيّ، مدخل منزل رضوان العليمي، الَّذي عانى مثل المنازل الموجودة على الشارع الرئيس من اعتداءات المستوطنين والجيش، وما أصعبها وأقساها. يتذكَّر إبراهيم رضوان، بعض أساليب التحايل على الجدار، للدخول إلى المنزل، ومساعدة آخرين من الأهالي والعمَّال والطلبة لتجاوز الجدار.

سيغلق الاحتلال مداخل المخيم كلّها، بطرقٍ إسمنتية أكثر عمليَّة، وسيبقى إغلاق المدخل الرئيس، الأكثر حرفية لعقل المحتلين الإسمنتيّ. ويحيط المحتلون المخيَّم بسياج، ويفرض حظر تجوال يمتد لأشهر طويلة، مما جعل الكثير من الناشطين والعمَّال وغيرهم الهروب من الحظر، لتحصيل رزقهم أو هروبًا من القمع الاحتلالي. بينما صرخ أعضاء في الكنيست، من النتائج الجانبية لحظر التجول الممتد، الذي يحصر تسلية ناس المخيم، في إنجاب المزيد من أولاد الحجارة.

يتذكَّر إبراهيم، كيف كان يلجأ، مثل غيره إلى دير المجانين عندما يشتد حظر التجول. كان خالي أحمد إبراهيم يعمل في مطبخ الدير. هو ابن شهيد ارتقى خلال النكبة. توجَّه الخال لمدير الدير وخلفه كتيبة من العمَّال الشباب وشرح له الموقف: هؤلاء، يا دكتور مصطفى، كما ترى مساكين يسعون وراء لقمة عيشهم،  يا ريت تكتب لكل منهم أنَّه يتلقى علاجًا في ديرنا العامر بوجودك.

وافق المدير، كما يؤكّد إبراهيم الذي فرح ورفاقه بفوزهم بشهادات المجانين الرسميِّين. في اليوم التَّالي أرادوا اختبار فعالية الورقة الممهورة بختم المدير. تقدَّم أحدهم من الجنديِّ، حارس الجدار الإسمنتيِّ، رافعًا ورقته بيمينه هاتفًا: مجنون يا خواجة!

تسامح الجنديِّ طالبًا من المجنون التقدم. نظر إلى الورقة الحكوميَّة وسمح لصاحبها بالمرور، من خلال فتحة إلى منزل العليميِّ، وفجأة تدفَّقت مجموعة من المجانين، مأخذوين بفعالية شهادة جنون رفيقهم. صُدم الجندي من المجانين غير الخائفين من التمرد على حظر التجول.

بهت الجنديّ وهو يرى كل منهم يرفع ورقته صارخًا: مجنون، والله مجنون، يا خواجة. أو: أنا مجنون مثل المجنون السابق. أيوة المجنون الذي دخل من الفتحة السريَّة التي تغاضيت عنها!

قال الجندي: كلكم مجانين، كلّ العرب مجانين. ثم رفع صوته: كل مجنون يتقدم. يالله يا مجانين مروا. هذا يوم سعدكم.

عاد الشارع فارغًا، يتنفس خوفًا، بينما الجنديّ يتمايل هاتفًا: مخيَّم مجنون، وأنا حارس مجنون على مجانين، سلاحهم حجارة، يهدد مجانين، سلاحهم بنادق!

تراقص الجندي، الذي أصيب بلوثة الدهيشة، وفرح بامتياز الجنون الذي مسه!

أحد شخوص الحكاية، رحل قبل أسابيع. عاش أحوالًا، وله مع كثيرين أحوالًا،  أشهر مدير لدير المجانين! أمَّا إيمان فنجت، وإبراهيم رضوان، ما زال على مدخل المخيَّم، يتذكَّر الحكايات التي لم تخبرها أجيال لاحقة، لها هي الأخرى حكاياتها المجنونة!

#مخيَّم_الدهيشة

#أسامة_العيسة

الخميس، 30 يوليو 2026

فلسفة الجنون والهمس في دير المجانين(2-6)/ عطا درغام


 


حين يولد الإنسان وينشأ في جغرافيا ترسم حدودها أسلاك الشائكة وحواجز الاحتلال، يصبح الخط الفاصل بين العقل والجنون خيطاً أرفف من سلك، ووهماً تدمره قسوة اليومي والاعتيادي. وفي قلب هذا المخاض الوجودي العنيف، لم يكن الكاتب والروائي الفلسطيني أسامة العيسة بمنأى عن هذا الاشتباك المبكر؛ بل وجد نفسه ج جاراً وملتصقاً بواحدة من أكثر المساحات رمزية وإيلاماً: مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في بيت لحم، أو ما يُعرف شعبيّاً بـ "دير المجانين". هناك، حيث تتقاطع مآسي الروح مع فجائع التاريخ، لم يكتفِ العيسة بدور المراقب أو العابر، بل اتخذ من هذا الهامش القصي مرصدًا معرفياً ووجدانيّاً لإعادة قراءة مفهوم "العقل" بشجاعة نادرة.

ليست روايته الشهيرة "مجانين بيت لحم" سوى صرخة سردية كبرى في وجه عالم فقد صوابه الأساسي، حيث يتحول الاحتلال إلى الشكل الأقصى والأكثر جنوناً للبشريّة المنفلتة، ويصبح "الجنون" المعطى الوحيد المتبقي للبقاء أو المقاومة ضد واقع غير معقول. يغوص العيسة في هذا المحور في كيمياء المهمشين والمطرودين من رحمة السكون العادي، رافضاً "تسليع الجنون" أو تزييف حكاياتهم، ومستنطقاً تاريخاً طويلاً من الزلازل السياسية والمجازر التي جعلت من جدران المستشفى مرايا تعكس عزلات الوطن المفتت.

في هذا الجزء الثاني من الحوار الممتد، يواصل أسامة العيسة الغوص في فلسفة العزل والهمس، ليكشف كيف استمد من جيرة المجانين عدته الأولى للكتابة، ولماذا يرى أن العيش تحت الاحتلال بذاته هو الاختبار الأكبر لجنون العقل البشري، مأخوذاً بهاجس الوفاء لمن سكنوا ظل التاريخ وتركوا في روحه أسئلة لا تنتهي.

تفاصيل:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=928099&fbclid=IwY2xjawTX3FBwZG9mA2V4dG4DYWVtAjEwAGJyaWQRMXZxSjY3SEtPN0pZUUF4bmdzcnRjBmFwcF9pZA81MTQ3NzE1NjkyMjgwNjEAAR6t5OtHbPQ57UtRqADBeA2nkVFdEu3JMgE0TxL48MSwnhlpc513TbFOaRSJfg_aem_tMggw1VC__M9h8TCErHXkQ

#عطا_درغام

#الحوار_المتمدن

#أسامة_العيسة

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

طائر الفينيق من قلب الدهيشة (1-6)/ عطا درغام


 


"الجزء الأوَّل من حوار من ستة أجزاء، أجراه الكاتب المصري عطا درغام، ليكن الله بعون من يقرِّر أو تقرر، قراءة حوار بهذا الطول الذي سينشر تباعا على موقع الحوار المدني".

في المشهد الثقافي العربي والعالمي، لا يقتصر الأدب على كونِه وسيلة للتعبير، بل يتجاوزها ليصبح أداة للاشتباك الوجودي مع التاريخ والجغرافيا. ونادراً ما تجد كاتباً استطاع أن يحفر في "جغرافيا الوجع" بمثل ما فعل الروائي والشاعر الفلسطيني أسامة العيسة. من أزقة مخيم الدهيشة الضيقة، حيث وُلِد وعاش لتتشكل في هذا المحيط ملامح جوهر هويته وإبداعه الأدبي الفريد، يرتفع صوت العيسة ليُعيد صياغة مفهوم "المخيم" لا كبقعة جغرافية طارئة أو مساحة عابرة على هامش التاريخ، بل كمعمل حقيقي للهوية، ومصنع للوعي الثقافي والوطني، ومركز تتقاطع فيه خيوط المقاومة والتوثيق والمعرفة.

ينتمي العيسة إلى ذلك الجيل الفلسطيني الواعي الذي نشأ بعد النكسة، ليحمل على عاتقه إرثاً ثقيلاً من الذاكرة والشتات الداخلي. وباعتباره "كاتباً للأمكنة" بامتياز، فقد كرّس جزءاً وازناً من مشروعه الروائي والابداعي لتفكيك سر المكان، وتقديم الإنسان الفلسطيني في نصوصه كبشرٍ يعيش وينبض بالحياة، بعيداً عن الصور النمطية البائسة التي طالما حاول العالم الخارجي لصقها بالمخيم وأهله. إنه محكوم بهاجس "دين الناجي"، حيث تحولت الكتابة عنده إلى فعل بقاء ووفاء، وطريقة لتسديد فاتورة البقاء على قيد الحكاية، موثقاً تفاصيل قريته المهجرة وكل المدن التي عبرها وعاش فيها بهوية ثقافية ديناميكية رحبة ومتجددة.

 

وفي هذا الحوار العميق والممتد، يفتح العيسة نوافذ الذاكرة ليأخذنا في رحلة عابرة للمكان والزمن؛ مناقشاً جذور وجدلية "العصبية الدهيشية"، وتفكيك الصور النمطية في أدب المخيم، وعبء "ذنب الناجي" الذي يدفعه دوماً لاستنطاق التاريخ. كما يتوقف عند تأثير الهضاب الوسطى والشتات الداخلي على تشكيل مشهده البصري والسردي، مقدماً قراءة نقدية وتاريخية واعية لتحولات المخيم الفلسطيني بين الأمس واليوم. حوار يأخذنا إلى صلب التأسيس المعرفي والجمالي لأدب المكان، حيث تصبح الكلمة خط الدفاع الأخير عن الروح والهوية.

المحور الأول: "العصبية الدهيشية" وجدلية المكان والمخيم

*ولدت وعشت في مخيم الدهيشة؛ كيف يتحول المخيَّم من مساحة جغرافية طارئة إلى مصنع للهوية والوعي الثقافي؟

-من المهم في البدء الإشارة إلى أنَّ المخيَّم الفلسطينيّ يختلف عن مفهوم المخيَّم الاحتلالي الإسرائيليّ والغيتو. وضع المحتلون، المهاجرين اليهود من العالم العربيِّ والمشرق فيما وصفوه بالمعبار، لمدد تصل إلى أعوام قبل إطلاقهم في مجتمع دولة الاحتلال الناشئ. كان بن غوريون يخاطب اليهود الشرقيِّين: نقلناكم من الشرق إلى الغرب.

انتقل الفلسطينيُّون من أراضيهم المحتلة إلى أراضيهم التي أصبحت تحت الإدارتين المصريَّة والفلسطينيَّة. أقيمت المخيَّمات علي أراضي المدن. وتجاور اللاجئون المعدمين مع مواطنيهم الفقراء في معظمهم. وسرعان ما تحوَّلت المخيَّمات، بفعل النشاط الفوَّار للأحزاب القوميَّة واليساريَّة، إلى بؤرٍ ثوريَّة، ليس فقط لأبناء المخيَّمات، الَّتي أفرزت قادة التيارات الفكرية المختلفة.

لم. تكن المخيَّمات في الأراضي المحتلة، مدن صفيح، ولم يعش اللاجئون على الهامش.

*تحدثت عن مفهوم "العصبية الدهيشية"، هل تراها آلية دفاعية نفسية أم رابطة اجتماعية فرضها واقع اللجوء؟

-ربما يوجد مبالغة في التوصيف "العصبية الدهيشيَّة" أو عصبية المخيَّمات. لم تكن مقصورة على أبناء المخيَّمات، فالمخيَّم تحول إلى رمزٍ للنكبة. من المهم الإشارة إلى ان صفة لاجئ لم تقتصر على الَّذين اقتلعوا من أراضيهم، بل شملت جميع الفلسطينيَّين في الأراضي المحتلة، فغالبية الناس فقدوا أملاكًا لهم بسبب النكبة، ولاحقًا في النكسة والنكسات المستمرة. يبدو أنَّ رمزيَّة المخيَّم هي التي سادت. المخيَّمات استقطبت فئات فلسطينيَّة مختلفة وكذلك متضامنين من مختلف أنحاء العالم.

*كيف نجحت في تفكيك الصورة النمطية للمخيم في أدبك ليظهر كشيء "مختلف جداً" عما يراه الخارجي؟

-إذا ثمة نجاح فعلًا، فمرده الصدق، وتقديم ناسنا، بشرًا، لم تنتج المخيَّمات قادة نضال وشهداء، بل أيضًا كُتَّابا ومثقفين ومفكرين، وهذا وحده يمكن أن يغيِّر أي صور نمطيَّة. السكن في المخيَّمات لم يقتصر على اللاجئين. تحوَّلت معظم المخيَّمات إلى مراكز مدن، ثقافيًا واقتصاديًا. يمكن أن لا نجد ذلك في الأرض المحتلة فقط ولكن في الشتات، مثل مخيَّم الوحدات في عمَّان، ومخيَّم اليرموك في دمشق، ومخيَّمات بيروت، وفيها جميعًا يعيش فلسطينيُّون ومصريُّون وسوريُّون وغيرهم. المخيَّم هُويَّة عربيَّة متجددة.

 

*المنحدرون من قرى مدمرة حول القدس يحملون ذاكرة مزدوجة؛ كيف ينعكس هذا الشتات الداخلي على كتاباتك؟

-الهُويَّة الفلسطينيَّة، بشكلٍ عام، هي هُويَّة ديناميكيَّة، أنا مثلًا متعدِّد الهُويات، انتمي لقريتي المهجرة وللمدن التي عشت فيها، ولعالم عربيّ مفكك. الهويات هي نتاج تحدي، فعندما يجهد الاحتلال في تهويد أرضك يجعلك تؤكد هويتك، وعندما يشتمك على الحواجز وفي أقبية التعذيب باعتبارك عربيًا، تتمسَّك أكثر بعروبتك.

* "نحن من نجا ليكمل الطريق"؛ هل تشعر بعبء أو ذنب الناجي وأنت تكتب عن المخيَّم وتوثق تفاصيله؟

-يشعر كل واحد منا، أنَّه يعش عمرًا زائدًا، يحدث هذا عندما يتذكَّر المرء زملاء مدرسة أو رفاق معتقل، استشهدوا، كان يمكن أن يكون منهم. من نجا من النكبة، قضى في النكسة، أو خلال سنوات القمع الاحتلاليّ الطويلة. أنا ككاتب، عندما أتأمَّل في نجاتي، أشعر أنَّ عليَّ دينًا يجب تسديده، أحاول ذلك من خلال الكتابة.

*كيف تؤثر الهضاب الوسطى وقرى القدس المدمرة في تشكيل المشهد البصري في نصوصك الروائية؟

-تتميَّز فلسطين، وهي بلد صغير، بتعدد هائل في طوبغرافيتها، ممكن خلال ساعة في السيَّارة الانطلاق من شاطيء المتوسط إلى قاع العالم عند البحر الميت، وما بينهما الجبال التي يزيد ارتفاعها عن الألف متر. الهضاب الوسطى مثل القباب التي تحيط بالقدس، بالمعنى العسكريِّ الاستراتيجيِّ، وأيضا كتمهيد سردي بصري قبل الصعود للمدينة المقدَّسة الجبليَّة. تختلف الأشكال الفنيَّة في رواياتي، وما بين الصور الرومانسيَّة لمواطن الأجداد وحكايات الأمهات، والجهد المعرفيّ لتفكيك سرّ المكان، تنهض الهضاب الوسطى في نثري، ليس دائمًا بشكلٍ واعي. أنا كاتب أمكنة.

*هل تراجع مفهوم المخيَّم اليوم كرمز للمقاومة أمام تبدلات الواقع السياسي الفلسطيني؟

-واقع الأمر أنَّ الأراضي المحتلة، تحوَّلت إلى مخيَّمات، وينطبق ذلك أيضًا على ناسنا في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م. من ناحية نضالية، تحولت فلسطين، منذ الانتفاضة الكبرى عام ١٩٨٧ إلى مفهوم المخيَّم نضاليًا. ذابت الفروق بين الريف والمدن والمخيمات. أصبحت فلسطين كلها رمزًا.

* المخيَّم في أدب غسان كنفاني يختلف عنه في أدب جيلك؛ ما الَّذي أضافه أسامة العيسة لـ "أدبية المخيَّم"؟

-ارتبط مخيَّم غسَّان كنفاني، بحركة المقاومة الفلسطينيَّة المعاصرة المسلحة في الشتات، بينما كان علينا نحن جيل المخيَّم بعد النكسة، أنَّ نجترح أشكالنا النضالية المختلفة، في ظروفٍ تكاد تكون مختلفة تمامًا، وفي بطن الحوت الاحتلالي، المخيَّم الَّذي عرفته تطوَّرت هُويته، واضحت فلسطينيته، أكثر رحابة، لا أزعم أنَّني أضفت جديدًا، لكنني كتبت وأكتب معتقدًا أنَّ مبرر الكتابة، هو تقديم شيئًا جديدًا. ربَّما كان مخيَّم كنفاني أكثر رومانسيَّة ثوريَّة وأملًا. لكن حتى مخيَّمات الشتات التي كتب عنها كنفاني تغيَّرت. تواجه تحديات أكثر من قوى محليَّة. دُمَّر الكثير منها ليس فقط بأيدي الأعداء. زرت مخيم شاتيلا في لبنان، تحوَّل إلى مدينة مهمشين، قد يكون معظمهم ليسوا من الفلسطينيِّين، يواجهون مشاكل عديدة مع الدولة، من نقص الخدمات الحاد إلى الملاحقات ومعظمها بمبررات جنائية.

*هل تعتقد أن النخبوية الثقافية أحياناً تعجز عن فهم "العصبية" والروابط العميقة التي تنشأ داخل الدهيشة؟

-أنتجت الدهيشة نخبويَّة سياسيَّة وثقافيَّة متعددة، منها نخب سلطوية مقررة في السلطة الفلسطينيَّة، ومنظمة التحرير وحركة فتح الحاكمة، ومنها نخب ثوريَّة معارضة، تدافع عن نسغ الهُويَّة الفلسطينيَّة كما يجب أن تكون كما تعتقد. المخيَّم ما زال قادرًا على المواجهة اليوميَّة مع الاحتلال، وتقديم الشهداء والأسرى.

*كيف يمكن للمكان (المخيَّم) أن يظل حياً في وجدان الكاتب حتى لو تغيرت ملامحه الديموغرافية؟

-يبقى المخيَّم حيًا، ويدرك ابنه أنَّه يمكنه خلال ربع ساعة مشيًا العودة إلى قريته المهجرة، أو نصف ساعة أو ساعة، على الأكثر بالسيَّارة. إضافة إلى أن انصهار هويات في المخيَّم، أنشأ حنينًا لا شفاء منه ليس فقط لمن سكنه ولكن لمن ولدوا في الغربة لعائلات سكنت في المخيَّم. تشارك الفقدان والألم والكفاح يضفر وجدانًا حيًا.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=928100&fbclid=IwY2xjawTV2oBwZG9mA2V4dG4DYWVtAjEwAGJyaWQRMWI5MWJsUFpWTFY3d08yY0pzcnRjBmFwcF9pZA81MTQ3NzE1NjkyMjgwNjEAAR5gQ9u_88SV9N_svw0tP_bNeZEBHwi06Zt_F8MijzRD8bGyzUJKNJNCCEpUMA_aem_7Y5SB0BwxwYUgXnu-Mcm-w