أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

"التربيع والتدوير في فن التزوير"


أبو غطاس واجه السجانين بتزوير الشعر..!
في شهر أكتوبر من العام الماضي، التقيت عطا الله أبو غطاس، وهو على وشك دخوله عامه الثمانين، بكثير من الطمأنينة والعنفوان، كما يليق، حسب اعتقاده، بمناضل ثوري، لم يتزحزح عن أفكاره القومية.
جلست مع أبي غطاس، في مزرعته في بلدة الخضر، غرب بيت لحم. أعرف أبو غطاس المناضل المخضرم مسبقًا، مثل كثيرين من أبناء جيلي والأجيال السابقة، التي رأت في أبو غطاس رمزًا، اشتهر كمناضل قومي، ثم ماركسي في الجبهة الشعبية، يعيش حياة كد، وكفاح، ومِنا مَن نظر وينظر إليه بأنه (دقة قديمة) في السياسة والفكر.
أبو غطاس، من عائلة مسيحية، من مدينة بيت جالا، ومزرعة الدواجن التي يملكها في بلدة الخضر المجاورة لبيت جالا، فيها أيضا منزل، وبقايا محجر، عمل فيه طالبًا، مع والده الذي ينتمي إلى تراث راكمه الحجّارة من بيت جالا، والذين ينسب إليهم الفضل في تشييد المنازل الحجرية اللافتة في القدس ورام الله.


قوميون..!
تحت ظل شجرة وارفة، وبينما كانت الشمس تتأهب للغروب، استمعت لأبوغطاس، الذي يحتفظ بقيم يصفها بالمبدئية، منذ انضمامه إلى حركة القوميين العرب في عام 1955، وعمره 17 عامًا، مدفوعاً بسمعة الحركة، وتضحيات أعضائها، ومنهم كما يقول، شامخ الكيالي، الذي استشهد تحت التعذيب.
في مذكراته، يذكر الراحل بهجت أبو غربية، الملقب بشيخ المقاومين، وأسماء مناضلين استشهدوا خلالالتعذيب القاسي في السجون الأردنية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن بينهم "الشاب شامخ الكيالي".
يتذكر أبو غطاس بزهو، ما يسميه الحضور اللافت للقوميين العرب، وتمتعهم بثقل، وأعداد فاقت ما لدى الأحزاب الأخرى، ومن بينها حزب البعث المنافس. ومن العمليات التي يفخر بها أبو غطاس، وضع متفجرات في مكاتب مجلس الاعمار في جبل اللويبدة في مدينة عمّان، وهو مشروع بتمويل أميركي، ومن القوميين الذين اتهموا بذلك محمد ربيع وهو من قرية لفتا، الذي كان عضوا في النادي القومي الذي أسسته الحركة.
ومن الواضح ان اسم ربيع وأسماء رفاقه ورفيقاته الذين اعتقلوا، ما زالت بالنسبة لأبو غطاس حاضرة، وكأن ما اتهموا بتنفيذه حدث بالأمس.
القطب القومي الراحل حمدي مطر، ابن قرية قالونيا قرب القدس، سيقدم رؤية، على الأرجح بأثر رجعي لوضع متفجرات في مجلس الاعتمار، قائلاان الهدف منها كان فقط الإزعاج. (جريدة المجد الأردنية بتاريخ 23/3/2008).
تعرض القوميون العرب لحملة اعتقالات، ولكن أبو غطاس، نجا من تلك الحملة، لوجوده في القاهرة، بغرض الدراسة. ولكن اتصاله لم ينقطع بالحركة، التي يقلل من خلافاتها مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
ويفخر أبو غطاس، بعد مرور كل هذه الأعوام، بان علاقة التفاهم بين الحركة وعبد الناصر، لم تكن تبعية، مشيراإلى ان المصريين، عرضوا دعم مجلة الحرية التي كانت تصدر في بيروت باسم الحركة، بـ 70 ألف جنيه، ولكن تم رفض ذلك، حتى لا يؤدي إلى تبعية لعبد الناصر.

مع وديع حداد
لأبو غطاس، ذكريات مع القائد الراحل وديع حداد، الذي تُرجح مصادر فلسطينية بأنه قضى نتيجة عملية اغتيال نفذها جهاز الموساد.
كُلف أبو غطاس في ستينات القرن الماضي، بالسفر إلى بيروت لمقابلة وديع حداد، حاملاً رسالة من قيادة إقليم الأردن لحركة القوميين العرب.
يتذكر أبو غطاس: "أنا من أشد المعجبين بشخصية وديع حداد، الذي كان مطلوبًا لدستة مخابرات كبرى في العام كالأميركية والبريطانية، وأخبرني عندما التقيته، بعد يومين من الانتظار في بيروت بأنه لدينا 12 دقيقة فقط للحديث، ولكن تم تمديد الوقت، بسبب انفعالنا، وغضبي لبعض التقصير من قبل القيادة".
ويضيف: "حملني وديع، رسالة إلى الدكتور جورج حبش الموجود آنذاك في دمشق، وطلب مني الذهاب إلى العاصمة السورية متخفيا، عن طريق حريصا، وعندما وصلت مكان الدكتور حبش، في اليوم التالي، فوجئت بوديع حداد مع حبش".
عاتب أبو غطاس، وديعا، قائلاً له:
-ألم "تركن" علي..!
نفى حداد مؤكدا ثقته بأبي غطاس:
-لقد طرأ شيء جديد، استوجب وجودي هنا..!
عندما سألت أبا غطاس، عن الفروقات الشخصية ما بين حداد وحبش، لجأ كعاشق للتاريخ الأوروبي الحديث، لذكر أسماء زعماء صنعوا الوحدة الايطالية، وقادوا معارك بحرية في بريطانيا، وهولندا، ليؤكد وجود آباء وجنود للحركات التغيييرية الكبرى.
بالنسبة له فان: "وديع هو الرجل العملي، الدينمو، الذي لديه القدرة على توفير المال، والسلاح، وكل شيء، ويمكنه مخالفة النظام الداخلي، وتحمل النتائج. لقد قال للقيادة: سأظل أنفذ عمليات ضد العدو في كل مكان، إذا أعجبتكم، تبنوها، وإذا لم تروق لكم، أعلنوا بأنني مفصول".
ومن مزايا حداد، حسب أبي غطاس: "قدرته على اختيار الرجال المناسبين لتنفيذ المهام، ومثال ذلك اختياره للشهيد جايل العرجا من بيت جالا، الذي استشهد في مطار عنتيبة في أوغندا".
اعتقل أبو غطاس، لمدة ستة أشهر في السجون الأردنية، لانتمائه لحركة القوميين العرب.
في الزمن (الإسرائيلي)
كان على أبي غطاس ورفاقه في الأراضي التي احتلها إسرائيل في حزيران 1967م، التخطيط لمواجه الاحتلال الجديد، وفي يوم 19-12-1967م، اعتقلت قوات الاحتلال، أبا غطاس، لتفرج عنه عام 1972م، لتعيد اعتقاله في شهر أيار 1976م، وظل في السجن حتى أواخر الثمانينات.
يتذكر أبو غطاس، شهيد الحركة الأسيرةخليل أبو خديجة، الذي يصفه: "ذكي ومناضل صلب، عندما اعتقل كان يعمل في كافتيريا دار المعلمين في رام الله، وأنا كنت ادرّس فيها، فيزياء ورياضيات، اعتقلت قوات الاحتلال ساجي سلامة، وأصبحأبو خديجة مراقبا، فقال لي: قرب موعد اعتقالي، ولدي "كوم" رصاص، وضعته في البوفيه، لم يربطني بابي خديجة علاقة تنظيمية، ولكنني أدركت خطورة بقاء الرصاص في كافتيريا دار المعلمين، فأخذته وخبأته، كان ذلك في أواخر سنة 1967م، وبعد فترة قصيرة اعتقلت".
خضع أبو غطاس للتحقيق في معتقل صرفند، الذي كان أسوأ مراكز التحقيق الاحتلالية، وهو عبارة عن معسكر أقامه الجيش البريطاني، وأمضى فترة التحقيق مكلبش اليدين والرجلين، لا يعرف الليل من النهار، وفي تلك الفترة خضع للتحقيق في نفس المعتقل تيسير قبعة وأسعد عبد الرحمن.
طبعا، تحول أبو غطاس، مع تحول الحركة، إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولديه الكثير من الذكريات في السجن، والتي تكشف عن صلابته، وخفة ظله، واجتراح الأساليب لمواجهة إدارات السجون المختلفة.
يتذكر أبو غطاس، مدير سجن رام الله، العربيالدرزي جيدًا: "اسمه حسّان، كان في الأربعينات من عمره، يضع قلادة نجمة داود تتدلى من عنقه، تشبها بالمحتلين، وكان يمارس علينا ساديته، يشن حملات على الغرف، ويطلب من الأسرى، إخراج الأبراش إلى الساحة، للتفتيش، أوإجراء تنقلات، وهذا تصرف يغضب الأسرى جدًا، بعد أن يكونوا قد خلدوا للعادات اليومية، و"الاستقرار"، والتعايش مع يوميات السجن، والتكيف مع الظروف الصعبة، يمكن للأسير، أن يكون قد وجد مخبأ لإخفاءأوراق معينة، أوأشياء ممنوعة، فتاتي حملات التفتيش والتنقل، لتحطم ما تم الاعتياد عليه".
من بين الأسرى الذين أثاروا إعجاب أبا غطاس، الأسير بدر القواسمي، الذي كان يتصدى: "لحسّان ونكده". يتذكر أبو غطاس: "كان بدر جريئا،، تصدى كثيرا لحسّان، وتصرفاته، قال له مرة: أنت لا تحترم نفسك، "تلحس" كلمنك بعد يومين، وأنت يا حسّان لا تصلح مديرا لسجن، وإنما بائع تذاكر على شباك سينما".
يضيف أبو غطاس: "كان بدر يدفع الثمن، تم زجه في الحبس الانفرادي في الزنزانة، وعندما عاد إلينا في الغرف، في إحدى المرات، بعد قضائه ثلاثة شهور في الزنزانة، أحضر معه، حفنة من الملح المتحجر، بفعل رطوبة الزنزانة، أخبرني، بأنه لم يكن يقبل على نفسه أن يزجي بعد الوقت مع الحارس، لأنه من جنود العدو، فكان يفتعل المشاكل معه، ويصرخ به، ويطرق على باب الزنزانة، إنه أسلوبه، لكسر الإحساس بالوحدة في زنزانة العزل".
تحرر القواسمي، في عملية تبادل الأسرى الشهيرة التي جرت في منتصف ثمانيات القرن العشرين، وابعد إلىالأردن، وعندما قابلت أبا غطاس (أكتوبر 2015م)، كان قد عاد قبل أيام من عمّان، التي كان ممنوعا من السفر إليها، من قبل المخابرات الأردنية.
قال أبو غطاس: "بحثت عن بدر في عمّان، وقابلته، مثل هذا المناضل الصلب لا يُنسى، عمره الآن 73 عامًا".
تزوير الشعر
يحتفظ أبو غطاس، بدفاتر خَط عليها أشعار داخل السجن، ومعظمها معارضة لقصائد يحفظها، لفطاحل الشعراء، فيها الكثير من الطرافة والهجاء والسخرية، ويسمى ما كتبه من شعر "التربيع والتدوير في فن التزوير"، ويقر بأنه مزور شعر..!
مثال على ما كان يردده في السجن، في هجاء حسّان مديره:
تبا لحسانٍ يثني جيده/كالمومس الحرة تحث الراكبا
تبا لضباط تلاحق خبزة / مرذولة أو مرجرينا ذائبا
إيه عميد السجن كلُّ لئيمةٍ/  لابُدَّ – واجدةٌ لئيماً صاحبا
ولكلِّ "فاحشةِ " المَتاع دَميمةٍ،  سُوقٌ تُتيحُ لها دَميماً راغبا 
تبا لحسان يصغر خده، للساكبين دما زكيا ساربا
**
وهذه الأبيات، قبل "تزويرها" قالها الجواهري في واقعة تخص السياسي العراقي نوري السعيد، ومطلعها: "إيه عميد الدار كل لئيمة"
بعد خروجه الأخير من السجن، عاد إلى مهنته كمدرس. مع تقدم ليل تشرين، وتسلل الرطوبة إليه، كان أبو غطاس، ما زال لا يشعر بها، وهو يتذكر الكثير من زملاء المعتقل، وحكاياتهم ليدلل، على أن شعبنا سينتصر، مهما طال السفر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق