أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

حقيقة عشق غادة السمان للنشاشيبي

في ذلك اليوم، 25 نيسان (أبريل) 1994، كنت أغذ الخطى نحو حي الشيخ جراح في القدس، حيث تقع فيلا الصحافي المعروف ناصر الدين النشاشيبي، بناء على موعد مسبق لإجراء لقاء معه، لينشر في صحيفة "كل العرب" التي كان يرأس تحريرها الشاعر سميح القاسم وتصدر في مدينة الناصرة. كان النشاشيبي يستعد لإصدار صحيفة باسم "أخبار البلد" واستكتب عددا من الكتاب من بينهم القاسم الذي رغب في نشر حوار مع النشاشيبي في صحيفته. واختار النشاشيبي اسما لصحيفته محاكيا اسم صحيفة "أخبار اليوم " التي تصدر عن دار أخبار اليوم المصرية، واختار هو أن تصدر صحيفته عن مؤسسة اسماها دار أخبار البلد في القدس. ولم يكن الافتنان بمصر يقتصر على ذلك، بل بدا الزمن وكأنه توقف بالنسبة للنشاشيبي عند المطربة اسمهان التي رافقها إلى فندق على البحر الميت، أو عند  كرهه للصحافي موسى صبري، الذي يصر أن يذكر اسمه ثلاثيا، موسى صبري شنودة توكيدا لقبطيته، وذكرياته عن علاقته بالراقصة هاجر حمدي، أو عند تلقيه مكالمة من عميد الأدب العربي طه حسين الذي شاركه في رئاسة تحرير صحيفة ثورة يوليو: الجمهورية، يسأل فيها عن راتبه رغم عدم دوامه في الصحيفة، وغير ذلك من التفاصيل التي  يبدو أنها لم تغادره أبدا.
ومضى الحوار المليء بتفاصيل يمكن إيرادها في مناسبة أخرى، حتى سألته سؤالا لترطيب الأجواء التي كانت حارة بسبب سخونة ربيع القدس في ذلك العام وأشياء أخرى.
حب صاعق
سألت النشاشيبي سؤالا تقليديا ولكنه بدا وكأنه لا بد منه:
*من هي المرأة التي احتلت كل موانئك؟
فأجاب بشكل مفاجئ:
*زوجتي الأولى..
ومعروف أنها ابنة عائلة لبنانية سياسية عريقة وكريمة، وكان هناك من همس في أذني من العاملين مع النشاشيبي، أنه لا يحب الحديث عن تلك التجربة أبدا (بعد سنوات تحدث النشاشيبي في حوار اجريته معه بالتفصيل عنها).
وعدت اسأل النشاشيبي:
*فقط؟
فأجاب بصوته الحماسي المعروف:
"اسمع..كل امرأة عرفتها احتلت عنبرا في مينائي، وكانت أخرهن فتاة من العائلة الحاكمة في الإمارات، جمعنا الحب الصاعق من النظرة الأولى، عندما دخلت مكتبة صديقي رياض الريس بلندن لاشتري كتبا جديدة، ورأيت فتاة سمراء، عيناها واسعتان، كأنهما واحات خضراء في صحراء هذا العمر، بادرتني بالسؤال التقليدي: "الأستاذ فلان، لقد قرأت كتبك وأنا أسعد واحدة لأنني قابلتك".
وسألتها "كم كتابا قرأت" فقالت "عشر كتب"، قلت:
"باقي عشرين كتابا، وأهديتها كتبي العشرين، ومع كل إهداء وصف جديد لها يتغنى بجمالها وأناقتها وأدبها وكلامها وانفها وعينيها...الخ.
واكمل النشاشيبي بحماس:
"وكما يقول عبد الوهاب: التلاقي هو الوداع، فاتفقنا أن نتراسل ووصلتني رسالة منها، وبقية رسائلها مكنوزة ألان في بيتي بلندن، علني أصل إليها بسرعة. وبدا وصفه للقائه اليتيم مع تلك الشيخة الإماراتية بأنه حب عاصف مستغربا.. ومن واقع حوارنا وحديثه خارج التسجيل عن سميرة خاشقجي، شقيقة عدنان ووالدة دودي الفايد، التي عمل معها في مجلة نسائية اسمها "الشرقية" سألته عن طبيعة علاقته بها، فأجاب:
"سميرة خاشقجي نموذج للمرأة العربية المتحررة، عملت معها مستشارا في مجلتها المميزة الشرقية، ارشق مجلة نسائية على الإطلاق، وكانت سميرة تدفع لمجلة (آل) 100 ألف دولار شهريا للحصول على مواد (آل) النسائية وكانت تنشر أزياء من أكبر محلات باريس".
وأضاف "أعجبت جدا بسميرة خاشقجي، وعرفتها في أشد حالات المرض وحالات السعادة، تزوجت وطلقت ثلاث مرات وكانت تشكو إلي وأعطف عليها"
ثم ضحك النشاشيبي قائلا: "وأحمد الله بان عطفي عليها لم يتحول إلى الحب".
غادة السمان
وبدا النشاشيبي مستعدا أكثر للحديث عن المرأة ،ولكن لم أتوقع أن يفاجئني بالقول أن علاقة حب جمعته بالأديبة السورية غادة السمان، وأنها من طرف واحد، بالطبع طرفها، فلم أتمالك نفسي من التعليق:
*يعني، أصبحتم فلسطينيين اثنين أحبتكم غادة السمان..؟!
وكنت أشير بالطبع إلى مبادرة غادة السمان بنشر رسائل قالت أن الأديب الفلسطيني غسان كنفاني أرسلها لها، واثار نشر الرسائل في حينه ضجة أدبية. ودار حديث حول الموضوع لا أريد أن أتطرق إليه، هنا والان، ولكن أود  إيراد ما سجلته مما قاله ووافق على نشره بالنسبة لغادة السمان:
"..وما دمت مهتما سأكشف لك سرا عن علاقة حب عاصفة جمعتني بالأديبة غادة السمان، وجمعتني لقاءات بها قبل أن تتزوج، وشرفتني بالزيارة إلى منزلي بجنيف أقامت معي، وما كتبته في كتابي (المرأة تحب الكلام) تحت عنوان (كاتبة الليل) كان عن غادة السمان".
ثم أضاف ينتقي كلماته: "..وما زالت معجبا بها وبجرأتها وبحديثها وصوتها وكلامها الذي يفوق حسنه كلماتها المكتوبة على الورق".
وتأكيدا على صدق كلامه قال: "أنني احتفظ برسائلها إلي، وسيتبين للقارئ عندما انشرها أن إعجابي بها لم يرتفع إلى حبها لي، وعندما يقرا قصتي (كاتبة الليل) سيفهم ما اعني، وسلامي إلى غادة التي أرجو أن لا تغضب عندما تقرأ هذه الكلمات ولا تسمح لنفسها بان تشتمني في مقالها الأسبوعي على صفحات مجلة الحوادث، فهي سمحت بنشر رسائل غسان إليها".
عاشقة الليل والثلوج
لم يخل الكلام عن حبها الكبير وإعجابه الأقل بها من غرور واضح، وعندما نشر هذا الكلام ضمن حديث طويل احتل مساحة صفحتين ونصف من صحيفة "كل العرب" (29/4/1994) التي تصدر بحجم التابلود، لم تقرأه غادة السمان على الأرجح بسبب مكان صدور الصحيفة وعدم انتشارها خارج الأراضي الفلسطينية، ولم يعرف القراء رأيها باعترافات النشاشيبي أو بما عرضه علي وقال إنها رسائلها إليه.
ولكن النشاشيبي في كتابه "المرأة لا تحب الكلام" وتحت عنوان (كاتبة الليل) ذهب بعيدا في وصف سلوك غادة السمان. وحسب النسخة التي أهداني إياها بكلمات لا تخلو من مبالغة، فان الحكاية الصحافية التي قال أنها عن غادة السمان تتحدث عن كاتبة التقت مع كاتب على شاطئ بيروت فقبلها على فمها وسهرا، بناء على طلبها حتى الفجر. ومضت قصة حب بين الاثنين، حتى سافرت إلى لندن وبدأت تكتب له رسائل حب ملتهبة، تشكو صدوده وعدم اكتراثه برسائلها. وفي حين كانت هي في لندن يغمرها الشوق إليه اصبح هو في جنيف، لا يريدها لأنه احب واحدة جديدة هي الفرنسية مارتين التي تركت صديقها الطبيب واستقالت من عملها لتكون بجانبه، وهو يفضلها على تلك التي اخذ يسميها الشرقية التي تتلهف عليه ويخشى إذا رد عليها أن تلحقه إلى جنيف. وأخيرا، بعد إلحاحها، كتب لها انه ينتظرها في جنيف فلم تصدق الشرقية نفسها، فهرعت إليه لتراه وتسمعه وتقبله. وأقامت معه في شقته في جنيف، وعندما تظهر الفرنسية مارتين تتنافسان عليه، ويبدأ يطلق على عشيقته الكاتبة الشرقية لقب (الضائعة)، وبعد التخلص من مارتين تحاول التخلص من عشيقاته الأخريات ليبقى لها وحدها.
 وفي نهاية حوار حب بينهما احتل صفحة كاملة من الكتاب تقبله قائله له:
-إن جنونك أحلى ما فيك..كذلك كان جنون غسان..وكمال!
والإشارة واضحة إلى غسان كنفاني أما كمال فالمقصود هو الشاعر والسياسي كمال ناصر الذي اغتيل في نيسان (أبريل) 1973 في حي فردان في بيروت على يد فرقة كوماندوز إسرائيلية قادها يهود باراك (وكانت غادة نفسها، ألمحت في حديث صحافي عن علاقة ربطتها بكمال ناصر).
ثم يصف مشهداً ساخناً بينهما، يقطعه اتصال من عشيقة جديدة، وتمضي القصة تتحدث عن عشيقاته المزعجات للشرقية الضائعة في ثناياه التي أحبته والتي في النهاية تقرر المغادرة من ليل وثلج جنيف إلى لندن، رغم أنها ما زالت تحبه.
والقصة مليئة بالتفاصيل التي يقول النشاشيبي إنها عن الأديبة غادة السمان.
بعد أشهر من ذلك اللقاء ولقاءات أخرى متتالية، ضايقت أجهزة السلطة الفلسطينية النشاشيبي، وجعلته يوقف مشروع صحيفته بعد إصداره عدة أعداد.
 أعيد هنا، بعد رحيل النشاشيبي، نشر هذه الصفحة من تاريخ الصحافة العربية، والتي نشرتها سابقا في حياة الطرفين، كي يتمكنا، ومعهم القراء من الاطلاع وربما التعقيب أو التكذيب!..
 http://www.qabaqaosayn.com/content/%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B9%D8%B4%D9%82-%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D9%85%D8%A4%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D9%8F-%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D8%A8%D9%8A

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق