أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 29 مايو، 2016

رواية مجانين بيت لحم/باء رحّال


إنها الطريق، طريق المجانين، اللذين استقر بهم الحال في المصحة، يجدفون أيامهم في الحياة شاكرين الحظ علی نعمة النسيان، ووحدنا القريبين من تفاصيلهم، هكذا كنا نعتقد قبل أن نقرأ الكتاب الذي يحمل اسمهم، حين دعانا الكاتب الرائع اسأمه العيسة لنأخذ أشواطا من القراءة المعمقة في حياة تلك الفئة من الناس الذين لم يعتدوا على احد بل احتملوا اعتداءات العقلاء عليهم دون أي ذنب.

يسطع نجمهم في كل زمان ويحاولون ما استطاعوا الهرب من عمر الخيبة والرجفة والنكبة بعيدا عن الأضواء إلي جنون اختلف في أمره العقلاء، بعضهم ذهب إلى خلف حدود العقل المحفوف بالغيبة والحقد والكراهية، وبعضهم شاء أن يلجأ إلى تلك المساحة الهادئة بعيداً عن الضوضاء والمشاكسات المتعبة، فمنهم من استقر به الحال عمراً لم يعده في حضرة من رفع القلم عنه، ومنهم من اجتزأ أيامه فسحة يعود إليها، ثم يخرج إلى ساحة العقلاء الذين مل منهم وارتعب.
لقد استطاع الكاتب العيسة أن يأخذنا في رحلة شهية إلى أيام مضت، والى سنوات تزاحمت فيها رائحة الاحتلال والاستعمار والبدايات الأولى من أوسلو، أوسلو الذي سطا على مجانين بيت لحم وقاسمهم في ارض كانوا يظنون انها ملكهم، وان القوى الكبيرة التي احتلت المدينة لم تنتزع منهم هذا الحق، بل حفظته داخل أسوار محصنه قبل أن يلتهم العقلاء أجزاء منها حين عادوا فاتحين، محررين، باستقلالهم البائس.
مجانين بيت لحم في زمان الخيبة ما حاجتنا للعقلاء، سؤال قد تراه بشكله عادي لا معنى له، ولكن اعد القراءة مرة أخرى، أعدها مرات ومرات لترى عمق هذا السؤال الذي يضع العقلاء القارئين أمام عجز الإجابة، فوحدها ذكرياتك هناك تلتحم مع زمانها البريء الذي لم يكن يعرف قسوة التغير وسطوة الأفكار التي تجمعت في حضور الذاكرة، فلم تكن الدهشة إلا تعبيراً خارقاً عن جمال مكان لم يكن لأحد أن يتوقع أن يكون محط أحلام اللاجئين، اللاجئين المشردين من قراهم لتحط رحالهم بحثاً عن الأمن وعن منطقة تأويهم في ذروة الحرب والهجرة، وسط عمليات القصف والقتل وهجمات العصابات الصهيونية آنذاك، فكان المجانين رفقاءً وجيران رحيمين، وكانوا عقلاء ينتابهم الجنون.
أسامة العيسة عاد بنا سنوات إلى الوراء، فتح أبواب الحنين لأيام غاب شخوصها وغيبتنا ظروف الحاضر الذي أخذنا بعيداً عن تلك المساحات التي كبرت فينا، عدنا في خضم فصول الرواية كأننا لم نكبر، عشنا أيام المجانين، أيامنا التي كنا فيها نكذب حين وجدنا أنفسنا عقلاء والقينا بالتهمة جزافاً على مجانين ليسوا بالمجانين، ولم نلتمس لهم أعذارا، فربما سخروا من الخيبة والهزيمة عقلاء فراحوا يختبئون خلف الجنون ليخلعوا عنهم أوسمة العار التي حملناها نحن العقلاء وتفاخرنا بها، فلم يضحك علينا المجانين بل نظروا إلينا بعين الشفقة ودعوا بقلوبهم الرحيمة أن نصاب بالجنون كي يسقط عنا وزر الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق