أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 17 مايو 2016

الغور المشتعل..!











يطلون، بين الوهلة، والأخرى، بأقنعتهم التي تغطي الرؤوس والوجوه، بين برهتي النزول إلى الأرض، لالتقاط الثمار، والارتفاع، مع إبقاء الظهور منحنية، لوضع القطاف في سحاحير خاصة.

يضع فلاحو الأغوار، أقنعتهم، في محاولة لمواجهة الشمس الحارة، والتي تتحول إلى حارقة في شهور الصيف. وهذا المناخ القاسي، هو ما جعل منطقة الغور وكأنها بيت بلاستيكي طبيعي ضخم، تحت مستوى سطح البحر، ينتج وفقًا لإحصاءات منظمات غير رسمية، 35% من المنتجات الزراعية الفلسطينية، منها 60٪ من الخضروات،  و40٪ من الحمضيات و 100٪ من الموز. ولكن ماذا تشكل الزراعة من الإنتاج القومي الفلسطيني؟ ليس أكثر من 10% في أحسن الأحوال.
الغور الذي يفترض أن يشكل سلة الغذاء للفلسطينيين، لم يعد كذلك، بسبب ممارسات الاحتلال، والتي بدأت بعد حرب حزيران 1967 مباشرة، بتدمير القرى الزراعية على ضفاف نهر الأردن، وتطهيرها عرقيا وإغلاق مناطق شاسعة.
"لمن نترك الأرض؟"
في غور دامية، كان الفلاحون يقطفون الباذنجان، تحضيرًا لتوريده وبيعه بسعر منخفض، وهو أحد المؤشرات على معاناة المزارعين في الأغوار.
العمل في الحقول التي زارها مراسلنا، يتخذ طابع عائلي، وتحدث أحد أفراد العائلة، الذي طلب لاحقًا عدم ذكر اسمه، عن المعاناة المتعددة، والتي تتمثل بالاحتلال الذي لا يسمح بالمكوث في الأرض إلّا ساعات محددة، والتضييق على الحركة، ونشر حقول الألغام، ورمي النفايات في المكان.
وداخل خرائب مصنع سمنة قديم، في غور دامية، يمكن مشاهدة تلال صغيرة من النفايات التي من الصعب تحديدها، ولكن وفقا للمزارعين، فإنها بقايا المياه العادمة التي يعالجها المحتلون، كي تصبح صالحة للزراعة.
في الأغوار يمكن رؤية برك من المياه العادمة، يتم سحبها، كما يقول الفلاحون، من وادي النار، ومعالجتها، وضخها لمزارع المستوطنين، وبالنسبة للمزارعين الفلسطينيين الذين يعانون شح المياه، فعليهم تحمل نتائج رمي النفايات على أرضهم.
شكاوى المزارعين عديدة، ومنها، محاولة استحواذ شراكات لرجال أعمال فلسطينيين وعرب، ذات تمويل قوي، الاستحواذ على المياه القليلة للمزارعين.
أزمة المياه متفاقمة، وسببها، حظر حفر آبار مياه جديدة، وحفر آبار لصالح شركة المياه الاحتلالية (موكوروت)، تسنزف مياه اليبنابيع الفلسطينية، والمخزون الجوفي.
وأدى ذلك إلى خوض بعض المزارعين الذين تحدثوا لمراسلنا، إلى ما يشبه النضال دفاعًا عن حقوقهم، وحققوا نتائج مرضية إلى حد ما، رغم غياب النقابات التي تدافع عنهم، وعن حقوقهم.
يقول أحد المزارعين: "استأجرت الأرض منذ سنوات، مع عائلتي، وإذا حسبنا الناتج النهائي، فمتوسط دخل المزارع اليومي لا يتعدى الـ 20 شيقل، نفكر بتغيير مهنتنا، ولكننا نتساءل لمن نترك الأرض؟".
مصاعب لا تحتمل..!
معاناة المزارعين في الأغوار من الاحتلال، لا تتوقف عند حد، ومنها مثلا، إغلاق مناطق شاسعة، ومصادرتها، وإعلانها مناطق تدريب عسكرية، أو محميات طبيعية، ومن يدخل من المزارعين إلى هذه المناطق، للرعي، فعادة ما يتم مصادرة دوابه، وفرض غرامات باهظة عليه.
وحسب بعض المزارعين، فان المحتلين صادروا 24 بقرة لأحد المزارعين، بحجة الرعي في محمية طبيعية، ونفقت ستة منها، ودفع 1500 شيقل لاسترداد الباقي.
يعتمد المزارعون في الأغوار، بشكل كامل تقريبًا، على مكونات الإنتاج الإسرائيلية، مثل الأسمدة والبذور وشبكات الري، مما يجعل الشركات الاحتلالية، تتحكم بالسعر والجودة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فيتم إغراق الأسواق الفلسطينية، بالبضائع الاحتلالية، وخصوصا تلك المنتجة في المستوطنات، ويبدو أن حملات المقاطعة، لم تنجح ليس فقط بوقف هذا الإغراق، وإنما حتى الحد منه.
يقول مزارع: "نعاني من تدمير البنى التحتية للزراعة، واستهداف قطاع الثروة الحيوانية، بالمصادرة والغرامات، ومنع المزارعين، في أحيانٍ ليست قليلة الذين لا يحملون بطاقات شخصية فيها عناوين إقامة لهم في الغور، من الدخول إلى أراضيهم، وهذا يحيلنا إلى الحواجز العسكرية العديدة، التي تشكل عقبات إضافية تمس الحياة اليومية والمعيشية لنا".
وحسب بعض المصادر، فان أغلبية المواطنين في غور الأردن، يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى البطالة المرتفعة، التي تدور نسبتها حول 20%
تناقض الغور
تزدهر في غور الأردن، ما يمكن تسميتها بسياحة المستوطنات، والتي تستقطب إسرائيليين وأجانب، ويوفر جيش الاحتلال الحماية لها.
ولكن من الصعب أن يكون هناك سياحة فلسطينية خاصة بالغور، ومنها إجراءات الاحتلال على الحواجز المؤدية إلى الغور، وإغلاق مناطق شاسعة أمام الفلسطينيين، والتدريبات العسكرية، ومخلفاتها التي تؤدي إلى انفجارات، وبناء جدار العزل، بين المدن السياحية الثلاث: القدس، وبيت لحم، وأريحا.
يشكل غور الأردن، نحو ثلث الضفة الغربية، ولكن 88% من أراضيه مصنفة ضمن مناطق (ج)، مما يجعل أي تطوير مستحيلا.
 من يتجول في غور الأردن، سيرى التناقض واضحًا بين منازل المستوطنين وحدائقها الخضراء، ومنازل المواطنين التي يبدو عليها الحرمان، الحرمان من المياه، ومن الحركة، ومن الخدمات، ومن الكهرباء، ومن المدارس، ومن الشوارع، ومن كل شيء.

كل شيء في الغور، يشي بأنه مشتعل، أو في طريقه للاشتعال..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق