أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 10 مايو، 2016

في الطريق إلى الكهف الرابع..!










تكتسب الأرقام الفردية في ثقافة الشرق القديم، معان سحرية، إلا أن الأمر قد يختلف، ولو لمرة واحدة في برية البحر الميت، عندما يتعلق الأمر بالكهف رقم 4، الذي اكتشفت فيها المجموعة الأولى مما سيعرف على نطاق واسع باسم مخطوطات البحر الميت.

يقع الكهف الرابع في خِربة قمران، المطلة على البحر الميت، والتي حازت، بفضل اكتشاف المخطوطات شهرة عالمية.
لا يتمكن زوار قمران، التي تخضع لما يسمى سلطة الحدائق الوطنية الإسرائيلية، من الوصول إلى الكهف الرابع، لخطورة الطريق إليه، ولكن يمكنهم تصويره من مكان قريب.
ورغم الدهشة التي تعتري الزوّار، عندما يرون الارتفاع الشاهق للكهف، الذي خبأ فيها الأسينيون، الذين عاشوا في قمران، حياة اشتراكية، مخطوطاتهم، كي لا يصلها أحد، إلا أن تجربة الإطلالة على الكهف الرابع، بعد المشي في وادي قمران، لنحو 10 كلم، تجعل التجربة مختلفة تمامًا.
انطلق المشاركون في رحلة المشي التي نظمها نادي الاستغوار الفلسطيني، من خِربة مرد إلى قمران، في مسار بطول نحو 15 كلم، واستراحوا قليلاً، استعدادًا للوصول إلى وادي قمران، حول بركة مؤقتة، تجمعت فيها مياه الأمطار، وتحولت كثير من الخنادق التي حفرها جيش الاحتلال، لغايات التدريب إلى بركٍ صغيرة، ومستنقعات، تنمو فيها النباتات الصحراوية.
أدرجت سلطات الاحتلال، وادي قمران، ضمن ما تطلق عليها محمية أجراف البحر الميت، والمقصود بذلك التلال الوعرة المرتفعة لعشرات الأمتار، المطلة على الشاطيء الغربي للبحر الميت.
والسير في الوادي يكتنفه بعض الصعوبة، ويمكن رؤية العديد من سيول الماء، التي يترقرق فيها الماء الزلال، ويقبل السائرون في الوادي على الشرب منه، لعذوبته.
يزداد السير في الوادي صعوبة، حتى يصبح فيه مستحيلاً، مع الأجراف المرتفعة، والتي يستخدم بعضها هواة التسلق لممارسة هوايتهم.
ويصبح النزول إلى خِربة قمران متاحا أكثر، وان بصعوبة أيضًا، عبر أنقاب ضيقة، من خلال الأجراف الصخرية، حيث يظهر الكهف الرابع مميزًا في أعلى مرتفع يغلب عليه اللون الأبيض.
في عام 1947، وصل محمد الذيب ومحمد حمّاد إلى هذه المنطقة، مع أغنامهم، ليكونا على موعدٍ مع أحد أهم المكتشفات في القرن العشرين.
توفي محمد الذيب، قبل سنوات في مخيم للاجئين في الأردن، وما زال محمد حمّاد يعيش في مدينة بيت لحم، ويتذكر تلك اللحظات التي غيرت تاريخ الآثار في فلسطين، وتاريخه الشخصي.
يقول حمّاد لمراسلنا: "كان عمري (12) عاما ومحمد الذيب (10) أعوام، عندما كنا نرعى الأغنام في منطقة عين الفشخة على تخوم البحر الميت، بجانب السيل المعروف الذي يصب في البحر الميت، ونبيت في أي مكان تصل إليه الأغنام عندما يدخل الليل".
ويضيف، بأنهما في ذلك اليوم من ربيع 1947م، وصلا بالأغنام إلى وادي قمران، ووجدا كومة من الحجارة بينها فتحة، وعندما نظرا منها، قدرا أن الفتحة تبعد عن الأرضية ثلاثة أمتار، واعتقدا انها بئر، وعندما رميا حجارة صغيرة في الداخل سمعا صوتا بشبه الجرس، فاعتقدا انه ربما يوجد في الداخل ذهب.
ويروي حمّاد انه ربط كوفيته مع كوفية محمد الذيب، ونزل الأخير من خلال الفتحة، وحمّاد يمسك بالكوفيتين المربوطتين على شكل حبل، حتى وصل الذيب إلى الأرضية، فأخبر حمّاد انه في غرفة مساحتها عشرة أمتار تقريبا، ومملوءة بأزيار الفخار، وكل زير عليه غطاء.
تأكد حمّاد والذيب أنهما لقيا كنزًا من الذهب، خصوصًا وانهما كانا يسمعان من الحكايات أن الأقدمين يخبئون الذهب في أُزْيار وجرار. ويقول حمّاد: "لم يكن يخطر ببالنا أننا سنكتشف ما هو أهم من الذهب". وعندما بدأ محمد الذيب بفتح الأُزْيار وجد جلود غزلان ملفوفة وعليها كتابة، ولأنهما أميان، اعتقدا ـ كما قال حمّاد ـ ان الذي وجداه هو سحر أو نوع من الأحجية أو ما شابه ذلك.
لا يمكن تقدير الجهود المبذولة من قبل المحمدين، إلا بعد رؤية ما أصبح يعرف باسم الكهف رقم 4، الذي وجدت فيها المجموعة الأهم من المخطوطات.
وبهذا الاكتشاف الذي سرعان ما انتشر، أعاد المحمدان قمران للحياة من جديد، بعد غياب أكثر من ألفي عام. والتي سكنتها جماعة الأسينيين الدينية، التي انقطع أفرادها لكتابة المخطوطات، وتم الكشف عن قاعة المكتبة التي استخدموها، وآبار الماء والأفران والبرك، وغيرها من أثار تم ترميمها ويمكن رؤيتها الآن، وتذكر بتلك الملحمة التي خطها الأسينيون، على ضفاف البحر الميت، ولسبب ما دُمرت، وعلى ما يبدو، انه في اللحظات الأخيرة، وقبل تدمير قمران، تمكن الأسينيون من تخبئة مخطوطاتهم في الكهوف المجاورة، وأهمها الكهف الرابع الذي ما زال في مكانه وهرًا ومرتفعًا وشاهدًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق