الجسر الخشبيِّ؛
الَّذي غنَّت له فيروز، مؤكدة أنَّه سيكون جسر العودة، لم يعد خشبيًا منذ زمن،
أصبح إسمنتيًا، بدعم ياباني. فالنمر الأسيوي الرابض (رابض أين؟ ولمن؟)، مثل كل
المانحين للسلطة الرسميَّة أو منظمات الأنجزة، لديه الاستعداد لدعمنا، ليس لإنهاء
الاحتلال، ولكن لإطالة عمره، كي نتحمله أكبر فترة ممكنة. ولإفساد من يتمكَّن من
إفسادهم.
في 13 سبتمبر
الماضي، سجَّل معي العزيز مصطفى الَّذي يعد اطروحة عن الجسر، مفهومًا ومعنىً،
وأشياء أخرى، مدَّة 2 ساعة و58 دقيقة و8 ثواني، حسب عدَّاد الواتس.
أوَّل لقاء لي
مع الجسر لا أذكره، قد يكون بعد نسف الاحتلال المنتشي بنصره الحزيراني، للجسور.
لملمت الأم أولادها مع أخريات، تجمعن في ترك الجار مفلح، منكوسين إلى الضِفَّة
الشرقيَّة. تاركة الوالد، الذي نُكب فأصبح لاجئًا، ونُكس، ولم يرغب أن يصبح نازحًا،
يرفع سراوله الأبيض، علمًا، مع دخول المحتلين الجدد. لم يجترح الفلسطينيِّون، مصطلحًا
يمكن أن يطلق على المنكوبين والمنكوسين، مثل نكبسة، ومنكبسون، وعائلات منكبسة. كما
يمكن أن يطلق على عائلتي التي شتت على ضفتي النهر.
ما بين خوفي من
الجسر، عندما تمشي عليه الحافلة أخيرًا من رحلة عذابٍ إلى أخرى، فنسمع صوت الخشب،
فيشعر الطفل الذي كنته، بدنو السقوط في الماء، إلى مكابدات الجسر الإسمنتي، وآخرها
يوم اللز على الجانب الأردنيِّ، العام الماضي، الَّذي جعلني أتخذ موقفًا راديكاليًا،
فاعتذر عن دعوتي سفر، فالمشكلة لن تكون في اللز والحز، ولكن في الانقطاع في الأردن،
والخشية من نفاذ المال، الذي سينفذ أخيرًا، والتشحطط.
في عمَّان، لا
بيوت استضافة للكتَّاب من البلاد العربية المنكوبة (المصطلح للدكتور ياسر سليمان)،
يمكن أن تضطلع بها مؤسَّسات الكتَّاب، الَّتي تتصارع انتخابيًا وسياسيًا وحزبيًا،
على اسم فلسطين دون فعل حقيقيِّ. فالكتل المتنافسة تحمل أسماءً مثل غزة الصمود
وكتلة القدس. الفعل الشعارتي لا يقتصر على الجانب الرسميِّ، الذي يؤكد على رسالة
وفلسفة للجسر، ولكن أيضًا على مؤسَّسات كرابطة الكتَّاب أو اتحاد الناشرين.
قبل سنوات،
قدَّم لي صديق العائلة أحمد محيسن، في عزاءٍ في عمَّان، نائبًا في البرلمان
الأردنيِّ، أخبرني أنَّه مكلَّف بدراسة وضع الجسر، لتقديم توصيات. تحدَّثت، لكن
الأزمة استفحلت خاصَّة بعد السابع من أكتوبر.
الرؤية لما
سمي سياسة الجسور المفتوحة، من بنات أفكار الجنرال الديَّان، حيث أصبح الجسر، رحلة
جهنميَّة، بمثابة اختبار لجسد الفلسطينيِّ وروحه، بقرارات وقوانين قارقوشيَّة. ينطبق
عليه مقولة فوكو حول السلطات الميكروسكوبية، فيمكن لأي كان فرض سيطرته والثمن
الماليّ، السيطرة الَّتي تبدأ من مكان الانطلاق الى الجسر من جانبيه الفلسطينيِّ
والأردنيِّ.
بعد أوسلو، ثمت
اختبار آخر للحسّ الأخلاقيّ الإنسانيّ، بعد استحداث ما عُرف بخدمة الفي أي بي،
وأظهر كيف يمكن لنخب، تقبل على نفسها أن تكون مميزة عن ناسها، منفذة سياسة
الاحتلال التمييزية، ضمت أنجوزيين، وأنجوزييات، ووزراء ونوّاب، ونشطاء اتحادات
ونقابات صحفيَّة وأدبية وحرفية. يغادرون للحديث في المحافل العربيَّة والدوليّة عن
معاناتنا نحن مساكين الجسر والأرض. يحب المانحون أن نتحدث لهم عن أنفسنا كضحايا،
وهم سبب أننا ضحايا.
تُسُّرب
تحقيقات عن فساد في خدمة الفي أي بي، ويتردَّد اسم وزير مواصلات هارب، ما يعكس
الأزمة الأخلاقيَّة الصارخة لمستخدمي الخدمة، وليس فقط من يقدِّمها.
ثمت جذور لهذا
العفن، احتج ممثلو الشعب في المجلس التشريعي الأوَّل لتأخر وزير الارتباط في
السلطة الفلسطينيَّة، إصدار تصاريح الفي أي بي لهم. شهدت كيف رفع النائب مروان
كنفاني، نجم الأهلي المصري سابقًا، صوته متهكمًا كيف أن سكرتيرة الوزير حصلت على
التصريح السحري، قبل النوَّاب. كنفاني، الذي عاد إلى الأرض المحتلة بمرسيدس سوداء
(خنزيرة) غادرها، وهو الآن في الخارج، مثل عديدين لا نعرف عددهم، يستفيد من راتبه
التقاعدي المجزي، الذي على الأرجح لا يحتاجه، وربما يبدي حماسة لتضحياتنا وصمودنا،
ويؤلف فينا كتبًا وقصائد، كحال شعراء مؤسَّسات الكتَّاب الأردنيِّين والعرب.
في الواقع،
أنَّنا كلنا في الأرض المحتلة، كنا نحظى بالدخول إلى بلادنا، الَّتي يوفرها
التصريح السحري. قبل ممثلونا أن يتمايزونا علينا، بينما حرمنا مما حققناه. عندما
نقبل أن نُمثَّل، فعلينا أن نفهم، أن حريتنا فقدت، خنقها الممثِّلون. سيرفعون
صوتهم وسوطهم، مذكرين أنَّهم ممثليين شرعيين ووحيدين.
ليس لدي ثقة
بقدرة الجانبين الفلسطينيِّ والأردنيِّ على إحداث تغيير على الجسر الجهنمي. في
الجانب الفلسطينيّ ما زال صدى فضيحة مدير المعابر وفساده تزكم الأنوف، والغريب، أنَّ
فساده كان معروفًا، وسمعت، في تبرير استمراره في منصبه، أكثر من مرَّة أن الجانب
الاحتلالي هو من يريده.
الاحتلال،
الذي خصَّص الخدمات على الجسر، هو سبب المشكلة، وأيضًا حلها، وتنطع أي جانب عربيِّ،
للحديث ليس إلَّا تنطعًا.
حكايات الجسر
كثيرة. لا أرغب بذكر الكثير منها. كتبت رواية: جسر على نهر الأردن عن جسر آخر، هو
جسر دامية. ناقشتها، العام الماضي مع ناديّ اعبلين وطمرة.
#جسر_على_نهر_الأردن
#مصطفى_بشارات
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق