أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 31 يناير، 2017

فن الحضور..!





عندما تهاجم بلدية القدس الاحتلالية الفلاحات الفلسطينيات المبسطات في شوارع البلدة القديمة، يحتج الإعلام الفلسطيني، ولكن عندما تزيل البلديات الفلسطينية البسطات، يصمت الإعلام باعتبار ما يحدث هو تنظيم للمدن، التي تخشى بلدياتها أن تخدشها مناظر الفلاحات بثيابهن المطرزة.

عندما تولى الدكتور رئاسة البلدية، وهو ماركسي رشح باسم تنظيم راديكالي أو كمحسوب عليه وتحالف مع حماس، افترضنا أن يكون مدافعا عن الطبقات المهمشة في مدينته، ولكن أول بيان أصدره في عهده، كان توعدا وتحذيرا للفلاحين والفلاحات أصحاب وصاحبات البسطات.
واليوم بدت شوارع بيت لحم، خالية من روحها، بعد اختفاء الفلاحات منها بقوة القانون. الفلاحات يحافظن على تراث ممتد، في بيع منتجات الأرض في شوارع القدس وبيت لحم، وخلق علاقات اجتماعية وثقافية، من الصعب حصرها، وثق بعضها من قبل المستشرقين والرحالة.
القوى الوطنية تستنكر هجمات الاحتلال على الفلاحات في القدس والتي من حسن صمود الفلاحات وإصرارهن وشكيمتهن خفت كثيرًا، ولكنها هي نفسها التي تقود البلديات، وتمارس سلطتها عليهن. في السجون الفلسطينية التي تتضاءل باستمرار، كل من له سلطة يبالغ في بسطها، في محاولة لإخفاء عُقد فقدان السلطات التي تتركز بيد الاحتلال.
كل خيارات البلديات للقضاء على إرث الفلاحات باءت بالفشل، ولعل أفضلها كان سوق الفلاحات الذين بنته بلدية القدس المحتلة، وهو الأفضل من حيث الموقع والشكل، وواصلت الفلاحات ما يمكن وصفه فن الحضور (والعبارة للإيراني آصف آيات) الذي رصد "كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط".
في هذه البلاد، يغور الحكام، وأصحاب السلطات المختلفة، وتذهب الاحتلالات، وستعود الفلاحات ليعطن لمدننا ألقها، رغم العجز الدائم لمختلف أصحاب السلطات لتوفير الحدود الدنيا من واجباتها كالنظافة مثلاً.
في مدينة مثل تل أبيب (وعذرا من أصحاب الحساسيات القومية) التي نشأت كمدينة استيطانية على حساب يافا العربية، وتنافس اسطنبول، يوجد مكان للبسطات، في محاولة لإضافة ألق هامشي للمدينة، أمّا في مدننا الهامشية التي تعيش بالهامشيين، فثمة دائمًا وسائل قهر للهامشيين والهامشيات.
هل سأل أحد نفسه عن كيف ستعيل الفلاحات أسرهن؟ هل فكر أحد باقتصاد صمود أساسه البسطات، بدلاً من استعراض القوة؟
يا للعيب..! يا للخجل...!
موت الفصائل..موت النقابات..موت الضمير..!
**
-الصورتان: فلاحون وفلاحات في محطة قطار بتير-ثلاثينات القرن العشرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق