أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الخميس، 26 يناير، 2017

آه..يا سُلَّم القُدْس الخشبيّ..!








لا أحد يعرف قصة السُّلَّم في الجانب الأيمن أعلى الواجهة الأمامية لكنيسة القيامة، لكن الطوائف الست التي تقاتلت للاستحواذ على الكنيسة، وما زالت متأهبة، تقر بأنه الرمز الأكبر على الاستاتيكو (الوضع القائم) الذي يحدد حقوق كل طائفة في الكنيسة الأهم للإيمان المسيحي منذ منتصف القرن التاسع عشر، ويوجد داخلها قبر السيد المسيح، الذي صعد إلى السماء وهو يهجو مدينة القُدْس قاتلة الأنبياء، ومن عليها الذين أراد أن يجمعهم حوله كما "تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا"، ولكنه لم يتمكن، فغادر إلى مسكنه السماوي، عن طريق نقب جبل الزيتون الموصل إلى السماء.

بالنسبة للبعض كالأرمن الذين ما زالوا حتى الآن يتقاتلون خصوصًا مع الروم الأرثوذكس على حقوق في الكنيسة، فان السُّلَّم هو سلمهم، استخدمه رهبانهم الأتقياء الذين عاشوا في الكنيسة، لإيصال الطعام إليهم عبر نافذة علوية، عندما تشدد الاحتلال العثماني، فلم يكن يسمح بفتح الكنيسة إلا في أوقات معينة، كالأعياد، ولدى تلقي رجال الاحتلال في القُدْس رشى، فوضعوا السُّلَّم أعلى إفريز ليصل النافذة اليمنى لقسمهم في الكنيسة، فتصلهم سلال الطعام، ولكن لأن دوام الحال من المحال في الأرض المقدسة، انفرج الأمر عندما جاء إبراهيم باشا إلى فلسطين غازيًا وطامحًا عام 1831-1832م، ورفع ظلم بني عثمان عن المسيحيين، فسمح بفتح الكنيسة بشكل دائم، وتتوفر مدونات لحضور الباشا المصري طقس سبت النور الأرثوذكسيّ الذي طالما أثار سخرية الرحالة الغربيين أتباع كنائس نظرت بدونية للطقوس الشرقية، حيث يحتشد في الكنيسة خلق كثير، وكيف أصيب الباشا بالاختناق وكاد يقضى عليه.
مغامرة الباشا المصري الدموية في بلاد الشام، والتي اضطرت والده محمد علي للحاق به ودعمه، استمرت فقط عشر سنوات، وعندما أعاد العثمانيون السيطرة على القُدْس، اصطدموا بالأمر الواقع الجديد، فقبلوا بفتح الكنيسة باستمرار، خصوصًا وان في عنقهم دين عليهم تسديده للدول الغربية التي ساعدتها بالتخلص من إبراهيم المغامر ووالده الطامح، ولاحقًا تحالفوا معها في حرب القرم ضد الروس، ونتج عن الأوضاع الجديدة اتفاقية باريس عام 1856 التي أكدت على الوضع القائم، ومعاهدة برلين عام 1878 التي نصت على انه من غير المسموح أحداث أي تغيير على وضع المزارات المقدسة.
وفي الظروف الجديدة، التزم الأرمن بالاستاتيكو، ولم يحركوا سلمهم، لأنه يستند على حافة يملكها الروم الأرثوذكس.
بالنسبة لرواية كاثوليكية غير رسمية، يتخذ متبنيها صفة العاقل في وسط مجنون، فان السُّلَّم هو الشاهد الأخرس على الانقسام المسيحي، وان ما أصبح يُعرف باسم السُّلَّم الثابت، وأشهر سُلَّم في العالم، فسيكون شاهدًا يوم الحساب على المسيحيين الذين قبلوا بالانقسام، ولم يقاوموه، وسيحاسبون حسابًا عسيرًا لاستهانتهم بالسلم.
ولتجنب ذكر الأرمن في الموضوع، فان يحلو لأصحاب وجهة النظر هذه الإشارة بان السُّلَّم تُرك سهوًا من قبل عمال الصيانة خلال عملية ترميم للكنيسة، في فترة غير معروفة، فالسلم يظهر في فترة مبكرة للاحتلال العثماني، في منحوتة حجرية لكنيسة القيامة (1723)م، وهو أمر غير مؤكد بالنسبة لي، ولكن الأكثر تأكيدا أن السُّلَّم يظهر في رسومات دافيد روبرتس للقيامة عام 1939م
ويفخر الكاثوليك بان البابا بولس السادس عندما زار القُدْس في عام 1964م، تألم لوجود السُّلَّم الخشبي، بصفته رمزًا للاستاتيكو والانقسام المشين، فاصدر أمرًا بان يظل في مكانه حتى ينتهي الانقسام المخزي بين الطوائف المسيحية، ومن الجيد أن بطريرك القسطنطينية الذي التقاه البابا لقاءا مسكونيًا تصالحيًا لم يسمع بالقرار البابوي المزعوم، وإلا كان اتخذ إجراءاته التي قد تصل إلى عرقلة دخول جالس كرسي روما إلى الكنيسة، ولتسبب في أزمة إقليمية ودولية.
وجهة نظر أرثوذكسية غير رسمية فيها تمجيد خفي للجدعنة الأرثوذكسية، تشير إلى أن الأرثوذكس منعوا الأرمن من دخول الكنيسة بسبب الخلافات المستمرة بينهما، مما أدى إلى ابتكار فكرة السُّلَّم، المصنوع من خشب الأرز من قبل الأرمن حتى يتمكنون من دخول الكنيسة.
إذا كان السُّلَّم فعلاً لم يتزحزح من مكانه منذ قرن ونصف، فانه اجترح معجزة حقيقية، بوصفه شاهدًا على ما يحدث من غضب البشر والرب، كزلزال عام 1834، الذي ألحق الضرر في قباب صحن الكنيسة الرئيسية "كنيسة نصف الدنيا"، والقبر المقدس والمقصورة المقدسة، ولكن تم إصلاحها في وقت قصير وتم فتح النوافذ التي أغلقت في عهد صلاح الدين.
وتمت إعادة بناء القبة الكبيرة كاملة في الفترة من 1867-1869، التي لحقها الضرر على مر العصور، وذلك بمساعدة أباطرة فرنسا وروسيا والسلطان العثماني، ولكن لم يجرؤ أحد من هؤلاء الأباطرة الاقتراب من السُّلَّم.
أحدث زلزال 1927م أضرارًا في الكنيسة، وسقطت قذائف العصابات الصهيونية عليها عام 1948م، وشب فيها حريق في السنة التالية، وتقدمت اليونان للترميم والإصلاح، ولكنها خشيت من الاقتراب من السُّلَّم.
واتفق الأرثوذكس، واللاتين، والأرمن الطوائف الأقوى في الكنيسة على أعمال ترميم وصيانة، وفي الفترة من 1978-1985م، وفي عام 1995، تمت أعمال التغطية الخارجية للقباب، بالنحاس، وانتهت زخرفتها الداخلية، خاصة الفسيفساء الموجودة بقبة صحن كنيسة نصف الدنيا "الكاثوليكون"، ولم يفكر أحد بفتح سيرة السُّلَّم، ولكن خلال السنوات القليلة الماضية، هناك من جعل السُّلَّم شاغله، وأراد تحدى قرارات الدول الكبرى والحرب الباردة بين الطوائف، ففي عام 1981، حاول أحدهم إزالته، لكن من سوء حظه ان شرطة الاحتلال تمكنت من إيقافه بسرعة وقبل أن ينتبه إليه أحد من رهبان الطوائف المتحفزين.
ولكن في عام 1997م، حالف الحظ مغامر آخر بسرقة السُّلَّم، وبقي لديه عدة أسابيع، إلا أن سوء الحظ أصباه أخيرًا مثل زميله السابق، فبفضل كاميرات المراقبة، تمكنت الشرطة من القبض عليه وعلى السُّلَّم الذي أعيد إلى مكانه معززًا مكرمًا.
وفي عام 2009م تجمع الرهبان المتحفزون، ليروا هذه المرة كيف يمكن للسلم أن يتحرك تحت عيونهم، عندما أزاله العمال لفترة بسيطة لا يعتد به، خلال إزالتهم السقالات التي استخدموها لإصلاح برج الكنيسة.
تتفق الطوائف الأخرى على أن السُّلَّم يجب أن يبقى رمزًا لاتفاقية الاستتايكو، ولكنها غير مستعدة أبدًا لإبداء أية مرونة، ففي عام 2002م، وضع راهب كرسيًا في الظل اتقاءا للحر، فكانت نتيجة تهوره 11 مصابًا نزت الدماء منهم، وعولجوا في المشافي.
وتدخلت الشرطة في عام 2008، لفض الاشتباك بين الرهبان، لأن أحمقًا منهم ترك بابًا مفتوحًا خلال تطواف في الكنيسة.
وما تزال النار غير المقدسة لم تنطفيء بين الأرمن والأرثوذكس، لخلاف على أعجوبة خروج النار المقدسة يوم سبت النور المقدس، والتي تنتقل من القُدْس إلى مختلف أنحاء العالم الأرثوذكسي.
ورأيت كيف يمكن لهذه النار المقدسة، أن لا تكون غير مقدسة وتنز الدماء بسببها..!
وما زال سُلَّم القُدْس الخشبي في مكانه، ينظر من علٍ ويتعجب..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق