أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 2 فبراير، 2016

عين لِفْتَا في ذاكرة ناسها..!











تعيد الدكتورة عايدة النجّار، إحياء معالم قريتها المهجرة، لِفْتَا، من خلال التاريخ الشفوي، وذاكرة أهالي القرية المحاذية للقدس، والتي نُكبت عام 1948م.

وبذلت النجّار، جهدا واضحا، لإعادة إحياء ذاكرة القرية من خلال كتابها (لِفْتَا يا أصيلة: خريفية قرية) الصادر في العاصمة الأردنية عمان، حيث تقيم المؤلفة.
وما زالت منازل قرية لِفْتَا، فيما يسمى الجذر، صامدة حتى الان، وحولتها سلطات الاحتلال إلى منتجع، يؤمه المستوطنون.
تذكر النجّار، ان الجذر، أو لِفْتَا التحتا كانت: "المكان الأول الذي قطن فيه أهل القرية يقع في قلب القرية عند مصب عين الماء المنحدر من النبع الرئيسي الآتي من منطقة مرتفعة تسمى (العقبة) في أعلى التلة".
وتُقدم صورة أخاذة لمجرى العين: "تتدفق المياه الرقراقة العذبة وتصب مِن فم ضاحك في بركة كبيرة. كانت عين لِفْتَا الشهيرة إحدى أهم معالم القرية التي تشكل روح المكان، لأنها تزود الناس بمياه الشرب النقية والباردة في الصيف والشتاء. وهي أيضاً روح الحواكير التي تبقيها خضراء مزهوة بأشجار التين والزيتون والرمان والخوخ والمشمش واللوز، والخضروات الموسمية. كانت هذه البساتين تشكل لوحة فنية حية تسر الناظرين، وخاصة في الربيع وأشجار زهر اللوز الزهرية والبيضاء تتنافس بالجمال"
تقرر النجّار بأن: "عين لِفْتَا الحلوة كانت أهم معلم في القرية، ليس لأنها مصدر الماء والحياة فحسب، بل لدورها الكبير في الحياة الاجتماعية مع محيطها المجاور".
وشهدت الساحات المحيطة بالعين: "النشاطات الاجتماعية والاحتفالات في الأعياد والأعراس والأتراح، أو قضاء وقت للسمر، وخاصة في رمضان. بالإضافة إلى الاجتماع فيها بعد صلاة الجمعة في مسجد لِفْتَا القريب منها. وكانت منطقة العين وجوارها الأنشط من حيث الحركة والحياة من أي مكان آخر في القرية. يزيد خصوصيتها وجود النساء يومياً حول العين، عادة لغسل الملابس أو جلب الماء وحمله للبيوت. كان في الجوار الملاصق للعين شجرة توت عالية وارفة الظلال أصبحت إحدى المعالم وعنواناً ثابتاً لأهل القرية يعرفه الجميع. ولا بد أن أغصانها كانت تختزن أسرار الكثيرين ممن جلسوا تحتها وباحوا بأسرارهم وكتموا التنهيدات عند مرور الصبايا وهن يحملن جرار الماء فوق رؤوسهن المرفوعة وقدهن الممشوق. وقد بقيت هذه الشجرة العجوز حية في ذاكرة الأجيال بعد الشتات، ولم يغفلها أحد في شهاداتهم لي، وكأن هذه الطويلة الخضراء تسترجع صدى الغناء على خرير المياه الجارية، وتعيد أنفاس المحبين وهم يناجون المليحة:
يا عين البلد يا أم الماسورة
وردت عليكي البيضا الغندورة"
هذه الصورة المستعادة المفعمة بالحياة، شطبها المحتلون، وأخذ قسم منهم تقديم "ذاكرة" بديلة، تقديس مياه العين، ودورها كمطهر لليهوديات المتدينات.
تورد النجّار أسماء من سكنوا في منطقة العين، وما تيسر من ذاكرة الأبناء، وتؤكد النجّار: "ورغم أن الكثيرين من أهل لِفْتَا التحتا قد تركوا بيوتهم في الثلاثينات والأربعينيات للسكنى في لِفْتَا الفوقا، إلا أن الجذر لم يفقد يوماً حيويته المتجددة، وظل مزدهراً وغنياً بأهله وبساتين الأشجار المثمرة حتى عام النكبة، وكان من تركوها للحارات الفوقا يرجعون بشكل مستمر لزيارة الأهالي وقطف ثمار الحواكير الخضراء والاستمتاع بزهو اللوز في فصل الربيع الذي كان يحث الجميع للنزول للاحتفاء بالطبيعة الفرحة وهي تلبس الأبيض والأخضر والوردي. وفي الثلاثينات أصبحت لِفْتَا وأراضيها الممتدة لسور القدس إحدى ضواحي القدس الجديدة متأثرة بالمظاهر العمرانية والاجتماعية الحديثة. إلا أن بعض بيوتها الحجرية العالية الباقية في الجذر بقيت عصية على الاندثار، رغم شيخوختها المهيبة الحزينة بفعل الاحتلال".




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق