أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

المعرفية التاريخية والجغرافية في "رواية قبلة بيت لحم الأخيرة"/رائد الحواري




المعرفية التاريخية والجغرافية في "رواية قبلة بيت لحم الأخيرة"/رائد الحواري
بالأمس القريب تم حوار بسيط مع أحد الأصدقاء حول أهمية العمل (الروائي المعرفي) لنا نحن الفلسطينيين، وذلك لأننا ما زلنا نعيش في حالة التحرر الوطني، ولأننا تعرضنا وما زلنا معرضين إلى تهمة خيانة وطننا فلسطين، فهناك العديد من لا يعرف التضحيات التي قدمها الفلسطيني على مر الزمن، ولا يعرف أننا فعلاً تعرضنا وما زلنا نتعرض لأشرس هجمة إمبريالية استيطانية في تاريخ البشرية، من هنا تأتي أهمية رواية المعرفة، فهي تكشف/تضع/تقدم للمتلقي معرفة تاريخية وجغرافية تكشف له العديد من الحقائق والمعلومات التي تفيد/تخدم في تحديد من هي الضحية وكيف وقعت في شرك الاستعمار الاستيطاني، ولماذا تحديداً كانت فلسطين وليس سواها من البلدان.

هذه الرواية الثالثة التي يكتبها أسامة العيسة بعد رواية "المسكوبية" التي يتحدث فيها عنة تجربة الاعتقال في دولة الاحتلال، ورواية "مجانين بيت لحم" التي تتحدث عن واقع السلطة والمجتمع الفلسطيني وعن الجغرافيا التاريخية، ما تضيفه هذه الرواية شيء جديد علينا، معلومات دقيقة جدًا، لم نكن نعلم بها مطلقا، وكأنها منتقاة من أرشيف سري، معلومات عن "أحمد عبد العزيز" قائد منطقة الجنوب أثناء حرب 48، ومعلومات عن "أنطون داود" القائد الفلسطيني الذي فجر الوكالة اليهودية قبل حرب 48، والذي هاجر إلى كوبا وشارك في ثورتها ثم حارب إلى جانب "جيفارا" في بوليفيا، والذي يعد أحد القادة العسكريين الكبار في أميركا الجنوبية، معلومات عن "ميغيل ليتين" المخرج السينمائي الفلسطيني، معلومات عن "الأخوين لاما" "معلومات عن "جبرا إبراهيم جبرا" وعن عائلته، وهناك تفاصيل عن بداية السينما الفلسطينية، وتفاصيل عن مدينة بيت لحم والطوائف المسيحية فيها.
من هنا تكمن أهمية رواية "قبلة بيت لحم الأخيرة" ما كان لنا نحن المتلقين أن نصل إلى هذه المعرفة دون قراءة هذه الرواية، وكان من الصعب توجهنا إلى هذه النوع من المعرفة القديمة والتاريخية والتي تكثر مثيلاتها في زمن الصراع الطويل مع المحتل، لكن ذكاء الراوي وطريقته المميزة في توظيف نصه الروائي جعلنا نقدم وبشهية على تناول هذه المعرفة.
قد تبدو هذه المقدمة وكأننا أمام نص "رواية تاريخية"، هي فعلا رواية تاريخية، وهي في ذات الوقت رواية معاصرة، تتحدث عن أحوالنا في فترة الحكم التركي ومن ثم الاحتلال الانجليزي، وما جاء بعده مرورا بالانتفاضة الأولى ثم دخول السلطة الفلسطينية، مرورا بالانتفاضة الثانية وما بعدها.
علاقة العنوان بالنص الروائي
تبدأ الرواية بالحديث عن شخصية الطالب الجامعي "رائد/حنا" وعلاقته ب"سميرة" الفتاة الثائرة، المتمردة على كل شيء، فيخبرنا كيف كنا يُقبلها وهما يصعدان درج الروم المهيب، "كم مرة صعدت ونزلت من هذه الدرجات؟ وأنا أعدها ثم أنسى أو أغالط في العد، تسري في جسدي قشعريرة ليلة الشتاء تلك وقررت أنها مائة درجة، مائة قبلة...أو أكثر كثيرًا لعلها مائتين لكل درجة قبلتين، ... أنها أكثر من مائة قبلة... وما زالت تحافظ على قدسيتها في بيتلحمي" ص19، فالعلاقة مع "سميرة" لها مذاق خاص، حيث كانت أثناء فترة الشباب المترع حيوية ومشاعر إنسانية، اتجاه بعضهما البعض، واتجاه الوطن والقضايا العربية والأممية، كما نجد أيضًا تركيز على المكان ـ بيت لحم ـ التي تحمل تلك الذكريات الجميلة، فالعلاقة التي يرتبط بها "رائد/حنا" ثنائية الاتجاه، إنسانية مع "سميرة" ووطنية وجغرافية مع "بيت لحم"، وكأنه بهذا الجمع بين الجغرافيا والإنسان يؤكد على العلاقة التي تربط الإنسان الفلسطيني بالمكان، بالجغرافيا، فهما يشكلان جوهر الصراع، ولا يمكن عزل/فصل أحدهما عن الآخر.
إذن العلاقة الإنسانية والمكانية لها أثرها في الراوي، ولهذا يحدثنا عن تلك الذكريات الحميمة التي تربطه ب "سميرة وبيت لحم" لكن هذه الذكريات بعد أن يقضي عشرين عامًا في المعتقل، وبعد أن يجد كل شيء تغير، الجغرافيا المحيطة بمدينة بيت لحم تم تغييرها وتشويهها، وكذلك الأمر بالنسبة ل"سميرة" التي تغيرت وتبدلت، فتلك الفتاة المتمردة والثائرة، أمست مجرد بوق يدعو "للخوض مع الخائضين" بعد أن تراجعت عن فكرها الوطني والإنساني، وتقدمتها نحو الهاوية من خلال فكرة (الواقعية)، التي جعلتها تتزوج من إسرائيلي يعمل في "الانجي أوز" وهذا الواقع الجديد جعل "رائد/حنا" يقول في نهاية الراوية: "...سأرحل، سأتناثر ذرات في صحراء بيت لحم الممتدة حتى البحر الميت، ومعي مائة قبلة وقبلة، قبلة بيت لحم الأخيرة لي، من عالم درج الروم الذي تركته خلفي عندما سجنت، ووجدته مدمرا عندما خرجت. بيت لحم يا بيت لحم ... يا قاتلة العشاق والأنبياء...!" ص301، بهذا نجد التناقض بين بداية الراوية التي جاءت بحيوية الشباب وعنفوان المقاومة والتمرد على الاحتلال والمجتمع معا، والواقع الجديد وما فيه من فساد اجتماعي وسياسي، كل هذا جعل الراوي يترك ماضيه الجميل، ويتقهقر نحو الصحراء، نحو الموت، فلا مكان للحياة الإنسانية النبيلة في هذا المجتمع وفي هذا المكان ـ بيت لحم ـ، من هنا نجد العلاقة الوطيدة بين العنوان والمتن الروائي، فالعنوان يشير إلى نهاية عمل/فعل جميل ـ القبلة ـ ونهاية سوداء، الهرب/التراجع/التقهقر نحو الهاوية.
المعرفة الإنسانية
"أحمد عبد العزيز"
كما قلنا في بداية حديثنا في الرواية، هناك معلومات مهمة جدًا تقدمها لنا الرواية، فهناك شخصية "أحمد عيد العزيز" الذي قام بدور فاعل وحيوي في التصدي للاحتلال الانجليزي وصد الهجمات الصهيونية، لكن نهايته الدراماتيكية جعلته يؤكد فكرة المؤامرة على الجغرافيا وعلى الإنسان الفلسطيني، "تمكن محمد حسين هيكل ومصور صحيفة أخبار اليوم، من الوصول إلى قوات أحمد عبد العزيز في بيت لحم والخليل مشيًا على الأقدام عن طريق القدس، تسلل مع دليل فلسطيني، إلى مستوطنة تل بيوت، حذفت الرقابة العسكرية كل كلمة وكل صورة، وتم رفع الموضوع إلى وزير الحربية محمد حيدر باشا، الذي وافق في النهاية على نشر خمس صور تفاخر هيكل لاحقا بأنه كان من بينها الصورة الشهيرة لأحمد عبد العزيز، وكانت تلك الصورة هي المرة الأولى التي رأى فيها الناس عرفوا شيئا عن الرجل الذي أطلقوا عليه وصف البطل.... الذي ما لبث أن قُتل برصاصة مصرية طائشة" ص130، المشهد يثير المتلقي، حيث نعلم بأن "محمد حسين هيكل" بعظمته يقدم مشيًا على الأقدام وفي منطقة خطرة جدًا للقاء هذا الرجل، الذي لقب بالبطل، وهذا يشير إلى مكانته العملية في المعارك، لكن مقتله وبسرعة وبطريقة غير مقبولة منطقيا، يجعلننا نؤكد وجود خطة معد مسبقا للقضاء على هذا الرجل العسكري.
لكن ما هي تفاصيل مقتل "أحمد عبد العزيز"؟ وما هذه الرصاصة الطائشة؟ يجيبنا الراوي قائلاً:
"أن القيادة استدعته بأوامر من القاهرة ليترك الجبهة التي كان يسيطر عليها بقواته لينزل إلى القاهرة للقاء هام مع الملك فاروق نفسه، وكان البطل في حالة من الغضب الشديد لمل يجري من تباطؤ في هذه الحرب لصالح العصابات الصهيونية.
...ووصل بالقرب من موقع الجيش المصري في الفالوجة، طلب حد الحراس، وهو العريف بكر الصعيدي، كلمة السر، لم يعرفها البطل ولا رفيقه، فأطلق الحار النار على سيارة الجيب التي كانا يستقلانها، فقتل البطل، بهذه الطريقة التراجيدية، ..لم يصدق أحد هذه النهاية لبطل" ص181، أن يتم استدعاء قائد ميداني وأثناء المعركة للقاء الملك بعظمته، شيء يثير الريبة، وعدم إعطاءه كلمة السر المتعارف عليها، وإطلاق النار عليه، وقتله، كل هذا خارج سياق العقل، فالمتعارف عليه أن الجندي العربي ليس من صلاحيته إطلاق النار إلا بعد أن يتلقى الأوامر من الجهات العليا، كما أن إطلاق النار في حالة عدم معرفة كلمة السر يكون أولا في الهواء، قبل التصويب مباشرة على الهدف، كل هذا يؤكد حالة الترصد والترقب والتخطيط لمقتل هذا القائد العسكري، فهو كان يشكل حالة إزعاج وخطورة على العدو، من هنا عرف كيف يخطط ويعمل مع جهات عربية للتخلص منه.
"أنطون داود"
الشخصية الثانية التي تحدثنا عنها الرواية "أنطون داود" حيث قام بدور حيوي في نشر وتعزيز حضور فلسطين والفلسطينيين في مناطق أميركا الجنوبية تحديدًا، فبعد أن قام بنسف مقر الوكالة اليهودية في القدس بعبوة ناسفة زنتها 250 كيلو غرام من المتفجرات وضعها في سيارة داخل مقر الوكالة، وبعد أن أصبح مطلوبًا للاحتلال الانجليزي وللحركة الصهيونية، خرج إلى مصر ومن هناك "توجه إلى أميركا اللاتينية، باحثا عن ثورة في القارة التي كانت تتململ للتخلص من مستعمريها وأنظمتها الدكتاتورية، وكان يعتقد بأن التخلص من تلك الأنظمة الحليفة لأمريكا وبريطانيا وانتصار الثورة هناك سيساعد في تحرير فلسطين، ...أمّا هو فظهر مع فيدل كاسترو قائد الثورة الكوبية، حيث أصبح برتبة كولونيل في تلك الثورة التي شكل انتصارها فرحا للثورة والأحرار في مختلف دول العالم.
وبعد انتصار تلك الثورة رافق تشي غيفارا إلى بوليفيا لإطلاق الثورة هناك وخاض أنطون وجيفارا ومجموعة قليلة من الثورة معركة مع القوات الخاصة للمخابرات الأمريكية التي تمكنت من قتل تشي غيفارا، وإجهاض الثورة، لكن أنطون تمكن من النجاة" ص152، شخصية أممية مناضلة وضعت الفلسطيني وفلسطين ضمن أولويات الثورة الكوبية، ومن هنا كانت العلاقة ومازالت حميمة بين الثورة الكوبية وفلسطين، فهذا الرجل الفلسطيني الذي أسهم بفاعلية في الثورة الكوبية ترك فيها ذكريات جميلة جعل القادة الكوبين يحفظون الجميل لهذا الرجل وللبلد الذي خرج منه.
لكن كيف تم التخلص من "أنطون داود"؟ وهل عمل لفلسطين كما عمل لأمريكا اللاتينية؟ يجيبنا الراوي عن هذين السؤالين قائلا: "شم أنطون رائحة الثورة، فقرر العودة للمشاركة فيها، وكان يردد بينه وبين نفسه المثل الشعبي الفلسطيني: البلاد طلبت أهلها.
وفعلا عاد أنطون... ووصل دولة الكويت في بداية سبعينات القرن العشرين، ولكن الموت عاجله بشكل مفاجئ، وبقيت طريقة موته فيها كثير من الألغاز.
.. دفن أنطون في مقبرة مسيحية في رمال الكويت، أما عائلته فما تزال تعيش حتى الآن في إحدى الدول باسمها المستعار، على أمل أن تستعيد يوما اسمها الأول" ص153، بهذا المعرفة نكون نحن في فلسطين قد قدمنا المعونة والمساعدة للثورات الأخرى، حتى لو لم يكن ذلك بطريقة رسمية، فها هو أحد القادة يقوم بعمل ثوري مهم وحيوي، وحتى بعد أن تحقق النصر، نجده يبحث عن ثورة جديدة، وبعد أن أصبح العمل الوطني الفلسطيني بحاجة إليه ترك كل البذخ والرفاهية التي يحصل عليها الثوار المتقاعدين، وقدم لعمل مع ثورة شعبه، لكن كانت يد المخابرات الأمريكية والإسرائيلية تعمل بجد ونشاط في متابعة هذا الثائر الأممي وتم تصفيته في الكويت، أما ما حل بعائلته فهو مأساة تضاف إلى المصائب التي يعاني نها الفلسطيني، فهي تعيش بشكل مهرب/تختفي عن أعين مطارديها. بهذا يكون الراوي قد أوضح لأولئك الذي يرددون عن تخاذل الفلسطيني اتجاه وطنه، فهاتين الشخصيتين، "أحمد عيد العزيز و أنطون داود" تؤكدان على الدور الحيوي والفاعل للفلسطيني، وعلى الحيوية التي يتمتع بعا، فأنطون ينتقل من بلد إلى لآخر لتكريس الثورة ضد المستعمر مهما كانت جنسيته.
حالة الموت التي أصابت كل من يحاول المس بدولة الاحتلال، يعد مسألة بحاجة إلى مزيد من التوضيح، فكيف يتم قتل رجل تم استدعائه من قبل أكبر رأس في الدولة المصرية، الملك فاروق، وهل كان فعلاً هناك دعوة له أم أنها كانت عملية مخطط لها من قبل عملاء الاستعمار؟، كما أن رجل مثل "أنطون اود" الذي خاض العديد من المعارك والحروب ، وفي أكثر من مكان، واستطاع أن ينتصر في حروبه التي خاضها، يتم قتله بسهولة وعلى أرض عربية؟ أليس كل هذا بحاجة إلى توضيح؟ يحلل/يفسر/يوضح لنا الراوي ما يجري في دولنا قائلاً: "...ولكن أنطون حسم أمر هويته، شفيق دفع ثمن موقفه، مطاردا وعيش في الغابات، وهدفا للمخابرات الأمريكية، مطلقة اليدين في أميركا اللاتينية، وأنطون دفع ثمنا، شفيق اقترب من قطف الثمار، فقطف قلبه، أما أنطون فعلم، ربما متأخرا أنه ضحى في بلاد لا تنبت الشجر، وشجرها لا يطرح ثمارا، بل نصبح نحن ثمارا صلبة تسقط ميتة"ص233، بهذا الكلام يحسم الراوي حالة النضال في دولنا، فثورتنا تولد ميتة، ولا تنجب سوى الأموات، وعلينا لكي نكون ذاتنا ونحقق أحلامنا في الحياة، البحث/الانتقال/اختيار غير هذه الأرض، أو تبديل تفكيرنا ونهجنا في الحياة، فلا يعقل أن نبدع ونتألق عند الآخرين، ونكون عاجزين في بلدنا، في وطننا.
تقديم هاتين الشخصيتين تحديدا، وذكر دورهما المتألق في الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الأممي ضد الاستعمار، أرد به الراوي أن يحفز ذاكرتنا بما تحمله من مبادئ ومثل للتقدم من هؤلاء الذي سبقونا، ولكي نوفي العهد لهم.
فرغم أن الراوي يتبع حديثه بهذا القول: "كما هو حالي الآن، ما هي ثمرة عشرين عاما في سجون الاحتلال، ومئات الشهداء؟، لماذا نفشل؟ بينما الآخرون ينجحون في النهاية، أية نهايات تنتظرنا" ص233، مثل هذا المكاشفة النابعة من الحرص على المصلحة الوطنية والإنسانية نحن بأمس حاجة إليها، فلا يعقل أن نبقى في حالة تقهقر وتراجع دون أن نجد من يقرع الجرس، من ينبهنا إلى خطورة حالتنا، وعلى ضرورة للتقدم للأمام متخطين حالة العجز والانتهازية المتفشية فينا.
فساد رجال الدين
دائما يكون الكاتب هو من يحذرنا من الخطر، مهما كان مصدره، وأين كان موضعه، فرجال الدين اليونانيين يأتون إلى فلسطين يأنون من الفقر، ويعودون إلى بلدهم وهم غارقين بالثروة، "رجال الدين الذين يأتون من اليونان فقراء، ويشكلون قيادة الطائفة الأرثوذكسية يصبحون أغنياء بينما يبقى أفراد الرعية، وغالبيتهم من العرب فقراء" ص22، بهذا الشكل يدق الراوي ناقوس الخطر المحدق بنا، فهل يعقل أن يأتي الرجل فقيرا ويعود بثروة هائلة، فما هي مصدرها، ومن أين جاءوا بها؟ كل هذا مهم لمعرفة الفساد المستشري عند هؤلاء المتدينين، فهم يغنون على حساب فلسطين، وعلى حساب الفلسطيني، "...وتمكنوا من خلال ثروات البطريركية الهائلة، من رشوة المسؤولين العثمانيين، للاستمرار في سيطرتهم على البطريركية التي يشكل العرب أكثر من90/ من رعاياها، وأخذت القضية الأرثوذكسية بعدا مهما بعد الاحتلال البريطاني، وتسريب أرض تابعة للبطريركية للجهات اليهودية" ص116، بهذا يكون الراوي قد تحدث عن مشكلة، بادئا من بدايتها التاريخية وحتى الساعة، وكأنه بهذا القول خاصة عندما تحدث عن نسبة الرعايا الفلسطينيين للطائفة الأرثوذكسية، يؤكد بأحقية أن تكون قيادة/مسؤولية الطائفة بيد أبناءها وليس ممن يأتون من الخارج.
التنوع والتعدد
في زمن الطوائف وانتشار الفكر الطائفي والفكر العشائري، كان لا بد من التذكير بالماضي المجيد الذي ساد مدينة بيت لحم، وكيف توحد المجتمع التلحمي معا في مواجهة الأخطار، والمشاركة في الأفراح، فالمجتمع الفلسطيني بطبيعته مجتمع متعدد ومتنوع الأفكار، حتى على الصعيد السياسي/التنظيمي، فنجد في الأسرة الواحد أكثر من تنظيم سياسي.
فمن الطبيعي أن تكون هذه الظاهرة لها جذور في التاريخ المدني الفلسطيني، يحدثنا الراوي عن مشاهد من هذا التعدد: "..نلعب ونلاحق السائحين ونجري خلف تنانير السائحات القصيرة، ونشرب من الكنيسة والمسجد، ونقضي حاجاتنا الطبيعية فيهما" ص20، الفعل متعلق بالأطفال، وكأن الراوي أراد من خلاله أن يشير إلى العلاقة الحميمة التي تربط الأطفال بصرف النظر عن معتقد الأهل الديني، فهم يمارسون حياتهم بكل براءة، من هنا وجدناهم يقومون بأعمال نابعة من براءتهم، فيذهبون إلى المسجد والكنسية، دون تفريق للشرب أو لقضاء الحاجة.
وفيما يتعلق بالكبار في مجتمع بيت لحم، نجد أيضًا مشاهد على الألفة والمحبة السائدة في المجتمع التلحمي، "ولم يكن الشيخ عبد السلام يمانع في قراءة آيات من القرآن وهو يحمل أطفالا مسيحيين، تنذر أمهاتهن، بختنهن، وإعطائهم أسماء إسلامية، عندما تفقد لواحدة منهن أطفالها الذكور" ص69، بهذه الايجابية كان يتم التعامل بين أفراد المجتمع في بيت لحم، فالشيخ يقرأ القرآن على أطفال مسيحيين، والأمهات المسيحية تذهب طواعية للشيخ المسلم، وتقبل أن تسمي أطفالها بأسماء إسلامية.
وعلى الطرف المقابل كان المسلم يعمل بنفس عمل المسيحي، أم الراوي "رائد/حنا" يحدثنا كيف اختارت أمه اسم حنا له: " لماذا اختارت أمي اسم حنا لي؟ وليس جورج كما رغبت لأنه اسم الخضر الأخضر، ولأنه كذلك اعتبر اسما مشتركا إسلامي ـ مسيحيا، وكان عادة ما يسمى به الطفل الذي يأتي لأم مسلمة بعد نفوق الأولاد الذين تنجبهم وهم رضعا فتنذر قائلة: ـ إذا جاءني ولد، فسأعمده عند النصارى، وأسميه أسما مسيحيا" ص68، تبادل الأدوار والعمل بالمثل من كل جهة يشير إلى حالة التأثير لمتبادل في المجتمع، وعلى سلوكه الموحد اتجاه مسلة موت الأطفال، فهي ثقافة تمتد إلى زمن سحيق، لا يمكن أن تتوقف بالمطلق.
ولهذا عندما كبر "رائد/حنا" وتم اعتقاله من قبل المحتل، وتوفى والده ووالدته وهو في المعتقل، مما تسبب له حزن عميق، ومن ثم تأثر رفاقه في المعقل بحالة الحزن التي ألمت به، كان هذا الموقف "سألني جورج زميلي في السجن، إذا كان بالإمكان أن يترحم على والدي في صلاته، وقال بأنه بالتأكيد يعرف موقفي المنفتح تجاه الأديان ومعتقدات الناس، ولكنه أراد أن يستأذن، فرحت وحزنت في آن، قلت له: "يا جورج صل عني وعنك بأية وسيلة تريدها، ووفقا لأي معتقد تريده" ص168، بهذا المشهد يدعونا الراوي لتجاوز الشكليات الدينية، فالإيمان مهما كان مصدره يبقى إيمان، ويمثل ظاهرة إنسانية قبل أن تكون ربانية، فالمجتمع الذي تربى أفراده على التآلف والاجتماع لا يمكن لأي قوة أن تزحزحه، هكذا هو المجتمع المدني الفلسطيني.
الفصائل الفلسطينية
عندما يتحول الوطن لخدمة التنظيم، وعندما يتحول التنظيم لخدمة الفرد، نكون قد وصلنا إلى الحضيض، إلى هوة ليس لها قرار، هذا هو حالنا، هذا هو واقعنا، بداية سقوطنا في الفكر السلبي كانت من خلال: "لم يكن الشاعر أو الكاتب أن ينجح في الجامعة إن لم يكن منتميا لتنظيم، الموهبة لا تكفي في ظل الاحتراب التنظيمي، وعندما يصبح التنظيم هو الانتماء الأول، هو القبلية الجديدة، التي يخرج عنها، أو يدخل إليها، الطالب، سيظل منبوذا، مشردا، نسناسا في أفضل الأحوال" ص11، عيوبنا التي يتحدث عنها الراوي ليست عيوب شخصية، وإنما عيوب الطليعة لثورية، عيوب أداة التحرر الوطني لدينا، فإذا كانت الطليعة بهذا التخلف وهذا السلوك السلبي اتجاه الظواهر لإبداعية فما بالنا بسلوك المواطن العادي؟
ينقلنا الراوي إلى المؤسسات المدنية وكيف تم تحطيمها وتهشيمها من قبل المتنازعين عليها: "زميلات برت اللواتي لبسن الأبيض في معركة فلسطين، وبقين على قيد الحياة رفضن فتح باب الانتساب لنشطات التنظيمات، رأين الخراب الذي أحدثته التنظيمات في النقابات والمؤسسات التي تنقسم، وتقسم، عند أي خلاف، عند أي موقف سياسي" ص71، هنا تأتي دور الكاتب النبيل، الكاتب الذي لا يبحث عن مجد خاصة به، فهو بهذا الطرح يعاديه الكل، ومع هذا نجده ينتقد ويعري واقعنا الهش، ليس لمجرد التعرية أو النقد، بقدر التراجع عما نحن فيه من سلبيات والتقدم من جديد نحو الصواب، ونحو الهدف، نحو البناء، بناء فلسطين والمجتمع الفلسطيني.
ما قلنا في البداية عن قلب الأدوار في الحالة الفلسطينية من تحويل الوطن/المجتمع لخدمة التنظيم، والتنظيم لخدمة فرد بعينه، يؤكده الراوي هنا في النص "الفتحاويون واليساريون يشكلون الأكثرية، فقمعوا الإسلاميين، وقبل ذلك قمع الفتحاويون، اليسارين، آفة السجون هي الانتماءات الحزبية، أقصد العصابات الحزبية، ...عندما يصبح التنظيم أهم من الوطن، ... يتحول إلى انتماءات العائلة والعصبيات القبلية" ص122، بهذا الشكل يكمن أهمية الأدب، فدوره لا يتعدى بالجانب الجمالي وافني وحسب، بل يطال الجانب الأخلاقي للمجتمع، يطال روح الشعب، الذي ينتهك يوميا باسم هذا التنظيم أو ذاك، فهذه الصرخة لا بد منها لوقف النزيف، لوقف حالة الانهيار التي يعاني منها المجتمع.
بعد قيام السلطة الفلسطينية وجدنا هذه التنظيمات تنزع عنها آخر قطع ملابس، بحيث تظهر عريها كاملا أمام أعضائها وأمام المجتمع، فبعد أن كان يرصد كل تنظيم أخطاء التنظيمات الأخرى وجدناها الأن مجتمعة وموحدة، لكن علي أي شيء؟ "يتسابقون الآن للعمل في السلطة والحصول على غنائمها، أحيانا يخيل إلي، أن هناك قوى تمسك بخيوط اللعبة وتحركها كما تريد، هل تصدق أن التنظيمات الثورية التي كانت على يسار جبهتنا، كانت من أولى الساعين للسلطة" ص183، فقد ذهب الخلافات وأخذ الجميع يشارك في تشكيل/تأسيس السلطة، فهي الغنيمة التي سيتقاسمونها معا.
***
الرواية من منشورات الفصائل، القدس، الطبعة الثانية/ 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق