أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 9 أكتوبر، 2016

دير بئر الحمام ينهض على جبل جرزيم






أعلى السفح الشمالي الغربي لجبل جرزيم، يقع ما يطلق عليه الناس (بير الحمام)، الموجود في خربة أثرية تعود على الأرجح إلى العصر البيزنطي، دخلت في غياهب النسيان، حتى نهاية القرن العشرين، عندما بدأ رجل الأعمال منيب المصري، تشييد منزله، الذي أطلق عليه (بيت فلسطين)، في موقع الخربة.
وأخذ البئر اسمه، من تعشيش الحمام داخله، وهو ما يحدث في العديد من الآبار المهجورة في فلسطين، والبعيدة نسبيا عن نشاط الناس العمراني، وبعد قرون جاء ما يهدد وجود الحمام في المكان.

(بيت فلسطين)، بالنسبة للناظر إلى جبل جرزيم، من وادي نابلس، فانه يحتل المشهد على جبل جرزيم، ولكنه يخفي تحته كنزا اثريا وتاريخيا، أثار الكثير من التساؤلات، عندما سمح للمصري، بالاحتفاظ به تحت منزل، والقصة المثيرة للاكتشاف، وموجوداته، يرويها الدكتور حمدان طه، مدير دائرة الآثار السابق في وزارة السياحة والآثار، من خلال كتاب حرره باللغة الانجليزية، وموله صندوق منيب المصري، وأفرد طه، ملخصا له باللغة العربية، وهو ما يعتمد عليه هذا التقرير.
دير بير الحمام
يقع دير بير الحمام أعلى السفح الشمالي الغربي لجبل جرزيم (جبل الطور)، مشكلاً رأس مثلث للقمم الثلاث في جبل جرزيم، وهي: القمة الأولى التي تضم المعبد السامري وكنيسة الأُم المقدسة ومقام الشيخ غانم، والقمة الثانية وهي تل الراس الذي يضم معبد جوبيتر (زيوس). ويطل الموقع على مدينة نابلس، وعلى المناظر الشمالية لجبل عيبال والشرقية لسهل عسكر وتل بلاطة.
يذكر طه: "يضم الموقع بقايا دير بيزنطي من القرنين الخامس والسادس الميلادي، لا بد وأنه كان تابعاً لكنيسة الأُم المقدسة (ماري ثيوتوكوس) على قمة جبل جرزيم. وقد استُخدم على مدار قرنين من الزمن تقريباً، إلى أن هُدم وهُجر نهائياً في نهاية القرن السادس الميلادي، ويبدو أن هَجر الموقع جرى في سياق التنافس البيزنطي السامري الحاد على المنطقة المقدسة في جبل جرزيم. وقد أُعيد استخدام الجزء الغربي من الموقع كبرج أو نقطة مراقبة في الفترة الأيوبية (القرن الثالث عشر الميلادي)، كما دلت على ذلك الأواني الفخارية والعملات المكتشفة في المنطقة الغربية".
يستعرض طه الخلفية تاريخية لموقع بير الحمام في سياق التاريخ العام لجبل جرزيم، ويرصد المشهد المتغير لهذا الجبل المقدس على امتداد القرن الماضي من خلال الصور الجوية والأرشيفية. ويقدم نبذةً عن تاريخ مدينة نابلس والمناطق المحيطة، منذ تأسيس مدينة شكيم في موقع تل بلاطة، على المدخل الشرقي للمدينة بين جبلي جرزيم وعيبال في الألف الرابع ق.م. إلى أن تحولت المدينة إلى مركز حضري كبير على الطريق التجاري القديم في الألف الثاني ق.م. وحتى تاريخ هجر هذه المدينة في القرن الأول ق.م. وانتقال مركزها إلى موقع مدينة نابلس الحالي على بعد 2 كم إلى الغرب من تل بلاطة، مع تأسيس مدينة نابلس الجديدة (نيوبولس) في القرن الأول الميلادي من قبل الأباطرة الرومان.
هنا حفروا..!
عندما بدأ المصري، ببناء (بيت فلسطين)، التي اشرف عليها ابنه المهندس ربيح، عثر العمال على اثار تاريخية، تبين فيما بعد بأنها تخص دير بيزنطي يعود للقرن الثالث والرابع بعد الميلاد. فتوقف العمل، وبدأت التنقيبات الأثرية في الموقع، التي يقدم طه، وصفاً مختصراً لها، وكان ذلك في سنة 2001. في ظل الظروف السياسية الصعبة، خلال الانتفاضة الثانية، وحصار مدينة نابلس من قبل قوات الاحتلال.
وجرى الاتفاق، مع المصري، على الحفاظ على الآثار المكتشفة في مكانها الأصلي، وهو ما حدث، وتطور لاحقا، بعمل متحف في الموقع.
ومن المعالم البارزة التي تم الحفاظ عليها، أرضيات الفسيفساء، ومن بينها، كما يقول طه: "بقايا فسيفساء بيضاء كبيرة رُصفت بها أرضية الساحة الداخلية، وأرضيات فسيفساء جميلة ملونة بعدة ألوان وُجدت في حالة حفظ جيدة في قاعة الكنيسة ومنطقة الهيكل التي تضم طاولة مذبح حجرية وكتابة يونانية كاملة، ويفصل منطقة الهيكل عن القاعة ساترٌ حجري بارتفاع متر تقريباً (يتوسطه باب) يحمل نقشاً للصليب وزخارف نباتية وحيوانية منقوشة عليه، بما يؤكد الطبيعة الدينية لهذا المكان. كما تم الكشف عن أرضية فسيفسائية مدمرة جزئياً في قاعة الاجتماع الشمالية المجاورة، والتي تضم نقشين كتابيين يونانيين غير مكتملين".
مواد مكتشفة
يقدم طه وصفاً للمواد الحضارية المكتشفة في دير بير الحمام، كالقطع الحجرية المزخرفة، والمواد الفخارية والزجاجية والمعدنية والعملات، وتضم القطع المعمارية تيجان الأعمدة المنقوشة والمزخرفة.
أما المواد الفخارية، فتشمل كِسَراً وأوانيَ فخارية عادية الصنع من الفترة البيزنطية المتأخرة بما فيها جرار كاملة تقريباً، تحمل حزوزاً مميزة للفخار البيزنطي الأحمر والرمادي وزخارف ملونة، إضافةً إلى كِسر فخارية لأوانٍ متنوعة كالصحون وقدور الطبخ والجرار والأباريق.
كما تم الكشف عن كِسر فخارية تعود للفترة الأيوبية والمملوكية بما فيها جرة صغيرة مكتملة وتحمل زخارف ملونة، إضافةً إلى كِسر فخارية مزجّجة من الداخل وملونة.
وتضم المواد الحضارية مجموعةً مميزة من الأدوات والأواني المعدنية البرونزية والحديدية، وتشمل بقايا ثريات الإضاءة، كاملة تقريباً، تحمل صلباناً في سلاسلها، وُجدت في قاعة الكنيسة وكانت تعلق في سقف الدير، وتُضاء بقناديل زيت زجاجية، وأوان معدنية. كما تم الكشف عن مجموعة من الأواني الزجاجية التي كانت تُستخدم للإضاءة. ومن بين المكتشفات المعدنية قطعٌ مختلفة تعود لهذه الثريات.
وحسب طه، فان من أبرز المكتشفات مجموعة نقدية من البرونز، تعود واحدة منها للفترة البيزنطية، أما البقية فتعود بتاريخها إلى الفترة الأيوبية. وقد عُثر عليها في الجزء الغربي من الدير، وهي المنطقة التي شهدت نشاطاً مكثفاً في المرحلة الأيوبية.
المواد التي عثر عليها، نقلت إلى المتحف الذي أنشيء، بموجب اتفاق مع المالك، كما يذكر طه، مشيرا، بان مؤسسة منيب رشيد المصري قد تكفلت بكافة نفقات أعمال التنقيب والتأهيل في الموقع.
ويقول طه: "والآن يقف دير بير الحمام كجوهره أثرية ثمينة في مبنى بيت فلسطين، وهو نسخة لقصر الروتندا، شاهداً حياً على إمكانية الحفاظ على الآثار والتنمية في إطار حلول مبتكرة، تنطلق من احترام الماضي في رؤيتها للمستقبل".
ويعتبر هذا الكلام، إجابة شبه رسمية، على التساؤلات حول السماح، لرجل الأعمال المصري، بالاحتفاظ بالمواد الأثرية المكتشفة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق