أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 2 مايو، 2017

بئر حرم الرامة: تاريخ الخليل الممتد ماضيا ومستقبلا..!












تقع المنطقة المعروفة باسم رامة الخليل، على بعد نحو 400 متر، للشرق من طريق الخليل-القدس التاريخي، وأصبح الشارع المؤدي إليها، هو نفس الشارع الذي يوصل إلى إحدى أهم المدن الاستيطانية اليهودية التي أقيمت بعد حزيران (يونيو) 1967، وهي (كريات أربع).

في عمق التاريخ
يذكر الدباغ بان بلدة تربينتس، كانت تقوم على موقع رامة الخليل، وعلى الأغلب هو يقصد الاسم الروماني للموقع (terebinthos)، والان يطلق السكان على الخربة التي يوجد فيه الموقع اسم خربة تربشيت، والتشابه بين الاسمين واضح، بينما يطلق عليها الإسرائيليون اسم (الوني ممري)، وترتبط لديهم بميثولوجيا تتعلق بالنبي إبراهيم، وظهور الملائكة له في هذا المكان عندما نصب خيمته فيه.
ولكن المكان يعرف الآن باسم ذو دلالات إسلامية وهو (بئر حرم الرامة)، وهو بناء يحيط به سور قديم مبني من حجارة ضخمة مشغولة ويجد السكان المحليون تفسيرا مريحا، وهو أن الجان هم من ساعدوا النبي إبراهيم في بناء هذا المكان، الذي يرتبط في الوجدان الشعبي بوصول العائلة الإبراهيمية إلى الخليل، ويحدد بأنه المكان الأوّل الذي سكنه النبي إبراهيم لدى وصوله إلى الخليل، وفيه بشرت الملائكة سارة، زوجة إبراهيم بولادة اسحق، وبان الابن الثاني إسماعيل عاش طفولته مع أمه هاجر في هذا المكان أيضًا.
وعلى الأغلب فان تسميته بحرم الرامة، لاعتباره الحرم الأوّل الذي أقامه النبي إبراهيم، قبل الحرم الإبراهيمي الآخر الشهير.
وسبب الإشارة إلى الموقع بكونه بئر لوجود بئر عميقة تقع في الزاوية الغربية الجنوبية للبناء، وهي الآن مغطاة بقضبان حديدية.
تنوع بشري
يقدم المؤرخ الكنسي من القرن الخامس وابن غزة سوزومين تقرير شاهد عيان، يؤكد وصفاً عن احتفالات حول شجرة وينبوع في ممرا (رامة الخليل)، ونستفيد من الوصف، بترجمة الدكتور باسم رعد، عن التنوع البشري الذي كان سائدًا في تلك الحقبة:
"هنا يجتمع سكان البلد والمناطق المحيطة بفلسطين، الفينيقيون والعرب، سنويًا خلال فصل الصيف لإقامة مهرجان بديع، والكثير غيرهم، باعة ومشترون على حد سواء، يتجهون إلى هناك من أجل المهرجان. والواقع أن جميع الأقوام تثابر على ارتياد هذا المهرجان: اليهود لأنهم يتباهون بتحدرهم من الأب إبراهيم، الوثنيون لأن الملائكة ظهرت هناك للناس، المسيحيون لأن ذلك الذي من أجل خلاص البشرية ولد من عذراء تجلى هناك لأحد الرجال الأتقياء".
ويضيف: "ذات مرة عندما كان الوثنيون يحتفلون بمرح بهذه العادات، بالطريقة المذكورة أنفا، وبالاستخدام المتعارف عليه، كانت حماة قسطنطين حاضرة للصلاة وأحاطت الإمبراطور علمًا بما كان يجري... أمر [الإمبراطور] هؤلاء الأساقفة بعقد مؤتمر حول الموضوع مع الأساقفة الفينيقيين وإصدار تعليمات بهدم الهيكل المنصوب هناك من قواعده، وتدمير الصور المنحوتة بالنار، وتشييد كنيسة تليق بمكان بهذا القدم والقداسة، وفي حالة أية محاولة لإعادة الطقوس السابقة، فإن على الأساقفة الإبلاغ عن المذنب لكي يتسنى إخضاعه لأشد عقاب".
ذكر الموقع نعمان قساطلي الدمشقي الذي عمل مع صندوق استكشاف فلسطين ثلاث سنوات (1874 -1877م)، في كتابه (الروضة النعمانية في سياحة فلسطين وبعض البلدان الشامية) الذي حققه تيسير خلف: "الرامة: مدينة قديمة في أرض كنعان، في الجبل المدعو اليوم بجبل الخليل، وموقعها إلى الشمال من قرية الخليل، على بعد نصف ساعة. وقد كانت ذات شهرة في الزمان السالف، وأما الآن فخربت تماماً ولم يبق من آثارها سوى بناء عظيم مربع الشكل".
ورأى الباحث الشهير جيمس فريزر، في ارتباط الموقع بما يعرف ببلوطة إبراهيم، مجالا للتأويل حول تقديس الأشجار في ثقافات الشرق القديم.
وذكر الموقع المستشرق المعروف لوي ماسينيون: "يقع وقف التميمي بالقرب من شجرة بلوطة إبراهيم في هذا المكان (رامة الخليل) يسجد الحجاج المسلمون عند مرورهم في الرحبة الهيرودتسية، التي جعل البيزنطيون منها كنيسة لهم أيام عهدهم ويستخدم الحجاج في وضوئهم بئر قديمة تحرسها أرملة مسلمة هي الحاجة فاطمة، وقد شاهدتها عند زيارتي الأخيرة للخليل في الرابع والعشرين من كانون الأول عام ١٩٥٠م".
ما بعد الاستعمار
في ربيع 2016، أجرت بعثة فرنسية-فلسطينية مشتركة حفريات في بئر حرم الرامة، والهدف إنجاز مخطط كامل للموقع.
الدكتور أحمد الرجوب مدير عام وزارة السياحة والآثار في الجنوب من الذين شاركوا في الحفريات، واعتبرها: "نطلق على هذا النوع من الحفريات، حفريات ما بعد الاستعمار، في السابق جرت الحفريات بيد الجهات الاستعمارية، والتي كانت تنفذ الحفريات لأهداف استعمارية أمَّا الآن فالوضع اختلف، الحفريات التي أجراها عالم الآثار الألماني مادر عام 1926م، كان هدفها توراتيا، لقد أمسك مادر التوراة بيد والمجراف بيد أخرى، وهذا ما حدث في الحفريات الإسرائيلية عام 1984م، لم يكن همهم الكشف عن التاريخ الحقيقي للموقع، ولم ينهجوا نهجًا علميًا صحيحًا، هدفنا في هذه الحفريات إعادة تقييم عمل البعثات السابقة".
وقال: "الجدران الموجودة تعبر بشكل أساسي عن تاريخ المبنى، فكل حجر وكل جدار يعبر عن فترة زمنية، وهذه الحجارة تم إعادة استخدامها خلال فترات مختلفة، ولكن إذا ركزنا على هذه الحجارة الموجودة ونجمعها بشكل معين ستكون مثل البازلت، وعندما نركبها معًا ستعطينا فكرة عن فترات تاريخية مختلفة وتصور لحالة المبنى، مثلاً يمكن أن نرى هنا عتبة باب، ولكنها نقلت من مكان إلى آخر، وهذه حجارة كتبت عليها كتابات، إن كل حجر يعبر عن إعادة استخدام لفترات سابقة، عثرنا على حجر عليه رسومات جدارية (فريسكو)، ربما تم نقله من معلم روماني أو بناية"
وأضاف: "عندما نتحدث عن هذا الموقع ففي الواقع نتحدث عن بلدة كبيرة، لم يتبقى منها سوى 10 دونمات، ثلاثة منها هي مساحة الموقع، والباقي ما تبقى من أرض شرق الموقع، عثرنا في خندق الحفريات التأسيسي على جدران تعود لفترة ما قبل هذا المبنى، وهي جدران لغرف رومانية معتبرة، تدل على إن الموقع كان مسكونا في نهاية القرن الثاني الميلادي في عهد الإمبراطور سبتنيوس، والاستنتاج أن المبنى الهيرودي كان أصغر بكثير مما يظهر حاليا".
لدى الرجوب آمال كبيرة، بان يتم استملاك الارض شرق الموقع، وبناء ما يمكن أن يصبح بوابة الخليل السياحية، لتكون مجمعا يضم متحفا، وموقفا للمركبات، ومركز استعلامات.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق