أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 16 أبريل، 2016

«قبلة بيت لحم الأخيرة»... سجن داخل سجن/فاتن المر


نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-04-15
في عمل يحمل على غلافه النوع الأدبي الذي أراد كاتبه تصنيفه من ضمنه، يجد القارئ في رواية «قبلة بيت لحم الأخيرة» للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة نوعاً خاصاً هجيناً بين الرواية والتاريخ، أقرب إلى التاريخ منه إلى الرواية، عملاً يذكرنا بـ «رواية» أمين معلوف «الحروب الصليبية كما يراها العرب» يأخذ من الرواية سلاسة السرد ومن التاريخ البحث العلمي الجادّ وسيل المعلومات التاريخية المقدّمة للقارئ كأنها درس في التاريخ لم يكن ليثير اهتمامه لو لم يحمل عنوان الرواية.

1ـ البطل المتوسط
يتميز رائد، الراوي - البطل في رواية «قبلة بيت لحم الأخيرة»، بابتعاده الإرادي عن كل صفات البطولة، فهو يتخذ لنفسه موقعاً محايداً، وسط صخب العمل السياسي في الجامعة والمنافسة الحادة بين مختلف التنظيمات، موقعاً هادئاً يسمح له بتخصيص وقته للدراسة الجامعية وللبحث التاريخي. يحمل مزيجاً من الأفكار المختلفة، مزيجاً لا يخوله الالتحاق بجبهة محددة والانتساب إلى تيار سياسي معين. يشبه ما يطلق عليه الناقد جورج لوكاتش اسم «البطل المتوسط» في الرواية التاريخية، ذلك الذي يختار الحياد في المعارك ولا يحمل صفات قيادية.
سميرة حبيبته تسمّيه المثقف المتخاذل، أما الطلبة المتطرفون، فيطلقون على أمثاله لقب «النسانيس»، ينظر لفكرة الدولة في حدود 1967، بينما تعارض سميرة ذلك بشدة. سميرة، من جهتها، على النقيض منه، تحمل صفات القيادة وتتمتع بقدرة عالية على الخطابة وعلى تجييش نفوس الطلبة من حولها لحملهم على مؤازرة القضية التي تؤمن بها. ولكنها شخصية ثانوية في الرواية، تظهر حيناً وتغيب أحياناً (عند انفصالها عن الراوي)، وهي، ككل الشخصيات القيادية في الروايات التاريخية، لا يمكن إلا أن تتبوأ المرتبة الثانية بعد الشخصية المحورية التي غالباً ما تكون للبطل المتوسط.
هكذا يكون بإمكان الراوي - البطل أن يتنحّى عن المرتبة الأولى في الرواية تاركاً إياها للمكان - مدينة بيت لحم - الذي يصبح هو بطل القصة. أما فعل السرد حول تاريخ وواقع هذا المكان فيتقاسمه مع العديد من الرواة الآخرين. يأخذ عن بعضهم رواية شفهية مثل أصدقائه البيتلحميين جليان وحنا جقمان ومحمدوف، وعن بعضهم الآخر رواية مكتوبة مثل رواية جبرا ابراهيم جبرا وما كتبه المخرج التشيلي الفلسطيني الأصل، ميغيل ليتين في روايته «مسافر الفصول الأربعة». هو يروي ما يروون له من حكايات شخصيات تاريخية عاشت في بيت لحم، منها من هو معروف مثل البطل أحمد عبد العزيز ومنهم مَن طواه النسيان على الرغم من الأعمال الجبارة التي قام بها مثل أنطوان داوود والطبيب ميخائيل معلوف وزوجته برت والطبيب الألماني فيشر الذين رحلوا جميعاً عن الأرض التي أحبّوها وضحّوا بحياتهم من أجلها مخلفين وراءهم لوحة رخامية عند مدخل إحدى الحارات وشاهد قبر وحكاية تلقفها الراوي ليخلد ذكرهم بوساطة روايته.
2ـ تقاطعات الزمان والمكان
«كل جديد يأتي يرتكب حماقة هدم ما سبقه وإلغاءه». (ص.61) لهذا أرادت الرواية أن تكون تأريخاً للتراكمات الحضارية والثقافية، وللمظاهر العمرانية والاجتماعية في مدينة بيت لحم، لما هدمته الحماقة وما تجاهلته فسمحت له بالبقاء حتى أيامنا هذه.
دائرة المكان الكبرى هي مدينة بيت لحم التي يحاول الراوي أن يكشف عن الوجه الآخر لتاريخها، ذلك الذي لا يشبه ما يتداوله الناس الذين يأخذون بحكايات المنتصرين من القادة. تلك الدائرة الكبرى تقسم إلى دوائر مكانية صغرى يلتقي فيها الماضي بالحاضر عبر الاسترجاع التاريخي، مثل كنيسة المهد، حيث يتناوب وصف تفاصيل المكان مع السرد التاريخي لأعمال شخصيات تاريخية تفاعلت معها مثل الخليفة عمر بن الخطاب والقديس جيروم. وأحياناً ينتقل الوصف من الخاص إلى العام فيصبح وصف بيت الراوي وموقعه في الحارة وسيلة لاسترجاع تاريخ هذه الحارة وما مرّ عليها من أحداث هامة. أما الجامعة، فتحتضن أحداث الزمن الحاضر مثل النضالات الطلابية وقصة الحب بين الراوي وسميرة...
ويكون وصف المكان والكلام على سكانه مسوغاً لانتقال شبه عشوائي عبر الزمن بين حقبة الحكم العثماني والحكم الإنكليزي الذي حضّر لوطن الجماعات اليهودية وما سبق هذه العهود في الأزمنة الغابرة. يأتي أحياناً الاسترجاع بسبب كلمة أو عبارة تشكل جسر عبور بين الحاضر والماضي أو بين الماضي وماضٍ أقدم منه، وأحياناً أخرى يأتي مفاجئاً بين رواية للوضع الحالي خاصّة بالراوي وماضٍ يتبادر إلى ذهنه بصورة عفوية. وقد ينطلق الراوي من المكان للسفر إلى مستقبله فيما يُسمّى بتقنية الاستباق. يقول: «لم أكن أعلم أن وجوه جلسات السوق وحكاياتهم، وملاحم أنطون وأحمد عبد العزيز ... ستكون عوناً لي في أيام مقبلة لم أتخيل يوماً قسوتها وصعوبتها». (ص.94) في إطلالة مسبقة منه على سنين السجن المقبلة.
يتشظى الزمن بين الاسترجاع والاستباق والزمن الحاضر، ولكن الشظايا الدقيقة تعود لتلتحم فتشكل مزيجاً تتجانس فيه الأزمنة لتشكل حالة واحدة تسعى للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الراوي في بداية روايته: «كم مرة دُمّرت بيت لحم؟ كم غازٍ وفاتح ومغامر وأفّاق وحاج ونبي مرّ بها؟ ... كم ظالم جاءها ووضع بصمته وتوارى في تضاعيف التاريخ، تاركاً مفاعيل ذلك الظلم تحفر أخاديد في التاريخ والنفوس؟ كم مرة بدّلت سكانها وحكامها ودينها؟ هل قدسيتها سر عذابها الذي لا يتوقف؟ ولد فيها رسول السلام، ولكنها لم تنعم بأي سلام». (ص.50)
3ـ متغيرات الزمان والمكان والناس
بعد انقضاء حقبة النضالات الطالبية وانقطاع علاقة الراوي بسميرة، تتحول المدينة إلى سجن كبير يمارس فيه الاحتلال القمع والقتل، ويضيق عليه سبل العيش عبر سد آفاق العمل ومنعه من السفر. ويتوه في شوارع بيت لحم إلى أن ينفذ عملية فدائية ويطلق النار على جندي من جنود الاحتلال، فيدخل السجن الحقيقي حيث يمضي عشرين عاماً. ويصبح المكان مكانين متقاطبين: خارج تندلع فيه الانتفاضة الأولى، ثم الثانية، ويسقط الشهداء وتعقد الاتفاقيات المخيّبة لآمال الأسرى؛ وداخل يعيش على أخبار الخارج يتلقفها من الرسائل الواردة ومن روايات القادمين الجدد والزوار.
ولكن عندما يخرج من السجن يطغى عليه الشعور بالغربة عن محيطه، عن الناس الذين أعملت فيهم الحالة السياسية الجديدة تغييرات جذرية، فاستشرى الفساد بين النخب الثقافية والسياسية وتاجر الكثيرون بدماء الشهداء... سميرة القيادية الثورية تحولت موظفة كبيرة في منظمة تعمل على مشاريع تطبيع مع الإسرائيليين ومنظّرة للـ «واقعية السياسية»... في بلد التجار هذا، لا مكان للمثقفين الحقيقيين أمثال الكاتب جبرا ابراهيم جبرا الذي لا يلقى، بعد موته، التكريم اللائق من أبناء مدينته. ولعل أكثر مظاهر التغيير النفسي تأثيراً على الراوي بروز التطرف الإسلامي وشعور المسيحيين من أبناء بيت لحم بالغربة عن مجتمعهم. «جريس فقد حسه الفكاهي، ولم يعد مطعمه يقدم «السوائل» للزبائن، واقتصر على المشروبات الغازية، مراعاة للمناخ العام الذي يخيم على بيت لحم...». (ص.260)
ويبدو أن التغيّرات الكبرى متلازمة مع الهزائم إذ يروي كيف اختفت العادات والتقاليد التي تعبّر عن الإلفة بين مختلف الطوائف (كإطلاق اسم يشير إلى طائفة أخرى على الولد إيفاء لنذر) والتي وصفها الكاتب في أول روايته بعد حرب الأيام الستة ودخول اليهود إلى بيت لحم.

التغيّرات الحاصلة على المكان ليست أقل دراماتيكية، فالمكان شوّهه الاحتلال الذي بنى في أرجائه وحوله «جدراناً فوق جدران بين جدران» (ص.225)، محولاً المدينة إلى سجن يحتضن سجناً آخر، كما أبعدها عن مدينة القدس، توأمها، فغدا الوصول إلى المدينة المقدسة «حلماً» أو كابوساً تتخلله الحواجز والمعابر ودروب متعرجة وطويلة يتحايل بوساطتها المسافرون على الجدران. في رام الله كذلك أعمل التغيير السياسي بعد أوسلو تشويهاً جغرافياً، فحوّل مدينة القرميد الأحمر كتلاً اسمنتية وأوساخاً تتراكم في الشوارع وفوضى. المكان مغلق كما الزمان، ورائد يعلن أن روايته هي «خطاب استقالة»، محاولة عقيمة للتعبير عن نفسه وعن جيله، يعلن انهزامه. ربما لأنه لم ينجح، عبر روايته، في الإجابة عن السؤال الذي طرحه في المقدمة: «أين حدود فلسطيني التي تصغر، مع مرور الأزمان؟» (ص.7).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق