أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

بَدّ جقمان: مُتحف للفنون والزيتون في مدينة المهد










كشفت حفرية أثرية استمرت عامين، في حديقة متحف بَدّ جقمان، في بيت لحم، عن جوانب هامة في تاريخ مدينة بيت لحم.

يقع مُتحف بَدّ جقمان، في حارة النجاجرة، بمدينة بيت لحم القديمة، والبَدّ، في التراث الفلسطيني، هو معصرة الزيتون التقليدية، التي تعمل بحجر رحى ضخم، ومكبس.

أُفتتح المتحف، الذي يحمل اسم عائلة بيتلحمية معروفة، في عام 1999م، بعد ترميم المبنى الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر الميلادي، كمتحف اثنوجرافي متخصص في إنتاج زيت الزيتون وذلك في إطار مشروع بيت لحم 2000.

تعرض المتحف، في عام 2002م، خلال حصار كنيسة المهد من قبل الجيش الإسرائيلي، إلى اقتحام، وتحطيم أجزاء من محتوياته.

من بيزنطة إلى خلافة بني عثمان

أُجريت بين عامي 2012-2014م، حفريات أثرية، في جزءٍ من حديقة المتحف، بدعم من القنصلية الفرنسية بالقدس، وبإشراف فريق فرنسي، كشفت عن قطع صدف، وخرز، وأسوار أحادية اللون ومتعددة الألوان، وعملات، تعود لفترات مختلفة، وقطع فسيفسائية مُذَهَبة تعود للفترة البيزنطية، شبيهة بالتي استخدمت في تزيين جدران كنيسة المهد، في عصر لاحق.

أعمق الطبقات الاثرية المكتشفة في حديقة البَدّ كشفت عن بقايا منزل من الفترة المملوكية المتأخرة (القرن 15م) ويحدها شارع وقناة مياه وجدار. بُني المنزل بجانب مقلع للحجارة ربما يعود للفترة البيزنطية، في فترة لاحقة ربما في القرن 17م بُني المنزل على عدة مراحل في الجهة الغربية، وبُني على فترات لاحقة في الجهة الجنوبية، وفي الجهة الشرقية بُنيت معصرة الزيتون الحالية في القرن التاسع عشر.

عُثر على قطع صدف وخرز وعظام، استخدمت في عملية الترصيع، وصناعة قطع مثل نجمة الصليب صغيرة الحجم، التي استخدمت في تزيين الصُّلبان، والصناديق والنماذج الخشبية، واستخدم الخرز مثل العظام في صنع المسابح للحجاج وأيضا للمجوهرات.

حازت صناعة الصدف، في بيت لحم، على شهرة دولية، ولها جذور في فلسطين، فالحفريات كشفت استخدام الصدف في أريحا في الالفية الثامنة قبل الميلاد، وعُثر عليه في أعظم فنون الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين ومصر.

والصدف موجود في الفسيفساء البيزنطية، في بلادنا، وفي فسيفساء قبة الصخرة، التي تعود للقرن السابع الميلادي، وفي كنيسة المهد في القرن الثاني عشر الميلادي.

أُدخلت حرفة الصدف إلى بيت لحم في القرن الثالث عشر إلى بيت لحم بواسطة البرهان الفرنسيسكان، وما زالت موجودة حتى الان.

وعُثر خلال الحفريات، أيضا على مجموعة من العملات، تمتد على مساحة زمنية طويلة، من القرن الرابع الميلادي إلى القرن العشرين، من الاباطرة الرومان حتى عملة حسن كامل سلطان مصر (1917)، بالإضافة إلى ميدالية دينية تعود إلى القرن التاسع عشر من فرنسا، تمثل القلب المقدس ليسوع ومريم، وميدالية ذهبية القرن التاسع عشر.

شهادة الفخار

تُظهر الكسر الفخارية المنوعة التي عُثر عليها، حيوية التجارة في بيت لحم، فالكسر التي تعود للفترة البيزنطية،  تشهد على التجارة مع بحر ايجة والشمال، أمّا التي تعود إلى نهاية العصر المملوكي، في القرن الخامس عشر الميلادي، فشهد على الانتاج المحلي والتبادل التجاري بين الغرب والبحر الأبيض المتوسط، كما هو الحال مع تركيا وسوريا (الفخار المزجج) ومصر.

في الفترة العثمانية القرن 16-20م، تظهر كسر فخارية، تدل على الاستيراد من أسبانيا، وتركيا، وأوروبا، والصين، والى الفترة العثمانية تعود مجموعة الغلايين التي تم اكتشافها وتغطي الفترة ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر.

دخلت الغلايين إلى بلاد الشام عن طريق مصر في فترة مبكرة من القرن السابع عشر الميلادي، وانتشرت في جميع أنحاء الدولة العثمانية، واصبحت مألوفة بن الرجال والسناء، واستمر استخدامها في فلسطين حتى بعد تحريمها من قبل السلطان مراد الرابع عام 1633م.

يقول محمد غياظة، مدير آثار بيت لحم، عن الحفريات التي نُفذت في حديقة مُتحف البَدّ: "لقد حددت عدة طبقات أثرية، تساعدنا في فهم أفضل لتاريخ مدينة بيت لحم، والتعاون بيننا وبين الفرنسيين، راكم لدينا خبرات، ليس فقط في أعمال الحفر، ولكن أيضا من خلال دورات متخصصة حول عمل المتاحف".

وتقول إيمان المغربي، مينة مُتحف البَدّ: "الحفريات جرت في جزء من الحديقة، حتى نعرف أكثر عن طبيعة المبنى وسكانه وكيف كانوا يعيشون".

افتتاح جديد

تقول المغربي: "رمم مبنى المتحف، عام 1998 بمساعدة إيطالية، واكتمل الترميم بدعم من القنصلية الفرنسية بالقدس، ليفتتح من جديد يوم 10-12-2014، الترميم تم على أُسس بناء تقليدية، حيث تم استخدام المواد القديمة أو القريبة منها سواء في القصارة أو الكحلة. يحتوي المتحف على عدة غرف تقدم للزائر معلومات كافية عن تراث عصر الزيتون في فلسطين، اضافة إلى غرف عرض متعددة".

افتتح المتحف من جديد تحت اسم "مُتحف البَدّ- بيت الفن والتاريخ"، وتم استحداث غرفة فيه تعرض لتاريخ مدينة بيت لحم، وغرفة الآثار التي تضم المواد الأثرية المكتشفة في حفرية حديقة البَدّ، وغرفة كنيسة المهد، التي تحتوي على نماذج من أعمدة الكنيسة مزينة بأيقونات تم انتاجها بتقنية التصوير الرقمي، وصور من جداريات الكنيسة الفسيفسائية، وأيضا غرفة ضياء بيت لحم، وتتضمن  صور عن بيت لحم في القرون الماضية في تخيلات الرسامين، إضافة إلى غرفة شجرة الزيتون والتي تحتوي على جرار تخزين الزيت وخزائن عرض تتحدث عن شجرة الزيتون واستخدامات زيت الزيتون وقاعة متعددة الأغراض.

ويقول مصطفى جبريل، الموظف في المتحف: "لدينا خطط وبرامج لتفعيل النشاط في المتحف، ولتوثيق العلاقة مع المجتمع المحلي، ولكن كل ذلك مرهون بالوضع المادي.

منذ اعادة افتتاح المتحف في شهر ديسمبر العام الماضي يتوافد عليه زوار عرب، وأجانب، وطلاب مدارس، نصحبهم في جولات في غرف المتحف المتعددة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق