أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 30 يناير، 2016

يُزاوج أنواع الرواية المختلفة.. فيُنجِب "قبلة بيت لحم الأخيرة"/عزيز العصا


ملخص مقال الناقد عزيز العصا المنشور في صحيفة القدس اليوم 30-1-2016
أسامة العيسة؛ فلسطيني من قرية زكريا الجميلة التي اغتصبت منذ العام 1948، ولد تحت صفيح الزنك البارد شتاءً والحار صيفًا. وهو متعدد الاهتمامات والإبداعات؛ فهو كاتب صحفي، وخبير آثار، وروائي... وأكثر من ذلك. وفي كل شأن يكتب فيه تجده وقد أتقن ما كتب، وفق أهداف محددة وواضحة. فكان له ما يقارب الـ (20) كتابًا، موزعة على أجناس أدبية وعلمية مختلفة.
وأما العمل الأدبي الذي نحن بصدده لـ "أسامة العيسة"؛ فهو روايته "قبلة بيت لحم الأخيرة" في طبعتها الثانية، الصادرة عن "الفسائل" في القدس، في العام 2016، تقوم الثيمة "القضية" الروائية الرئيسية على وصف التغيرات الدراماتيكية التي أصيب بها الثوريون من ذوي النفس القصير، لينتهي أمرهم إلى ممارسة "عكس" ما كانوا ينادون به وهم طلبة على مقاعد الجامعة. ولأجل ذلك، قام "أسامة العيسة" بإنشاء مجموعة مرتكزات هامة اتّكأت عليها الرواية، شكلت هيكلها الأساسي الذي مكّن الكاتب من تحقيق سرد روائي متماسك، يسير بالقارئ بتؤدة وهدوء بين ثنايا النص.
يتكون هذا الهيكل من بنيتين، هما: البنية المكانية والتي كان لها طغيانها وقدسيتها في آنٍ معًا، حيث احتفى النص بمدينة بيت لحم، فغاص حتى أعماق "مُغرها" (مفردها مغارة)، وشوارعها وأزقتها وشواهدها الحضارية. وعندما تمدد في المكان لم يبتعد كثيرًا خارج القدس، التي كانت "بيت لحم" مقرًا ومنطلقًا وممرًا للثوار المنطلقين لتحريرها. وأما البنية الزمانية، فلم تكن أقل وهجًا ووميضًا من المكانية، فغاص الكاتب في أعماق التاريخ الممتد لنحو ألفي عام؛ الزمن الذي كانت فيه المغارة أقصى معمار حضاري، وتدرج بنا حتى تاريخه.
نظرًا لهالة وقدسية البنية الزمانية-المكانية للرواية، فإن النص انطوى على أكثر من نوع "سرد روائي"، ولنتفق على تسميتها بـ "أبعاد" الرواية أو أعمدتها التي تحيلها إلى مظلة جميلة، يتفيّأ تحتها القارئ الباحث عن جمالية الزمان والمكان الكامن في النص، وهي:
      البعد العاطفي: من خلال قصة الحب بين الرجل والمرأة التي وصلت ذروتها في لحظة ما، ثم انكفأت ليذهب كل منهما في طريقه. كما أن هناك قصص حب الوطن والتعلق به.
      البعد التاريخي: ففي النص نمط سردي استمد أحداثه من التاريخ، وقام باستحضار شخصيات تاريخية هامة، شكلت العمق التاريخي للرواية.
      البعد السياسي: فقد برز في هذا النص الروائي ملامح السرد القائم على معارضة الفكر السائد في المجتمع، بخاصة ذلك الفكر الذي يتبنى الـ "أنجي أوز".
      البعد الوطني: فقد برز في رواية "أسامة العيسة" هذه السرد الروائي المتعلق بالتضحية من أجل الوطن، والبحث عن الحريّة، رغم الفارق في القوة والعتاد بين الاحتلال والشعب المحتلّ.
      البعد الواقعي: وقد يكون هذا البعد الأكثر بروزًا في هذه الرواية، فقد ساد فيها السرد، بأساليب درامية، لقصص أشخاص واقعيين وأحداث حقيقية، شكلت نماذج إنسانية ووطنية صادقة، أراد الكاتب من خلالها تدعيم القيم الإيجابية، كقيم التضحية من أجل الوطن، وقيم التعايش بين أبناء الشعب الفلسطيني.

أما النتيجة الأخيرة المصاحبة للقبلة الأخيرة، التي يبثها فينا "أسامة العيسة"، فتتمثل في أن كل الانتهازيين والانهزاميين إلى زوال، وستبقى ذرات "بطل" الرواية، التي ستتناثر في صحراء بيت لحم حتى البحر الميت، وتبقى تحوم حولنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومعها "قبلة بيت لحم الأخيرة" التي تحمل ملامح بيت لحم التي يصوم فيها المسيحي في رمضان المسلمين، ويصوم فيها المسلم في أعياد مريم "العذراء" عليها السلام. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق