أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأربعاء، 5 مايو 2021

لكُلٍّ منّا قُدْسه، وهذه قُدْسي..! (3-5)


-شهادة روائية قدمت لمؤتمر القدس في الرواية العربية، جامعة البتراء-عمّان، خريف 2019م

ثالث

ستحضر القُدْس لدي في مجموعتي القصصية: رسول الإله إلى الحبيبة (القُدْس، 2017م) عبر أكثر من قصة، كقصة: بين القُدْسين، التي تقارب موضوع تقسيم القُدْس، لقسمين، لأوَّل مرة في تاريخها، عام النكبة، و"توحيدها" بالحديد والنار، مع النكسة، والقصة التي حملت المجموعة اسمها، حيث يدور جزء منها في الشوارع والأحياء المحتلة في القُدْس الجديدة.

تبدو القُدْس، وحيدة أكثر من أي وقت، بعلاقتها الشائهة، مع قيادتها الفلسطينية، في رام الله.

في رواية: وردة أريحا (حيفا، 2017م)، حاولت استكشاف، التقاليد المرتبطة بمريم العذراء والخَضِر الأخضر، وعلاقة الإنسان الفلسطينيّ بالطبيعة وما وراءها، في مدينة القُدْس، وبرّها الجنوبي، خلال النصف الأوَّل مِنْ القرن العشرين، من خلال حكاية حول جريمة قتل امرأة، تظللها الظروف المحيطة في وطنٍ هو نفسه تُرتكب جريمة أقسى بحقه، من قوى استعمارية، ونُخب عاجزة ومتآمرة، فيُقسم ويحتل.

تتبع الرواية، خطى مجند في جيش السُّلْطَان العثماني، في حروب اليمن التي لا تنتهي، فيعود مهزومًا، في رحلة عودة، شاقة، ليجد أن الوطن، دال لدولةٍ أخرى، غير دولة الخلافة، وعليه أن يواجه، مخططًا، قد لا يكون أدرك حجم خطورته.

تظهر أماكن، وأسواق، وأبواب القُدْس، ومقاهيها، وحمّامتها، بواقعها، وأساطيرها، وناسها، في مرحلة انتقال فارقة.

تحضر القُدْس في رواية قط بئر السبع (القاهرة، 2017) كحاضرة، لما أصبح بعد النكبة، يسمى الضفة الغربية، كطريق مرور، وعبور، لفتى سمع بمعسكرات الفدائيين في دمشق، فركب من القُدْس إلى عمّان، وتسلل إلى سوريا، وعندما لم يقبلوه لصغر سنه، يعود مختبئًا هذه المرّة، على ظهر مركبة خضار، ليس لأسبابٍ سياسية ولكن لأنه لا يملك الأجرة، وتظهر القُدْس، كمدينة قسمتها النكبة، وغيرت شوارعها، ومساراتها.

في رواية: جسر على نهر الأردن (حيفا، 2018) تحضر القُدْس، كتجمع للمجندين، المتأهبين لقتال العدو، هذا الدور لعبته القُدْس، ليس في أحوال نادرة في التاريخ، ولكن المجند الذي بحث عن حرب، وسعى إليها لم يجدها. رغم تشبعه بخطابات الزعماء، وبروباغندا الإذاعات، ووعود النصر الكاذبة.

#باب_العامود

#جسر_على_نهر_الأردن

#قط_بئر_السبع

#وردة_أريحا

#رسول_الإله_إلى_الحبيبة

 

الاثنين، 3 مايو 2021

لكُلٍّ منّا قُدْسه، وهذه قُدْسي..! (2-5)


 


-شهادة روائية قدمت لمؤتمر القدس في الرواية العربية، جامعة البتراء-عمّان، خريف 2019م-

ثانٍ

خلال سنوات عديدة، ستحضر القُدْس، لديّ، ومن خلال عملي الصحافيّ، كقصصٍ عن عشرات الأمكنة، فلكل حجر في القُدْس حكايته، فقدمت تجربة، لم تنشر في كتاب، بعنوان عام: ملاعين القُدْس، وهي مقاربات سردية، لتاريخ المدينة الآخر، خلال نحو خمسة آلاف عام، جهدت فيها لاستنطاق الحجارة، وتقديم ناسها، من خلال شرطهم التاريخي.

وقدمت تجربة أخرى، لم تنشر، بعنوان عام، قُدْس النساء والأشجار والحجارة، وهي أيضًا مقاربات سردية للمدينة، ببشرها، وحجرها، أقدمت عليها، لتقديم التاريخ، والأسطورة، من زوايا أخرى، غير تلك التقليدية الاحتفائية.

سأعود إلى القُدْس، فيزيائيًا، بعد غياب، بسبب المنع الاحتلالي، حاولت أن أعود كذلك الولد، الذي كنته، الذي كان يقف أمام مخيم الدهيشة، واسطة العقد بين المدن الثلاث المقدسة، بيت لحم، والقُدْس، والخليل، ليركب في الحافلة، وخلال سبعة دقائق يكون في باب العمود، وسط البلد في القُدْس، ولم يكن ذلك سهلاً لروح جماعية، أفقدتها أوسلو السياسية، الكثير، وسياسة الاحتلال التي بدأت إغلاقًا تدريجيًا للقدس، منذ حرب الخليج الثانية، حتى الإعلان عن إغلاقها في الثلاثين من آذار 1993م.

#باب_العامود

#ملاعين_القدس

#قدس النساء والأشجار والحجارة

السبت، 1 مايو 2021

الإنجيل المنحول لزانية المعبد عن المؤسسة العربية




صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الرواية الجديدة للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة، بعنوان: الإنجيل المنحول لزانية المعبد، وهي مغامرته الأحدث في مشروعه الروائي لتقديم المكان والإنسان الفلسطينيين، بدون أوهام رومانسية، ولكن هذه المرة، عاد إلى حكاية يهوذا وتمار في العهد القديم، ليساءل الثنائيات التي حكمت، وما زالت هذا الشرق، كالثنائيات القومية، والدينية، والطائفية، والسلطات المختلفة.

يقول الروائي والناقد إياد شماسنة عن الرواية: "عندما توصف تجربة ما بأنّها فلسطينية فهذا يعني تكامل العناصر المكونة للهوية الفلسطينية في مجتمع ومعمار ووصف وبيئة وكاتب الرواية، إنها رواية الرواية بمنهج حكائي مهم، ينتهج أسلوب إعادة إنتاج أو خلق أسطورة  ما ليقدم رؤية المغلوب القوي، والمقهور الذي يفتقد النفوذ، لكنه يملك الحكاية، أمام غول الرواية المضادة التي تعتمد المحو والإنشاء البديل تمامًا، وهو أمر هام في إعادة تصور الهوية الشاملة بعد زلزال النكبات المتتابعة التي ألمت بالفلسطيني، وتمنحه إحساسًا جميلاً وحقيقيًا بالأرض".

تعتبر الرواية التي تزينت بغلاف كلاسيكي يحمل لوحة عالمية، تجربة هامة في تقديم ميثولوجيا فلسطينية، وحسب شماسنة: "فإن أي عمل يعاد تخليقه برواية فلسطينية سيكون له آثاره الأدبية على الأقل، وركيزة مهمة في الرواية الفلسطينية عمومًا، وهي خطوة في مشوار الألف ميل لتقديم الرواية الفلسطينية بعيدًا عن السياق الكولونيالي وبعيدًا عن البكائيات".

https://www.wattan.net/ar/news/339368.html

#الإنجيل_المنحول_لزانية_المعبد

 

الجمعة، 30 أبريل 2021

لكُلٍّ منّا قُدْسه، وهذه قُدْسي..! (1-5)

شهادة روائية قدمت لمؤتمر القدس في الرواية العربية، جامعة البتراء-عمّان، خريف 2019

أوّل

عندما أقف قُبالَة باب العمود، باب بلدة القُدْس القديمة المفضي نحو الشمال، أتخيّل السُّلْطَان سليمان، ومعماره سِنان، يقرعان الكؤوس، وهم يخططان لإعادة بناء السور المهدم حول القُدْس، على أنقاض، الباب الروماني، ويبدو السُّلْطَان، مستعجلاً، بعد أن حلم، بأنّه إذا لم يبن السور، فان الأسود يمكن أن تلتهمه، على ما تقول الأسطورة المحلية.

وأتخيَّل كيف تتغير المدينة بسرعة، منذ ذلك الزمن البعيد، والزمن الأقرب، ففي مكان إبراهيم شبانة، بائع المجلات والكتب، بجانب الباب، ينتصب برج عسكريّ احتلاليّ، وهو يشوه المدينة، يؤكد على واقعها المغاير، لما أرادها الاحتلال؛ قُدْس موحدة تحت حرابه، وعاصمته إلى الأبد.

في رد فعل، على ذلك، يرفع الفلسطينيون، شعارًا مشابهًا؛ قُدْس عاصمة فلسطين إلى الأبد. ماذا عن الرملة مثلاً، التي اضطلعت بدور العاصمة لقرون؟ هل أتحدث عن حُفر ردات الفعل؟

عشق إبراهيم، عبد الحليم حافظ، وأصدر كتيبات ملونة، تحوي كلمات أغاني العندليب الأسمر، الذي يزعم إبراهيم أنه استقبله، شخصيًا، مندوبًا عن إحدى الصحف، في مطار قلنديا، قبل الاحتلال، عندما كانت القُدْس، قُدْسًا، ولها مطار، وعندما رحل مغنيه المحبوب، فتح بيت عزاء له، وفي كل سنوية، كان يوزع، بيانًا، على المارين، مذكرا بمنشد الحب والقومية العربية، وكأنّه يقترف فعلاً ثوريًا، وهو يمد المنشور، بثقة للمارين، غير آبه بعيون جنود الاحتلال، المنتشرين في المكان، والتي تجوس، على قامات النَّاس، وتحصي الحركات.

في عام 1982، عندما خرجت من معتقل المسكوبية، وسرت من القُدْس الجديدة، إلى القُدْس المسورة، كان بائع الصحف البسيط، من الذين التقيتهم، كي أُأَكد لنفسي، بأنني فعلاً، أصبحت حرًا (الحرية النسبية طبعًا). أعطاني إبراهيم مخطوطة منقورة على الحاسب، وممنتجة، عن قصة عشقه الأبدي، للمغني المصري، لأنقحها، مستبشرًا بي خيرًا، وسيظهر إبراهيم في روايتي المسكوبية (رام الله، 2010م) كواحدٍ من شخوصها، وباسمه الصريح.

عندما أمضيت تلك الأيام العصيبة، في المسكوبية، كنت أرى في نفسي كاتبًا، نشر قصصًا في الصحافةِ المحلية، وشارك في الأنشطة الأدبية، التي كانت تعقد في القُدْس، أيقنت بأنني سأكتب عن الشخوص التي قابلتها في المعتقل، ولكن، في تلك الأجواء المجتمعية، التي سادت الأرض المحتلة، لم يمكن ممكنًا، أن أكتب بحرية، وهي الحرية النسبية التي يحتاجها الكاتب، ليكتب، فانتظرت سنوات طويلة، حتى خرجت الرواية، من ظلمة الأدراج، إلى نور القراء.

سأعود في رواية المسكوبية، سنوات إلى الخلف، لمحاولة قول أشياء كثيرة، عن قُدْسي الخاصة، قُدْس الثمانينات، بعوالمها التحتية، والخلايا الطلابية، والتنوع الاثني والطائفي، الذي طالما شكّل غنى للمدينة، التي رأيتها دومًا، مدينة فوق قومية، وما زلت أستغرب، كيف تقدم، من خلال الشعارات، والخطب السياسية، كمدينة أحادية، وأدرك أنهم يتحدثون عن قُدْس أخرى، غير قُدْسي.

كتبت المسكوبية، بوعي بأنني أريد أن أقدم شكلاً جديدًا، على الأقل ضمن المدونة السردية للمدينة، ولإيماني أن أيّة رواية هي مغامرة في الشكل والأسلوب، وتحتاج أساسًا، إلى عملٍ ميداني، فحضر في الرواية العمل البحثي، والتقنيات الصحافية في بعض الفصول، والواقعية، في ذكر أسماء شخوص حقيقية كالشاعر توفيق زيّاد مثلاً.

خضت غمار هذه التجربة، وأنا أدرك، أنها مثل كل التجارب، ليس هناك شيئًا مضمونًا، ولكن لم يكن، لدي أي خيار، لكتابة أي شيء عن القُدْس، ضمن المحددات الشعاراتية، والتعامل مع المدينة، كمعطى سهل التناول.

#رواية_المسكوبية

#باب_العامود


 

الأربعاء، 28 أبريل 2021

كل خاطب كذّاب..!


هناك من يخطب ود الجماهير (يا للجماهير المدغدغ ودها)، وهناك من يخطب ود النساء (يا للنساء المتعتعات بكلام الخُطاب) ولكن لا فرق في الحالتين، من ناحية تقنية نسبيًا، على الأقل هذا ما أدركه العرب القدماء.

في بلاد تنضح شعارات، يبدو من الصعب تتبعها ودراستها، يمعن الشعارايون في شعاراتهم. من الشعارات التي ترددت في المسجد الأقصى مؤخرًا، التي تُلوح لليهود، وتنذرهم بتكرار ما حدث لهم ذات مرّة، في مكان اسمه خيبر، لا يعلم عنه الإسرائيليون المستعمرون شيئًا، إلى مهازل الخطوط الحمر.

يبدو التلويح بحرب دينية إسلامية، من رمز فلسطيني ومكان مقدس، إحدى المهازل المأساوية،  كاعتبار القدس خط أحمر، ولا سلام بدونها، وكأنَّ الخليل، وقلقيلية، ويافا، ورأس الناقورة، مثلاً خطوط ملونة، وليست خطوط حمراء، وأن السلام، الذي لا أفقدته الشعارات أي معنى، يمكن أن يكون بدونها.

الشعار يتجاور مع كذب خُطّاب الود وخطبائه. سنتذكر مجموعة من الرفاق القدامى، كالبيهقي الذي نقل عن ابن عساكر، بسندهما إلى أبي مالك، قال: مرّ سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها لنفسه، ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت. قال سليمان (ولا شك أنه كان يضحك): وإنه عرف أن قصور دمشق مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب.

لا نعرف، منطق الطير، كما عرفه الملك أو النبيّ سليمان، ولكننا نعرف، بأن كل خاطب، وخطيب، في بلاد الخطباء والخطاب، كذّاب..!

#باب_العامود

**الصورة: قبة الصخرة 13-3-2021م

 

الأحد، 25 أبريل 2021

حكايات أم نبيل..!



قبل أشهر غابت أم نبيل، ولكنّها، بالنسبة لنبيل لم تغب، ما زالت تعيش معه في المنزل في شارع اسطيح في بيت ساحور، وفي نزل دار ستي عزيزة في بيت لحم العتيقة.

أم نبيل مخزون حكايات عن بيت لحم، وبيت ساحور، والقدس، وغزة، حيث عاشت في منزل حموها الايكونومس الياس رشماوي، الذي نشط أيضًا وطنيًا وقوميًا.

كانت ناشطة مستقلة، ابتعدت عن انقسامات الأحزاب والتنظيمات التي لا تنتهي، ولم تصبها عدوى شيوعية آل رشماوي في شارع اسطيح، ومنهم عميد الشيوعية المرحوم البروليتاري عطا الله رشماوي (أبو جميل). سألتها، في منزل العائلة، يوم 10-6-2020م، عن مصدر ثقافتها، أجابت مبتسمة، بأن الفضل يعود للرقابة. عمل زوجها في دائرة الرقابة في القدس الأردنية، وكان يعود للمنزل بالكتب الممنوعة التي لم تجزها رقابة النظام، فتلتهمها.

واحدة من لحظات مكر التاريخ. لن تفهم الأنظمة، حتّى في عصر تحطيم مفهوم الرقابة، أن الحروف تطير، وأن الكلمات لا يمكن حبسها في الزنازين.

عمل باحث أجنبي، على كتاب عن حياتها، لم يصدر حتّى الآن، كما أخبرني نبيل، آمل أن يصدر قريبًا، وسيمدنا بالكثير من حكاياتها.

بمناسبة #اليوم_العالمي_للكتاب

 

السبت، 24 أبريل 2021

ميثولوجيا فلسطينية/إياد شماسن


أعتقد أن مطالعات أسامة العيسة العميقة للعهدين القديم والجديد سابقًا، واعتكافه على مطالعة النص القراني حاليًا، وتجواله بين خرائب كنعان وما تلاها من تجارب بشرية ساهمت في تكوين الهوية الفلسطينية؛ ستمنحنا تجربة هامة في تقديم الميثولوجيا الفلسطينية، روائيًا، باعتبار العهدين القديم والجديد ميثولوجيا فلسطينية أساسًا، وبالتالي فإن أي عمل يعاد تخليقه برواية فلسطينية سيكون له آثاره الأدبية على الأقل، وركيزة مهمة في الرواية الفلسطينية عمومًا، وهي خطوة في مشوار الألف ميل لتقديم الرواية الفلسطينية بعيدًا عن السياق الكولونيالي وبعيدًا عن البكائيات.

#الإنجيل_المنحول_لزانية_المعبد

**

المقال كاملاً:

https://www.bokra.net/Article-1461690

 

الجمعة، 23 أبريل 2021

أنا نخلة الكنعانية

تعرفونني باسم أثمار، أو تمَار، ويمكن أن يكون أسهل عليكم، أن تنادونني تمارا، فهو اسم شائع لديكم، دون أن يعرف كثيرون معناه، ولكنّني أحب أن تتخطوا ذلك كله، وتسموني نخلة، وهو معنى اسمي الّذي تلفظونه بتلك الصيغ الثلاث، على الأقل، وأحب، أيضًا، أن يكون لي فعلاً، من اسمي ثمرًا، ولا يجب أن يغيب عنكم، بأن النخلة في شرقي الّذي عشته، هي رمز للألوهة المؤنثة؛ الأُمْ الكبرى، الفرج، الممر الإجباري لمرور البشر منه، ولكن منهم من يتنكر، وينكر، وأدى تضافر المتنكرين والمنكرين، إلى انقلاب على الأم الكبرى، ليتسلم الرجال مقام الألوهة، والنبوة. لم يختر والدي الكاهن اسمي، لسبب ديني فقط، وإنما أيضا ممنيًا النفس أن تكون ابنته جميلة تقطر منها الحلاوة، كالتمرة، ومنتصبة القوام، شامخة كالنخلة، الّتي لا نعرف غيرها من أشجار قادرة، وهي تعلو على تصحيح مسارها، فلا تنمو مائلة، وإنما مستقيمة، وهكذا أراد والديّ أن يكون سلوكي، فلا أجلب لهما كلام النّاس، ورغبوا أن أكون مفيدة لهم ولناسي، فلم تكف والدتي، وهي تهز مهدي، عن الإنشاد معددة فوائد النخلة أل 360، على عدد أيّام السنة، فأنام قبل أن تكمل أنشودتها، وربّما كنت أصحو، كما أكدت لي مرارًا لاحقًا، فأجدها تكمل التعداد، وكأنّها بإكمالها، وتكرارها، تريد التأكد من أنني سأكون كما ترغب هي ووالدي. أحب، أيضًا، أن تضيفوا لاسمي، نسبي العِرقي، ليس فقط تعبيرًا عن فخري، ولكنّ لأنَّه مهم لفهم قصتي، فأصبح نخلة الكنعانيّة. وكما يجب أن تعلمون، فإنَّ في تغيير الاسم في شرقنا القديم -وهو في حالتي، ليس تغييرًا بالمعنى الحرفي، وإنّما ترجمة- يحمل معه تغيير المكانة، والدور، والمصير، والأمثلة شائعة، ليس أقلها، تغيير أسماء بطاركة أجداد قبيلة زوجي، كإبراهيم، وسارة، وكذلك اسم جَدّ زوجي يعقوب، ليصبح إسرائيل، بأمرٍ من ربه، والاسم ليس له علاقة، أو يجب أن يكون كذلك، بدولة إسرائيل الّتي ولدت في شرقكم الحديث. أقول ذلك منعًا لأي لبس وإسقاط حاضر متفجّر، على ماضٍ، تفجّر، وتناثرت شراراته، وتوالدت، حتّى وصلتكم شظاياها.

كنت أحد ضحايا شرقي المتفجّر، فارتبط اسمي، بشتى الصفات الّتي تنتقص من المرأة، وكأنّه لا يوجد غيري زانية، أو أنّه لا زانيات في هذا الشرق، إلّا أنا، وأنتم تَلُوكون سيرتي، تتجاهلون سجل طويل من الزناة الرجال، الّذين تعلوهم، كأنبياء، وأجداد، وقديسين، ومِن بينهم شريكي، مَن ارتبط بما حدث معي به.

أعرف أن قصتي تقلقكم، وأقرّ بأنهن قلة، تلك النسوة المهذبات اللواتي دخلن التاريخ، ليرضن غروركم الذكوريّ. من الواضح أن لا أحد تجذبه قصص المهذبات. ما العمل في دناءة أخلاقكم المتجذرة؟ وبعضكم، وهم قلة، يحاولون، سبر تاريخي، غير مكتفين بالأفكار المسبقة النمطية، ومن بينهم هذا المؤلف، المولع بقصص المجانين، والمرضى النفسيين، الّذي قرّر البدء بكتابة قصصنا نحن نساء هذا الشرق. أعتقد أنّه يمكن فهم ما حدث معنا، من زوايا علومكم النفسيّة، ولكنّني، عندما بدأ بحفرياته عنّي، استأذنته في أن يترك لي، رواية حكايتي بنفسي، خشية من تحيزات، قد تسيء للقصة، حتّى لو كتبها مؤلف، يحاول أن يكون موضوعيًا، كما يزعم. لا أعرف إذا يتعيّن عليّ شكره على موافقته، أم أنّه حقًا لي، بعد قرون طويلة، من لَوك سيرتي؟ من لم يلوكني منكم، بلسانه، لاكني بفكره، ووضعني في الموقع، الّذي تتقبله تحيزاته العقليّة.

نادوني نخلة، ربّما تتغير وجهة النظر نحوي، حتّى بعد كلّ هذه القرون الطويلة، وأنتم تقرؤون، رجالاً ونساءً، إنجيلي هذا، الّذي، أعلم، بأنه ليس له أيّة فرصة لأن يحظى باعترافكم، فأنتم حددتم، منذ زمن بعيد أناجيلكم المعتمدة، ونبذتم العشرات من أمثال إنجيلي هذا، الّتي اعتبرتموها منحولة، واخترعتم مصطلحا يؤشر إليها، كشيفرة محلولة تتداول، فأي واحد منكم يقول أبوكريفة، فهذا يعني محاولات آخرين، وأخريات، التعبير عن مكنونات سير حيوات شهدها الشرق المضطرب، ولكن السلطات المتعددة لم تعترف بها

#الإنجيل_المنحول_لزانية_المعبد
 

الخميس، 22 أبريل 2021

شهيد في بركة الصقيع..!


أمّا الثاني، فكان يذكره كثيرًا صالح أبو لبن، أحد المعتقلين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، قبل أن يفرج عنه.

كان يذكر بكثير من الأسى زميله العجوز محيي الدين علان العوري، الذي التقاه في زنازين التحقيق في سجن رام الله، وكان شاهدًا على تعذيبه بوضعه في بركة ماء أيام الصقيع، فترات متقطعة، وفي إحدى المرات لم يحتمل الجسد المنهك الماء المثلج فتوقف القلب عن الخفقان، وبرّر المحققون وفاته، بأن الشرطي المناوب نسيه أكثر من اللازم في بركة الصقيع.

كثيرًا ما وضعت تصورات حول لحظات العوري الأخيرة، الرجل الذي تجاوز السبعين، وشارك في ثورة 1936م، واعتقل لأوَّل مرة عام 1968م، وأمضى في زنازين التحقيق فترة طويلة، دون أن يتمكنوا من أخذ كلمة واحدة منه، ودون أن يعرف أهله في بيت عور شيئًا عنه، ثمّ اعتقل مرة ثانية، واعترف عليه، هذه المرة، اثنان من زملائه، وبقي متماسكًا، حتّى أسلم الروح في بركة الصقيع، وكان ذلك في آذار أيضا، يوم 2-3-1971م: ما هي المشاهد الأخيرة التي مرّت في ذهن ثوريّ عجوز، وهو ينسلّ من الدنيا، وينخر البرد جسده؟ هل تمكّن من الإمساك بلحظات سلام أخيرة، وشريط حياته يمرّ سريعًا؟ هل توقّف عند مشاركته في مقاومة البريطانيين، الذين طاردوه ولم يتمكنوا منه، وعاش حتى يشهد على احتلال جديد، يقرّر محققوه قتله بطريقة غير مسبوقة.

#رواية_المسكوبية

**

صورة الشهيد العوري، بلطف عن صفحة صديقنا المنقب بلال شلش.