هذا
السجال بين الكاتبين أسامة العيسة وجاد المصري يفتح الباب أمام قراءة أعمق لشخصيات
استثنائية تركت أثرًا في تاريخ أريحا والأغوار.
من
جهة، يقدم لنا أسامة العيسة قراءة نقية وثاقبة؛ إذ يرى في الراهب
"خريستو" مشروعًا ثقافيًا وقوميًا يحمل الشغف الهيليني، متسائلًا بحق عن
دلالات تعديل الخرائط التاريخية وإسقاط القدس لبناء مسرح الإسكندر المقدوني. هذه
العين الناقدة تفكك الرسائل الرمزية وتتصدى لإعادة رسم هوية المكان وحكايته
الأصلية.
وفي
المقابل، يأخذنا جاد المصري إلى الجانب الإنساني والاجتماعي المباشر، متذكرًا
الراهب الذي زرع الأمل في قلوب البسطاء، ووقف إلى جانب العائلات المستورة دون
تفريق، وصنع من الدير واحة للعطاء الصامت بعيدًا عن عدسات الكاميرات.
والحقيقة
أن القراءتين تكتملان؛ فالعطاء الإنساني للراهب -على أهميته ونبله في تثبيت الناس
ودعمهم- لا ينفي أن مشروعه العمراني والثقافي كان مسكونًا برغبة صريحة في فرض
سردية قومية إغريقية على جغرافيا عربية فلسطينية أصيلة. لقد نجح الراهب في بناء
شبكة أمان مجتمعية بحسه الإنساني، لكنه ترك خلفه أسئلة تاريخية مشروعة حول الهوية
والأثر الذي أراد خلوده.
بين
عين الناقد التي تحرس تاريخ المكان، وروح الوفاء التي تحفظ جميل العطاء، تبقى
السيرة الكاملة لأي شخصية عامة هي مجموع ما فعلته للناس، وما تركته على حجارة
الأرض من رموز وأفكار.
يجهد
كمأل الرياحي وباسمة التكروري وعبد الله الخطيب، لخلق حالة ثقافيَّة عربيَّة، بعيدًا
عن العالم العربي المأزوم، وربَّما تؤكد سِيرهم الأزمة. أراهن دائمًا على مشاريع
المثقفين الفردية. علنا نسمع الجديد دائمًا عن جماعة تورنتو الثقافيَّة، كحالة
ومآلات غير مأزومة.
سعدت
وزميلي إياد شماسنة بلقاء عبد الله الخطيب، في شرفة ساحة المهد، تحرسنا أضواء
القدس، وامتداد البريَّة، ولُمع مادبا وما حولها من بعيد. حدَّثنا عن بيت الخيال
في تورنتو، ومعارض كتب وغيرها من مشاريع. نقاش حول المشروع الثقافيِّ والهويَّة وقناته
على اليوتيوب: مقهى الخطيب الثقافي،وكتابه
حول العهد القديم، ورحلته الحالية في فلسطين. عودة إلى الجذور في حوش الخطيب، في
بيت لحم القديمة.
بيت
لحم تنهض، وتتجدَّد، مثلما فعلت منذ أكثر من ألفي عام، مع ميلاد السيِّد الَّذي لا
يموت. لقاء حميم مع ابنها العائد، ولو لحظيًا. العزيز عبد الله. سعدنا بك.
يقدّم أسامة العيسة في روايته «بنت من القُدْس الجديدة» عملاً سرديّاً يختبر قدرة الأدب على مساءلة القانون، والأخلاق، وذاكرة المكان والتاريخ في آنٍ معاً. هذه الرواية «رواية مدينة» تُكتب عند تخوم المحاكم في أوائل القرن الماضي، والأرشيفات، والمخططات الاستعمارية، ومائدة الخبز اليومي. جوهرها واقعة قضائيّة تبدو بسيطة في ظاهرها: امرأة مقدسيّة (صالحة) تتقدّم صراحة إلى المحكمة وتطالب بتعويضٍ عن «إزالة بكارتها بطريقة غير مشروعة». غير أنّ العيسة يحوّل هذا الملف إلى عدسةٍ تكبّر طبقات القدس: سلطة القاضي، أخلاق الجماعة، هندسة المستعمر للفضاء، وسياسات التسمية، وحياة الناس الدقيقة. من هنا تأتي فرادة الرواية: حيث أنها تنسج التخييل بالوثيقة بدون أن تُسلم قيادها لأيٍّ منهما.
قاعة المحكمة بوصفها مسرحاً للمدينة
ينطلق السرد من قاضٍ يلقبه أقرانه الأدباء في «مقهى الصعاليك» بـ«التنكزي»، وهو قاضٍ مأزوم بالأسئلة المهنية والأخلاقية. لا يعود إلى بيته بعد أول مواجهة مع صالحة، بل يلجأ إلى أرشيف المحكمة الضخم وغير المنظم ليقلب سجلات قديمة «بحثاً عن قضايا مشابهة نظرها أسلافه»، فيعلن منذ البداية أن زمن القدس دائريّ متكرر وأن ما نشهده اليوم له سوابق وأشباه في قرون مضت. هذا التخييل لا يلغي الانحياز إلى «الوثيقة»، لكنه يفتح له ممرّاً: يعود القاضي إلى سجلات شرعية تعود إلى 1545م تُدين رجلاً في باب حطة وتنفِيه من المدينة، فيرى في التعزير حكماً مناسباً ويتوقف عند قسوة النفي كعقوبة تاريخية. وهكذا تُبنى الرواية على حركة ذهاب وإياب بين غرفة المداولة وحواشي السجلّات: كلّ استدعاء لوثيقة قديمة يرفد الحاضر بتأويل جديد، وكلّ ترددٍ في المحكمة يدفع الراوي إلى حفريات أرشيفية أو إلى ساحة المدينة. هذا التناوب يمنح النصّ إيقاعاً بحثياً دون أن يفقد نبض الحكاية. تتبدّى جُرأة الرواية في وضع جسد المرأة داخل لغة الحقّ. لا تأتي صالحة مستحية ولا مترددة؛ إنها تخاطب القضاء مباشرةً وتطالب بتقدير ثمن بكارتها، ثم تراجع القاضي الأعلى لأنها اصطدمت ببطء الإجراءات، وبيروقراطية القضاء. وفي الجلسة، حين تسترسل حجتها: «لا يوجد للواحدة منا إلا بكارة واحدة»، يلتقط السرد منطق الندرة والتعويض ليختبر سُبل تحويل «الفضّ» من وصمة اجتماعية إلى واقعة قانونية قابلة للإثبات والتعويض، مع ما يثيره ذلك من أسئلة: كيف يُثبت الشرع ذلك؟ وكيف تنضبط المعايير في قاعةٍ محكومة بأعراف المدينة وبيروقراطية الدولة؟ لا يقدّم النصّ أجوبة حاسمة؛ إنه يضع القاضي تحت تربّص ضميره ومهنته، يُهدّد المتقاضي بالغرامة إن استهان بالمحكمة ويعيد فرض الانضباط الرمزي على جلسة تهددها الفوضى. بهذا المعنى، القاضي «بطلٌ مُحرَج»: يُعرّي هشاشة العدالة الإجرائية عندما تُحمَّل بأعباء الجسد والسمعة. تحتمل الرواية عنواناً فرعياً دالاً: «قاضٍ يحكم على نفسه»؛ وهو اختيار سردي يعيد مركز الثقل من «الحكم على الغير» إلى محاكمة الضمير المهني. في مشاهد متفرّقة، نرى القاضي ينتفض لكرامة المحكمة حين تتلكأ إدارات أدنى في إحالة الملف، ويواجه مراوغة المتهم واستفزازه، ثم يذكّر صالحة بحدود الخطاب في الجلشة، ينكشف القاضي كإنسانٍ محصور بين النصّ والواقع دون أن يتضخّم دوره كبطل؛ وإذا كان قد تميز بعقوبة أوقعها على ذاته، فإن المهم سرديّاً هو الاعتراف بأن الحكم الأخلاقي لا يختزل في الصكّ القضائي، وأن العدالة ليست قراراً منفرداً بل شبكة من مؤسسات ونزعات وذاكرات.
الحداثة الاستعمارية: آشبي والخرائط التي لا تُمسك بالقدس
على الضفة الأخرى من قاعة المحكمة، تتبدّى القدس بوصفها ميداناً لحداثة استعمارية يحضر فيها المستشار البلدي البريطاني تشارلز روبرت آشبي بصوتٍ لا يخلو من سخرية وازدراء. يقول ـ على نحو كاريكاتوري ساخر ـ إن «مدينتكم هذه لا حلّ لها… معالمها الإسلامية والمسيحية واليهودية… وجمهور من الأوباش، وجميعهم لهم مصلحة في إبقاء الأمر الواقع»، فيكشف خيبة مهندسٍ يريد ضبط مدينةٍ تتفلّت من تخطيطه. لا يُساجل النصّ الآراء العمرانية نظريّاً، بل يدحضها عبر السرد: فكلّ محاولة لتسوية المدينة في المخطط تُقابلها عودة موجات الرعب واندفاعة السكان وتداخل المقدّس بالدنيوي، كما في «وباء الرعب» الذي «ينتقل كالوباء» خارج الأسوار، فتتحرك أجهزة الأمن والدين لتهدئة الجمهور بدون معرفة سببٍ واضح لبداية الهلع ونهايته. تبلغ الرواية ذروة نقدها للحداثة العنيفة عند تفجير فندق الملك داود: ينهض المشهد مدعّماً بالتعدادات والأرقام (91 قتيلاً، بينهم 41 عربياً و28 بريطانياً و17 يهودياً) ليذكّر بأن أدوات التنظيم الاستعماري لم تمنع تصعيد الإرهاب الصهيوني ضد المدنيين في زمن الانتداب، بل استُدرجت إلى ساحة العنف ذاتها. في فصلٍ آخر، تُدار معركة رمزية حول اسم المكان: «البقعة» التي يسميها أهلها «وادي الورود» لحدائقها وماء الورد، في مقابل الاسم العبري «عِيمِق رفائيم»، ومحاولة تغييره في زمن الإدارة البريطانية التي رفضت خوفاً من غضب السكان. هنا تُبرز الرواية أنّ التسمية ليست حياداً لغوياً بل صراع على الذاكرة والخيال الجمعي، وأنَّ سيطرة المستعمر على الخرائط تمرّ عبر تغيير أسماء الأمكنة. لا تكمن الفائدة السردية للاستعانة بالوثائق في توثيق الواقعة فقط، بل في توليد شعرية خاصة. حين يورد السرد خطاباً مملوءاً بألقابٍ سلطانيةٍ قديمة ـ كما في سيرة نائب السلطنة المملوكي تنكز ـ فهو لا يُعيد إنتاج البلاغة الوسيطة مجاناً، بل يفضح تضخّم السلطة في اللغة ويقارنها بلغة المحكمة الحديثة الجافّة. كذلك يرصّ المشاهد التي تتناول «اختلاط الرجال بالنساء في الحرم القُدسي» مقرونةً بإحالاتٍ سجلية إلى سنوات 1556–1557م، بما يوحي بأن أخلاق المدينة تُعاد كتابتها دوريّاً تحت العيون ذاتها: عين القاضي، عين الصوباشي، وعين الجمهور الذي يشهد ويشي ويُصلح. هذه اللعبة الأرشيفية لا تُعطل اللذة الحكائية؛ لكنها تُقوّي إحساس القارئ بأنّ ما يقرأه له جذور في عادات التقاضي وبلاغة الحُجّة، وأنّ المدينة لا تُفهم دون لغة سجلاتها. لا تكتفي هذه الرواية بفضاءات القضاء والسياسة؛ فتهبط إلى «اقتصاد الرموز اليومية»: مشهد «الخبز المطبطب» الذي يُعرّف به أبو ميلاد بوصفه أكثر من خبز، «رمز للثقافة والضيافة»، سافر من أديرة السالزيان في إيطاليا في القرن التاسع عشر ليزيّن موائد عابرة للمتوسط. هذا التفصيل «المطبخي» دليل على تدفّق الذاكرة عبر قنوات غير بطولية: رغيفٌ يربط بين إيطاليا والقدس، بين الرهبنة والبيت، بين نصّ المدينة ونصّ المعدة. إنه يقترح قراءةً للهوية كشبكة تذوّق بقدر ما هي شبكة عقائد. يُعلن الراوي صراحةً في مفاصل عدة، وعيَه بصناعته: «وسوسة روائي، تفلت الخيوط من يده». كما يتردّد عنوان فصل «توجس كاتب المجانين، وكسرة كِسرى» بوصفه تعليقاً ذاتياً من داخل النص على هشاشة السيطرة السردية حين تتكاثر الملفات والشخوص والمراجع. هذا الإفصاح يؤنسن السارد ويقرّ بأن رواية مدينة متشعّبة كالقدس لا تُختزل في حبكةٍ واحدة، وأنّ «الوثيقة» نفسها تتفلّت وتتوالد. تستثمر الرواية ذاكرة الأفكار السياسية وهي تقفز بين الأزمنة: من مقترحات «الدولة الواحدة» إلى مآلات «الرئيس الثوري» و«الكتاب الأخضر» و«الكتاب الأبيض»، في سياق تلميحاتٍ إلى سرقة الأفكار وادعاءاتها، وصولاً إلى الشعرة الفاصلة بين الشعارات والواقع. لا تشرح الرواية هذه المقارنات نظرياً، بل تتركها تعمل كإسقاطات تذكيرية داخل السرد لتسائل منطق الحلول الشمولية وصلتها بحياة الناس. أسلوب العيسة مُركّب: يمزج لغة المحاضر القضائية الجافّة، والعامّيّات المقدسية المحتشدة بالتناص المحلي، وبلاغة السرد الكلاسيكي (التعداد، النَّبز، المبالغة الساخرة)، إلى جانب نبرة توثيقية حين يورد الأرقام والوقائع (تفجير فندق الملك داود). المقاطع التي تتبادل فيها الشخصيات الشتائم، وتلوّح المحكمة بالغرامات حفاظاً على هيبتها، تؤدّي وظيفةً فنيّة: إحياء المسرحة في قاعة المحكمة وإظهار الصراع الخطابي بين «حقّ» يُنطَق به و«هيبة» تُحافَظ عليها. يمكن للقارئ أن يُسجّل على الرواية ميلاً إلى الاستطراد، خصوصاً حين تتكاثر المقارنات السياسية، أو حين يصرّ الراوي على تذكيرنا بأن «الخيوط تتفلّت من يده». لكن ذلك إعلان موقف جمالي: حيث أن رواية مدينة مركّبة مثل القدس لا تُختزل في سردٍ خطّي، والكاتب يفضّل أن يُبقي «الملفّ مفتوحاً» على قراءاتٍ متعدّدة. بهذه الروح، تتحقّق قوّة النصّ، فالمشهد القضائي ـ الذي قد يتحوّل لدى كاتبٍ آخر إلى مثاليةٍ وعظيّة ـ يُقدَّم هنا كمختبرٍ لأخلاقٍ متضاربة لا تني تتفاوض مع التاريخ والسياسة واللغة. تُراهن «بنت من القُدْس الجديدة» على ذكاء قارئٍ محترف، قارئٍ يقدّر سحر التفاصيل حين تُحسن اختيار معناها، ويحتمل أن تتجاور في الصفحة الواحدة سجلات عام 1557 مع ملفٍّ في محكمة البداية ومع سخرية مهندسٍ بريطاني ومع رغيفٍ على مائدة عائلة مقدسية. ولا تُقرأ هذه الرواية مرّةً واحدة. فهي لا تتخيّل القدس فحسب؛ بل تدرّب قارئها على قراءتها: مدينةٌ تفاوض القضاء بقديمه وحديثه، تُجرّب حداثة المستعمر ثم تُحبطها، وتُغنّي خبزها المطبطب بوصفه ذاكرةً لا تقل شأناً عن أي حكمٍ قضائي. بهذا المزج المتقن بين بلاغة الوثيقة وحياة الناس، يضع العيسة عمله في صف مهم من الروايات العربية التي أعادت التفكير في وظيفة الأدب، ليس لتأكيد هويةٍ جاهزة، بل لصناعة معرفةٍ نقدية تُسائل المكان والحقّ والاسم، وتمنح القارئ أدواتٍ جديدة لفهم القدس ـ بوصفها نصّاً مفتوحاً لا يكفّ عن إعادة كتابة نفسه.
أسامة العيسة: «بنت من القدس الجديدة» دار المتوسط، ميلانو 2025 160 صفحة.
تمارا امرأة أسطورية تعيد كتابة التاريخ الفلسطيني وتكسر الحدود الثقافية
"الإنجيل المنحول لزانية المعبد".. ميثوبيا ترفع الذاكرة ضد النسيان والحقائق ضد التضليل.
الاثنين 2025/03/10
مثلت صناعة الأساطير في الفن والأدب أو ما يسمى بالميثوبيا توجها كاملا لبناء سردية لها أركان قوية خاصة وأنها تذوب التاريخ والأساطير في مساحة خيالية، وقد مثلت أيضا توجها هاما للدفاع عن الإنسان ضد الاستعمار والمحو والتزييف، وهذا ما نلتقطه في رواية أسامة العيسة “الإنجيل المنحول لزانية المعبد.”
تعتبر رواية “الإنجيل المنحول لزانية المعبد” من الأعمال الأدبية الفلسطينية التي تمثل استكشافًا دقيقًا لأساطير وشخصيات تاريخية كنعانية، مقدمة تجربة روائية غنية وذات أبعاد فلسفية تتجاوز السرد السطحي، حيث يعيد الكاتب أسامة العيسة تقديم رؤية جديدة للموروث الفلسطيني، ويعمل على خلق ميثوبيا فلسطينية تحمل في طياتها الكثير من المقولات الثقافية والسياسية.
يُعد هذا العمل تجربة متميزة في الأدب الفلسطيني المعاصر، وتعتبر رواية مؤسسة تنتمي إلى ميدان الأدب الذي يعتمد على خلق الأساطير وإعادة إنتاجها، بما يتماشى مع تقاليد الميثوبيا، هذه الرواية التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر تتميز بعناصر سردية معقدة، وتطرح تساؤلات حول الهوية والذاكرة والتاريخ الفلسطيني.
الميثوبيا الفلسطينية
الرواية تسلط الضوء على الزمان والمكان بشكل متناغم يعكس الترابط العميق بين تاريخ فلسطين والجغرافيا الفلسطينية
قبل الغوص في التفاصيل السردية والرمزية للرواية، من الضروري توضيح معنى الميثوبيا وموقعها في الأدب الفلسطيني. تُعرّف الميثوبيا بأنها عملية خلق الأساطير، حيث يسعى الكاتب إلى بناء أو إعادة بناء أسطورة أو سرد تاريخي يعكس رؤيته وتصوراته الخاصة، سواء كانت أسطورة مستوحاة من التاريخ أو من خياله. قد يبدو هذا المصطلح غريبًا على القارئ، ولكن عندما نربطه بالتجربة الأدبية لأسامة العيسة، تتضح الأبعاد الثقافية التي يستهدفها من خلال تشكيله لأسطورة فلسطينية جديدة.
بدأ استخدام المصطلح في ثلاثينيات القرن العشرين بواسطة ج. ر. تولكين، مؤلف ثلاثية ملك الخواتم، ليُستخدم لاحقًا في الأدب الحديث للإشارة إلى خلق أساطير وأبطال خياليين. وفي الأدب الفلسطيني، تُعتبر الميثوبيا وسيلة لإعادة النظر في التراث الفلسطيني وتقديمه بصورة متجددة، حيث لا تقتصر على سرد الأحداث التاريخية المعلومة، بل تخلق عالمًا متكاملًا جديدًا يعكس الصراع الفلسطيني مع القوى الاستعمارية، ويقدم قضاياه من خلال رؤى أدبية تستلهم الأساطير القديمة.
الرواية أكثر من مجرد سرد لحكاية تمارا، البطلة الكنعانية التي تُحاك الرواية حول حياتها ومعاناتها. بل هي محاكاة لأسطورة قديمة، تُعيد للعالم الصورة الكنعانية من خلال شخصية تمارا، امرأة قوية ترفض أن تكون مجرد جزء من تاريخ مستهلك ومغيب. في عالم الرواية، تمارا ليست مجرد زانية في معبد؛ هي رمز للثورة، ولإعادة بناء الهوية الفلسطينية التي عانت من التشويه والإخفاء عبر العقود.
تُسلط الرواية الضوء على علاقة تمارا بمعابد كنعان، تلك الأماكن التي كانت تشهد طقوسًا دينية تخص عبادة عشتار، إلهة الحب والحرب عند الكنعانيين. وعلى الرغم من أن الرواية تقدم وجهة نظر الأنثى في هذا السياق التاريخي، إلا أنها تتجاوز الأبعاد الجندرية لتتطرق إلى أبعاد أخرى تتعلق بالصراع الفلسطيني مع رواية الآخر، تلك الرواية التي تسعى إلى محو هوية الشعب الفلسطيني.
في “الإنجيل المنحول لزانية المعبد”، يلعب النزاع التاريخي بين العبرانيين والكنعانيين دورًا محوريًا. وتُقدّم الرواية هذا النزاع ليس فقط من خلال الصراع التاريخي بين الديانات، بل أيضًا من خلال التفاعل الاجتماعي والسياسي بين الشخصيات. الكنعانيون، بمن فيهم تمارا، يتحدون الرواية العبرانية التي حاولت طمس التاريخ الفلسطيني القديم، وتقديم أنفسهم كأصحاب الأرض الشرعيين.
يستحضر العيسة شخصيات كنعانية تشكل بؤرة الرواية، ويبني من خلالهم ميثولوجيا جديدة تُحاكي ما يمكن أن نعتبره الميثولوجيا الفلسطينية. الرواية تُظهر تمارا كرمز للأنثى الفلسطينية التي تحمل همًّا تاريخيًا ومعنويًا، متمردة على الأدوار التقليدية التي حُبِست فيها عبر العصور. ومع تحول السرد إلى محاكمة تمارا بسبب “فعلها” المقدس في معبد عشتار، فإن الرواية تطرح العديد من التساؤلات حول العدالة، والشرف، والهوية.
إحدى أبرز المزايا التي تقدمها رواية العيسة هي قدرتها على استحضار الماضي الكنعاني وتقديمه من خلال سياق فلسطيني معاصر. ولعل في ذلك إشارة مباشرة إلى العلاقة العضوية بين الأرض والشعب الفلسطيني، حيث أن الرواية تسلط الضوء على الزمان والمكان بشكل متناغم يعكس الترابط العميق بين تاريخ فلسطين والجغرافيا الفلسطينية. ويُستخدم في الرواية العديد من الأساطير الكنعانية التي تربط الماضي بالحاضر، فتظهر تمارا كأيقونة ثورية، تشارك في صراع مستمر لتثبيت حضورها وهويتها في مواجهة محاولات المحو والتشويه.
العيسة، من خلال هذا البناء السردي، لا يقتصر على إعادة سرد التاريخ، بل يقدم إعادة إحياء له، مستفيدًا من أدوات الميثوبيا التي تدمج بين أساطير العالم الحقيقي والخيالي. ومن خلال هذه الرواية، لا يقتصر العيسة على تقديم سرد تاريخي جاف، بل يقدم صورة مفعمة بالحياة عن فلسطين والأبطال الذين سكنوها.
الأنوثة والمقاومة
إحدى أبرز المزايا التي تقدمها الرواية قدرتها على استحضار الماضي الكنعاني وتقديمه من خلال سياق فلسطيني معاصر
تمارا ليست مجرد شخصية نسائية تقليدية؛ بل ترمز للمقاومة الفلسطينية في أبهى تجلياتها. في الرواية، تصبح تمارا قائدة لمقاومة التاريخ الذي حاول تهميش دور النساء في بناء الهوية الفلسطينية. تُقدّم لنا تمارا في إطار صراعها مع الشخصيات العبرانية، وصراعها مع النظام الأبوي، ورفضها لأن تكون ضحية في مسرح كبير تحكمه القوى العظمى.
مقاومة تمارا تبدأ من تحطيم الهويات المغلوطة التي أُلبست عليها، حتى أنها ترفض أن تكون جزءًا من القصة التي يحكيها الآخرون، لتعيد كتابة تاريخها من منظورها الشخصي. يُظهر العيسة تمارا كامرأة معقدة، تتمازج فيها الطقوس القديمة مع قوة الشخصية الحديثة. تُقدّم هذه الشخصية تمارا كأنثى فلسطينية قادرة على قلب موازين القوى، بل وتهديد السرد المضاد الذي يسعى لتصفية الذاكرة الفلسطينية.
عنوان الرواية يحمل طابعًا جدليًا استثنائيًا، وهو بمثابة دعوة للتساؤل وإعادة التفكير في الكثير من المفاهيم الدينية والتاريخية، الإنجيل المنحول يشير إلى انقطاع عن السرد التقليدي، ويطرح رؤية جديدة للكتاب المقدس والتاريخ الديني. كما يثير تساؤلات حول مفهوم الأبطال والمجاهدين والأنبياء في التاريخ، وكيف يمكن أن يكون للضحية الصوت الأقوى في رواية العالم.
العنوان تحدٍ مباشر للرواية الكبرى التي صاغها التاريخ وفرضها الاحتلال، كما أنه يشير إلى كيف يمكن لتاريخ الاحتلال أن يكون محرفًا، شأنه شأن الأناجيل المحرفة التي تتغير وفقًا للغرض السياسي.
من خلال إعادة كتابة الأساطير الفلسطينية، يسعى العيسة إلى تقديم مشروع ثقافي يتجاوز الروايات السائدة التي تفرضها القوى الاستعمارية، ليفتح المجال أمام الرواية الفلسطينية الجديدة التي لا تسعى إلى البكاء على الأطلال بل تسعى إلى بناء أفق جديد للهوية الفلسطينية في الأدب العالمي. وتقدم الرواية بعدًا فلسفيًا نقديًا حول معركة الذاكرة مقابل النسيان، ومعركة الحقائق ضد التضليل التاريخي.
بذلك، تكتسب رواية العيسة مكانتها الخاصة في الأدب الفلسطيني باعتبارها عملاً أدبيًا يتجاوز حدود الأدب التقليدي إلى إنشاء ميثوبيا فلسطينية جديدة، تعكس تاريخًا وأيديولوجيا وفكرًا حضاريًا يعيد تأصيل الهوية الفلسطينية في مواجهة المحاولات المتكررة لمحوها.
إن “الإنجيل المنحول لزانية المعبد” ليست مجرد رواية عن تمارا أو معركة بين الكنعانيين والعبرانيين؛ هي دعوة حية لإعادة النظر في الأساطير التي أسست الهوية الفلسطينية، ورؤيتها الثقافية والتاريخية. من خلال هذه الرواية، يُعيد أسامة العيسة صياغة الأساطير الفلسطينية، مقدماً لها بعدًا جديدًا يمكن أن يكون نقطة انطلاق لفهم أعمق للتاريخ الفلسطيني وأبعاده الفلسفية، السياسية، والاجتماعية.
راجعني
عدد من الأصدقاء مستفسرين أكثر عن موضوع
الميثوبيا، وهي باختصار:
الميثوبيا
(Mythopia) هي مصطلح يستخدم للإشارة إلى مفهوم أو حالة يتم فيها المزج بين
الواقع والخيال بشكل يتجاوز الحدود التقليدية للواقع. يمكن أن تُفهم الميثوبيا
كإعادة تشكيل للواقع عبر استخدام الأساطير أو القصص الخيالية، بحيث يُعطى
للمعتقدات والرموز الأسطورية دورًا في تفسير أو تشكيل واقع جديد.
في
الأدب والفن، قد تشير الميثوبيا إلى حالة يتم فيها دمج الأساطير أو الحكايات
الشعبية مع الأحداث أو الظروف المعاصرة، مما يُنتج نوعًا من الخيال الذي يخلق
واقعًا بديلًا يُمكن أن يكون رمزيًا أو مفهوميًا. قد تتخذ الميثوبيا شكل روايات أو
أفلام أو أعمال فنية أخرى تتعامل مع واقع مُخترع أو مُعزز باستخدام الأساطير.
في
رواية اسامة العيسة، في اعتقادي، تم
توظيف ميثولوجيا حكاية تمار او تمارا في رواية ظاهرها فانتازيا تاريخية لكن
بها من الاسقاط الواقعي الكثير، وهي إضافة سردية ميثولوجيا ستندمح في سرديات البلاد المختلفة.
حدثنا الروائي أسامة
العيسة فيما يرويه عن خالاته، ومنهن الخالة الفاضلة سارة الحاج حسين فيماحدثته عن صباها في بلدتها زكريا المهجرة، حيث
قال:
عُرفت سارة، كجميلة
جميلات قريتنا زكريا، غنوا لها ولجميلة أخرى هي زريفة حسن في الأعراس"
كانت سارة إحدى جميلات
البلدة هي وزريفة، محورًا أساسيًا لأغنيات الزفاف في البلدةأ يَّام كان العالم في
ظلام الحرب وقيود الحرملك والسفر برلك،
وقد غنى الرجال
والنساء:
يا زريف الطول/ وفي
البلد ثنتين
زريفة حسن/ وسارة
الحج حسين
يا زريف الطول/ وردت
على البير
زريفة حسن/ ومرخية
الكشمير
سارة الحج حسين/
ومرخية الكشمير
قلت لأسامة يبدو اننا
كنا سابقين لعصرنا بمراحل، ولتعرف ذلك تخيَّل لو غنى الرجال لأجمل فتاتين في مخيم
الدهيشة وتغنوا بجمالهن في الأفراح وحفلات الزفاف، كم قتيلًا سيقع في تلك
الليلة!!!
أعجبني ما كتبه
الأديب أسامة العيسة عن مجموعة كتاب وشعراء خارج الشللية، الكتاب الذين همهم
الكتابة والوطن، يكتبون خارج الأطر والمجموعات والشلل، لا يلتزمون إلَّا بما هو أساسي
للكتابة والأدب، ولا يتسلقون أعمدة الرخام الملكي والعاج السلطاني ورفوف الحرير
الأميري، هم اليوم منتشرون في كل فلسطين، فلسطين التاريخية، وهم الجيل الحديد الذي
يقدم وسيقدم كتابة مختلفة.
في سمائه السابعة، يوغل
الروائي أسامة العيسة في تفاصيل الزمان والمكان كما لا يفعل غيره، يتجوَّل، يفكِّك
وينقض ويبني روايتين معا: رواية أدبية تليق بنا وبه، وسردية وطنية يقدمها المواطن
الأديب نيابة عن الملايين الذين يحاولون.
يبني لنا العيسة رواية
متعددة الأوجه تظل ممسكة جامعة بين الجمالية الأدبية والدلالة الوطنية، وذلك
باعتباره ممثلًا لعدد لا يحصى من الأفراد الذين يتوقون لرواية محلية يرصدها الأدب
حيث تزدحم الألسنة بالحكايات. ما يميز أسلوبه هو التفرد في الرصد والتحليل، من أجل
المصداقية الذاتية والوطنية والروائية يقوم العبسة بزيارة المواقع التي يتناولها
في أعماله، مما يدل على مستوى من الالتزام والجهد البدني يُحسب له
ويميزه عن غيره.
هل يلعب الجنس بفكرته، وأدواته،وقدرته أو عجزه دورًا أساسيًا في حياة
الفلسطيني!
ترتكز رواية الأديب الحائز
على حائزة الشيخ زايد، الكاتب الفلسطيني اسامة العيسة على قضية "السبع
المطربل" والسبع هو فتوة أو قبضاي القرية، وهو الذي يتغاضى عن عجزه ويشتم
ويلعن ثم يسكر ويبكي، هل هذا ترميز ذكي لأنظمة الحكم مثلًا؟
لا أعرف إن قصد أسامة
العبسة ذلك! هذا محتمل. لكن الجنس سيظل القوة المركزيَّة في حكم الشرق، كان وما
زال.
يفتتح أسامة العيسة
روايتهالجديدة الصادرة عن دار المتوسط
للنشر والتوزيع في ميلانو، بفقرة مضمونها أن السبع " مطربل" ، وقد جاء
في القاموس "رجل مطربِل" إذا كان يسحب ذيولَه ويتمطّى في مشيه.
ولكن هل هذا ما قصده العيسة
في فاتحة الرواية!!!!
في مداخلة يقول الروائي
ابراهيم جوهر: إنَّ هذا المصطلح في اللغة الدارجة له معنى آخر يقترب من مفهوم
"العجز الجنسي"، وهذا يتسق تماما استعارة سحب الذيل، والذيل كناية عن العضو
الفاعل أساسيًا فيتلك الليلة، وتتجلى
السخرية المريرة في الفجوة بين العامية والفصحى عندما يقول القاموس إنَّه يتمطى في
مشيته، فذاك فعل الزهو والكبرياء والآخر عليه ما عليه في المخيلة الشعبية.
يضيف جوهر: السبع دلالة على
القوة والشجاعة (هو الأسد) وحين يطربل: لا يقوم بوظائفه المطلوبة منه والمفترض
أداؤها على أكمل وجه فإنه لا يستحق (السّبعنة) بل يجب الانتفاض عليه وتنحيته...على
توقع أن يكون (السبع) يشير إلى القيادة أو الزعامة.
والسبع في رواية العيسة أحد
فتوات البلدة بل زعيمها وفتوتها من كرومها حتى القدس وحاراتها.