أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2016

كيف أصبحت حمارًا دون أن أدري..!




















لطالما احترمت الحمير، وما زلت. في منتصف التسعينات، طفت في عدة قرى، لأكتب عن الأهمية الإستراتيجية للحمار الفلسطيني، واقترحت على شلة الساحة، أن يتخذوا (الحمير) اسما لهم، ولكنهم استنكروا الأمر ولم يقبلوا حتى بالأرانب اسما لهم.
وقبل سنوات، انطلقت مع الرئيس الأبدي لجمعية الرفق بالحيوانات، لنستقبل لوسي التي دفعتها الحمية لتأتي، من الإمبراطورية التي كانت عظمى عندما احتلتنا، إلى الأراضي المقدسة في مهمة صليبية سلمية جديدة ولكن هذه المرة لحماية حميرها، فأسست جمعية مع إسرائيليين (من اليهود والعرب حاملي الجنسية الإسرائيلية)، تلقت دعمًا من المانحين الذين اقتنعوا انه ليس فقط الشعب المحتل يحتاج إلى دعم ليتحمل الاحتلال، ولكن أيضا حميره، وبفضل لوسي وطاقمها، كان يمكن أن نقف على الممارسات التي يتركها الفلاحون الفلسطينيون بحق حميرهم.
الصديق اهتم أكثر بلوسي، وأصابته الغيرة وهو تحتضن الحمير، وتضمهم لصدرها، فتقدم منها، ووضع يده ببراءة على كتفيها، وطلب مني تصويرهما، وهو يتغزل بها. وطلب مني وهو يشير بخبث بعينيه ان احذوا حذوه، ليصورنا، ولكنني رفضت خشية الوقوع في فخ التطبيع على كتف الرفيقة لوسي، ومنذ ذلك الحين بدأت أناديه بالرفيق حمار، بدلا من الرفيق أخنوخ.
وتلقى الرفيق حمار، دعما هو الآخر لكن هذه المرة من أجل الحمير التي تعيش في الأراضي المحتلة عام 1967، فوضعها أسوا بما لا يقاس من حمير اليهود المحتلين الأرض والبشر والحيوانات، ولطالما طلب مني تصويره، خلال جولاتنا وهي يضع لجام على حمار نلقاه صدفة، من أجل الشفافية، ولتوثيق أن الأموال تذهب في طريقها الصحيح.
ولاحقا، انقلب رفاق لوسي عليها، واستلوا على جمعيتها، فحزن عليها الرفيق حمار حزنا يقال بأنه كان شديدًا، فأسست جمعية أخرى لحمير الأراضي المقدسة. أمّا أنا فتهت فخرًا في نفسي لأنني قاومت إغراء التطبيع معها.
كل هذه المقدمة المبتسرة، خشية الإطالة، هدفها فقط إبعاد أي شبهة عنصرية من قبلي ضد الحمير، بل أن لدي مواقف مبدئية ضد التشبيهات التي يحلو لبني البشر إطلاقها على الحيوانات، ولكن يحدث أحيانا للمرء، أن يخرق المباديء، كما حصل معي قبل أكثر من عام.
في المحكمة الشرعية، في إحدى المدن، وفي إحدى الدول التي لا تظهر على الخارطة، قدمت ورقة للحاجب أبو ماهر ليدخلها إلى القاضي ليختمها، ولكنه عاد مبتهجا مؤكدا بان الورقة يجب أن تكون ممهورة بتوقيع رئيس البلدية وليس مدير المخيم، وعندما حاولت أن اشرح له الفرق بين البلدية والمخيم، لم يفهم، ففهمت بأنه (مجرد حمار)، ولمت نفسي لاحقا على هذا التشبيه، وان أتقهقر مهزوما.
وبعد أشهر رأيته في السوق القديمة، يرتدي الزي الرسمي للقاضي الشرعي، يقف معه صديقي الساخر عامل النظافة المثقف والمخضرم.
وعندما وصلتهما، كان القاضي الجديد قد غادر، فقلت لصديقي:
-كيف يمكنك أن تتحدث وتضحك مع هذا المضروب في مخه، وفهمه على قده. لا شك بان مستواك في السخرية انحدر إلى مقلب سيخرجك من تصنيفي للساخرين العظماء..!
وحكيت له الحكاية، فقال لي:
-مشكلة أخينا، الذي هنأته أنا الان باختياره قاضيًا شرعيًا، ليست في مخه كما اعتقدت أنت، ولكن في جيبه، ولم يكن هو الحمار، ولكنك يا صديقي أنت هو الحمار، وسأصنفك في الدرك الأسفل للحمير، ولا اعرف كم سنة تحتاج لتصبح في مستوى الحمير القبرصية..!
ومنذ ذلك اليوم لا يقول لي صديقي إلا:
-الرفيق حمار..!
المشكلة ليس في انني طلعت حمارًا، ولكن في هذا الذي لم يكن حمارًا، أصبح قاضيًا شرعيًا وفي إحدى أهم المدن وأكثرها كثافة سكانية، في تلك الدولة التي لا تظهر على أية خارطة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق