أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 22 ديسمبر 2018

سلاح الفتك "غير الفتاك" و"القتل الرشيق"..!



لا تُذكر الانتفاضة الأولى الكبرى، فقط بحكايات أشكال النضال التي ابتدعها شعبنا، ولكن أيضا بالأسلحة التي أدخلتها حكومة الاحتلال، في مواجهة، ما يصفها ميكو بيليد، الناشط في حركة مقاطعة الاحتلال بـ: "ثورة جماهير حقيقية فاجأت الجميع".
وعندما وجد جيش الاحتلال المدجج بالسلاح نفسه في مواجهة راشقي الحجارة: " كانت أوامر وزير الحرب غير الرسمية التي ذاعت في كل أنحاء العالم هي "كسر عظام الفلسطينيين وإنتاج ضحايا". وبالفعل تم قتل الكثير من المواطنين"-حسب ميكو.

وزير الحرب آنذاك، كان اسحق رابين، الذي أدخل سلاحًا جديدًا في مواجهة المنتفضين، وهو الرصاص المطاطي، وحسب توثيق الكاتب الراحل حسين البرغوثي، فان ذلك تم في شهر آب 1988م، وفي مقال له نشر في مجلة الدراسات الفلسطينية مجلد 29، عدد 113 (شتاء 2018)، بترجمة الدكتور عبد الرحيم الشيخ، فان الاحتلال استخدم الطلقات المطاطية، كتجسيد إضافي لما سمته مؤسسات الاحتلال "المشط الناعم للغاية".
معاناة أكثر
ولكن رابين، تأخر قليلا في الإعلان عن هذا السلاح، ربما لتجربته في أجساد الفلسطينيين، فعقد مؤتمرًا صحافيا يوم 27 أيلول 1988، أعلن فيه أن الهدف من استخدام هذا النوع من الطلقات: "مثيرو الشغب سيعانون إصابات أكثر. هذا بالضبط هو هدفنا". وكشفت صحيفة حداشوت الإسرائيلية في حينه عن طبيعة هذه الطلقات: 70% زنك، 20% زجاج، 10% مواد بلاستيكية صلبة.
ورغم تصريحات رابين هذه، إلّا أن، المدافعين عن دولة الاحتلال استمروا في التضليل، كما يذكر ميكو بيلد: "ادعى المدافعون عن إسرائيل أن إسرائيل تستخدم الرصاص المطاطي حتى تتجنب القتل أو تؤذي أحدًا؛ ولكن فقط لإخافة الفلسطينيين".
ما هي الطلقات المطاطية؟ يجيب الخبير الأمني يوسف الشرقاوي: "الطلقة المطاطية هي طلقة مصنوعة من المعدن مغلفة بالمطاط، استخدمه الجيش البريطاني في ايرلندا ضد المتظاهرين، وعندما انطلقت الانتفاضة الأولى، استخدمه جيش الاحتلال كسلاح ضد المتظاهرين الفلسطينيين، والطلقة إن استخدمت لأقل من 50 مترا تكون بالغة الخطورة وقد تشل حركة المصاب، وإن أصابت مناطق حساسة في الجسم أو الرأس، تكون أكثر خطورة وقد تؤدي إلى الوفاة".
ويعتقد الشرقاوي، أن استخدام جيش الاحتلال لهذا السلاح: "جاء من أجل تجميل وجهه في العالم، ولكن على العالم أن يعلم بان هذا السلاح هو قاتل".
"الطلقة في جيبي"
يقول ميكو بيليد، وهو ابن الجنرال ماتي بيليد، الذي تحول إلى داعية سلام، عن موقف والده من الطلقات المطاطية: "كان أبي يحتفظ برصاصة مطاطية في جيب معطفه، وكان يخرجها عندما يلقي خطابا عن الصراع في إسرائيل، ويزيل المطاط عنها ليبين أنها من الحديد، ولكنها مغطاة بطبقة رقيقة من المطاط".
يأخذ الباحث الإسرائيلي ايال وايزمن، صاحب كتاب (أرض جوفاء: الهندسة المعمارية للاحتلال الإسرائيلي) النقاش حول الطلقات المطاطية إلى فضاء أوسع: "إن السعي إلى جعل الحرب أكثر "إنسانية" –وهو ما ورد مكتوبا في مختلف الاتفاقيات والقوانين الخاصة بالحرب منذ القرن التاسع عشر- يمكنه أيضا في ظل شروط معينة أن يجعلها أكثر رجوحا وتكرارا. من خلال تنظيم العنف، أي قوانين الحرب والأحكام الأخلاقية الأخرى التي تفرضها المجتمعات طواعية على نفسها، قد ينتهي المطاف بالمجتمع إلى تشريع الحرب أو إطالة أمدها".
يضيف وايزمان: " ثمة مثال على هذا الإشكال يمكن ملاحظته في استعمال جيش الدفاع لذخائر الصلب المغلفة بالمطاط؛ يعتقد الجنود أن (الرصاص المطاطي) هو ذخيرة غير فتاكة، وأن استخدامها يظهر ضبط النفس في الأوضاع التي لا تحتمل تهديدا للحياة، لكن هذا التصور يقود إلى استخدامها على نحو أكثر عشوائية وتكرارًا، لتتسبب في موت أعداد كبيرة من المحتجين الفلسطينيين أو إصابتهم إصابات دائمة، الأطفال منهم بشكل رئيس".
"قتل رشيق"
يرى وايزمن: "أن إيمان الجيش بإمكانه القيام بقتلٍ "مضبوط"، "رشيق"، "متناهي الدقة"، "انتقائي" قد يتسبب بتدميرٍ وموت يفوقان ما تحدثه الاستراتيجيات "التقليدية" بالمحصلة، لان هذه الطرائق في تآلفها مع بلاغةٍ خطابية مناورة ومغتبطة تعمل على تعميمها، تغري صانعي القرار بإباحة استخدامها المتكرر وتوسيع نطاقها. وتعطي الدقة المتوهمة التي تشكل جزءًا من خطاب ضبط النفس في هذا المقام الذريعة الضرورية للجهاز السياسي-العسكري لاستخدام المتفجرات في الأوساط المدنية، حيث لا يخلو استخدامها هناك من إلحاق إصابات في صفوف المدنيين أو قتلهم. يتناسب الاعتقاد بامتلاك وسائل معينة لعتبة عنف منخفضة، مع احتمال السماح بتطبيقها بصورة أكثر تواترا".
ويكمل وايزمن: "يعتقد مروجو الوسائل والتقنيات والخطابة الداعمة "لأهون الشرور" أنهم من خلال تطويرها وإتقانها يمارسون فعليا تأثيريا كابحا على الحكومة وباقي الأجهزة الأمنية".
تجربة في الميدان
وللصحافي مصطفى بدر، تجربته مع الطلقات المطاطية، وتستخدم موسوعة ويكبيديا صورة التقطها لمتضامن أجنبي يحمل طلقة مطاطية، في مادتها عن هذا النوع من السلاح.
يقول بدر: "ربما تختلف تجربة الصحفيين في الميدان للرصاص المطاطي عن غيرهم، فالرصاص الموجه نحوهم يكون أكثر لؤمًا، وبعكس الآخرين الذين يهرعون للاحتماء من المدنيين العابرين والمتفرجين والمتظاهرين الذين لصدورهم كاشفين وبالحجارة مشتبكين، فإن الصحفيين يبقون واقفين متأهبين لتوثيق عمليات الكرّ والفرّ تلك، لذا تكون رصاصة المطاط المنطلقة نحوهم أكثر لؤماً وغدراً وألماً، وبعكس قوانين الفيزياء الطبيعية فإن هناك موانع وحواجز لا تعيق رصاص الاحتلال وتبطئ سرعته، بل تجعله أكثر قوّة، فالرصاصة الآتية نحو الصحفيين تخترق العديد من المواثيق والقوانين والمعاهدات التي تتعهد بحمايتهم قبل أن تصطاد الطمأنينة في أجسادهم وتزرع مكانها الألم".
وكثيراً ما يراود بدر الشكّ: "في امتلاك مخترع هذا الرصاص المعدني المغلف بالمطاط لبعض الثقافة العشائرية العربية، بعد أن سمعت عن قانونٍ عشائريٍ يتحدث عن عدم تجريم الاعتداء بالضرب طالما لم يكن هناك دمٌ أو نزيف، فرغم أن هذا الرصاص المخترق لجماجم الأطفال لا يترك في كثيرٍ من الأحيان جروحاً ظاهريّة، إلّا أنه كفيلٌ بأن يعيش من يصاب به بآلامٍ فتّاكة، وبأضرارٍ ونزيف للأعضاء الداخلية، واعتبر نفسي محظوظاً لعدم تجربتي لذلك فجميع إصاباتي كانت برصاصٍ مطاطيٍ مرتدّ، وكثيراً ما فوّت قناصو الاحتلال إصابتي بسنتيمترات".
وعن الصورة التي التقطها وتعرف الآن على نطاق واسع يقول بدر: "الصورة التي تستخدمها ويكبيديا كانت في مخيم عايدة للاجئين عام 2013، حيث كنت مع مصورٍ صديقٍ أجنبيٍ متضامنٍ مع القضية الفلسطينية يُدعى رايان، وكانت هذه الرصاصة قد وصلت زاحفةً عند أقدامنا بعدما فشلت في اصطياد أحد، فقرر رايان أن يصطادها ويحتفظ بها كتذكار من تلك الأيام".
ولكن عشرات إن لم يكن مئات الفلسطينيين، ضحايا الطلقات المطاطية، احتفظوا بذكرياتهم عنها داخل أجسادهم، ومنهم من أودى هذا السلاح الفتاك بحياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق