أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 14 أغسطس 2026

هذا الكتاب..هذا المؤلف!


 


صدر هذا الكتاب: نصارى القدس/ دراسة في ضوء الوثائق العثمانيَّة، في بيروت في أيلول عام 2007م، وهو رسالة دكتوراه لأحمد حامد القضاة.

أعتبر الكتاب، من أهم الكتب في مجاله، وضعه مؤلف لم يزر القدس، معتمدًا على الوثائق. وهذا النوع من الكتب، التي يكتبها، أو يترجمها، فلسطينيُّون وعرب من بعيد (ومن قريب أحيانًا)، عادة ما يكتنفها الكثير من الأخطاء الفاضحة.

أعتقد لو أنَّ للكاتب معرفة بالمكان، وبشخوص ثرية ورد ذكرهم في الكتاب، وخضع لإعادة كتابة وتحرير، مستفيدًا من تقنيات الكتابات التَّاريخيَّة-السرديَّة، لعد الكتاب تحفةً في مجاله.
في الكتاب هنات صغيرة، وهذا طبيعي، منها مثلًا قوله عن مذكرات واصف جوهرية حول القدس العثمانيَّة، أنَّه: ليس لواصف جوهرية؛ بل لوالده جريس جوهرية الذي عمل محاميًا في القدس، وكان شاهد عيان على بعض الأحداث". بالطبع هذا خطأ.

عدت للكتاب، لغايات بحثيَّة. أرغب بتحية الدكتور القضاة، الذي لا أعرف شيئًا عن سيرتيه الحياتيَّة والعلميَّة.

عاد الكتاب إلى مكمنه، غير متأكد إذا كنت سأعود إليه مرَّة أخرى، وإذا كان سيصمد وينجو، كما نجا خلال السنوات الماضية، في بلاد تُستهدف فيها المكتبات، مثل البشر والحجر والشجر، والكلاب (المستوطنون سرقوا كلبي منذ أشهر).

#أحمد_القضاة

#أسامة_العيسة

السبت، 4 يوليو 2026

هزيمة توفيق زياد!


حدود الطائفة..حدود اليسار!
بدا لي عنوان الكتاب المهم عن سيرة توفيق زيَّاد الاجتماعيَّة (الصورة)، ساذجًا ولا يعبِّر عن الحياة المفعمة، سياسةً وشعرًا ونضالًا وخلافًا للمروى عنه. في مقدمته للكتاب يشير المترجم باسيليوس حنا بواردي الى زيَّاد: "المتمرد السرمدي". برأي قد يكون هذا الوصف أنسب من العنوان، الَّذي ربَّما استوحاه المؤلف من العلاقة الَّتي تأرجحت بين الصديقين، زيَّاد وإميل حبيبي، فإذا كان الأخير متشائلًا، فإنَّ زيَّاد هو المتفائل.
وصف الكتاب بالسيرة الاجتماعيَّة، بدا لي غير مفهوم، فما المقصود بالاجتماعيَّة؟ الكتاب سيرة. بذل فيها الباحثتمير سوريك جهدًا لمختلف جوانب حياة الرمز الفلسطينيّ الراحل. هل نحن أمام واحدة من معضلات الترجمة، التي أشار إليها المترجم: "كانت عملية الترجمة إعادة كتابة للغة الإنجليزية الأكاديمية الموضوعية".
من مفاجآت الكتاب، معاناة شاعرنا، لزواجه من طائفةٍ أخري، وهو واضح هويته العلمانية، نظريةً وسلوكًا، كما نفهم من الكتب. لم أكن أعلم أنَّ المسألة أيضًا يمكن أن تشمل الشيوعيِّين، فزيَّاد وزوجته، تعرَّضا لمضايقات من رفاقه في الحزب، اعترض شيوعيُّون على الزواج، ومنهم من حاول ثني أهل نائلة عن الموافقة. وقدَّم مسؤول كبير طلبًا للجنة المركزية للحزب لمناقشة الموضوع، ولكن الأمين العام اليهودي ماير فلنر رفض ذلك. لعله تأمل في حدود الطائفة واليسار. ربَّما سخر من رفاقه العرب. ولكن كان عليه أيضًا أن يسخر من رفيقه القيادي سنيه، الذي اعترض على علاقة ابنته بزيّاد، فطيَّرها بعيدًا، لواحدة من دول المعسكر الاشتراكيّ.
اتخذ زيَّاد، الَّذي وصفه صديقه الشَّاعر طه محمد علي بالستاليني، حسب الكتاب، موقفًا من بروز قوى رآى انَّها تهدِّد انفراد الشيوعيِّين في الساحة الفلسطينيَّة فيما احتل من أرضنا عام 1948، مثل تيار قومي بقيادة محمد ميعاري، الَّذي تلقى دعمًا من ياسر عرفات. لم تحل ذيلية زيَّاد ورفاقه لقيادة منظمة التحرير اليمينيَّة من دعم قوى أخرى. ولماذا لا تفعل؟ لماذا تقصر دعمها فقط على الشيوعيِّين الأثرة؟
وصف زيَّاد في واحدة من خطبه الافتتاحية في مخيم العمل التطوعي في الناصرة (أوائل ثمانينات القرن الماضي)، وطنيَّة جماعة ميعاري أنَّها وطنيَّة البلاستيك. كنت واحدًا من آلاف الأشخاص الَّذين حضروا العرض الزيَّادي، الَّذي امتلك القدرة علي ترقيص الناس وإبكائهم ونطنتتهم والتحكم بمشاعرهم، لكأنَّه الفارابي عازفًا في بلاط سيف الدولة. استغربت، وقتذاك، من أهم خطيب فلسطيني شهدته، لماذا لم يرحِّب بقوى اقتربت من رؤى زيَّاد وحزبه. ما الذي يحركهم المصلحة الحزبيَّة أم الوطنيَّة؟
امتحان آخر واجهه زيَّاد، هو ظهور الحركة الإسلامَّية وأحد قادتها عبد المالك دهامشة، صديقه وصهره. لم يستوعب زيَّاد ورفاقه ظهور قوة سياسيَّة أخرى من الواضح أنَّها ستشكِّل منافسة قوية، هاجم شاعرنا الإسلاميين حتَّى بتبنيهم ما اجترحه الشيوعيون مثل يوم الأرض. ولم يلفت الانتباه بروز حركة حماس في الانتفاضة الأولى، رافعةً وطنيةً.
التحدي الأهم الذي واجهه زيَّاد، كما يمكن الاستنتاج من الكتاب ما يوصفون عادة الحرس القديم، ولكن الباحث تجنب تسميتهم بذلك، تمثلان بالثنائي فلنر وطوبي، أصابهما قلق من قومية زيَّاد.
لم يعش زياد، ليشهد السياسة الطائفية الصارخة لحزبه وإن كان شهد بداياتها. خلال إعداد هذه المادة، تنبهت إلى أنَّ اختيار مرشحي الجبهة الَّتي أسسها زيَّاد، لانتحابات الكنيست المقبلة، أظهر رسوخ البعد الطائفي. بتخصيص المقاعد الأولى لمسلم ومسيحي ودرزي ويهودي. ينافس مثلًا على المنصب الأول مسلمون، ونفس الأمر على المقعد المسيحي، والدرزي، واليهودي. بماذا تتمثَّل اليسارية؟
ماذا بقي من يسارية الحزب الذي انتمى إليه زيَّاد، ورغب باستئثاره على العمل الوطنيِّ والسياسيِّ؟ وما الذي تغيَّر من الموقف من زواجه حتى الإسفار عن الطائفية؟ هي هزيمة أفكار شاعر ومكافح، مضي في حادث سير على طزيق أريحا، بدون سامري طيب، كالذي ظهر قبل ألفي عام، وطبَّب المسيح. طالما استخدم زيَّاد في شعره رموزًا تتعلق بمواطنه الناصري.
في جنازة الشاعر المغدور بالطائفيَّة وأثرة الرفاق، ألقى الكلمة الدينيَّة، مناهض سابق لدود لزيَّاد هو الشَّيخ كمال الخطيب. الزمن يزمن، حسب إميل حبيبي. الأفكار، مثل الأفراد تحتاج إلى الوقت. سيكتشف أصحاب الإيدلوجيات، تشابههم.
تلقت العائلة ورفاق الراحل سيول من برقيات التعزية، منها تعزية الحكيم جورج حبش، الَّذي لم يتصرف أنصاره بحكمة في واقعة رفع العلم في واحدٍ من مخيَّمات العمل التطوعي. كنت واحدًا من شهود تداعياتها. واقعة لم يحطها المؤلف بما أظهر من جهد بحثيّ. ربما يسعف الوقت، لعودة لها.
هل شكلَّت تعزية الحكيم، اعتذارًا عن حادثة يسارية طفولية، ارتحل كثير من مفتعليها إلى النخبٍ المعولمة والمعولبة!

 

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

زويا وكلثوم وآخرون وأُخْرَيات!


 

زويا وكلثوم وآخرون وأُخْرَيات!
أنا من جيل النكسة، الذي وجد نفسه منسيًا على شارع القدس-الخليل، الَّذي نزل ناسه ليستقبلوا الجيش العراقيّ، ففوجئوا بجيش احتلال جديد. مشهد غير نادر في فلسطين، كثيرة الاحتلالات والفتوحات والغزوات. لم يتعجَّب باحث متطفل، حتَّى الآن، على قدرة ناسها، على النهوض.
أنا جزء من هذا الجيل، الذي كان له توفيق زيَّاد، دليلًا، الَّذي أدرك ذاته الشعرية، في فضاءٍ أوسع. على الأرجح هو الصوت الأبرز فيما عرف بشعراء المقاومة، سنرى أنَّ بعض أبرز رموزه سيتنكرون للتسمية.
أطلق زيَّاد، المقيَّد الحركة في النَّاصرة، المتردد، غصبًا، على السجون، صرخاته المتعددة ليسمعها مثلي: ادفنوا موتاكم وانهضوا، أنشد لسجناء الحريَّة. أطلق قصيدته المواكبة لأيلول الأسود: عمَّان في أيلول/ قصيدة مقطوعة الرأس عن شعب بسبعة أرواح. من الواضح أنَّه تفاءل في حرب السادات التحريكية، فكتب قصيدة: عبور، وسمى ابنته عبور.
إحساسه برسالته الرسولية في واحدة من منعطفات بلادنا، جمعه للأدب الشعبيّ، وتخصيص مقالات عنه في مجلة الجديد الحيفاوية. ومن أفضل الانتاجات الفلسطينية في هذا المجال كتابه: حال الدنيا. مسرح صلاح عبد ربه، رائد المبادرات المجتمعيَّة-السياسيَّة، واحدة من حكايات الكتاب، وقدَّمها أولاد شارع القدس-الخليل، على مسرح خشَّبه الطوبرجي خضر الجراشي، الَّذي ما زال يذكر واقعة القتلة. دخل جنود الاحتلال المنتصرين لحارته فقط ليضربوا ناسها ويحطموا أثاث المنازل البسيطة.
أعاد زيَّاد للحياة، مناضلًا ضد الاحتلال البريطانيِّ، خط على جدار سجنه، قصيدة قبل إعدامه اسمه عوض. لم يحاول أحد، اقتفاء أثره، وإكمال ما بدأه الرائد.
أذكر الطالب الجامعي عادل الشريف، في مكتب نقابة العمَّال في المَدْبَسة، يحفظ أشعار زيَّاد. بعد فترة، ذهب شهيدًا. بينما نجت إيمان. صدى حكايتهما في روايتي: قبلة بيت لحم الأخيرة. أجيال قالت لا مدوية، للزعامة التقليدية، والأنظمة الخائنة، والعالم المتوحش. أتذكر إحباطنا، عندما وصلنا جامعة بير زيت، للاستماع لزيَّاد، ولكن، لسبب لا أذكره ألغيت الفعالية.
من أوائل الكتب التي قرأتها لزيَّاد، كتابه: نصراوي في السَّاحة الحمراء. كتاب في أدب الرحلات، ولكن أيَّة رحلات؟ على الأغلب أن ما ترك أثرًا لدي، ليس الحماس للشيوعيَّة التي تبنى في الاتحاد السوفيتي، وشيوعيَّة زيَّاد وطنيَّة-قوميَّة. وإنما بطولات النَّاس في الحرب الوطنيَّة العظمى، وبعدها، حيث دمرت بعض المدن، وأزيلت عن وجه الارض، كما يخبرنا زيَّاد.
من الأسماء في الكتاب التي حفرت في الذاكرة، حكاية النصراوية كلثوم عودة، الأكاديمية والمواطنة التي وجدت نفسها تحرث أرضها بربط نفسها بسكة الحرث. يا لها من حكاية ملهمة، تحمس طفلا مثلي، ينام يحلم بالبطولة. أبتسم عندما تتذكَّر بعض الصفحات المتخصصة بالرموز الفلسطينيَّة، كلثومًا. قص ولصق، بدون روح ولا إضافة. لا جديد. حتى جهد زيَّاد البحثي غائب.
أيضًا؛ لا يمكن نسيان البطلة زويا، بقلم زيَّاد، تضمن الكتاب صورة أو رسما لشنقها. أسرت لوهيبة ابنة شاعرنا، أنَّ ثمت أجيال جديدة على شارع القدس-الخليل، من تأثروا بزويا، ولا أعرف كيف سمعوا بها، في مخيم الدهيشة تدب الآن أكثر من زويا. بنات لآباء من اليسار الراديكالي، الذي لم يكن معجبًا، في زمن ما، بزيَّاد. الزمن يزمن. تتغيَّر زوايا النظر.
في روايتي المسكوبية (أوغاريت. رام الله 2010) يلتقي الراوي، زيَّاد في المسجد الأقصى، بعد واحدة من المذابح. كان الشاعر، للأسف، قد توقف عن الشعر والبحث، وتفرَّغ للنضال الجماهيريِّ.
قبل سنوات، عرضت مسرحية عن حياة توفيق زيَّاد في قصر المؤتمر، بمبادرة من ريتا عكَّاوي. سعدنا باللقاء في مؤسسة إبداع، باهتمام الشهيد خالد الصيفي، على عشاء مع فريق المسرحية وزوجة الشاعر، السيِّدة نائلة. جيل جديد من أولاد شارع القدس-الخليل كان يكتشف الشاعر بعد رحيله.
كتاب: نصراوي في السَّاحة الحمراء، نفذ منذ سنوات. من الجيد، إصدار عائلته طبعة جديدة منه، بنفس الغلاف القديم، الَّذي طبع في الذاكرة، وبنفس طريقة الصف والمونتاج. إنَّه وثيقة على أيَّامنا ومنها. لم نصغِّر أكتافنا.
ستكون عودة أخرى لزيَّاد!

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

كتاب بين شهيد وشهيد!


 


تعلو باسمة التكروري، في الكتابة الفلسطينيَّة الجديدة، أدبًا وبحثًا وترجمةً، بكتابتها عن أماكن خبرتها، خصوصًا نابلس والقدس ويافا، ويبدو غربيًا بالنسبة لي كم العثراث والأخطاء عن الأماكن في الكتابات الجديدة، في رواية تخبرنا أنَّها عن جَدَّها، وأنَّ عليًا الشخص الرئيس في الرواية، مستوحى من حياة الجد محمد التكروري التميمي، وبذلك تدخل في اختبار الكتابة عن العائلة. أعتقد أن الكتابة عن العائلة هو الاختبار الأهم لصنعة الكتابة، يُجهبذ، بين كاتب وآخر، ولأسبابٍ كثيرة فإنَّ كثيرين من الكتَّاب العرب، يخفقون في هذا المجال.

تشير الكاتبة، إلى أعلام من عائلتها. شخصيًا أذكر بتقدير، رفيق التميمي، المثقف المهم في النصف الأوَّل من القرن العشرين، الذي درَّس في الكلية الصلاحية، قبل تحوّلها إلى كنيسة كاثوليكية، على اسم القديسة حِنة. ناس القدس يسمونها كنيسة الصلاحية، في ترابط هُوياتي ملحوظ. لعب محمد رفيق، أدوارًا سياسيَّة وطنيَّة. لكن قد يكون أهم إنجازه كتابه/ التقرير عن أحوال ولاية بيروت في أواخر الحقبة العثمانيَّة الطويلة. كُلف رفيق وزميله محمد بهجت، من والي بيروت الإصلاحي، كتابة تقرير عن أحوال الولاية، فسار ورفيقه في أنحاء الولاية من طرطوس إلى نابلس، وأمدانا بمعلومات هامة عن واقع ناسنا. تقريره أغضب ناسه النابلسيين، عندما استخدم مناهج بحثه العصرية لوصفهم. بالنسبة لي أعود دائمًا لكتاب رفيق ورفيقه (الطبعة الأولى 1914م)، الذي تُرجم جزء منه مؤخرًا إلى العبرية. أكاد لا أصدق الظروف التي عاشها ناسنا، مثلًا في نابلس وسلفيت، وكيف تمكَّن شعبنا في ظروف كتلك النهوض، ومغالبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

تعرف باسمة نفسها واحدة من سلالة العائلة، ككاتبة وشاعرة مقدسية. ومثل كل تعريف فإنَّه إشكالي. لا يقال عادة كاتب نابلسي أو ناشط وكاتب خليلي أو أسير تلحمي، لكن مقدسي تلصق بكل هذه الصفات، لمن يحمل بطاقة إقامة في القدس من الاحتلال. لكلمة مقدسي/ ة حمولات غير أدبيَّة، لا أعتقد أنَّها مناسبة لتقديم كاتب لنفسه، يكفي أن يكون كاتبًا، دون الاتكاء على إيحاءات.

رغم العلاقة التي عرفناها بين الجَدّ في الواقع، وعلي في الرواية، فإنّ القاريء أمام نصّ مصنَّف رواية، وسيتتبع الأحداث بهذا التصنيف، وتنتابه مشاعر من التشويق، لمسار الأحداث، بلغةٍ تميَّزت بها الكاتبة، مدركًا النهاية التي ستصلها الرواية، فالكاتبة تفتتح روايتها بوجود علي في مشفى في القدس الجديدة، التي تسميها الغربية، إثر دهسه بمركبة عسكريَّة احتلالية في باب الأسباط، خلال مجزرة ارتكبها الاحتلال في عام 1990م. أذكر أجواء المجزرة، وكتبت عنها تحقيقًا مطولًا تضمن شهادات، بتكليف من الراحل خليل توما، لصالح مجلة اليسار القاهرية التي كان مراسلها. وبين مولده في نابلس واستشهاده في القدس، نعرف الكثير عن علي، ومأساته الشخصية في تقاطع مع مآسي شعبه وتطورات سياسية في فلسطين والإقليم.

تظهر في الرواية ثنائية تنتمي لرواية القرن التاسع عشر، فمحمد رمز لشرٍّ مطلق، وعلي رمز مضاد آخر. ربما مثل هذه الثنائيات تناسب عمل سيري أكثر من رواية. آمل أن يحين الوقت لتكتب الكاتبة كتاب سيري، بوثائق وبتوسع، وبتفاصيل وصراعات، وخلفيات سياسية واجتماعية، ووقع دول تكالبت على البلاد، في حياة جَدَّها. تقترب الرواية، من أن تكون رواية عائلية عن الجد والجدة، وهذا قد يناقض الفعل الأدبيّ. فباستثناء محمد أخ الجد، فباقي الشخوص مثالية أو تقترب منها.

ربما اختارت الكاتبة الرواية، لكتابة سيرة جدها، لإدراكها أننا في زمن الرواية، لكنَّني أعتقد أنَّ لليوميَّات والمذكرات والسير، مكانة مهمة في المقولات الأدبية المعاصرة، كما كانت في الماضي.

رواية أخرى عن القدس، العصية أدبيًا. تحاكي فلمًا سينمائيًا، قد يشوبه إلحاح مشاهد على نهاية سعيدة نسبيًا، أو تحفظه على صناعة مشهد، إلَّا أنه يتمنى لو أنه يطول. تمتلك باسمة الموهبة وجَلد الكتابة، وهما من أهم أدوات صنعة الكتابة وقد يظهر ذلك بوضوح في أعمالٍ مقبلة.

قرأت الرواية في ليلة باردة، أراقب المطر الخفيف من خلف الشباك، بعد بضع صفحات وصلني خبر ارتقاء الشهيد الفتى عمَّار صباح (16) عامًا، ارتقى في تقوع تحت المطر أمس، ليس بعيدًا عن معتزلي في خلايل اللوز. أصوات غضب ناسه وصلت للسماء الماطرة. بعد دفنه اليوم (16/12/ 2025)، وأنا أطوي آخر صفحة من الرواية، ارتقى الفتى مهيب جبران (16) عامًا، الذي انضم لرفيقه بعد مشاركته رحلته الأخيرة. لتصبح رحلة واحدة.

يا للدم المسفوح على تخوم برية القدس!

#باسمة_التكروري #رواية_الإمام #أسامة_العيسة

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

يافا..القاهرة..بيروت 1947!



في عام 1947، كان لدى شاب من القدس، ما يأمله، في الأرض المقدَّسة المشتعلة. اسمه زهدي حسن جار الله. أصدر كتابًا عن المعتزلة. من منشورات النادي العربي في يافا. طبع في القاهرة.

الكتاب، المتوفرة منه نسخة على الانترنت، رسالة تبحث في تاريخ المعتزلة وعقائدهم وأثرهم في تطور الفكر الإسلامي، قدمها مؤلفها إلى دائرة التاريخ العربي في كلية العلوم والآداب بجامعة بيروت الأميركية ونال عليها رتبة أستاذ في العلوم.

أهداه إلى: "طلَّاب الحرية من شباب العرب في كل أرض، وفي كل زمان، أهدي هذه الرسالة في تاريخ دعاة التحرر الفكري من أسلافهم".

مقدمة قصيرة للدكتور الفريد جسوم الموصوف بـ المستشرق الكبير، وهو أستاذ جار الله، وأحد المشرفين على الرسالة، رفقة قسطنطين زريق، الذي سينسب إليه أجتراحه مصطلح النكبة، وصاحب التأثير على شبان سيعبرون عن رفضهم للنكبة، بأكثر الطرق ثورية، كجورج حبش مثلًا.

يقرّ الشاب القدسي، بفضل شارل مالك، الشخصية المعتبرة سياسيًا ودبلوماسيًا وأكاديميًا، المعجب بالمعتزلة. أظن أنَّ من منجزات مالك المتعددة، تأسيسه لقسم الفلسفة في الجامعة الأميركية، وربَّما هذا ما أوجب التويه بفضله.

يعرب المقدِّم عن أمله الكبير: "إذا كانت مكتبات الشيعة في اليمن أو في غير اليمن تحوي مخطوطات من أصل معتزلي، أن تقوم بنشرها". هذه ملاحظة مهمة، هل سُمع في زمنه عن مخطوطات للمعتزلة في اليمن؟ هل يقصد مؤلفات القاضي عبد الجبار، التي نشرت بالفعل، لاحقًا (في الستينيات) بإشراف طه حسين؟ وصلت بعثة مصرية في عام 1951 لتصوير مخطوطات اليمن ومن ضمنها كان (المُغني) للقاضي عبد الجبَّار، أدرك طه حسين أهمية هذا السِفر، فأشرف على نشر ما وجد منه. تتوفر نسخ منه لدى مكتبة دنديس في الخليل، التي يعيش فيها ناجح سلهب، الذي يقدم نفسه كرأس المعتزلة في فلسطين. لعل ذلك يفرح جار الله هناك في دنيا البقاء.

يقرَّ جار الله أنَّه اعتمد على ما قاله المختلفون عن المعتزلة عنهم، أملًا هو الآخر نشر مخطوطات المعتزلة الموجودة في مكتبات الشيعة "في اليمن والعجم والهند". هذا يعني أنَّ معلومات شاعت عن وجود مثل هذه المخطوطات.

لا يخفي المؤلف تعاطفه مع المعتزلة باعتبارهم روَّاد حركة فلسفيَّة علميَّة تحرريَّة، ويأخذ عليهم إعلانهم المحنة واضطهاد العلماء ليحققوا بالإكراه ما لم يحقق بالاقناع. ويرى أنهم بهذا هدموا بأيديهم في بضع سنين ما بنوه في قرن، وأعطوا أعداءهم الحنابلة سلاحًا يقاومونهم به.

يعتقد المؤلف أنَّ شدَّة تمسك المعتزلة بالعقل وتحاملهم على النقل لم يؤد إلا إلى تقوية ما يصفها الرجعية الحنبلية، ولكن أيضًا إلى نشأة حركتين رجعيتين، حسب وصفه أيضًا وهما الظاهرية، والكرَّاميةَّ. هل الظاهرية التي ترفض القياس والرأي، وقصر الإجماع على إجماع الصحابة، والتمسك بظاهرة الكتاب والسنة، رجعيَّة حقًا؟ على الأقل فيما يخص عَلمين من أعلامها، وهما ابن داود زعيمها في بغداد بعد والده، وابن حزم فالأمر مختلف. الأصح أحب أن أراهما مختلفين، فالأوَّل هو صاحب كتاب الزهرة، الذي يعتبر، حتى إشعار آخر، أوَّل كتاب في العشق في الأدب العربي، يعتقد البعض أنَّ ابن حزم، كتب طوق الحمامة، كمعارضة لكتاب الزهرة، وإن كان ذلك، بالنسبة لي، غير دقيق، إلا أنَّه يمكن تلمس تأثر القطب الظاهري البارز في الأندلس بكتاب زعيم المذهب في بغداد.

حسب جار الله فإنَّ فرقة الكرَّامية، وهم أتباع محمد بن كرَّام السجستاني، غالوا في إثبات الصفات حتى انتهوا إلى التقسيم والتشبيه، ووصل عددهم في الشام إلى 21 ألفا. استوقفتني هذه الفرقة، بعيدًا عن كتاب جار الله، لنفوذها في القدس حتى يمكن لقاريء أخبارها، يظن أنَّ القدس، في فترة زمنية، كانت كلها كرَّامية، ودفن مؤسسها في المدينة المقدسة. عموما الكرَّامية فرقة كلامية، تأثر مؤسسها، ووارثوه الذين انقسموا لفرق، كحال أصحاب علم الكلام، بالفلسفة. مؤسف أن لا أحد، على علمي تصدى لمهمة كتابة التاريخ العلمي للقدس، التي وإن لم تكن بأهمية القاهرة وبغداد ودمشق، إلا أن ساحاتها وأروقتها شهدت مناظرات، وإقامة لعديد من رموز الفكر والفلسفة فيها لفترات.

عاد جار الله، في بحثه، إلى مخطوطات، ويمكننا تقدير صعوبة عمله، نحن الذين نستطيع قرأتها وقد تحولت إلى كتب.

#زهدي_جار_الله #ناجح_سلهب #المعتزلة #أسامة_العيسة
 

الثلاثاء، 3 يونيو 2025

أجل مكتوب وأمل مكذوب!


 


في بعض إغفاءات الفجر، سمع جار الله الزمخشري (1075-1143م) صوتًا: "يا أبا القاسم: أجل مكتوب وأمل مكذوب" فهبَّ من نومه، وبدأ بكتابة مقامة، ولم تكن سوى قطرة غيث، ستصل مقاماته إلى 50 مقامة. تقترب من حسٍّ صوفيِّ لعقلٍ معتزلي لم تتسع له دنيانا حتَّى يومنا هذا.

ماذا كنت أفعل في يوم السبت 24/2/1987 في الإحساء، وطن القرامطة والحزن الشيعيِّ المعتَّق، وذكريات مسن أصبح صديقًا عن مشاركته في تظاهرة في أرامكو خلال عزّ الفورة الناصرية، ورطب النخيل، والمياه التي تتفجَّر من كل مكان تقريبًا، ساخنة لاهبة؟

لا أذكر أبدًا، لكن المؤكد أنَّه في ذلك اليوم، دخلت مكتبة، واقتنيت نسخة من كتاب المقامات للزمخشري، بتحقيق يوسف البقاعي. وكتبت اليوم والتاريخ والموقع، وهي عادة لازمتني قديمًا، ولا أعرف لماذا تخليت عنها. من حظَّ الكتاب أو من حظي أنَّه نجا، بخلاف عشرات الكتب. رجعت إليه، هذه المرَّة، إعجابا بقلب جار الله وهواجسه الوجودية واللغوية والفنية، ومحاولته وضع بصمة في فن المقامات، وإن كان اللغويون لا يدرجونه في طبقات مؤلفيها العليا.

يعظ صاحب الكشَّاف نفسه، وليس النَّاس، يبدو أنَّه يبتعد عن الأستذة، والمحاججة، إنَّها استراحة معتزلي، جهد عقله كثيرًا. لكن ذلك يبدو نسبيًا. لقد قدَّم نصائح لمن يتناول الكتاب بالتأني في قراءته والوقوف علي ألفاظه وتفهم معانيها. نصح بألا يقدَّم الكتاب إلَّا لعالم أو متدين أو أديب. عودة أخيرة للنخببة.

لا أعرف شيئًا عن المحقِّق البقاعي إلَّا أنَّه يشير إلى اعتماده على شرح محمد سعيد الفاروقي الطرابلسي "وأضفت إليه الكثير ونقحته". أشعر بامتنان للذين عاشوا في غير زمن الترند، وأفترض أنَّهم ترهبنوا في ميادين اللغة والأدب والجمال.

الكتاب من إصدار دار الكتاب اللبناني، أعحبني التجليد العملي والطباعة والخط والإخراج والتبويب. وصمود ذلك كله مع كرور الأعوام.

#مقامات_الزمخشري

#الإحساء

#أسامة_العيسة

الجمعة، 25 أبريل 2025

أفضال الكلاب!


 


انضم هذا الكتاب صغير الحجم: فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، العام الماضي إلى مكتبتي، متأخرًا أكثر من ألف عام، وهو كتاب شهير يفصح عنوانه الموحي عن مضمونه.

شكا مؤلفه أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، من سوء زمانه، وهي ثيمة ليست غريبة عن السردية العربيَّة.

يصرِّح بن المرزبان، فيما يشبه صرخة في وجه زمانه: "إنَّ خير خصال الكلب الإخلاص والوفاء وعدم النفاق في المحبة، بينما استشرى النفاق والغدر والخيانة والخسة ودناءة الخلق لدى البعض". يستشهد بن المرزبان بكثير من أبيات الشعر، منها ما قاله أبو الحسن المدائني:

فيا عجبًا للخل يهتك حرمتي/  ويا عجبًا للكلب كيف يصون!

يروى حكاية أم المؤمنين ميمونة، وكلبها مسمار، الذي: "كانت إذا حجت خرجت به معها". وعندما مات قالت: فجعت بمسمار.

#فضل_الكلاب_على_كثير_ممن_لبس_الثياب

#ابن_المرزبان

#أسامة_العيسة

السبت، 7 سبتمبر 2024

نقوشنا!


 


هذا المجلد رغيف ساخن، خرج من تنور المطبعة إلى مساء الجبل الفلسطيني الرطب. يواصل فيه الدكتور خضر سلامة، مشروعه التوثيقي والتاريخي. شاركته فرحة الصدور.

هذا كتابه الثاني عن فترة عمله في المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى. الأول نشرته اليونسكو، بحلةٍ قشيبة (ماذا تعني قشيبة؟) باللغتين العربية والإنجليزية، وكان عن المخطوطات القرآنية قي المتحف الإسلامي.

يختلف هذا المجلد، عن الكتب القليلة التي صدرت عن النقوش، والتي اجترت ما نشره فان برشم، قبل أكثر من قرن، في طبيعة صاحبه، وأذكر اكتشافاته، لنقوش جديدة في المسجد الأقصى.

يوثق سلامة، النقوش الأموية في قبة الصخرة، الَّتي ما زالت تثير النقاش بين الباحثين، عن تلك الفترة، وعن تأسيس الديانة الإسلامية. يمكن للنقوش القديمة أن تظل قادرة على إثارة دهشتنا وفضولنا، وأشياء أخرى كثيرة.

شكرًا مستحقة لخضر سلامة (الذي يتحسَّس من لقب دكتور، ولا يفضله)!

#خضر_سلامة

#أسامة_العيسة

الخميس، 18 يناير 2024

أمثولة!


 


في مذكراته التي طبعت ثلاث مرَّات في عامٍ واحد، يذكر المعتقل السياسي في سجون عبد النَّاصر ألبير آريِّه، ما يمكن اعتباره أُمثولة، قد تتقاطع مع ما يجري الآن في غزة وباقي الآراضي المحتلة.

يشير آريِّه إلى وجود مجموعة من اليهود في المعتقل، من عصابة لافون التي نفَّذت أعمالًا تخريبية، بتخطيط من الموساد.

لم يكن آريِّه، يعمل في تقطيع الحجارة في الجبل، لأسبابٍ يفصِّلها، لكن هذا لم ينطبق على معتقلين سياسيِّين آخرين ومنهم من الشيوعيِّين الفلسطينيِّين من قطاع غزة.

يذكر آريِّه: "كان الموقف داخل الليمان مضحكًا وغير مفهوم، فاليهود الشيوعيُّون (يقصد المصريِّين) يرفضون التعامل مع اليهود الصهاينة، في حين أنَّ الإخوان المسلمين لا يجدون مشكلات في التعامل معهم، ويريد الفلسطينيِّون حشد كل الشيوعيِّين للتضامن مع الصهاينة ضد ضرب إدارة السجن لهم. شهادة للتاريخ، فإنّ مَن طلَب من الشيوعيين أخذ موقف ضد ضرب أعضاء شبكة لافون كان حسن الجبالي".

اتخذ الجبالي موقفه، على أساس أخلاقي، بغض النظر عن هوية المجسونين. لكن ماذا فعلت به الأيَّام. يكمل آريِّه: "حينما أُفرِج عنه بعد ذلك ذهب إلى غزة وانخرط في المقاومة، واغتاله عملاء الموساد في منزله في أثناء تناوله العشاء عام 1967".

في مذكرات آريِّه إنحيازات، وتجارب في الموضوعية، كما في نظرته للأخوان المسلمين، ورموز منهم كمهدي عاكف عرفهم المؤلف خارج السجن وداخله. يمثِّل آريِّه موقفًا متقدمًا، مقارنة، مثلًا، بمواقف صديقه الحميم، رفعت السعيد، أحد أكلح الوجوه في اليسار المصريِّ.

في الكتاب إشكاليات تحريريَّة ولُغوية، هي من "كلاسيكيات" دور النشر العربية.

*ألبير آريِّه، مذكرات يهودي مصري، تحرير: منى عبد العظيم أنيس، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 2023م.

#مذكرات_يهودي_مصري

الأحد، 12 يونيو 2022

الحبيبة هبة!


في الصورة إهداء لكتاب، من شخص الى حبيبته هبة، يصفها بصديقته الصغيرة.

التاريخ الأحد 3-6-2014

"غيرك ما بختار يا هبة"

كان ذلك، عندما كان يمكن لحبيب أن يهدي حببته كتابًا.

اين حطَّت الدنيا بهبة وحبيبها (ر).

وهل ما زالت تفرح بالكتب كهدايا؟

#كتب

 

الثلاثاء، 6 أبريل 2021

كن كالحيوان..!


التشبيهات التحقيرية التي يستخدمها الآدميون، معكوسة على الحيوانات، مستفزة، كأن تسمع أحدهم يقول لآخر: أنت حمار، أو أسكت يا كلب، أو أنت مثل الخنزير، وغير ذلك. والمؤلم ما يجري من تطهير عرقي ضد بعض الحيوانات، كالخنازير البرية مثلا، بكثير من التشجيع والغباء، وكذب وسائل الاعلام، التي تتهم سلطات الاحتلال، بأنها ترمي الخنازير في مناطق كثافة سكانية فلسطينية.

ما الذي تعلمته الحيوانات من الإنسان؟ وما الذي تعلمه الانسان من الحيوانات؟ في الإجابة على السؤال الأخير صعب تعداد ما تعلمه الإنسان من الحيوان، من حفر الأنفاق، إلى خراطيم رافعات الباطون.

يذكر الدميري، في حياة الحيوان الكبرى، ما ينبغي، مثلاً لمقدم العسكر أن يتعلمه من الحيوان:

"نبغي لمقدم العسكر أن يتشبه بصفات من صفات الحيوان فيكون في قوة القلب كالأسد لا يجبن ولا يفر، وفي الكبر كالنمر لا يتواضع للعدو، وفي الشجاعة كالدب يقاتل بجميع جوارحه، وفي الحملة كالخنزير لا يولي دبره إذا حمل، وفي الغارة كالذئب إذا يئس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، وفي الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، وفي الوفاء كالكلب لو دخل سيده النار يتبعه، وفي الصبر كالحمار، وفي التماس الفرصة كالديك، وفي الحراسة كالكركي وفي التعب كاليعر، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والمشقة".

لو كان مقدمو عسكرنا، مثل ما آمل الدميري..! لسعدنا فعلاً، بأننا نعيش على كوكب واحد مع هذه الحيوانات، ونبدي قليلاً من الاحترام، عندما نتخاطب حولها.

ما الذي تقوله عنّا، عندما تتخاطب فيما بينها؟


 

الأربعاء، 1 أبريل 2020

هالة والقدس..!



تعرب هالة السكاكيني، في ذكرياتها عن قدسها، عن ودها لو استطاعت كتابة رواية تجري أحداثها في القدس، وتمنت لو استطاعت التقاط مزاج القدس وروحها، وهي مؤهلة لذلك لعيشها في مجتمع تعددي (فوق قومي)، هو الأقرب، برأي، لروح القدس.
لم تكتب السكاكيني، الرواية التي تمنتها، ذات يوم مقدسي، وهي تراقب الناس، في الحافلة التي تتنقل بها من مدرستها إلى منزل العائلة في القدس الجديدة.
شغلني الفشل الفلسطيني والعربي، في كتابة رواية تلتقط روح القدس، واعتقدت بأنّ الثقل الديني والعاطفي والسياسي للمدينة، يكبّل المبدعين، وأن التحرر من هذا الثقل، قد يكون شرطًا لكتابة رواية القدس.
وسنجد كتّاب السير واليوميات، أنجح في التقاط روح المدينة، لأسباب عديدة، كواصف جوهرية، والإسرائيلي عاموس عوز، وخليل السكاكيني، وإحسان الترجمان، وغيرهم.
فكرت السكاكيني، بتدوين مذكراتها، بعد زيارتها وشقيقتها دمية، لمنزل العائلة المحتل في القطمون، بعد الاحتلال عام 1967م، مشيًا على الأقدام، تجنبا لاستخدام المواصلات الإسرائيلية، كما ذكرت في كلمة ألقتها في جمعية الشابات المسيحية في رام الله بتاريخ 15-6-1999. وهو ما يرمز إلى فعل مقاومة سلبي، متاح أنذاك لدى الشقيقتين السكاكيني.
ولكن العلاقة مع الآخر العدو، لن يتوقف عند موقف ربما اصطبغ بمشاعر عاطفية، ففي نفس الكلمة، يساورها، هاجس فلسطيني انتشر فيروسيا وما يزال، ومر بطفرات حولته إلى عصب نفسي، يحتاجه المهزوم، ليعلق أسباب الهزيمة على شماعات وهمية، لها علاقة بالآخر، مؤسطرًا جوانب خفية، فوق طبيعية، تتعلق بالعدو يراها المهزوم، وذلك الآخر الأجنبي الفاعل، ولكنّه يبدو متفرجًا.
تكشف هالة، بأنها فكرت في كتابة مذكراتها عن واقع القدس قبل النكبة، وكانت غايتها اطلاع الأجانب وخصوصًا الإسرائيليين، على ما اعتقدت انها حقائق كانوا يجهلونها عن الأحياء العربية، فيما يسمى الآن القدس الغربية، وهذا ما جعلها تختار اللغة الانجليزية، لغة تخاطب.
رغم إن مفهومي الأجانب والإسرائيليين، عائمين، وتنميطين، إلا إن الفضاء المعرفي، يكشف لنا بأنّ الأجانب والإسرائيليين، هم في الواقع، أكثر ما بذلوا جهودًا معرفيًا عن المناطق التي ذكرتها هالة (وعن غيرها بالطبع). وأي بحث جاد عنها من الضروري أن يعود صاحبه إلى الإنتاج المعرفي الأجنبي-الإسرائيلي.
وحتى بلدية القدس الاستعمارية، وثقت الكثير من المباني الفلسطينية العامة والخاصة، ووضعت لافتات تعريفية عليها، بحياد يناسب سيكولوجية المنتصر المختال، أو ربما هو نتيجة عرضية لخطط التطوير الحضرية، التي يشارك في وضعها نحو خمسين، ممن توصفهم البلدية من أفضل العقول في العالم، الذين يجتمعون في مدينتنا المحتلة، كل عامين، ليضعوا خبراتهم في خدمة المحتلين.
تفضح الترجمة العربية، أسطورة أن الآخرين لا يعرفون أو أنهم لم يعرفوا، وهذا يعني بأنهم لو عرفوا، كان يمكن أن يتغيروا أو يغيروا، وهو المضمن في كلام هالة. فحتّى لو كان الأمر يتعلق بكاتبة مقدسية صميمة، والمحرر قريب لي وجدانيا وإنسانيا، إلا أن الترجمة العربية وقعت في مثالب الكتب الفلسطينية والعربية عن القدس وفلسطين، والسبب معرفي.
تتحدث هالة عن رحلة من مدرستها في الكولونيولية الألمانية، في القدس الجديدة، إلى القدس الشرقية. تترجم المترجمة اسم المعلم الذي تذكره هالة إلى برك سليمان، والمقصود بالطبع بركة السلطان، ولم يصحح المحرر الخطأ، بل عمل هامشا ليقدم شرحا عن برك سليمان، وهو شرح يكتنفه أخطاء.
ونسبة بركة السلطان، إلى القانوني، هو نموذج، على فعل الإلغاء والإحلال الذي مورس تاريخيًا في القدس، فاللوحة التذكارية التي تعدد صفات القانوني المثبتة على واجهة البركة الشمالية، وضعت في الإطار المملوكي، مؤكدة مقرنصاته، هوية الحكام الذين سبقوا العثمانيين إلى المدينة المقدسة.
يظهر في الترجمة العربية، اسم البقعة العليا، والمقصود البقعة الفوقا، وتستخدم الأخيرة في صفحات مختلفة من الكتاب، ثم تعود البقعة العليا، لتطل من جديد. وترد أيضا كلمة الطوري، والمقصود بالطبع حي الثوري.
يبدو حديث هالة عن ما تصفهم بالمسلحين الفلّاحين، والمقصود الثوّار، عن أناس، يسبحون في فراغ، أو كائنات حطت فجأة ربما من كوكب آخر، بينهم وبينها مسافة، حتى لو كان والدها يستقبل زعيمهم إبراهيم أبو دية في منزله (لا تذكر اسمه الأوّل أبدًا، محيلة اسم العائلة إلى كنية)، وكان وجوده حيا، مصدر طمأنينة، للنخب التي سكنت القطمون.
سيبقى المسلحون الفلّاحون، في القطمون ليموتوا، بينما ستغادر النخب وعائلاتهم، كما غادر نظرائهم من باقي فلسطين معتبرين خروجهم، نوعًا من تبكير الإجازة الصيفية، وما أن تنتهي، حتى يعودون، ويجدون منازلهم وأملاكهم، وقد سلمت، بفضل أجساد المسلحين الفلّاحين.
تلجأ عائلة السكاكيني إلى حي هليوبولس القاهري، الذي تحوّل، كما تشير هالة، إلى مستعمرة فلسطينية؛ فبين كل بيت وآخر تعيش أسرة فلسطينية، ولكنها لن تعود، مات المسلحون الفلّاحون، أو جرحوا، أو فقدوا، ومعهم فقدت البلاد، وتشرد العباد، وأصبحوا لاجئين، في الخيام، وليس في شقق وفيلات الهيلوبولس أو رأس بيروت.
في الكتب الفلسطينية والعربية عن فلسطين، الموضوعة والمترجمة، يكتف المحققون، إلى التعريف بالأسماء المعروفة أصلاً، ويتجنبون أي تحقيق، وهذا هو عملهم، للأسماء والأماكن غير المعروفة. ولم تنجو الطبعة العربية، من سيرة هالة، من ذلك.
حظيت الترجمة العربية بمقدمتين؟ هل كانتا ضرورتين؟ لماذا تكتب المقدمات للكتب أصلاً؟ ربما لو استعيض عنهما بدراسة تحقيقية استقصائية، تضع الكتاب والمؤلفة ضمن الشرط التاريخي، لفعل الكتابة.
الكتاب:
*أنا والقدس: سيرة ذاتية، هالة السكاكيني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، ترجمة هلا الشروف، بيروت، 2019م. 

الأربعاء، 12 فبراير 2020

الصحافة والأدب..!

يُتهم بعض الأدباء، بأنّهم يلجأون إلى الأساليب الصحافية، كليًا، أو جزئيًا في أعمالهم الروائية، وكأن الصحافة، مثلبة، أو فن قليل الاحترام، بالنسبة للأدب على الأقل.
ما لا يعرفه النقاد، بأنَّ المتهمين من الأدباء، يدركون مثالبهم العظيمة تلك، ويقرون بها. مثلاً يقرّ جورج أورويل، في مقال له بعنوان: لماذا أكتب؟ نشر في الجزء الأوَّل من أعماله السياسية والأدبية (صدرت بالعربية بترجمة أسعد الحسين)، بما ضَمّنُه في كتابه عن كتالونيا، الذي يروي تجربته في الحرب الأهلية الأسبانية.
يذكر أورويل: "كتابي عن الحرب الأهلية الأسبانية، الولاء لكاتالونيا، هو كتاب سياسي صريح طبعًا، لكن في جزئه الأساسي كتب في تجرد واحترام للشكل. حاولت بكل جهدي أن أروي الحقيقة كلها دون انتهاك لغرائزي الأدبية، لكن من بين الأشياء الأخرى هناك فصل طويل يغص باقتباسات من الصحف وأشباهها تدافع عن التروتسكيين الذين اتهموا بالتآمر مع فرانكو. من الواضح أن مثل هذا الفصل الذي سيفقد أهميته بعد سنة أو اثنتين عند القارئ العادي، سوف يفقر الكتاب، وقد حاضر بي أحد النقاد الذين احترمهم قائلاً: لماذا وضعت كل هذا الهراء؟ لقد حاولت ما كان يجب أن يكون كتابًا جيدًا إلى كتابة صحفية؟".
يقرّ أورويل إن ما قاله الناقد: "صحيح، لكنني لم أستطع القيام بغير ذلك. صدف أنني عرفت، ما سمح للقلة القليلة في انكلترا أن تعرفه، بأنَّ هناك رجالاً أبرياء اتهموا زورا وبهتانا. لو لم أغضب من ذلك، لما كتبت الكتاب أبدًا".
من الأمثلة الحديثة على مثلبة الصحافة في الأدب العربي، رواية الطنطورية، لرضوى عاشور، التي ضمنتها تحقيقًا صحفيًا منقولاً، عن أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني، ومآله، ويتضمن التحقيق لقاء مع المرحوم سميح شبيب، ابن المركز والذي ترأسه في رام الله.
أقرت رضوى، في إحدى الندوات عن روايتها، باستخدامها الأسلوب الصحفي، وكأنه ذنب، ولكنها قالت، بأنها لم تكن لتفعل غير ذلك، وأوردت بأنها سألت مرّة الراحل يحيى الطاهر عبد الله، لماذا أقحم فلسطين في روايته الطوق والأسورة؟ فأجابها، بأنّه صعب عليه أن يكتب رواية دون أن تكون فلسطين حاضرة فيها.
أعتقد بأن على الروائيين، أن لا يعتذرون، عمّا اقترفوا من صحافة في أدبهم..! أو عن أي من مثالبهم الأخرى.

أمّا أنا فأستعد بشوق، لقراءة المجلد الثاني من أعمال أورويل الأدبية والسياسية..!

السبت، 8 فبراير 2020

استحواذ على المعرفة..!



في اجتياح الضفة الغربية في ربيع 2002م، لم يكن منظر الموت في الشوارع الفلسطينية، هو فقط المألوف، ولكن أيضًا رؤية الجنود، وهم يخرجون من المكاتب والمنازل، يحملون الحواسيب والكتب والوثائق وغيرها، وتكرر ذلك، خلال حملة البحث عن ثلاثة مستوطنين اختطفوا قبل ست سنوات، وتبين لاحقًا أنهم قتلوا. وكأن واضحًا بأنَّ عملية البحث التي أطلقتها قوات الاحتلال، لم تكن فقط العثور على المستوطنين، وإنما لتجديد الكثير من ملفاتها.
ما حدث استمرار لتقليد كولنيالي ابتدأ قبل النكبة، ولم يقتصر على الأراضي الفلسطينية، فخلال الاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام 1982م، نُهب مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، ونُقلت محتوياته إلى دولة الاحتلال، وعندما أعيد في صفقة تبادل، لم تبدِ منظمة التحرير اهتمامًا به، وتناثر في الجزائر، ليصبح قصة كلاسيكية، لدى القلة التي يتذكرونها، عن الإهمال وقلة الحيلة، وأشياء أخرى عديدة.
تخصصت رونة سيلع، بأرشيفات الاحتلال الإسرائيليّ، وكتابها هذا (لمعاينة الجمهور: الفلسطينيون في الأرشيفات  العسكرية الإسرائيلية) واحد من الكتب بالغة الأهمية في مجاله، يتضمن، بالإضافة إلى الجهد البحثي النادر في موضوعه، صورًا نادرة، ومحاولة بناء رؤية غير منحازة اعتمادًا على الأرشيفات الاحتلالية.
تخلص سييلع إلى: "إن إسرائيل كدولة تحوّلت إلى واحدٍ من مراكز المعرفة الأكبر عن الفلسطينيين، وهي لا تحتوي على المجموعات والأرشيفات التي عممت أو نهبت فحسب، بل أيضًا لديها معلومات استخباراتية جمعتها عن الفلسطينيين".
كنت أود الإشارة، إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على التمثيل المعرفي، ولكن الواقع أن الطرف الفلسطينيّ غائب عن الموضوع، اكتفى بمقولات ببغائية، عن القدس العاصمة الأبدية، التي رايحين عليها شهداء بالملايين، وفي الواقع هو ليس من أولويات المشهد الثقافي الفلسطينيّ المريض الذي يعيد إنتاج شللية منظمة التحرير، أي يعيد إنتاج الفشل.
في الواقع، أيضًا، تحوّل التمثيل المعرفي الكولنيالي إلى نقاش إسرائيليّ-إسرائيليّ، مثل قضايا مهمة في المسألة الفلسطينية، أثريًا، وثقافيًا، وسياسيًا. وحتّى فيما يتعلق برفض صفقة القرن، فإنَّ مظاهرة اليسار الإسرائيلي في تلّ أبيب، هي الأكبر، والأكثر وضوحًا في رفع الشعارات، وجدية الرفض.
كتب مقدمة الكتاب انطوان شلحت، مثل باقي الكتب التي يصدرها مركز مدار، وهي غير لازمة، وزائدة، ومناقضة لتلك الجدية التي يبدها المركز في اختيار الكتب الإسرائيلية لترجمتها.

الأربعاء، 29 يناير 2020

استعادة تروتسكي روائيًا..!


سألني خضر بصوته الذي أراده محايدًا، عن رواية الرجل الذي كان يحب الكلاب.
قلت: فظيعة..فظيعة..فظيعة.
تستعيد الرواية تروتسكي، وقاتله. ما يعرفه القاري عن الثوري الروسي المنشق، من ثلاثية اسحق دوتشير. قبل أسابيع قرأت سيرته من جزئين صدرت مترجمة في القاهرة. دور النشر العربية تبذل جهدًا.
رواية من النوع الذي تشكِّل، بذاتها، ورشة للكتابة، خطها روائي كوبي لم يترك بلاده، رغم النقد الذي تطفح به الرواية ضد التجربة الاشتراكية في البلاد، والتي جعلت حلم معظم النّاس الهرب إلى عالم الرأسمالية. يبدو أن الرأسمالية، لم تكن بحاجة إلى نموذج مثل كوبا، للدعاية لنفسها.
أسمع دائمًا عن انحياز جائزة نوبل، ولكن لا يوجد لدي ما يؤكد أو ينفي، رغم تخبط الجائزة في سنواتها الأخيرة. أعتقد أنها إذا تخطت الجائزة ليوناردو بادورا، فلا شك بأن مصداقيتها مجروحة.
سلام من القدس، ليست القدس الشريف، أو الشرقية، أو الغربية، أو قدس المسلمين أو المسيحيين أو اليهود. إنما قدس الأشجار، والحجارة، والنساء، والأساطير.

السبت، 21 ديسمبر 2019

أسوأ كتب 2019م



سأخرج هذا العام، عن مألوف ترشيح أفضل الكتب للعام الذي سينصرم، وقررت الإشارة إلى أسوأ الكتب التي قرأتها، واخترت كتابين، الأوَّل لن أتحدث عنه كثيرًا لأنّه لا يمكن أن يصنف ككتاب، وشكَّل بالنسبة لي سقوطًا مروعًا لناقدٍ ومفكر فلسطيني.
أمّا الثاني، فعندما أنهيته، تساءلت ما الهدف الذي يجعل كاتبًا ومفكّرًا وسياسيًّا مرموقًا، أن يضع اسمه كمحاور للمناضل جورج البطل.
من الصعب تصنيف الكتاب في أنواع السيرة، رغم أنّه مُصَنَّفٌ كذلك على الغلاف، أعتبره نوع جديد من السَّيْرِ: سيرة طق الحنك، فى ظل عدم وجود لمنهج في الكتاب، غَيْرِ التَّكْرارِ، وعدم تحرير الحوار مع البطل، ولا وجود لفهرست للأماكن الإعلام في نهاية الكتاب.
بعد أن أنهيت الكتاب، وجدت نفسي مشمئزًا من كثير من مواقف البطل، اَلَّذِي مارس، مثلاً، أسلوب الاغتيال الرَّمْزيِّ لرموز مهمة كَاَلْمُفَكِّرِ الشَّهيدِ مهدي عامل، ملمحًا أنّه يكتب تلبية لأفكار قادة حزبه المُتَنَفِّذِينَ. ويمكن أن يمتد الاشمئزاز إلى مواقف الحزب الشيوعي اللبناني نفسه. مثلاً دعمه لحرب صدّام ضد إيران، والثمن القبض من السفارة العِراقيَّةِ في بيروت.
يورد فواز طرابلسي، ما يعتقد أنها الأسباب التي جعلت البطل يختاره ليروي له سيرته، ولا شك بأن اختيار البطل، كان سيئًا.
لماذا تلجأ دور النشر إلى إصدار كتب مضروبة؟ ولماذا يمكن لها أن تقامر بسمعتها؟

الأحد، 15 ديسمبر 2019

شفافية بين جانبين..!



في فلسطين أكثر المؤسسات التي تفتقد الشفافية، أكثرها حديثًا عنها، وكثير من المؤسسات المدنية، إن لم تكن جميعها، تبدو لنا كمجموعة من الطلاسم والأسرار لا نعرف عنها شيئًا، وتنتشر كالفطر، دون معرفة الهدف منها.
في دولة الاحتلال يعرفون عن أنفسهم الكثير، ويعرفون عن ما لدينا أكثر مما نعرف، هذا إذا كنا نعرف أصلاً.
منظمات حقوق الإنسان الليبرالية في دولة الاحتلال، تتلقى دعمًا من مؤسسة تسمى صندوق إسرائيل الجديد، وهي منظمة مانحة صهيونية ليبرالية، مقرها الرئيس في الولايات المتحدة الأميركية، ولها مكاتب في كندا وأوروبا واستراليا ودولة الاحتلال.
هذا الصندوق هو أكبر مانح لمنظمات حقوق الإنسان الليبرالية في دولة الاحتلال، جمع أكثر من 200 مليون دولار على مر السنين معظمها تقريبًا من متبرعين يهود يعيشون في الخارج.
هدفه واضح: "تعزيز المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع السكان، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس أو الهوية الوطنية" ويصف نفسه بأنّه "صاحب الفضل، المعترف به على نطاق واسع، في بناء المجتمع المدني التقدمي في إسرائيل من نقطة الصفر" وأيضًا يعتبر نفسه: "مؤسسة رائدة في مجال دعم الديمقراطية في إسرائيل" ومساءلة قادة دولة الاحتلال أمام القانون.
لا يوجد رئيس مؤبد للصندوق، لا تنتهي ولايته إلَّا بالموت، ومن ترأسه، كعضو الكنيست السابقة نعومي حزان، تمتعوا بسمعة جيدة.
لنلاحظ كيف يمكن ليهود الشتات، أن يتبرعوا لصندوق يدعم منظمات تصدر تقارير توثق وتدين إجراءات دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة، كمنظمة بتسيلم، ليس من  أجل عيون الفلسطينيين، ولكن لتعزز الأهداف التي أعلنها الصندوق.
ما هي أهداف الجهات المانحة التي تدعم المؤسسات الفلسطينية؟ هل لتعزيز المجتمع المدني الفلسطيني، أم لتعزيز الفساد؟
هل تمكن المجتمع المدني الفلسطيني من إظهار رموز حقوقية، ومدنية، ذات مصداقية، ويمكن لها أن تطلع بدور تغيري في المجتمع؟
من يعلم كيف حوّلت المنظمات النقابية، والشبابية، والاتحادات المهنية، وغيرها من دورها الكفاحي والمهني، إلى منظمات تعتاش على أموال المانحين؟
هل يوجد حقًا مجتمع فلسطيني مدني؟ أم مجتمع غابات الفصائل المفلسة، والذي يدار من قبل صندوق أسود لا نعلم أين مقره، ومن الجهة المعادية التي تقوده؟
كتاب عن حقّ الإنسان في الهيمنة لكاتبيه نيكولا بيروجيني وليف غوردون، يستحق إلقاء نظرة عليه..!

الخميس، 5 ديسمبر 2019

إيران بعيون النساء..!



وكأنني، كنت أحتاج إلى هذا الكتاب: أكتب لكم من إيران للصحافية الفرنسية-الإيرانية دلفين مينوي، لأدرك بأن الشرق الأوسط ما هو إلَّا بحيرة منتة، يقودها مجانين، وسيظل ناسها يسبحون فيها إلى ما لانهاية، وكأنهم إلا شخوص قدرية لواحدة من حكايات الشرق القديم، التي اقتبست مرات لا نعرف عددها في الكتب المقدسة.
تعود مينوي، التي ولدت ونشأت في فرنسا، إلى إيران لمدة أسبوع للتعرف على بلدها، فتمكث عشر سنوات، تغطي فيها أخبار البلاد. وتعود بعد فترة انقطاع لمدة عامين.
ما يلفت النظر، ذكرها تفاصيل سلسلة الاغتيالات التي طالت مفكرين ومثقفين إيرانيين، ما يذكّر بسلستي الاغتيال في لبنان: حسين مروة، ومهدي عامل، وسهيل طويلة وغيرهم، والثانية: سيمر قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني وغيرهم.
كيف يمكن أن تكون سلطة وطنية بالمعنى العميق (وغير العميق) وتغتال مثقفًا، أو مواطنًا، أو عابر سبيل؟
تروي مينوي على لسان ضحايا هجوم صدام الكيماوي على بلدات إيرانية، وترصد التظاهرات المؤيدة لخاتمي، وتلك التي رافقت ترشيح أحمدي نجاد لولاية ثانية. الدم المسفوح الذي لم ينته مع انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية. تكتب مينوي أيضًا عن لبنان، والعراق.
إنه كتاب عن الذات، والجماعة. عن الشجاعة والصحافة، والنجاحات والإخفاقات، وعن الحرية والاستبداد.
ما يمكن قوله، لو أن النّاس في هذا الشرق ظلوا، سلطات ومعارضة، يمارسون نفس ما يمارسونه، فلن يحصل تقدم، ولو خطوة واحدة إلى الأمام، وسنظل نعيش دوامة لا تنتهي من إعادة إنتاج الذات: قتل، وثورات، وانتفاضات، وقمع وحروب بين دول الجوار وغير الجوار، ومعارك داخلية لا تنتهي.
تذكرت وأنا اقرأ الكتاب، بأن ما اعرفه عن إيران في السنوات الأخيرة، مصدره كتب بأقلام نساء إيرانيات، ومنها:
*جواز سفر على الطريقة الإيرانية-نهال تجدد.
*بنات طهران-نهال رشدان.
*أشياء كنت ساكتة عنها-آذار نفيسي.
*أن تقرأ لوليتا في طهران-آذار نفيسي.
والكتاب الأخير، كان ملهما لتأسيس نادي للقراءة في القدس. من قال بأن الطغاة ينتصرون أمام الكتب؟