أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الزمخشري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الزمخشري. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 يونيو 2025

أجل مكتوب وأمل مكذوب!


 


في بعض إغفاءات الفجر، سمع جار الله الزمخشري (1075-1143م) صوتًا: "يا أبا القاسم: أجل مكتوب وأمل مكذوب" فهبَّ من نومه، وبدأ بكتابة مقامة، ولم تكن سوى قطرة غيث، ستصل مقاماته إلى 50 مقامة. تقترب من حسٍّ صوفيِّ لعقلٍ معتزلي لم تتسع له دنيانا حتَّى يومنا هذا.

ماذا كنت أفعل في يوم السبت 24/2/1987 في الإحساء، وطن القرامطة والحزن الشيعيِّ المعتَّق، وذكريات مسن أصبح صديقًا عن مشاركته في تظاهرة في أرامكو خلال عزّ الفورة الناصرية، ورطب النخيل، والمياه التي تتفجَّر من كل مكان تقريبًا، ساخنة لاهبة؟

لا أذكر أبدًا، لكن المؤكد أنَّه في ذلك اليوم، دخلت مكتبة، واقتنيت نسخة من كتاب المقامات للزمخشري، بتحقيق يوسف البقاعي. وكتبت اليوم والتاريخ والموقع، وهي عادة لازمتني قديمًا، ولا أعرف لماذا تخليت عنها. من حظَّ الكتاب أو من حظي أنَّه نجا، بخلاف عشرات الكتب. رجعت إليه، هذه المرَّة، إعجابا بقلب جار الله وهواجسه الوجودية واللغوية والفنية، ومحاولته وضع بصمة في فن المقامات، وإن كان اللغويون لا يدرجونه في طبقات مؤلفيها العليا.

يعظ صاحب الكشَّاف نفسه، وليس النَّاس، يبدو أنَّه يبتعد عن الأستذة، والمحاججة، إنَّها استراحة معتزلي، جهد عقله كثيرًا. لكن ذلك يبدو نسبيًا. لقد قدَّم نصائح لمن يتناول الكتاب بالتأني في قراءته والوقوف علي ألفاظه وتفهم معانيها. نصح بألا يقدَّم الكتاب إلَّا لعالم أو متدين أو أديب. عودة أخيرة للنخببة.

لا أعرف شيئًا عن المحقِّق البقاعي إلَّا أنَّه يشير إلى اعتماده على شرح محمد سعيد الفاروقي الطرابلسي "وأضفت إليه الكثير ونقحته". أشعر بامتنان للذين عاشوا في غير زمن الترند، وأفترض أنَّهم ترهبنوا في ميادين اللغة والأدب والجمال.

الكتاب من إصدار دار الكتاب اللبناني، أعحبني التجليد العملي والطباعة والخط والإخراج والتبويب. وصمود ذلك كله مع كرور الأعوام.

#مقامات_الزمخشري

#الإحساء

#أسامة_العيسة

الأحد، 13 أغسطس 2023

المهضوم اللازوردي!


سيتفق كثير من المثقفين وغيرهم، على أنَّ إحدى علل ثقافتنا، من "يهضم" نفسه من المثقفين! فتطغى النرجسية وتعلو، لدى المثقفين، كما السياسيين، فيتشلَّلوا، ويزرقُّوا!

 مشكلة للمثقف وغير المثقف عندما "يهضم نفسه" والتعبير سرقته من مثقف كبير وعظيم، أعطانا درسًا قبل نحو ألف عام.

عاش جار الله الزمخشري،  الذي تبنى الفكر المعتزلي، حياةً حافلة، بين عامي (1057-1143م) وحظي، رغم معتزليته باحترام كبير بين مخالفيه، وما زال يثير اهتمامنا بمنجزه، وبعضه لم يُتجاوز عليه كتفسيره: الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ووجوه التأويل.

في رسالة له يسخر من مادحيه قائلًا: "فإنَّ ذلك اغترار بالظاهر الممّوه، وجهل بالباطن المشوّه، ولعلّ الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وبلوغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع، وإفاءة المبارّ والصنائع، وعزة النفس والربء بها عن السفاسف، والاقبال على خويّصتي، والاعراض عما لا يعنيني، فجللت في عيونهم وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير".

حُبي الزمخشري، بأنف يميز روائح المدح المقيتة، ويدرك واقعه وطموحه: "..وما أنا فيما أقول بهاضم لنفسي".

يفسِّر بتواضع عارف: "إنَّ المؤمن ليهضم نفسه، وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي، ومن لقيت وأخذت عنه وما بلغ علمي، وقصارى فضلي، وأطلعته طلع أمري، وأفضيت إليه بخيبة سري، وألقيت إليه عُجري وبُجري، وأعملته نجمي وشجري".

لم يهضم الزوخشري نفسه، ولم يكن راضيًا عن منجزه. وُجد مثقف فلسطيني من أهل الرملة، هضم نفسه متظارفًا. اسمه محمود بن الحسين، عرف بلقب كُشاجم الشاعر. لقَّب نفسه كُشاجمًا، وعدما سئل عن معنى اللقب، فسَّر ساخرًا: الكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجم.

يبدو أن محبيه بادلوه الهضم، فسماه بعضم كشاجم طخ، ففسرها بنفسه: الطاء من طباخ، والخاء من خراء.

استخدم لفظة اللازورد في شعره الغزلي:

 كأَنَّما اللاّزّوّرْدُ نَقّطَهُ/ وَنَقَّطَ اللاّزّوّرْدَ بالعَنَمِ

وهو بهذا سبق شاعرنا المعاصر، في استخدام لفظة اللاّزّوّرْد. التي ابتذلت، مع استخدامها المتكرِّر من البحتري إلى أحمد شوقي، حتَّى وصلت شعراء اللاّزّوّرْدُ الزُرْق، يمشي واحدهم وتمشي فيه الدماء الزرقاء.

#الزمخشري

#محمود_درويش

#كشاجم_الشاعر

 

السبت، 25 مارس 2023

الزمخشري والنَّاس!


تُعرِّف كتب التراجم، وما أكثرها، على تفاوت أهميتها، ومصداقيتها، الزمخشري: الإمام الأوحد. مع ذلك لم يشفع له ذلك في تحوير ما كتبه، والتجرؤ على قصده.

فخر الزمخشري بمذهبه المعتزلي، وكان يقدِّم نفسه: أبو القاسم المعتزلي. يعد درة تصانيفه: الكشَّاف، تفسيرًا معتزليًا للقرآن الكريم، وهو واحد من تفاسير القرآن ذات الأهمية الخاصة، فهو كتاب في التفسير، واللغة، والتحليل الأدبي، واستخدام علم الكلام في الجدال، والربط، والتأويل.

يبدو عنوان الكشَّاف التفسيري، مميزًا: عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ولكنه، ليس تفسير الكتاب الوحيد، الذي قدم نفسه تأويلًا لكلام الله، الأزلي، كما انتصر الرأي السائد لدى المسلمين الآن، أو المخلوق كما آمن الزمخشري.

تذكر الكتب التي ترجمت لحياة الزمخشري، أنَّه افتتح الكشَّاف بعبارة: الحمد لله الذي خلق القرآن، وهو إعلان صريح لمذهب المعتزلة العقلاني، فقيل له: متى تركته كذا هجره الناس، مع أنَّه في خطبة الكشَّاف، يشير إلى انه وضعه بسبب إلحاح النَّاس.

قدَّم الزمخشري تنازلًا صغيرًا من أجل النّاس، فغيَّر فاتحة خُطبة الكتاب إلى: الحمد لله الذي جعل القرآن. هذه المرَّة تنبه سدنة الشريعة وحرَّاس العقيدة، واعتبروا كلمة جعل بمعنى خلق. وعليهم، بوصفهم أوصياء على عقول النَّاس، حماية النَّاس.

ما وصلنا ما استقر عليه: الحمد لله الذي أنزل القرآن، وهو تدخل السدنة، على غير رغبة المؤلف، الذي غادرنا يوم 12 تموز 1143م.

طبعة الكشَّاف التي بين يدي، صدرت في بيروت عام 2012م، وفاتحة الخطبة، كما استقر على وضعها سدنة العقيدة.

حتَّى يوم النّاس هذا، لا يجرؤ محقِّق أو ناشر، على إعادة الاعتبار لما أراده الزمخشري.

في الترجمة التي وضعها الزمخشري لنفسه، يظهر تواضعه، وحس الفكاهة، وفهمه لأسلوب كتابة السيرة، وذكائه الطاغي، ولو عاد إلينا، ليزيد على ترجمته، معلقًا على تزييف فاتحة خُطبة الكشَّف، لسأل ساخرًا عن من هم النَّاس فعلًا، الذين حثوه لوضع كتابه، والذين نُبه أنَّه يحرجهم بذكر كلمة خلق، إلى تزييف ما أراده من أجل النَّاس.

#الزمخشري

#الكشَّاف