أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 4 يوليو 2026

هزيمة توفيق زياد!


حدود الطائفة..حدود اليسار!
بدا لي عنوان الكتاب المهم عن سيرة توفيق زيَّاد الاجتماعيَّة (الصورة)، ساذجًا ولا يعبِّر عن الحياة المفعمة، سياسةً وشعرًا ونضالًا وخلافًا للمروى عنه. في مقدمته للكتاب يشير المترجم باسيليوس حنا بواردي الى زيَّاد: "المتمرد السرمدي". برأي قد يكون هذا الوصف أنسب من العنوان، الَّذي ربَّما استوحاه المؤلف من العلاقة الَّتي تأرجحت بين الصديقين، زيَّاد وإميل حبيبي، فإذا كان الأخير متشائلًا، فإنَّ زيَّاد هو المتفائل.
وصف الكتاب بالسيرة الاجتماعيَّة، بدا لي غير مفهوم، فما المقصود بالاجتماعيَّة؟ الكتاب سيرة. بذل فيها الباحثتمير سوريك جهدًا لمختلف جوانب حياة الرمز الفلسطينيّ الراحل. هل نحن أمام واحدة من معضلات الترجمة، التي أشار إليها المترجم: "كانت عملية الترجمة إعادة كتابة للغة الإنجليزية الأكاديمية الموضوعية".
من مفاجآت الكتاب، معاناة شاعرنا، لزواجه من طائفةٍ أخري، وهو واضح هويته العلمانية، نظريةً وسلوكًا، كما نفهم من الكتب. لم أكن أعلم أنَّ المسألة أيضًا يمكن أن تشمل الشيوعيِّين، فزيَّاد وزوجته، تعرَّضا لمضايقات من رفاقه في الحزب، اعترض شيوعيُّون على الزواج، ومنهم من حاول ثني أهل نائلة عن الموافقة. وقدَّم مسؤول كبير طلبًا للجنة المركزية للحزب لمناقشة الموضوع، ولكن الأمين العام اليهودي ماير فلنر رفض ذلك. لعله تأمل في حدود الطائفة واليسار. ربَّما سخر من رفاقه العرب. ولكن كان عليه أيضًا أن يسخر من رفيقه القيادي سنيه، الذي اعترض على علاقة ابنته بزيّاد، فطيَّرها بعيدًا، لواحدة من دول المعسكر الاشتراكيّ.
اتخذ زيَّاد، الَّذي وصفه صديقه الشَّاعر طه محمد علي بالستاليني، حسب الكتاب، موقفًا من بروز قوى رآى انَّها تهدِّد انفراد الشيوعيِّين في الساحة الفلسطينيَّة فيما احتل من أرضنا عام 1948، مثل تيار قومي بقيادة محمد ميعاري، الَّذي تلقى دعمًا من ياسر عرفات. لم تحل ذيلية زيَّاد ورفاقه لقيادة منظمة التحرير اليمينيَّة من دعم قوى أخرى. ولماذا لا تفعل؟ لماذا تقصر دعمها فقط على الشيوعيِّين الأثرة؟
وصف زيَّاد في واحدة من خطبه الافتتاحية في مخيم العمل التطوعي في الناصرة (أوائل ثمانينات القرن الماضي)، وطنيَّة جماعة ميعاري أنَّها وطنيَّة البلاستيك. كنت واحدًا من آلاف الأشخاص الَّذين حضروا العرض الزيَّادي، الَّذي امتلك القدرة علي ترقيص الناس وإبكائهم ونطنتتهم والتحكم بمشاعرهم، لكأنَّه الفارابي عازفًا في بلاط سيف الدولة. استغربت، وقتذاك، من أهم خطيب فلسطيني شهدته، لماذا لم يرحِّب بقوى اقتربت من رؤى زيَّاد وحزبه. ما الذي يحركهم المصلحة الحزبيَّة أم الوطنيَّة؟
امتحان آخر واجهه زيَّاد، هو ظهور الحركة الإسلامَّية وأحد قادتها عبد المالك دهامشة، صديقه وصهره. لم يستوعب زيَّاد ورفاقه ظهور قوة سياسيَّة أخرى من الواضح أنَّها ستشكِّل منافسة قوية، هاجم شاعرنا الإسلاميين حتَّى بتبنيهم ما اجترحه الشيوعيون مثل يوم الأرض. ولم يلفت الانتباه بروز حركة حماس في الانتفاضة الأولى، رافعةً وطنيةً.
التحدي الأهم الذي واجهه زيَّاد، كما يمكن الاستنتاج من الكتاب ما يوصفون عادة الحرس القديم، ولكن الباحث تجنب تسميتهم بذلك، تمثلان بالثنائي فلنر وطوبي، أصابهما قلق من قومية زيَّاد.
لم يعش زياد، ليشهد السياسة الطائفية الصارخة لحزبه وإن كان شهد بداياتها. خلال إعداد هذه المادة، تنبهت إلى أنَّ اختيار مرشحي الجبهة الَّتي أسسها زيَّاد، لانتحابات الكنيست المقبلة، أظهر رسوخ البعد الطائفي. بتخصيص المقاعد الأولى لمسلم ومسيحي ودرزي ويهودي. ينافس مثلًا على المنصب الأول مسلمون، ونفس الأمر على المقعد المسيحي، والدرزي، واليهودي. بماذا تتمثَّل اليسارية؟
ماذا بقي من يسارية الحزب الذي انتمى إليه زيَّاد، ورغب باستئثاره على العمل الوطنيِّ والسياسيِّ؟ وما الذي تغيَّر من الموقف من زواجه حتى الإسفار عن الطائفية؟ هي هزيمة أفكار شاعر ومكافح، مضي في حادث سير على طزيق أريحا، بدون سامري طيب، كالذي ظهر قبل ألفي عام، وطبَّب المسيح. طالما استخدم زيَّاد في شعره رموزًا تتعلق بمواطنه الناصري.
في جنازة الشاعر المغدور بالطائفيَّة وأثرة الرفاق، ألقى الكلمة الدينيَّة، مناهض سابق لدود لزيَّاد هو الشَّيخ كمال الخطيب. الزمن يزمن، حسب إميل حبيبي. الأفكار، مثل الأفراد تحتاج إلى الوقت. سيكتشف أصحاب الإيدلوجيات، تشابههم.
تلقت العائلة ورفاق الراحل سيول من برقيات التعزية، منها تعزية الحكيم جورج حبش، الَّذي لم يتصرف أنصاره بحكمة في واقعة رفع العلم في واحدٍ من مخيَّمات العمل التطوعي. كنت واحدًا من شهود تداعياتها. واقعة لم يحطها المؤلف بما أظهر من جهد بحثيّ. ربما يسعف الوقت، لعودة لها.
هل شكلَّت تعزية الحكيم، اعتذارًا عن حادثة يسارية طفولية، ارتحل كثير من مفتعليها إلى النخبٍ المعولمة والمعولبة!

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق