أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 5 يونيو 2021

بيت ساحور حزيران 1967



كان عمر الدكتور جميل الأطرش، في حزيران 1967، 15 عاما، وشهد على احتلال مدينته بيت ساحور، ودور والده حنا الأطرش، الذي كان رئيسا لبلدية المدينة حتى عام قبل الاحتلال، وتولى إدارة الدفاع المدني بعد ظهور نذر الحرب.

يقول الأطرش: "بعد ترك والدي لرئاسة بلدية بيت ساحور عام 1966م، عمل في مصنع للصابون يملكه، ومع بدء الاستعدادات للحرب بين دولة الاحتلال ودولة عربية، تسلم مسؤولية لجنة الدفاع المدني، وكان معه الشيخ المرحوم إسماعيل الجمل، إمام مسجد بيت ساحور، ويعقوب الأطرش الإعلامي المعروف. وعندما بدأت الحرب، طلب الشيخ الجمل، من والدي استلام ميكرفون المسجد، للبث الإعلامي والمعنوي وبث الحماسة في نفوس الناس وتعزيز صمودهم".

 

وحدة وطنية

يرى الدكتور الأطرش، الذي كان آنذاك طالبا في الصف الأول الثانوي في مدرسة بيت لحم الثانوية، وكان مقرها دار جاسر، بأن الوحدة الوطنية، كانت صلبة بين المسلمين والمسيحيين.

كان مقر الدفاع المدني، أمام النادي العربي الأرثوذكسي، ويتذكر كيف أنه وعدد من أترابه، كانوا يقفون على درج الكنيسة، ولكن الأكبر سنا منهم اعترضوا. يقول: "من المرات القليلة التي أزعلني فيها والدي، عندما طلب أن نغادر أنا وأصدقائي، فرفضنا، ولكننا بعد فترة قصيرة تبينا خطأنا، فما أن عدت إلى المنزل، حتى سقطت أول قذيفة احتلالية على الموقع الذي كنا نقف فيه".

يشير الدكتور الأطرش، إلى أن لجنة  الدفاع المدني في بيت ساحور، أشرفت على تعتيم زجاج المنازل، ووفرت مواد طبية، ونصحت المواطنين بعدم التجول، وشكلت لجان من كل حارة، تكون على أهبة الاستعداد لأي طارئ.

اندلعت الحرب يوم الاثنين الخامس من شهر حزيران، وسقطت بيت ساحور مساء يوم الأربعاء في الثامن منه.

ويتذكر كيف أن الأهالي استقبلوا الاحتلال، بخوف شديد، فكل التحليلات قبل الحرب كانت تشير، إلى أن الانتصار سيكون، هذه المرة، من نصيب العرب.

فرضت سلطات الاحتلال حظر التجوال على الأهالي، منذ المساء حتى الصباح، وعاش المواطنون حالة من الضنك، وشهادة الدكتور الأطرش، نؤكد على ما يذهب إليه الكثيرون عن حدوث مجاعة بعد الاحتلال.

يقول الدكتور الأطرش: "ظروف الناس المالية، صعبة جدا، وصلنا نحن كعائلة إلى مرحلة، أنه لم يعد بإمكاننا توفير رغيف الخبز، وسمعت والدتي تطلب من والدي أن يأخذ ذهبها ليبيعه، في اليوم التالي، من أجل أن نوفر قوتنا، وبشكل يبدو لي الآن كأنه معجزة، سمعنا طرقا على الباب، وعندما فتحنا دخل أحد أهالي بيت ساحور المغتربين، اسمه فيليب أبو عيطة، الذي أخبرنا بأنه عائد من السعودية، ووصل المدينة عبر مخاضة في نهر الأردن، وأخبرنا بأن شقيقتي أريج وزوجها بشر عطا الله، أرسلا 1000 ريال، لعائلتنا، ومثلها لعائلة الزوج، وأن أبو عيطة حولهما في عمان إلى الدينار الأردني وها هو يحمل معه لنا 159 دينارا. يا له من تكاتف. أقول الآن، بأن دولة الاحتلال لن تستطع، تحت أي ظرف هزيمة التكاتف الفلسطيني".

 

رسالة.. وثيقة

بتاريخ 13-8-1967م، خط حنا الأطرش رسالة لابنته في السعودية، ليشكرها على المبلغ المرسل، وليضعها في ظروف الأوضاع في بيت ساحور المحتلة.

في شهر أيار 2021م، أرسلت أريج الأطرش، التي تقيم الآن في أميركا، لشقيقها الدكتور جميل، نص الرسالة التي احتفظت بها، لمناسبة ذكرى النكبة.

أطلع الدكتور جميل، مراسل "الحياة الجديدة"، على رسالة والده حنا الخوري الأطرش (1923-2007م)، الذي أصبح في عام 1976 رئيسا لبلدية بيت ساحور، وارتبط بعلاقة سرية مع القائد خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان يسافر إلى دمشق، ومن هناك ينقل سرا إلى بيروت ليقابله، وبعد تأسيس السلطة الوطنية، ارتبط بلاعقة صداقة مع الرئيس ياسر عرفات.

تعتبر الرسالة وثيقة مهمة على تلك الأيام الصعبة التي عاشها شعبنا، يكتب الأطرش ملاحظة بأن بيت ساحور تخضع، وقت كتابة الرسالة، إلى حظر تجول منذ الساعة التاسعة ليلا حتى الرابعة فجرا.

 

دوي المدافع يسمع من القدس

يقول حنا الأطرش: "استغربت جدا عدم وصول رسالتي المطولة، واليكم وصفا دقيقا حسب ما تعيه ذاكرتي:

"فتحت جهاز الراديو يوم الاثنين 5-6-67، وإذا بالهجوم على مصر يذاع، وبصفتي مراقب الدفاع المدني لمدينة بيت ساحور، فقد ذهبت إلى الجامع فورا، وأذعنا بواسطة سماعات الجامع دعوة رجال الدفاع المدني فورا للاجتماع في النادي الأرثوذكسي، لتوزيع المهام، وقد أنجزت المهمة واستلم كل فرد مهمته، وكان ذلك حوالي العاشرة صباحا. وكان ضمن المهمة هذه ما ينيف على 200 شخص، وفي حوالي الساعة العاشرة والدقيقة 50 صباحا، أخذ دوي المدافع يسمع من مدينة القدس، وأخذنا نراقب الأحداث من جانب الكنيسة، وفي المساء كانت المدينة معتمة تماما، لا أنوار في الشوارع، والبيوت مجللة أو مدهون زجاجها بالسواد. وهدير المدافع من كلا الجانبين كان متواصلا بدون انقطاع مع أزيز الرصاص، وراجمات الألغام، وأمضينا ليلة الثلاثاء بدون نوم، وكان يوم الثلاثاء اليوم الثاني. من مركز الطنطور، تم ضرب طائرتين إسرائيليتين، وسقطتا واحترقتا قرب دير مار الياس وذلك في المساء.

وبقيت سهرانا لغاية الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أي الأربعاء فجرا، وذهبت ونمت، وتم استدعائي الساعة 3.10 بعد نصف الليل، وعندها أيقنت أن المعركة لا تسير في صالح العرب، إذ أن الضرب والمقاتلات الليلية كانت فوق الخان الأحمر، وقبل أن أويت إلى الفراش، كنا قد دفنا ثلاثة جنود شهداء بجانب قبر حلوة إلى الشمال. ونهاية الأمر بقيت في النادي يوم الأربعاء صباحا إلى أن كانت الساعة 11 صباحا (طبعا كنا قد أخذنا الطابق الأرضي ملجأ لنا، وكان جميع أفراد العائلة مختبئين هناك).

 

مدفعية العدو تقصف بيت ساحور

يضيف الأطرش: "وما أن بدأت الساعة 11 تعلن دقاتها حتى أخذت مدفعية العدو تقصف مدينة بيت ساحور دون هوادة، ومما ساعد على عدم كثرة الإصابات سماكة جدران البيت المبنية من الحجر، وكان القصف قد بدأ من منطقة دار اسحق إبراهيم واتجه إلى الشارع الجنوبي، جانب دار صليبا ميخائيل، وتناول مقبرة الروم، حيث تهدمت عدة فساقي ونثرت عظام الأموات خارج مقابرهم، وأحاطت الطلقات بالنادي الأرثوذكسي، إذ سقط في تلك البقعة 6 قنابل، أزالت كراج دار الطبوش، والثانية دار الخميدي بجانب الكنيسة شرقا، واثنتين خارج سور الكنيسة من الشارع الخلفي، وأخرى أزالت مطبخ دار خليل الصوص، وأما زجاج الكنيسة والنادي فلم يبق منه لوحا صحيحا، مع العلم أن نوافذ النادي كانت مفتوحة. وجميع هذا جرى وأنا منبطح أرضا في مكتب النادي مع بعض الجنود الذين احتموا عندنا.

أما البيوت التي أصابتها أضرار بالغة فهي دار الخميدي، ودار خضر خليل، ودار حسين خليل، ومطبخ الهكاش شرقا، ودار الشيخ لويس، ودار يعقوب باسيل الشوملي، ودار درويش عطية، ومطبخ خليل الصوص، ومطبخ الهكاش، واجهة دار طناس أبو عيطة، وأما زجاج البيوت في هذه المنطقة فحدث عنه ولا حرج. والوفيات طبعا كان الوحيد أثناء القصف الياس الرشماوي".

 

قصفوا كنيسة المهد

يتطرق الأطرش إلى قصف مدينة بيت لحم: "وأما في بيت لحم فقد تعرض المهد (كنيسة المهد) للضرب المباشر، إذ أن ما سقط على كنيسة المهد ودير الأرمن ما يزيد على سبعة قنابل مدفعية ميدان. وقد أصاب ظهر الكنيسة مباشرة وأحدثت فيه فجوة. وأما عدد الشهداء في بيت لحم، فقد زاد على 25 شخصا من السكان المدنيين، والجرحى عديدون، والدرج الذي يوصل إلى سوق الخضرة جانب صيدلية حنضل أصبح الدم عليه سائلا كمياه المطر أيام الشتاء بسبب سقوط إحدى القنابل هناك ولكثرة الموجودين. وتعرضت بيت لحم كذلك لقصف بالمدفعية شديد، وكان القصف مركزا من القبة مصنع سجائر صنصور، وعلى الطريق العام لغاية ساحة المهد، ومن المشفى الفرنساوي ولغاية كنيسة المهد، وأما في بيت جالا فقط سقطت قنبلة واحدة فقط على أحد البيوت دون إصابة في الأرواح. أما بيوت أريج وفوز وحديقة البيت فهي سالمة. ومن جهة الخبز فقد أحضر اليهود طحينا ويأتي الخبز يوميا مخبوزا وخالص على الطريقة الإفرنجية. وأما مار الياس فقد كان صب القنابل عليه من كل صوب ورغما عن سماكة جدرانه فإن الجانب الأعظم في حاجة إلى هدم وإعادة البناء".

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق