أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجانين حارتنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجانين حارتنا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

مجنون المَحْرُمة..!



كنّا نعلم، بأننا، ما إن نقطع الطريق، من المخيم إلى بيت لحم، عبر دير المجانين، حتى نجده يعتلي شجرة سرو كبيرة، بل أننا ونحن نسرع، خشية من بعض المجانين الذي يناصبوننا العداء، لأسبابٍ لا نعرفها، نمني أنفسنا، بأننا أخيرًا سنفرح بوجوده، كما يحدث دائما.
اسمه جاسم، بلحية لم يقصها، على الأغلب قط، يرتدي كاب عسكري، وقميص كاكي. عرفنا منه بأنّه من بلد اسمها الناصرية في العراق، رمته ظروفه في الدير، وحالت ظروف البلاد، والحرب، دون عودته التي لم يكن يريدها بشكل ملّح، وقطعت أخباره عن أهله، الّذين، لم تكن لديهم رغبة ملحة، في عودته إلى دياره، وحرم من تلك الزيارات النادرة والمتباعدة من واحدٍ من الأهل، قد يتذكر بأنَّ له قريبًا في دير المجانين في فلسطين، التي تقضم، وتقسّم، وتحتل، وأخبارها التي لا تسر تصل إلى الناصرية.
علمنا من أهلنا، بأنّ جاسم وخمسة من المجانين، شاركوا في المجهود الحربي، عندما استعان بهم جنود الجيش النظامي، الّذين كانوا يطلقون قنابل مدفعهم من مغر مجاورة لدير المجانين، باتجاه عدو لا يظهر، خلال حرب الأيّام الستة، ورغم جنونهم اكتشف المجانين الستة، بأنَّ القنابل لم تكن محشوة إلا بخرق بالية، وعندما ظهر العدو أخيرًا، وقصفت طائرته الموقع، مات خمسة مجانين، وهرب جاسم، عائدا إلى ديره، غانما ملابسه العسكرية.
يسرع أحدنا، من أصحاب البصلات المحروقة، إلى الشجرة، وينظر إلى الأعلى، ويطمئننا بإشارة من رأسه، بأنَّ صاحبنا جاسم على شجرته، وكأنّه لا يريد أن ينزل منها أبدًا.
عندما نتجمع تحت الشجرة، ننظر إليه، وكما تركناه في المرّة الماضية، نراه يدخن، وينفث الدخان نحونا إلى الأسفل، وفي يده الأخرى، المَحْرُمة العتيدة، التي لا تفارقه، يمسح بها فمه، ويده، وأنفه، وجبهته، ويربطها على جبينه. وأحيانا نسمعه يخاطبه: "أنتِ الوحيدة، التي تغطي عوراتنا".
نسأله:
-كيفك يا جاسم.
*أحسن منكم.
نضحك، ونحن ننتظر لعبته، فيرمي المَحْرُمة نحونا، طالبًا منا إعادتها.
يتقدم أكثرنا حماسة للعبة، فيتناول المَحْرُمة عن الأرض، ويرميها إلى الأعلى، وكما نعلم ويعلم، فإنّها لا تصله، وكيف يمكن أن تصله، والهواء غير قادر على حملها، والجاذبية لها بالمرصاد.
بعد عدة محاولات وتشجيع من قبل جاسم، نعرف بأنّه سيقول ما سيقوله دائمًا:
*هل أنتم مجانين؟ ليس هكذا تُرمى المَحْرُمة في الهواء، حتى تصلني.
-وكيف يا جاسم؟
*اربطوها بصرارة، واقذفوها.
نربط طرف المَحْرُمة بصرارة، ونرميها نحو جاسم، الذي يتجنب الإمساك بها، حتى يطيل أمد اللعبة، ولغايات أخرى، فيطلب مثلاً، أن نجرّب ربطها بعدة سجائر، نكون اشتريناها مسبقًا، ولا نعرف كيف، عندما نفعل ذلك، ونرمي المَحْرُمة، تصل بسجائرها إليه، فيحرّر السجائر التي تصبح ملكه، ويعيد رمي المَحْرُمة، ولا يهتم كثيرًا بإمساكها مرّة أخرى عندما نثبت صرارة بطرفها، ونكرر رميها.
عندما ينهي جاسم، تدخين سجائرنا القليلة، التي اشتريناها من حرّ قروشنا القليلة، يبدي اهتمامًا من جديد بلعبة المَحْرُمة، وأخيرًا، وبعد جد وهزل، تصبح المَحْرُمة بيده، ونكون قد زهقنا من جاسم ومحرمته، فنكمل طريقنا إلى بيت لحم، ونحن نسمع كلماته، تردد خلفنا، عن المَحْرُمة والعورات.



السبت، 23 نوفمبر 2019

مجنون الصلاة..!






كان رئيف، مجنونًا رسميّاً، مقيمًا في الدير بشكلٍ دائم، ولكنّه لم يشأ إسقاط فرض الصلاة عنه، ولم يكن ممتنًا للمكرمة السماوية التي أعفته وغيره من المجانين من مشاق العبادات. أراد، يحدوه حسّ عال بالمساواة، والعدالة، أن يكون المجانين مثل العقلاء، لا فرق بينهما إلّا بالتقوى، يقدّسون اسمه، في الأرض، كما في السماء، لا يعلو أحدٌ على أحدٍ.
لم يكن رئيف ليصلي أمام زملائه المجانين، الغاضبين، من توريطه لهم في أمورٍ، اعتبروها حقا مكتسبًا، في أن لا يكونوا مثل العقلاء، بإسقاط الفروض عنهم، وهو ما جعلهم يشعرون بالتميّز، عن أمثالهم من العقلاء، كالأطباء والممرضين وعمال الصيانة والطباخين والحراس وأمناء المخازن والبستانيين وغيرهم، الذين يحرصون على أداء الصلوات في مواعيدها، وبشكلٍ مبالغٍ به، في معظم الأحيان، كالإطالة في الصلاة وقبل ذلك في الوضوء، والذهاب إلى الحمامات، وإن أدى ذلك إلى تأخير واجباتهم العملية تجاه المجانين.
يرى المجانين، المصلين، وهم يحملون الأباريق البلاستيكية، التي منحها لهم أبو اسكندر صاحب مصنع البلاستيك، وهم يتمخطرون بتؤدة إلى دورات المياه، تحضيرًا للصلاة، ويعلمون أن هذه الأباريق هي جزء من الرشى التي يمنحها أبو اسكندر للمصلين، شكرًا لهم، لحرصهم على توفير عمالة رخيصة له من المجانين، الذين يتقاضون رواتبهم الهزيلة، على شكل سجائر من النوع الرخيص، ولكنّها بالنسبة لهم كافية لتحفيز جين الجنون وإسعاده.
لم تسجل إلَّا حالات تذمر قليلة من المجانين، تجاه سلوك العقلاء، الّذي بدا وكأنَّ صلاتهم ليست إجراءً عمليًا وامتنانًا للسماء، وإنما طقوسًا، أهم ما فيها أنها تأخذ وقتًا، وتجعلهم يسترخون.
ينتحي رئيف مكانًا قصيًا بين أشجار الصنوبر الضخمة التي زرعت قبل أكثر من قرن، لاستقبال القيصر الألماني الّذي جاء فاتحا وممولاً لميتم الأيتام، قبل أن يحوّله الإنجليز، إلى ديرٍ للمجانين.
يعرف أولاد حارة الدير، مواعيد صلوات رئيف مثله تمامًا، فيتسلقون السور المرتفع، ويطلّون عليه، فقط ليضاحكونه، ويسألونه: لماذا لا يتجه بصلاته، مثلما يفعل العقلاء، ناحية الكعبة، فيجيبهم، الجواب الخالد، بعد أن ينهي صلاته، ويجلس على سجادته المهترئة، التي سرقها أحد الأولاد من منزله، وقدمهت باسم الأولاد إلى رئيف، بأنَّ كل الجهات، جهات الله، فكيف يمكن للإله أن يفضل جهة، من جهاته، على الأخرى؟
كبر الأولاد، وهم يتندرون دائمًا بنوادر رئيف ورفاقه، إلَّا أنَّ واحدًا منهم، وقد أصبح يؤذن في المسجد الّذي بُني في الحارة، من أموال تاجر خضار، في السوق المركزية، التي بناها رئيس بلدية كاره للمجانين، على أرض سلخها من الدير، اعتقد أن من مهام وظيفته، مراقبة الطرق الصحيحة للصلاة.
ابتدأ الولد الّذي أصبح شيخًا، وعاد من رحلاته الكثيرة إلى العمرة والحج، بأقراصٍ، تبين الطرق الصحيحة للحج، وهاله أنّه اكتشف خلال لقائه بجماعات دينية هناك تعلم الدين الصحيح، أنَّ الجميع في فلسطين لا يصلّون بالطريقة الصحيحة، وأنَّ عليهم، أنّ يغيّروا طريقة الوقوف والانحناء والركوع والسجود، علَّ الله، يغفر لهم، وإن كان ذلك غير مؤكد.
لم يهتم كثيرون بالولد الّذي أصبح شيخًا، ولا بأقراصه التي كان يوزعها كهدايا عودته من الديار الحجازية، فتذكّر رئيف، فذهب كما كان يفعل وهو طفل، وتسلق السور، ولكن هذه المرة بصعوبة، بسبب جلبابه الأبيض، غير المناسب لولدنات الطفولة، وعندما رأى رئيف، يفرش السجادة ذاتها، ويتجه عكس القبلة ليصلّي، صرخ عليه:
*أيها المضل، ألا تعرف كيف يصلّي المسلمون، لم يعاقبنا الله، إلَّا بسبب أمثالك؟
لم يلتفت رئيف للصارخ، وهناك احتمال أنّه عرفه وميّزه من صوته، وأجاب وهو يستعد للصلاة، مستظلاً بظلال الصنوبر:
-أنا مجنون أُصلّي بعكس العقلاء، وعندما يعاقبني الله، ويمنّ عليَّ بعقلٍ مثل عقولكم، سأصلّي مثلكم..!
لم تعجب إجابة رئيف، الولد الّذي نسي ولدنته القديمة، فاستمر بالصراخ. انحنى رئيف دون أن ينظر إليه، والتقط صرارة عن الأرض، وطيّرها، بعزمه، تجاه الصوت المزعج، وعاد لصلاته.