أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأربعاء، 10 يونيو 2009

رسالة من القدس

2

عندما كان عمره 6 سنوات، حدثت امور، كانت اكبر من قدرة الطفل الصغير على الاستيعاب، جاء جنود الاحتلال الى حارة الشرف في القدس، وطردوا سكانها، لتصبح الان حارة اليهود، كما يعرفها العالم كله.

كبر الطفل، وصورة ما حدث من تطهير عرقي، في تلك الايام الفارقة من تاريخ مدينة القدس، تعيشه، وعندما اصبح كاتبا وصحافيا، تفرد عن الصحافيين الفلسطينيين، بثقافته، واسلوبه، وزوايا تناوله لمواضيعه، والاهم من كل هذا فانه لم يكن هناك افضل منه للكتابة عن القدس، كت اتوقع ان يصبح محمد عبد ربه نجما في عالم الصحافة الفلسطينية، ولكن عالم هذه الصحافة لا يتسع الا للحزبيين، وزاد الامر خرابا ما فعلته حماس وفتح في الصحافة، وهو خراب لا يمكن اصلاحه ابدا.

بعد غياب التقيت محمد، وكان من الكرم ان وجه لي هذه الرساالة المفتوحة، عبر موقع امين الالكتروني (http://amin.org/articles.php?t=opinion&id=6640)، واخذت منه وعدا ان يكتب رواية (حارة الشرف)، واظنه اصبح الان وعدا ملزما، يشاركني فيه قراء ومحبي محمد.















 

 

الى صديقي أسامة.. من قال أنك فشلت؟!


بقلم: محمد عبد ربه
 


أخي وصديقي أسامة..
ها نحن نلتقي بعد عقد من الزمان.. أنت القادم من مخيم الدهيشة، وأنا الآتي من مخيم شعفاط المحاصر بالحواجز والمعابر والجدار..

جمعتنا المصادفة الجميلة في رام الله، وجمع شملنا لقاء في "شبكة أمين" مع زملاء آخرين وأحبة كثيرون لم نلتق بهم منذ زمن..


كان لقاء صدفة.. لكنه خير من ألف ميعاد.. فقد مضى على الغياب عقد من الزمان نأت القدس فيه  كثيرا عن بيت لحم، وعن مدن أخرى  كانت أقرب إلى بعضها من حبل الوريد..


رام الله يا صديق باتت خيمتنا، وملتقانا نحن الغرباء في وطننا المسلوب والمصلوب.. يفصل بين كل واحد منا حاجز وجدار ونقطة عبور وأسلاك شائكة تنهش الروح المثخنة برداءة المرحلة..


تمنيت يا صديق أن يطول اللقاء، وقد شاقنا هذا البعد والغياب، وبتنا أكثر شوقا لماض كان للحلم فيه معنى وقيمة، وللمودة دلالة صدق ووفاء..


كان الصمت يا صديق قاسمنا المشترك في جلسة الزملاء في "أمين"  حتى في ذروة التعليق الصاخب على مدونة زميلنا معين شديد والتي تصدرها خبر عن بريطاني يؤمن على مؤخرته، وأرفق الخبر بصورة حسناء رعبوب من العيار الثقيل...


وللصمت المشترك حكاية نعيشها بطقوس لا يدركها سوى وجع الراهن في حياتنا وواقعنا ينأى بنا عن قمع نعيشه يحاصر فرحنا المفقود، وقد تقدم بنا العمر وخط الشيب قلوبنا.. وكبرت العيال..


في اللقاء يا صديق حدثتني عن نجلك الأسير الفتى اليافع بعمر الورد والذي لم يبرح سن الخامسة عشرة.. وحدثتك بالقليل عن رزان التي ستمنحني بعد شهرين من الآن لقب جد لحفيدة أحسبها من الآن جميلة هادئة مثل أمها تماما.. وحدثتك أيضا عن وسام ولدي في سنته الجامعية الأولى، وكيف أن الزمان مضى بنا لنكبر فجأة  ويكبر الهم معنا...


في حديثك عن نجلك البطل كنت غاية في الحزن والتأثر حتى لمع الدمع في عينيك وتعطلت لغة الكلام، وكان ما استوقفني في الحديث عبارة قلتها "..هل فشلت؟".. أو هكذا خيل اليك من هول صدمة الاعتقال  لنجلك الأسير الذي حتما كنت تتمنى لو  كان ينعم  باللعب وتعلم الموسيقى .. لا أن يسجن أو يساق الى الحبس حيث يسام الناس هناك سوء المهانة والعذاب...


يا الله يا أسامة كم خجلت من نفسي وأنت تحدثني بحزن غير معهود.. أدركت عندها كم هو مؤلم وموجع فراق الولد.. وكم تؤلم قضبان السجن وقد سجر الأطفال فيها  بين جدران من الاسمنت لا يقاتلوننا الا من ورائها....


أدركت يا صديق أن الطفل الذي تباهينا به بالأمس وسميناه جنرالا هو طفل أولا.. وثانيا وثالثا .. وأخيرا


هكذا تحكي كل القوانين والشرائع .. الا قانون الاحتلال.. وفتاوى الحاخامات من شعب الله المختار..


قوانينهم وفتاواهم تلغي حق الآخر في أرضه وسمائه ومائه وهوائه... فنحن الأغيار، وهم المصطفون الأخيار...


انها حكايتنا يا صديق، وكل له حزن تنوء من حمله الجبال... وحزن القدس لا يعادله حزن...


وكل مقدسي هنا حكاية... والخيمة في القدس هي عنوان الحكاية...


نصحو يا صديق على هدير جرافة.. وتصحو القدس على نعيق طواقم الهدم، وعلى قرع أبواب منازلنا  ليلا أو في ساعات الفجر الأولى، والزائر الغريب ليس مجندا مدججا بالسلاح فحسب بل طواقم التفتيش  تبحث عما يمكن أن يكون دليلا على إقامتنا...


لم نعد نحرص على إخفاء ملابسنا الداخلية في ادراج خزاناتنا عن عيون محققي وزارة الداخلية أو  محققي التأمين الوطني، فتلك الملابس دليل على إقامتنا في القدس.. وهي وثيقة إثبات ومستند وجود.. تماما كما أن ورق التواليت المستخدم  للتو في سلال القمامة دليل وإثبات.. واليك الحكاية:


ذات يوم اشتكى صديق من دهم  مفاجئ لمنزله من قبل طواقم التفتيش تلك.. كانوا جردوه من إقامته، وأسقطوا عنه حقه في التأمين الصحي والعلاج، وكي يثبت إقامته وهو المولود في القدس القديمة قبل أن تسقط بأيديهم، كان لزاما عليه استقبالهم في بيته في أي وقت.. ليسوا بحاجة الى إذن منه.. الى أن حضروا ذات يوم وكانت الزوجة والأطفال فحسب...


ومما ترويه زوجته: "دخلوا غرفة نومنا، وقلبوا الملابس حتى وصلوا الى ملابسي وملابس زوجي وملابس أطفالنا الداخلية فأوسعوها تقليبا.. كان ذلك أول مستند حصلوا عليه ووثقوه.. ثم انتقلوا الى المطبخ.. تفقدوا  طعامنا في الثلاجة وتثبتوا  من أنه أعد حديثا، وحين أتموا جولة التفتيش في غرفة النوم  والمطبخ، توجهوا الى الحمام وبحثوا في ورق التواليت عن دليل طازج، فكان لهم ما أرادوا...ثم غادروا الى غير رجعة"...


يضيف صديقي: ".. كانت رحلة الآم امتدت أكثر من عامين قبل أن نتمكن من استعادة إقامتنا، وحقنا في مدينتنا التي تنام وتستيقظ على صفيح ساخن...."


لا أدري يا أسامة لماذا انفجرت بالكتابة والبكاء حين قررت أن أخط لك هذه السطور والكلمات...


قبل ذلك كنت في عقبة التوتة وسط سوق خان الزيت في بلدة القدس العتيقة أراقب جنودهم الذين ملأوا المكان، بينما المسن عبد الرووف احمد غوشه يذرف الدمع ويجهش بالبكاء وهو يرى نجله محمد  يهدم بيته المتواضع بيديه، فيما أطفال محمد الخمسة يتعربشون ثوب والدتهم مفزوعين مذعورين.. لم أتمالك نفسي فبكيت، وكان يزداد بكائي كلما سقطت حجارة البيت لتملأ المكان بالحزن والفاجعة وأحلام أطفال بلا منازل..


أكتب اليك يا صديق وقد عدت للتو من طريق الآلام حيث منزل المواطن خليل الهرتوني.. هذه المرة استجلبت البلدية طواقم هدم مستأجرة تتبع شركة "عوز"، غالبية طاقمها من فتية التلال.. كم كان موجعا رؤيتهم وهم يوسعون جدران الطوب في المنزل المتهالك ضربا بالشواكيش ثم يتبادلون التهاني بما ينجزون... وفي جوار الردم كان العائلة المقدسية تذوي حزنا وألما .. لا يشفع لها بكاء الأطفال....


وبين كل هذا الحزن والوجع.. وبين أمسنا في رام الله حيث التقينا، وحيث جمعت "أمين" الشمل بين من غيبوا كرها لا طوعا كنت الحاضر بحزنك ووجعك وبدمعك الساخن الخجول الذي حاولت أن تخفيه بغير جدوى.. حتى تمنيت لو كان بمقدوري أن أمنع الدمع من عينيك في زمن نحن أضعف فيه من أن نحمي طفولة أطفالنا، وأعجز من أن نمارس رجولتنا التي نتباهى بها فقط في المضاجع ...



عذرا يا أسامة،
فأنت لم تفشل، ونجلك خلف القضبان يولد من جديد ومعه  نولد ونخرج من الردم.. فحذار حزنك والرحيل...

وحذار أن تتخم لياليك على مدى عقوبة الحبس بالدمع الخجول ...


سلام عليك يا صديق.. وسلام لطفلك البطل الأسير.. والى موعد مع الشمس.. موعدنا في القدس نطل منها على المدن المحاصرة بالحديد والعبيد... والى لقاء.




* صحافي فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - m_abedrabo@yahoo.com


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق