لدى
الدكتورة نائلة الوعري، مزايا تجعلها تواصل مشروعها حول القدس العاصمة، كما تصر
على تسمية المدينة المقدَّسة، وهو ما يظهر دفق عاطفي، منها الحماسة، والدأب،
والسبل الأكاديمية، وهو ما يمكن لمسه في مجلدها الأخير: "مسيرة النضال الشعبي
في القدس العاصمة: 1917-2025"
تعتمد
الوعري، على عديد كبير من المراجع، من كتب، وصحف، وسجلات محاكم، ومجلات، لتؤكد أنَّ
القدس لم تتوقَّف عن النضال والمواجهة، خلال الاحتلالات المتعاقبة للمدينة، منذ
حملة إبراهيم باشا الشامية، على الأقل (1834م) حتى الآن. لكنَّها، ربما لخيارات
سياسيَّة، تتجنب الفترة الفوَّارة والحسَّاسة خلال نحو عشرين عامًا في الحقبة الأردنية
والتي كانت فيها القدس وبيت لحم ونابلس ورام الله، من مراكز النضال الشعبي وربما
أيضًا المسلح (قاسم الريماوي في رام الله مثلًا) والوجود المصري (في بيت لحم،
والخليل، وغزة مثلًا)، ومناوشات المنظمات الفدائية منذ منتصف الستينيات ووضع قنابل
في مؤسسات عامَّة. وأدت إلى اغتيال الملك عبد الله في المسجد الأقصى بمسدس خيَّاط،
أعتقد أنَّ هذه الفترة الحسَّاسة، تحتاج للكثير من البحث. من الجيد صدور العديد من
السير، من أهمها لعمر الصالح البرغوثي، ويعقوب زيادين، وبهجت أبو غربية، وعارف
العارف، وعبد العزيز العطي، وجودة شهوان، وداود الحسيني، وأحمد الشقيري، وعبد الله
التل (قبل انتقاله إلى الجانب الآخر). من المؤسف قلة السير لموظفين ومسؤولين في
الجانب الرسمي، ومنها لأنور الخطيب، ورجل المخابرات: سامي السماعين، وعدنان أبو
عودة، وكامل عريقات، وعيسى البندك، وأنور نسيبة، وحسين الخالدي، وأعتقد أن من أشرف
على نشرها، الدكتور رفيق الحسيني، جعلها باهتة، وربما عديمة الاهمية، ويبدو أن سبب
ذلك الحذف، لأسبابٍ قد تكون سياسية. لا شك بوجود غيرها ولكنَّني لم أطلع عليها.
ممن
تناولوا تلك الفترة أستاذي محمد أبو شلباية، كتب كشاهد عيان، ليس فقط لما قبل الاحتلال الحزيراني، ولكن أيضًا
حول الحراك الصحفي في سنوات الاحتلال الأولى. كتابه: واحسرتاه يا قدس، مهم.
من
نتائج تلك المرحلة أيضًا ارتقاء نحو 5 آلاف شهيد (المرجع إيلان بابيه) مما سمُّوا
متسلللين. ماذا عن التوغلات الاحتلالية التي أسفرت عن مجازر قبية، ونحالين،
والسموع مثلًا، وأدت معركة السموع، إلى اندلاع انتفاة شعبيَّة، عشية الاحتلال الثاني
في حزيران 1967.
لا
يتوقف جهد الوعري على الكتابة والبحث والتنقيب، لكنَّها تحرص على إيصال كتبها
للجمهور الواسع، فهي ترفض بيع كتبها، لإيمانها بدور معين للثقافة، وفيما يتعلق
بالقدس، فهو أيضًا، برأيها، فعل نضالي.
يطرح
كتاب الوعري الجديد والمهم، بالنسبة لي العديد من الأسئلة، خصوصًا حول المنهجية،
في وسط إيناع الحالة التأريخية، التي لا تقتصر على مؤرخين، ولكن أيضًا على مدعين
وهواة. وأيضا في التأمل في هذه الحالة، ومحاولة فهم خريطتها، ومناهجها.
نجد
جهود الدكتور عادل منَّاع، بمنهج متطور، ضمن حالة استفادت من جهود تأسيسية، من
روَّادها إحسان النمر، في جهوده التأريخية لمرحلة لم تكن فيها فلسطين معزولة عن
محيطها، كما في عمله جبل نابلس والبلقاء، والرائد الألمعي رفيق التميمي، وعارف
العارف، وأكرم زعيتر، وسامي هداوي.
يبزر
أيضًا دور وجهد العزيز جوني منصور، الذي جهد ليتقدم خطوات، وبشكل واع، كما استنتجت
من أحاديثي معه، على مواطنه الحيفاوي إميل توما، إلى رحاب أوسع من الأدوات
الماركسية التاريخية. لتوما الكتاب التأسيسي: جذور القضية الفلسطينية، وهو كتاب
تثقفت عليه أجيال من الفلسطينين، أنا منهم. يعرف الدكتور منصور تقديري له، لكنَّه
أحيانا، ومن ضمن سعيه لتشجيع أجيال جديدة، يساهم في فعاليات لا تليق بمستواه. أيضا
سليم تماري وخضر سلامة، وبشير بركات، وخيرية قاسمية، ورشيد الخالدي.
من
الأجيال التالية، يمكن أن تزهو بتقديم أسماء جديدة، كالمفكر خالد عودة الله، وسميح
حمودة، والعزيز المميز الدائب بلال شلش، وأمين أبو بكر، وأحمد عز الدين أسعد،
والدكتور أسامة الأشقر، وتيسير خلف، وأحمد الحروب، ومتري الراهب، وجوزيف مسعد،
وروعي مروم، وأباهر السقا، والقائمة قد تطول، وقد لا أكون على بينة منها.
يمكن
الاشارة أيضًا إلى مجموعة من المؤرخين الحزبيين، كالدكتور أحمد جميل عزم، ومعين
الطاهر، وغيرهما ممن تنبهوا، أن التيار السائد في حركة فتح الآن، ربما في قطعية مع
تاريخ الحركة، فوجدوا أن عليهم التذكير بمؤسسيها الذين قد يغفلهم التاريخ.
ولا
شك أن جهود، عزم، والطاهر، تحديدا، أقفز من جهود حزبية سابقة، كخليل البديري، في
تأريخه للحركة الشيوعية، وكذلك ماهر الشريف، وسليمان بشير، والمؤرخ غير الخزبي
سميح سمارة، الذي امتلك الشجاعة فأثبت مقدمة إميل حبيبي التقريعية له وهو يؤرخ
للحركة الشيوعية في فلسطين.
أحيِّ،
الدكتورة، نائلة على انجازها الجديد، الذي شرع للأسئلة وذكّر بآخرين، وكما عهدناها
دائمًا، فإننا ننتظر جديدها دائمًا.
#نائلة_الوعري
#المؤسسة_العربية_للدراسات_والنشر
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق