

الصحافيون غاضبون من مؤتمر الاستثمار الفلسطيني..
وخلال اجتماع لهم مع رئيس اللجنة المحلية للمؤتمر قالوا بانهم خدعوا من قبل حسن ابو لبدة الرئيس التنفيذي للمؤتمر حول حجم المشاركة الاسرائيلية فيه.
خلال اجتماعه معنا، قبل عقد المؤتمر، قال ابو لبدة انه سيشارك في المؤتمر 5 اسرائيليين، ولكن خلال ايام المؤتمر الثلاثة الامر كان مختلفا كثيرا..
كاس في صحة الزملاء..وخيرها في غيرها..
الصورة:
ح. عبد الجواد، أ.العيسة، ع.مناع خلال المؤتمر.
في الثامن من شهر أيار (مايو) الجاري، وقف الحاج محمود عبيد، في مهرجان نظم في مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين، لتدشين اكبر مفتاح في العالم، ليلقي كلمة في الذكرى الستين للنكبة، ويسلم أحفاده مفتاح منزله في القرية التي شرد منها عام 1948، ويوم أمس الأحد في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، عاد إلى مكان لا يبعد سوى أمتار قليلة عن المكان الذي جرى فيه الاحتفال، ولكن هذه المرة محمولا على الأكتاف، ميتا، عن عمر تجاوز الـ 110 سنوات، في جنازة مهيبة، ليرقد في مقبرة قبة راحيل التي لا يفصلها سوى شارع صغير عن مخيم عايدة.
وفي المشوارين، قطع الحاج عبيد المكني بابي إبراهيم، نفس المسافة، في المرة الأولى، سار اكثر من 7 كيلو مترات من مخيم الدهيشة الذي يعيش فيه، مشيا على الاقدام، في مسيرة العودة المركزية، وهو يحمل مفتاح منزله الذي تركه في قرية بيت إعطاب، غرب القدس، إلى حيث تم وضع ما وصف بأنه اضخم مفتاح في العالم وطوله عشرة أمتار ووزنه 2 طن، وفي المشوار الثاني، قطعه محمولا، من قبل محبيه، الذين انطلقوا به من منزله في مخيم الدهيشة ليرقد رقدته الأخيرة، وسط الكثير من المشاعر الجياشة.
ومنذ سنوات تحول عبيد إلى ما يشبه الوثيقة التاريخية التي تسير على قدمين وتعبر عن مأساة شعب طالت معاناته، واصبح القاسم المشترك، في جميع النشاطات التي تنظم حول القضية الفلسطينية، وخصوصا حق العودة.
وكانت حيوية أبو إبراهيم، مثار إعجاب دائم، حيث تمتع دائما بروح شابة، وقدرة على الحكي، خصوصا عن قريته التي دمرت واقيمت عليها مستوطنات يهودية، وتحولت إلى مرفق سياحي واثري، يقصده الاسرائيليون.
ورغم انه يسكن في مخيم لا يبعد اكثر من نصف ساعة بالسيارة عن قريته، إلا أن إجراءات الاحتلال حرمته من زيارتها، أو تنفيذ حلمه بان يدفن فيها.
وبالإضافة إلى مفتاح منزله في قريته، ظل أبو إبراهيم يحتفظ بمتعلقات أخرى، تذكره بقريته، تمكن من إخراجها معه في عام 1948.
وتعرض أبو إبراهيم إلى صدمات عديدة خلال 60 عاما من رحلة اللجوء القاسية، وتعرض منزله في مخيم الدهيشة مرات كثيرة ولا تحصى لاقتحامات قوات الاحتلال الإسرائيلي، واعتقل العديد من أبنائه وأحفاده، لفترات متفاوتة في السجون الإسرائيلية، ولكن أقصى صدمة تعرض لها كانت استشهاد حفيده كفاح (10 سنوات) قبل ست سنوات برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي، قرب قبة راحيل، في المكان الذي دفن فيه الحاج أبو إبراهيم.
واخر النشاطات التي شارك فيها الحاج ابو إبراهيم كانت مسيرة العودة، حيث سار متقدما الصفوف، حاملا مفتاح منزله، الى جانب مفتاح العودة الضخم المحمول على شاحنة، وسط اهتمام من وسائل الإعلام به، وبعد الوصول إلى مكان انعقاد المهرجان وتثبيت مفتاح العودة الضخم، كان الحاج إبراهيم هو المتحدث الرئيس، الذي أوصى الجيل الجديد بالتمسك بحق العودة، وتحدث عن مدى شوقه لقريته ولكامل التراب الفلسطيني، ثم سلم مفتاحه الذي احتفظ به 60 عاما لأحفاده، بالإضافة إلى الأوراق التي تثبت ملكية الأرض.
وتوفي أبو إبراهيم، نتيجة جلطة مفاجأة، وهو في منزله، يقوم بواجب الضيافة لزواره، وسقط على الأرض فجأة وهو يسكب في كؤوسهم مشروبا غازيا.
يحسب للباحث فراس السواح، الكثير، وكذلك للدكتور كمال الصليبي، ومن ذلك قدرتهما على الوصول الى جمهور واسع من القراء، وجعله يهتم بقضايا عادة لا تشكل جزء من اهتمام الراي العام العربي.
ولكن ما يحدث على صعيد دراسة المواضيع التي يتصدى لها كل من السواح والصليبي، ان الاثنين يتحدثان عن مواقع لم يزوراها، ولم ينقبا فيها، وان كان ذلك غير مهم، فلا يمكن فهم الكتابة عن مكان لم يزره الباحث، واذا تم تفهم ذلك، فان من الصعب فهم التعصب والمحاججة وعبارات الحسم التي تميز كتاباتهما.
قرات مؤخرا كتاب السواح (الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم) وفيه يحاجج الصليبي صاحب نظرية (التوراة جاءت من جزيرة العرب).
ورغم اعجابي بداب السواح، وسعيه لاثبات بطلان نظرية الصليبي، الا انه اثار شفقتي وهو يتحدث عن الاماكن التي تم فيها التنقيب الاثاري في فلسطين، لاثبات نظريته.
لا اعتقد انه توجد اية اهمية لاية دراسة، او بحث، او حتى خبر صحافي، دون عمل ميداني دؤوب، وهو امر لم يرتقي له الباحثون العرب، ولا اظن انهم سيصلون اليه في وقت قريب.
ساشير فقط الى عبارة مستفزة وردت في كتاب السواح عن سبسطية (السامرة) يمكن للقاري ان يعجب لعبارات الحسم فيها "وقد جاءت نتائج التنقيب الاثري في موقع السامرة في اتفاق مع الرواية التوراتية، فمدينة السامرة، هي الموقع الوحيد في فلسطين الذي بني على التربة العذراء دون طبقات اثارية سابقة عليه".
لو ان السواح زار المكان، زيارة عابرة، لاكتشف كم هول الجريمة التي ارتكبها بالبعد عن العمل الميداني، والارتكاز الى سلسلة مقاربات منطقية.
وبالنسبة لأحمد عبد العزيز فانه كان يعلم، أن قرار بعض الحكومات العربية إرسال جيوشها إلى فلسطين لم يكن المقصود منه الدفاع عنها، إنما "لذر الرماد في العيون" كما يقولون، لذا كان يعلم أيضا أن التحدي الذي ينتظره هو وفرقته الصغيرة: كيف يدافعون فعلا عن الحق العربي؟
وما أن وصل احمد عبد العزيز إلى بيت لحم، حتى بدا باستكشاف الخطوط الدفاعية لعدوه المتمثل في العصابات الصهيونية، التي تمتد من (تل بيوت) و(رمات راحيل) في الجهة الشرقية الجنوبية للقدس، حتى مستعمرات (بيت هكيرم) و(شخونات هبوعاليم) و(بيت فيجان) و(يفنوف) ونشر قواته مقابلها.
ووضع عبد الله التل القوات الأردنية في كل المنطقة تحت تصرف احمد عبد العزيز، لإيمانه بـ "وطنيته وإخلاصه".
وبدأ احمد عبد العزيز بشن هجوماته التي وصفت بالبطولية ومنها معركة مستعمرة (رمات راحيل)، وكانت هذه المستعمرة تشكل خطورة نظرا لموقعها الاستراتيجي الهام على قرية صور باهر وطريق القدس-بيت لحم، لذا قرر احمد عبد العزيز احتلال المستعمرة وقاد هجوما عليها يوم الاثنين 24/5/1948م بمشاركة عدد من الجنود والضباط والمتطوعين الأردنيين.
بدأ الهجوم بقصف المدافع المصرية للمستعمرة، بعدها زحف المشاة يتقدمهم حاملو الألغام الذين دمروا اغلب الأهداف المحددة لهم، ولم يبق إلا منزل واحد احتمى فيه سكان المستعمرة.
وحين انتشر خبر انتصار احمد عبد العزيز، بدأ السكان العرب يفدون إلى منطقة القتال لجني الغنائم، وانتقلت العدوى للمقاتلين، وذهبت جهود احمد عبد العزيز في إقناع الجنود بمواصلة المعركة واحتلال المستعمرة أدراج الرياح، وأصبح هدف الجميع إرسال الغنائم إلى المؤخرة.
ووجد احمد عبد العزيز نفسه في الميدان وحيدا إلا من بعض مساعديه، كما حدث للنبي العربي، في عصر قديم حين تخلى عنه صحبه في معركة (أحد)، وكما تغيرت نتيجة المعركة التي قادها النبي العربي، وصلت التعزيزات لمستعمرة رمات راحيل وقادت العصابات الصهيونية هجوما في الليل على احمد عبد العزيز وصحبه الذين بقوا، وكان النصر فيه حليف الصهاينة، وكان على العرب الوقوع في نفس الحفرة، على الأقل، مرتين..!
ويذكر عبد الله التل باعتزاز، مواقف احمد عبد العزيز البطولية الكثيرة وتعاونه معه، ولم يمهل القدر احمد عبد العزيز، ليرى ما حدث لفلسطين، فعندما كان في طريقه بصحبة اليوزباشي صلاح سالم (أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد) إلى القيادة المصرية في المجدل ليلة 22/8/1948م، ووصل بالقرب من مواقع الجيش المصري في الفالوجة، أطلق أحد الحراس، وهو العريف بكر الصعيدي، النار على سيارة الجيب التي كان يستقلها احمد عبد العزيز، بعد اشتباهه في أمرها، فأصابت الرصاصة صدر "البطل احمد عبد العزيز" كما يوصف، والذي ما لبث أن قتل.
ويقول عبد الله التل في مذكراته "بوفاته خسر الجيش المصري، لا بل الجيوش العربية قائدا من خيرة قادتها".
ويورد التل نص برقية أرسلت إليه من اليوزباشي كمال الدين حسين، باسم الجنود والضباط المصريين، يشكره فيها على مواساتهم باستشهاد قائدهم، ويعده بالسير على درب البطل الشهيد، ويعلق التل على ذلك "وقد بر الضباط المصريون بوعدهم وساروا في الطريق الذي رسمه احمد عبد العزيز، وإذا كانت مؤامرات السياسة في قضية فلسطين قد حالت دون تحقيق أهداف الضباط والجنود الأبرياء فليس الذنب ذنبهم".
وفي كتابه (العروش والجيوش) الذي عرض فيه، محمد حسنين هيكل، ليوميات حرب عام 1948م، تظهر الكثير من صور بطولات احمد عبد العزيز والمتطوعين.
ويكتب هيكل عن منع وزارة الحربية المصرية لأي صحافي مصري من التواجد في مناطق عمل القوات المصرية، وتصميمها على أن تحصل الصحافة المصرية على ما تحتاجه من معلومات من إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة.
ويذكر انه تمكن ومصور صحيفة (أخبار اليوم) من الوصول إلى قوات احمد عبد العزيز في بيت لحم والخليل مشيا على الأقدام عن طريق القدس، وكيف أن الرقابة العسكرية حذفت كل كلمة وكل صورة، وتم رفع الموضوع إلى وزير الحربية محمد حيدر باشا، الذي وافق في النهاية على نشر خمس صور "كانت بينها الصورة الشهيرة لأحمد عبد العزيز، وكانت تلك الصورة هي المرة الأولى التي رأى فيها الناس وعرفوا شيئا عن الرجل الذي أطلقوا عليه وصف "البطل"، ولولا أذن الفريق حيدر باشا لما عرف الناس شيئا على الإطلاق عن احمد عبد العزيز، لان الرجل ما لبث أن قتل برصاصة مصرية طائشة أطلقها جندي مصري في موقع على طريق بيت جبرين قبل أن تتاح له الفرصة للعودة للقاهرة".
وفي مكان أخر كتب هيكل "كان احمد عبد العزيز قد قتل في عملية طائشة إذ أراد أن يبحث الموقف حول القدس مع قيادته في المجدل، ولم تكن علاقة احمد عبد العزيز مع القائد العام في المجدل وهو اللواء محمد احمد المواوي جيدة. فمن ناحية كان احمد عبد العزيز يعتبر قائده العام تقليديا أكثر مما يجب، وفي الوقت نفسه فان اللواء المواوي كان يعتبر احمد عبد العزيز مغامرا اكثر مما يجب، وبعد استشهاد احمد عبد العزيز، فقد عين على راس قوة المتطوعين بدلا منه ضابط أخر هو القائمقام عبد الجواد طبالة".
وأشار إلى انه "من سوء الحظ أن هذا الرجل لم يعد إلى الوطن فقد استشهد بعد شهرين من بدء القتال، وكان محتملا لو انه عاش أن تكون لحياته قصة أكثر إثارة من قصة بطل مصري استشهد خطأ برصاص مصري".
وعندما استشهد احمد عبد العزيز بتلك الطريقة المفجعة كانت قرية عراق المنشية تخوض معاركا ضد العصابات الصهيونية توسعت فيما بعد إلى الفالوجة، وما زال البعض ممن عاش تلك الفترة يذكرون دبيب أقدام أولئك المقاتلين سواء كانوا من المتطوعين أو من الجيش النظامي المصري.
ونسجت هالات أسطورية على بعض هؤلاء مثل اللواء سيد طه وهو صعيدي من أسوان عرف عنه صلابته ومشاعره العروبية الدافقة وكان يلقب بالضبع الأسود أو ضبع الفالوجة.
كان اللواء طه قائدا لكتيبة المشاة المصرية السادسة المرابطة في عراق المنشية وبإمرته أيضا كتيبتين مرابطتين في الفالوجة على بعد 3 كيلو مترات عن عراق المنشية، وكان من بين ضباطه جمال عبد الناصر والصاغ يوسف السباعي الأديب الرومانسي المعروف فيما بعد.
خاض سيد طه مع جنوده معركة الدفاع عن عراق المنشية مع أهلها وكان لبعضهم مثل المختار خالد الطيطي تأثيرا على الضباط المصريين حتى أن جمال عبد الناصر أسمى ابنه البكر فيما بعد على اسم المختار خالد الطيطي الذي ربطته صداقة عميقة مستمرة مع عبد الناصر الذي أصبح فيما بعد ما أصبح.
وخلال معركة عراق المنشية خاض سيد طه معركة شرسة مع العصابات الصهيونية وأيضا دخل في مفاوضات، وكان من نتيجتها سحب قوات له من عراق المنشية لتعزيز قواته في الفالوجة، وعندما بدأت قوات سيد طه بالانسحاب تدفق المستوطنون اليهود وأفراد العصابات الصهيونية مبتهجين على المواقع التي أخلاها رجال طه، دون أن يدروا ما كان يخبئه لهم طه، الذي أمر رجاله بفتح أسلحتهم تجاه أفراد العصابات تلك الذين سقط منهم الكثيرون، وكان ذلك سببا في إطلاق لقب الضبع الأسود على طه من قبل قائد في تلك العصابات سيكون له شان فيما بعد وهو اسحق رابين، وهذا حسب إحدى الروايات عن سبب تسميته بهذا الاسم الذي لصق به حتى أن الأديب الشهير عباس محمود العقاد نظم قصيدة في مواطنه سيد طه بدأها بالقول "أقام بها الضبع الأسود..".
وربما تكون معركة عراق المنشية اقل شهرة في الأدبيات التي أرخت لتلك الحرب ودور المصريين فيها وكان التركيز على قرية الفالوجة التي حوصر فيها الضبع الأسود مع رفاقه، وخاض معاركا شرسة رغم اختلال توازن القوى وخذلان السياسة للرجال، فبعد حصار ومقاومة القرية ضاع كل شيء بعد اتفاقيات الهدنة، وتسليم القرية وتهجير العصابات الصهيونية لسكانها.
وكتب كثيرون عن معركة الفالوجة تلك خصوصا لأنها ارتبطت باسم أصبح مشهورا فيما بعد وهو جمال عبد الناصر وتوارى مشهد سيد طه في الاعلام والكتب والدراسات لسبب بسيط أن الأضواء كانت مسلطة، وهذا طبيعي، بقوة على عبد الناصر الذي ملا المسرح المحلي والإقليمي والدولي بحضوره الطاغي.
أما الوجدان الشعبي فبقي به مكانا لسيد طه، وجاء شاعر شعبي من قرية الفالوجة نفسها هو عبد العزيز كتكت وكتب قصيدة شعبية عن ذلك البطل جاء فيها:
محمود طه حماة الدار
ياما ذبح من الكفار
بالقنبلة وقيزان النار
ولما صاروا مكومين
ولا بد من الإشارة إلى أن قيمة هذه الأزجال، التي نشرنا المقطع الاول منها، هو في أدائها، وتلحينها البدائي العفوي وترديدها من قبل ناسها.
ويلاحظ فيها معانيها الكلاسيكية واستحضارها لتراث الغزوات والفزعات والموروث الديني، ويوجد في هذه الأزجال نقد ثاقب لما يمكن تسميته بالإدارة السياسية للمعارك في عام 1948 عندما يشير إلى القبول بالهدن في حين يستمر الطرف الآخر بالضرب بالطائرات وبالنار، وفي الواقع فان العصابات الصهيونية استغلت إبرام الهدنة الأولى والثانية أحسن استغلال لصالحها.
وما حدث في ذلك اليوم في الفالوجة، كان له تداعياته الكبيرة فيما بعد، حين أصبح البكباشي جمال عبد الناصر أحد المحاصرين في الفالوجة آنذاك، قائدا لإحدى أهم الثورات العربية المعاصرة بعد ذلك بعامين، وكان ما حدث معه ورفاقه في تلك القرية الفلسطينية، التي اخذت اسمها، من رجل صوفي حط فيها قادما من الفالوجة في العراق، دافعا رئيسا لكي يقرر أن المعركة قبل أن تكون مع الصهاينة يجب أن تكون هناك في الداخل مثلما قال احمد عبد العزيز لصلاح سالم عضو مجلس قيادة ثورة عبد الناصر قبل ساعات من استشهاده في فلسطين:
"النضال الحقيقي ليس هنا ميدانه، لا تنسى هذا، النضال الحقيقي ميدانه مصر بالذات".
وهذا ما حدث ولكن لم يقدر لقصة عبد الناصر، أن تبلغ نهايتها المرتجاة، لاسباب ذاتية، تتعلق بطبيعته وصحبه العسكرية، واخرى اقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وفي الموروث الشعبي الفلسطيني، توجد أماكن كثيرة في فلسطين، مرتبطة ببصمات للأنبياء أو الأولياء، على الصخور، مثل آثار الأيدي، والرؤوس، والأقدام وغيرها.
وتتدفق مياه العين، لتتجمع في بئر اسمنتي، يعود لأسرة من عائلة البربراوي، ومنه يتم سحب المياه، كهربائيا لري الأراضي الزراعية في المكان، التي يقدرها نهاد نبيل البربراوي، بمساحة أربعة دونمات، يتم زراعتها على مدار العام، بمنتجات مختلفة، مثل القرنبيط، والفاصوليا، والبندورة، وغيرها.
وتحظى هذه العين بشهرة، لاعتقادات تتعلق بقدرة مياهها على الشفاء من الأمراض الجلدية، مثل الصدفية، والجدري، باعتبار أنها ساهمت في شفاء النبي أيوب نفسه من أمراضه المتعددة التي تحدثت عنها القصص الدينية.
ويذكر نهاد البربراوي، بأنه يأتي إلى العين أناس من مختلف المناطق الفلسطينية، لاستغلال ما يعتقدونه من ميزات شفائية لمائها، فيغتسلون بها، وليس من النادر، رؤية بعضهم، وهو يضع غطاء على موقع العين، عادة ما يكون شادرا، لكي يتمكن المريض أو المريضة من الاستحمام بماء العين، بعيدا عن أعين المتلصصين، ومن بينهم جنود الاحتلال في البرج العسكري.
ويعتقد الطفلان محمود وفراس كرجة، بان اغتسال المريض بالجدري بماء هذه العين، لا يضمن الشفاء فقط، بل عدم الإصابة بهذا المرض إطلاقا، ويؤكدان ذلك بما حدث لأخيهما الأكبر سنا نائل، الذي شفي من الجدري بعد اغتساله بماء العين.
وتقع هذه العين، في منطقة زراعية، ولكنها تشهد نموا عمرانيا ملحوظا، وان كان ليس كبيرا، أدى إلى بناء مسجد في المنطقة عام 2000، أطلق عليه اسم مسجد النبي أيوب.
وبناء المسجد، ليس التطور الوحيد الذي حدث في المكان، فبعد إغلاق شارع القدس-الخليل، المؤدي إلى حلحول، من قبل سلطات الاحتلال، تم افتتاح طريق آخر التفافي، تبعد العين عنه نحو 50 مترا.
وبسبب الموقع الاستراتيجي لبلدة حلحول التي ترتفع نحو 1027 مترا عن سطح البحر، وهي بهذا أعلى منطقة مسكونة في الأراضي الفلسطينية سواء تلك
وخلال انتفاضة الأقصى، كانت هذه المستوطنة مسرحا لإحدى العمليات الفلسطينية التي توصف بالجريئة، عندما اقتحم الشاب احمد بدوي المسالمة، الذي خطط ونفذ عدى عمليات فدائية سابقا، متنكرا بزي جندي إسرائيلي المستوطنة يوم 8-6-2002.
وتمكن المسالمة، من قتل مستوطنين وجندي واصاب آخرين، حسب المصادر الإسرائيلية، وصمد في وجه التعزيزات التي استدعيت للمستوطنة واخيرا تمكن أحد الجنود من قتله.
وشكلت هذه العملية مع عمليات أخرى إلهاما لآخرين من المجموعات الفدائية لتنفيذ عمليات وصفت بالنوعية في المستوطنات التي تحيط بالخليل.
وردا على هذه العملية، تم إقامة بؤرة استيطانية جديدة في المكان بتاريخ 10-7-2002، أسميت (كرمي تسور دروم).
وعين أيوب في حلحول، ليست إلا واحدة من ينابيع وابار عديدة، يعتقد الفلسطينيون بان النبي أيوب قد استحم فيها وشفي ومنها مثلا: حمام الشفا في القدس، وبئر أيوب في سلوان، وعين النبي أيوب في راس كركر، وعين النبي أيوب في خربثا، وعين النبي أيوب وبئر أيوب في دير أيوب، وعين أيوب شرق خربثا، وجميع هذه المناطق تقع بين مدينتي رام الله ونابلس.
ويذكر الدكتور توفيق كنعان في كتابه عن الأولياء المسلمين في الأراضي المقدسة الذي صدر بالإنجليزية عام 1927، بان أهل غزة يعتقدون بان النبي أيوب "قد شفي تماما عندما استحم بمياه البحر يوم الأربعاء الذي يسبق عيد الفصح اليوناني، ويسمى أربعة أيوب أو ابرية أيوب، وفي يوم الأربعاء المذكور يتم إحضار كل الغنم المصابة بالمرض إلى البحر لتغسل".
ولا شك انه يقصد بعيد الفصح اليوناني، عيد الفصح لدى الأرثوذكس، وهم في فلسطين أغلبيتهم من العرب، ولكن تسيطر الأقلية اليونانية من رجال الدين على مقدرات طائفتهم.
ولا يعرف إذا كان مثل هذا التقليد ما زال متبعا في غزة أم لا؟، وهي التي يتعين عليها الان ان تتحلى بصبر أيوب، اكثر من الاهتمام بالتقاليد الطبية المنسوبة إليه.
http://www.elaph.com/ElaphWeb/Reports/2008/5/330977.htm