أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 14 يوليو 2019

في الدهيشة الحرّة..!











رحبت بالكتّاب العرب، المؤتمرين في ملتقى فلسطين الثاني للرواية العربية، في جمهورية الدهيشة الحرّة، وبالحضور من فلسطينيين، وعرب، وكورد، وأشوريين، ومسلمين، ومسيحيين، ويهود (صديقة المخيم عميرة هس)، ولا دينين، وملحدين.
من الجيد أن الندوات، تلتئم في الأمسيات، وإلَّا لكنّا في معضلةٍ كبيرة، ففي صباح يوم الندوة، استيقظت على لعلعة رصاص الاحتلال، الذين شنوا غارة على المخيم، وأصابوا اثنين بالرصاص الحيّ في حارتي.
رغم المناخ الذي خيّم على مكان انعقاد الندوة، في قاعة أسر الشهداء، حيث يستمر الاعتصام تضامنًا مع الأسرى الإداريين، إلّا أن ذلك لم يمنع الالتزام بموضوع الندوة عن الترجمة وسؤاليها المعرفي والجمالي، الذي تداخل فيه الأعزاء الدكتور إبراهيم أبو هشهش، والكاتب السوري خليل النعيمي، والكاتب السوري الكردي حان دوست.
الخبر الرسمي الذي نشر عن الندوة، بدا غريبا، بالنسبة لي، فهو جاء على شكل (استقبل وودع)، وكأنَّ مَن جاء مِن أقاصي الأرض من كتّاب، على حساب ميزانية السلطة المزعزعة، لم يجيء من أجل الأسئلة المعرفية والجمالية، وإنما ليكونوا، هوامش في خبرٍ بائس، لن يثير اهتمام أحد.
ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة على المستوى الثقافي، الرسمي وغير الرسمي، أمر غير مريح، حيث تتراجع بشدة صورة المثقف المستقل، لصالح تلك الرؤى التي تجعل من الثقافة، فقط، وسيلة للصعود في سلم المناصب.
ما يقلقني فعلاً، بعد حضور أمسيات عديدة خلال الأشهر الماضية، نظمت من قبل مؤسسات يفترض إنها أهلية، هو الكم الهائل، من المجاملات، ومسخ الجوخ، ولا أعرف ما هي الرسالة التي يمكن أن يتلقاها، الجيل الناهض. كيف يمكن للمرء أن يغسل الأدران التي تعلق به من خطابات إسفلتية وإسمنتية؟
نريد ثقافة نقدية، تسائل، وهذا لا يمكن أن يطلع به مثقفون فلسطينيون وعرب، ما يهمهم إلَّا نشر صورهم مع وزراء وزعماء.
قد يكون هذا أي شيء، إلا أن يكون ثقافة. يقال عادة في المثل الشعبي الفلسطيني: "إن خليت بليت" ولكن هذا، مع الأسف لا ينطبق على الواقع الثقافي، فالاستثناءات نادرة جدًا.
هل الثقافة هي فعلاً، حصننا وملاذنا؟

السبت، 13 يوليو 2019

أكفان دير البلح..رحلة مستمرة..!









في مدخل قاعة العرض الرئيسة في متحف إسرائيل، تنتصب الأكفان التي عُثر عليها بعد احتلال حزيران 1967 في مدينة دير البلح في ما أصبح يعرف بعد النكبة بقطاع غزة، وسُرقت، كما حدث مع آلاف القطع الأثرية الفلسطينية والمصرية والعربية، لتستقر أخيرًا في مدينة القُدْس، في المتحف الذي يعتبر مفخرة دولة الاحتلال الثقافية.
لا يبدي الحراس في المتحف، أية ردود أفعال، بينما أعينهم متيقظة، وهم يرون الزوّار يلتقطون الصور مع الأكفان الجاذبة للاهتمام. يبدون تراخيًا مقصودًا في تطبيق منع التصوير في المعرض، بخيلاء المنتصر، غير المبالي وغير الخائف من مواقف رافضة أو منددة بسرقة الأكفان.

الجمعة، 12 يوليو 2019

تباريح جندي لم يحارب..!



بحث يوسف الرطاسي، عن عدو يحاربه، فوجد نفسه مهزومًا، على الضفة الشرقية لنهر الأردن، قرر أن يخوض حربه الخاصة، فانضم للفدائيين، وعاد ليمضى في السجن 15 عامًا.
سرت ويوسف، الاف الخطوات في ساحة المهد، وما زلنا، ومرّة واحدة، قرّر أن يروي حكايته. وعندما صدرت الرواية، كاد أن لا يعرف نفسه فيها.
غدًا الساعة السادسة، في مكتبة تنوين، نقاش لرواية جسر على نهر الأردن، سيحللها سعدي العيسة.

فلسطينيون وكورد..!





تحمس الكاتب جان دوست، بالحفاوة التي حظي بها في المكتبة الخالدية بالقُدْس، وذكّر بما قاله محمود درويش لصديقه سليم بركات: "ليس للكردي إلَّا الريح".
قال دوست، العابر للهويات، أو فسيفسائي الهويات-كما وصفته الدكتورة ريم غنايم: "لا يا محمود درويش، فللكردي الفلسطينيون".
تحدّث دوست عن تحقيقه لمعجم اللغة الكردية، الذي وضعه ضياء الخالدي، وطبع في اسطنبول عام 1892، وعن أهمية ما فعله هذا العربي الفلسطيني، للغة الكردية، وعن علاقته باللغة العربية، التي وصفها بأمه بالرضاعة.
ومثلما هو الحال في الأوطان العربية، فان وزير الثقافة في إقليم كردستان، لم يوافق على طباعة المعجم، بحجة ضعف الإمكانيات المالية، فاضطر دوست، إلى طبعه في اسطنبول، بطبعة محدودة.
استذكر الحضور صلاح الدين الأيوبي، وبالنسبة لقوميٍّ قح، مثل عزيز العصا، فان العروبة ساعدت القوميات الأخرى، وانه خلال الألف والأربعمائة سنة الماضية، فان العرب لم يحكموا إلّا قليلاً، ثم تولى الآخرون قيادة الأمة.
هل يحتاج العرب والكرد إلى صلاح الدين الجديد؟ لم تخلو علاقة العرب بالكرد من الاستحواذ، وعبّر عن ذلك الشاعر الراحل معين بسيسو، قائلاً بأنه عندما انتصر صلاح الدين، أصبح بطلاً عربيًا، ولو انهزم، لكان جاسوسًا كرديًا.
لا يحتاج العرب والكرد إلى صلاح الدين الجديد، وإنما مثل باقي الأمم، إلى أوطانٍ حرّة، لمواطنيها، وليس لمحتكري الوطنية، والقومية، والأديان.

جان دوست عن المعجم العربي-الكردي

الخميس، 11 يوليو 2019

خضر سلامة عن ضياء الخالدي

ذلك الجنون الذي أحبه/عطاف هادية



هذا الكتاب رافقني لمدة أسبوعين وأكثر بقليل في توقيت كنتُ أشعر فيه بأن كل من حولي مجانين ويدّعون أنهم عقلاء.... وما الفرق؟!
كنتُ أحمله معي لأقرأ عن المجانين الذين يعترفون بجنونهم أو عن الذين يتهمهم عالم الذين يعتقدون أنهم عقلاء "بالجنون".
المجال: قد تكون قصص قصيرة أو سير غيرية أكثر منها رواية بالنسبة لي.
تقسيم الكتاب: ٣ أبواب كما يلي:
"دهيشة المجانين"، "سِفر من لا أسفار لهم" و "سِفر مشمش".
الجزء المفضل بالنسبة لدي كان: الجزء الثاني الذي يروى بشكل غريب قصص المجانين الذين عُرفوا كذلك منذ خطت أقدامهم "الدهيشة" كما نعرفها، أو "دير المجانين"، أو كما يطلق عليها فئة المتعلمين "مستشفى الأمراض العقلية والنفسية".
لطالما راودتني أفكار أن أزور هذا المكان بدافع الفضول، كانت صديقاتي اللواتي تلقينَّ تدريبهن في هذا المكان بحكم مجال دراستهنَّ في مجال الطب أو الصحة النفسية، كلما ذكرن بعض القصص العابرة عن هذا المكان، على سبيل المعاناة لا الخصوصية، زاد فضولي تجاه هذا المكان الغريب.
يروي الأستاذ أسامة العيسة في هذا الكتاب -أيضاً- في جزء "سِفر من لا أسفار لهم" الكثير من القصص الغريبة، اللعينة، المتمردة، الحزينة، والمؤلمة عن ضجيج هذا العالم وسكونه وتهميشه في ذات الوقت، ليزيدَ من فضولي أضعاف أضعاف،، وكأنني كلما أمسكت بطرف خيط، أجد القصة تنتهي ليحكي لنا حكاية مجنون آخر . . دون أن تهتدي بصيرتي لاستكمال فكرتي عن هذا العالم. . كنت أتمنى أن تتجاوز قصة أو سيرة كل شخص في هذا الجزء الثلاث صفحات على سبيل الإجمال . .
بالمناسبة، هذه تجربتي الثانية مع الكاتب الفلسطيني "أسامة العيسة" بعد رواية "جسر على نهر الأردن"، وسعيدة بأنني بكلتا التجربتين وقعت مؤلفاته بين يديّ بمحظ المصادفة. مما يثير الانتباه؛ هو ولع هذا الكاتب بالأحداث التاريخية والوقائع الزمانية التي نحتاج أن نعرفها عن مدننا وآثارنا وحتى عن شخوص عبروا في تاريخ هذه الأرض.
[ ] بعيدآ عن الرواية -بنظري- الكتاب الجيد هو الذي يعصفُ بكَ لتبحث عن المزيد، لذلك كنت أجدني أركنه جانباً في بعض الأوقات لأقرأ من مصادر أخرى هل ما يقوله أسامة صحيح؟ أم "ثرثرة رواية"، لأغوص في محركات البحث أيام وأيام،،
وكيف لي ألا أفعلها وهو الذي خطَّ في صفحة الرواية الأولى "قليلٌ من الحقائق، كثيرٌ من الخيال، وثرثرة . . تمامآ كما الحياة.".
[ ] من الاقتباسات التي علقت بي أيام، كان هذا الاقتباس المؤلم:
"....في بلادنا، ليس أسهل من إصدار بيانات، من قبل العائلات، أو الجهات الرسمية، يمكنها أن تصنف النساء بأنهن مجنونات، أو مفقودات، وقد لا يكون الهدف البحث عنهن، بل تسجيل وقائع غيابهن، لأغراض دنيوية، مثل إجراءات طلاق أو حصر إرث" . .
"الناس تريد الهرب، إلى الماضي، إلى المستقبل، إلى العالم الآخر. الناس تريد الاتصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة.."
 على أي حال، كنت ولا زلت أحب عندما يتهمني أحدهم بالجنون ويقول لي: "يا مجنونة"، اليوم وجدتُ تفسيراً لذلك الجنون الذي أحبه، كما فسره الكاتب في سياق روايته عندما كتب:
"أنا لستُ إلا فرداً من وطن المجانين، الأنا ليست من مصطلحاتنا، نحن الواحد في الكل والكل في الواحد".. "الجنون أسلوب حياة، ليس كل المجانين مجانين، وليس كل العقلاء عقلاء" . .


الثلاثاء، 9 يوليو 2019

مروان البرغوثي طالب دراسات عليا



كان البروفيسور هشام فرارجة، يعلم تمامًا، من هو صاحب الطرقات القوية على باب منزله، بعد منتصف الليل، ولم تكن هذه الطرقات تفزعه، بل تدخل الطمأنينة إليه، بأن طالبه للدراسات العليا وصل بسلام، رغم الحواجز العسكرية الإسرائيلية والحصار والمطاردة.
ولم يكن ذلك الطالب سوى مروان البرغوثي، قائد حركة فتح في الضفة، والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، الذي تمر الآن الذكرى الرابعة لاعتقاله من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، ليقضي حكمًا بالسجن عدة مؤبدات.
ويتذكر فرارجة الآن كيف كان البرغوثي، كثير المشاغل والمسؤوليات، يأتي إليه بعد منتصف الليل، بصفته المشرف على رسالة البرغوثي لنيل الماجستير وليبقيا معًا في نقاش أكاديمي، حتى الساعة الرابعة فجرًا، ضمن علاقة معقدة بين طالب وأستاذه، مثل مختلف الأوضاع المعقدة في فلسطين.
فرارجة استذكر تاريخ علاقته مع البرغوثي قائلاً/ "تعود علاقتي مع الأخ مروان إلى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، إلى عامي 82-1983، عندما كنا طلابًا في جامعة بير زيت، وكان هناك تفاعل فيما بيننا، بحكم الواقع السياسي الذي تعيشه فلسطين، والجامعة بشكل خاص، ولكن تقطعت بنا السبل عندما سافرت إلى الولايات المتحدة في عام 1983، وكان أول لقاء لي مع مروان بعد عدة سنوات، ولكن في الأردن، أي بعد أن تعرض للإبعاد عن أرض الوطن، وهنالك التقينا في أحد الأماكن مع بعض الأصدقاء، وشعرت بمرارة النفي والإبعاد من خلال ذلك اللقاء، ومن خلال ما دار بيننا من أحاديث، في اللقاء الذي كان حارًا ووديًا بعد عدة سنوات من الانقطاع، ولم يكن الأوَّل، حيث حدث انقطاع آخر حتى عامي 1993-1994، عندما عاد مروان إلى فلسطين".
وخلال هذه السنوات، أصبح فرارجة أستاذًا في دائرة العلوم السياسية في جامعة بير زيت، والتقى مروان في الجامعة ضمن نشاط سياسي وتبادلا الحديث.
وفي عامي 1994-1995 يقول فرارجة: "قررنا مجموعة من الأساتذة، الذين عادوا إلى فلسطين، ومن أبرزهم الدكتور إبراهيم أبو لغد، أن نبدأ برنامجًا للدراسات العليا في الجامعة، وعندما بدأنا برنامج الدراسات العليا في الدراسات الدولية كان مروان من أوائل من التحقوا بالبرنامج، ولمست لديه إصرارًا منقطع النظير على متابعة الدراسة، رغم الكثير من الأنشطة والانشغالات والعمل السياسي، التي تفتت برنامج أي إنسان، والنقطة الأهم، هي أنه بعد التحاقه ببرنامج الماجستير، أصبح طالبًا في عدد من مساقاتي، وعند إنهائه للمساقات طرح علي أن أكون المشرف على رسالته للماجستير، فأبديت الموافقة".
وردًا على سؤال إذا كان اختيار الطالب لأستاذه المشرف على رسالته، أمرًا متبعًا في الجامعة، أم أنه استثناء منح لمروان لمكانته السياسية قال فرارجة: "لم يكن هنالك استثناء مطلقًا، فأي طالب يختار أستاذه المشرف، ضمن توافق بين الأستاذ والطالب والبرنامج، وبالنسبة لي وافقت على طلب مروان، الذي أصبح عندئذ نائبًا في المجلس التشريعي الفلسطيني".
وبالإضافة إلى عضويته في المجلس التشريعي، شغل مروان منصب أمين سر اللجنة الحركية العليا لحركة فتح، وهو إطار جمع كوادر ومسؤولي تنظيم فتح في الضفة، وكان بحكم مسؤوليته هذه متابعا لشؤون التنظيم اليومية، مما جعله مشغولا باستمرار.
ويذكر فرارجة بان مروان، بسبب هذه الأمور لم يكن طالبًا عاديًا، مشيرا إلى أنه يذكر نقاطًا طريفة عديدة حكمت العلاقة بينهما كأستاذ وطالب قائلاً: "مروان كان طالبًا مثابرًا في دراسته للماجستير، ربما أكثر بكثير من طلاب آخرين عرفتهم، رغم انشغالاته الهائلة، ومن أطرف ولربما أغرب ما أتذكره، أنه في بعض الوقت كان يجري اتصال بيني وبين مروان، ونلتقي، لمراجعة رسالته بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً، ونمضي، عدة ساعات حتى الصباح، وكنت أفعل ذلك تفهمًا مني لوضعه، وكان ما يحفزني على فعل ذلك، أن مروان كان يلتزم بكافة الإرشادات والتعليمات التي أعطيه إياها في عمله على الرسالة، وهذا كان أمرًا محفزًا لي للغاية، لأن المسالة تصبح عملية تفاعلية، وأنهى مروان رسالته بجدارة، وناقشها أيضًا بجدارة، واستمرت العلاقة بيننا التي بدأت منذ ما لا يقل عن 24 عامًا رغم التقطع".
وردًا على سؤال ما هي التغييرات التي لاحظها فرارجة على البرغوثي، عندما عرفه لأوَّل مّرة كزميلٍ في جامعة بير زيت، ثم كأستاذ له في الجامعة نفسها قال فرارجة "اتساع رقعة التجارب التي مرَّ بها مروان والتي يمكن لأي إنسان أن يمرَّ بها، توسع المدارك والآفاق، ولكنَّ الأهم هو ما لمسته لديه من جدية ومثابرة لأجل التحصيل العلمي، هذه كانت ربما واضحة أكثر من أي وقت مضى، ولم يكن سهلاً أن انتقل من مرحلة الزمالة إلى مرحلة علاقة الأستاذ بطالبه، والإنسان يبتدع الأساليب للمواءمة بين النوعين من العلاقة".
ويضيف: "قبل اعتقال مروان، وبعد أن أنهى الماجستير، كان يراجعني باستمرار من أجل الإعداد لمقترح متابعة دراسته للدكتوراة، كنت ألمس تفهم مروان ضرورة المواءمة بين الموقع السياسي وزيادة الاطلاع العلمي وتوسيع المعرفة".
وكانت رسالة الماجستير التي أنجزها البرغوثي عن العلاقات "الفلسطينية-الفرنسية منذ عام 1967"، ويؤكد فرارجة بأنه لم يجامل مروان أبدًا خلال العمل في الرسالة قائلاً: "من بيني وبينهم معرفة من الطلاب، تصبح التوقعات لديَّ أكبر وأعلى ممن لا أعرفهم، وبالتالي تصبح درجة الإنجاز أو الأداء المطلوبة أعلى، ومع مروان، ولأن هنالك علاقة شخصية لمست لديه تطلعًا لمزيدٍ من الدقة، وكوني أعرف أن مروان يتمتع بموقع سياسي، وان الرسالة التي يعمل عليها، هي في موضوع هام وسوف تحظى بأهمية، فبالتأكيد أن درجة الحرص عندي هي أعلى من المعتاد، ومن أي شخص آخر، بل على العكس من ذلك تمامًا، ففيما يتعلق برسالة الماجستير هي موضوع للاستخدام العام وليس موضوعًا، محصورًا بين الأستاذ وطالبه".
ولا يذكر فرارجة بأن مروان غضب منه، أو هو غضب من مروان ولكن: "كانت هناك عملية الملاحقة من أجل أن نجد الوقت للعمل سوية، وكما ذكرت كنا نلتقي في وقت متأخر من الليل، وفي إحدى المرات عزل نفسه أسبوعين بشكل كامل منقطعا عن العالم، إلّا من أسرته ومن هواتف مني، من أجل التفرغ لإتمام بعض جوانب الرسالة".
وكان مروان يأتي إلى منزل فرارجة ليلاً ومعه حراس ولكن هذا لم يكن يزعج الأستاذ، الذي لا يذكر بأنه كلف مروان بواجب ولم يلتزم به قائلاً: "للإنصاف لم يحدث هذا أبدًا، بل كان مثابرًا في جمع المراجع وإجراء المقابلات لعمل الرسالة مع عدد من المسؤولين في الداخل والخارج، ولربما ساعده في ذلك موقعه في المجلس التشريعي دون أدنى شك".
وبعد انتهاء رسالة الماجستير استمرت العلاقة بين الأستاذ والطالب بشكل حميم، وخلال الفترة اللاحقة التي أصبح فيها البرغوثي مطاردًا لقوات الاحتلال ومهددًا بالاغتيال استمرت اللقاءات بينهما، ولم يكن فرارجة يخشى تداعيات ذلك أبدًا.
وكان الاثنان يلتقيان في أماكن عامة، ويصف فرارجة الأجواء التي كان يلتقي بها الاثنان بأنها كانت على درجة عالية من التوتر، وفي بعض الأحيان تجبرهما هذه الأجواء على التفرق لأسباب أمنية.
ولم يتوقع فرارجة أن يتم إلقاء القبض على البرغوثي بالسهولة التي تمت بها قائلاً: "ربما لم أتوقع أن يعتقل بهذه السهولة، ولكنني كنت مقتنعًا تمامًا بأن المحاولات الإسرائيلية لاعتقال مروان هي جادة وجدية للغاية، ولكن هذا هو القدر أحيانا".
وأضاف/ "اعتقد بأنه كان يعرف بأنَّ الأمور في غاية الجدية، وكنت أتوقع انه ربما يطول الأمر أكثر من ذلك بكثير، ولكن الهجمة الإسرائيلية في شهر نيسان (ابريل) 2002، المشؤوم للجميع، كانت جادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى".
ولا يذكر فرارجة آخر مرة التقى أو تحدث فيها مع مروان قبل اعتقاله ولكنّه يقول بأنها ليست بالفترة البعيدة، وكان الحديث بينهما يتعلق بالظروف السياسية.
ويشير إلى أن مروان كان يفكر باستكمال دراسته للدكتوراه، ووضع أطروحة تقارن بين الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 وانتفاضة الأقصى من مختلف النواحي، وطرحت أيضًا أفكارًا أخرى. ويعتقد فرارجة بأن البرغوثي تمتع مزايا كثيرة منها امتلاكه/ "لنظرات ثاقبة للأمور، ولديه قدرة على التحليل، وعلى التعامل مع ما تطلبه بعض الأمور من دقة عالية للغاية، فيما يتعلق بموقع سياسي".
وحول الوضع المستقبلي لمروان البرغوثي في السياسة الفلسطينية يقول فرارجة بان ذلك "عائد لتطورات الأمور في مجريات الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، يعني تبعا لاتجاه الأوضاع العامة في فلسطين، وهو الآن أسير حرب، ونائبا في المجلس التشريعي، واتجاه الأمور سيساعد على فهم ما قد يكون لمروان من موقع سياسي".
وحول أواجه الاختلاف والاتفاق بين مزايا مروان وغيره من زعماء للحركة الوطنية الفلسطينية كياسر عرفات أو الحاج أمين الحسيني يقول فرارجة: "بالنسبة لأبي عمار كان لديه مراس طويل، وباع طولى في التجربة، وتمتع بدرجة عالية جدًا من الكاريزما، ولديه القدرة على تطويق الأمور، أمَّا مروان فقد لا تكون لديه نفس التجربة ولكنّه أيضًا جّدّي وجاد، ربما تعرضت شعبيته لنوع من الإخلال، في السنتين الأخيرتين، عند إجراء الانتخابات الرئاسية وتغير المواقف، وعند إجراء الانتخابات التشريعية أيضًا، ولكن ربما يعزى جانب من هذا الإخلال لكونه في المعتقل، وعدم قدرته على التعامل مع الأمور كما لو كان طليقا، أي كانت هنالك مؤثرات خارجية متعددة من قبل البعض، ممن ربما كانوا يسعون لضعضعة موقع مروان في الشارع الفلسطيني، فكانوا يعطونه معلومات قادته لاتخاذ قرارات تراجع عنها لاحقا، ولكن وكما اتضح خلال السنوات الأولى من الانتفاضة، كان مروان قريبًا من هموم الناس، وقريبًا من الشارع، كان يدرك تمامًا ما يتفاعل في الشارع الفلسطيني من خلجات ويتعامل معها على هذا الأساس".
ويلخص فرارجة علاقته كأستاذ مع البرغوثي كما هي علاقته مع طلبة الدراسات العليا قائلاً: "لا أرغب على الإطلاق أن أتعامل مع طلبتي من الدراسات العليا، بقوالب رسمية جامدة، بالعكس دائما أتوخى التعامل معهم كزملاء نتبادل المعرفة مع بعضنا البعض ويغذي أحدنا معرفة الآخر، واعتقد أن ذلك أثرى للتجربة ومفيد اكثر للجميع، ويبعد عن شبح العلاقة تلك الجوانب الزائفة".
وبعد اعتقال مروان طرحت أفكارًا حول إمكانية أن يكمل دراسة الدكتوراه، ولكن الأمر كان صعبًا، لكون مروان في المعتقل، كما يقول فرارجة الذي ينتظر زمنا تتغير فيه الظروف ليكمل مع صديقه القديم وطالبه مروان الطريق الأكاديمي ويشرف على رسالة مروان للدكتوراه، ويتمنى أن لا يكون ذلك الزمن بعيدًا.



الأحد، 7 يوليو 2019

زكية الشيوعية..!



ودعت مدينة بيت جالا اليوم، المناضلة زكية حنّا عوّاد، إلى مثواها الأخير، بعد الصلاة على جثمانها في كنيسة العذراء للروم الأرثوذكس في المدينة.
الفقيدة، كما ذكر قريبها المحامي الراحل جودة شهوان، في مذكراته من مواليد عام 1912م، ناضلت في صفوف الحركة الوطنية في خمسينات القرن الماضي، واعتقلت في سجن الزرقاء، وتعرضت، كما ذكر شهوان، للتعذيب.
بقيت زكية، مخلصة لأفكارها اليسارية، رغم أن العالم تغيّر، ومن تعرفهم أو لا تعرفهم من رفاق باعوا أنفسهم، وغيّروا ليس فقط مبادئهم، وهذا أمر طبيعي، ولكنّهم، انحدروا إلى القاع الأسفل.
التمعن في سيرة زكية، مفيد، فهي عاصرت أسوأ الظروف التي مرت على شعبنا كالحرب العالمية الأولى، حيث عانت مدينتها من الجوع والأوبئة، ونجت زكية، واستقبلت الاحتلال البريطاني، ربما بشعر ابن بلدتها اسكندر الخوري، الذي رحب ببني التايمز، قبل أن تدرك بأنهم ليسوا أفضل من بني مرمرة.
وشهدت غزوات الجنود الانجليز، لبلدتها، وجمع الأهالي في معسكرات اعتقال جماعي، والتحرش بالنساء، وعاشت النكبة، والقتال حول بيت جالا، والتنافس بين العرشين المصري والأردني، على حكم بلدتها، وانقسام النّاس بين نخبة تسعى إلى مصالحها مع الملك عبد الله، وعموم النّاس الذين أحبوا المصريين والحاكم العسكري لطفي واكد، الذي سيكون من الضباط الأحرار.
شهدت المواجهات بين الحكم الأردني والحركة الوطنية، واعتداءات الاحتلال التي لم تتوقف، وأشهرها معركة السموع، واحتلال ما تبقى من فلسطين الانتدابية، وفوقها أراض سورية ومصرية، والانتفاضات المتعاقبة، التي انتهت إلى نتائج فاشلة ومؤلمة.
كيف يمكن لشعب بكل هذه القدرة على التضحية، أن يعطي قياده لقيادات غير مؤتمنة؟
ورغم ذلك، كما ذكر شهوان، ظلت زكية، متمسكة بآرائها اليسارية.
قبل أشهر غادرنا الشاعر خليل توما، الذي كان يزورها بشكل دوري، ويطمئن عليها، وها هي، التي ولدت في بداية قرن التغيرات وتحرر الشعوب، تغيب في بداية قرن انقلابات القيم، وشعبها ما زال مقهورًا، ومنقسمًا، وكأنّ لا شيء اختلف بين قيادة الحاج أمين والنخب المعارضة له، وقيادات القرن الواحد والعشرين.