أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 24 نوفمبر، 2013

عمارة صنصور في شارع يافا



في منتصف شارع يافا بالقدس الغربية، تشمخ عمارة صنصور، باسمها العربي، وموقعها الاستراتيجي، على تقاطع مهم لشارع يافا وشارع بين يهودا، وأمامها ساحة (صهيون) وحولها عدة مقاه من مقاهي الأرصفة التي يمتاز بها شارع يافا.

بنى هذه العمارة ميخائيل صنصور، من مدينة بيت لحم، ووضعت بلدية القدس الاحتلالية لوحة تعريفية على مدخل العمارة، باعتبارها من معالم شارع يافا والقدس المهمة. تشير فيها إلى بانيها.

حفيد ميخائيل صنصور، الدكتور ميشيل صنصور، واحد من أبناء العائلة التي ما زالت العمارة، تحتل جزءا مهما في وجدانهم، وتشكل جزءا مهما من حكايات عائلية حول فردوسهم المفقود.

في مكتبه في جامعة بيت لحم تحدث صنصور الحفيد، عن حكاية العمارة التي ما زالت تثير الاهتمام: "اشترى جدي ميخائيل قطعة الأرض في عام 1927، وبدء البناء في عام 1928، بإشراف المهندس اللبناني ميشيل سماحة الذي تعرف عليه جدي خلال قضائه أشهر الصيف في لبنان، استغرق البناء 3 سنوات، وبدأت العمارة بالعمل عام 1931، وتم تخصيص الطوابق العلية للمكاتب، أما المحال في الطوابق السفلى فكانت عبارة عن متاجر تطل على ثلاثة شوارع: شارع يافا، وبن يهودا، والملك جورج، في الواقع ان تشييد عمارتنا هو من أسس لوجود شارع بن يهودا، واستطيع القول بان العمارة هي من حددت معالم تلك المنطقة في قلب القدس التجاري في ذلك الزمن، قبل تقسيم المدينة المقدسة".

صنصور يتابع بتأثر: "صحيح ان هناك املاك كثيرة للعرب فيما أصبح يعرف بالقدس الغربية بعد النكبة، إلا ان الأملاك العربية في المنطقة التي بُنيت فيها عمارتنا، كانت قليلة".

بُينت العمارة على الطراز (النيو كلاسيك) أي بطراز كلاسيكي محدث، وهي عبارة عن بناء على شكل مثلث تتوسطه ساحة، وهو ذو تصميم فخم، يمزج بين خطوط حديثة وزخارف، وسمح هذا التصميم بوجود أحد اشهر المقاهي في  قدس ذلك الزمن، وهو مقهى أوروبا، داخل العمارة، في استغلال للفضاء المفتوح داخلها.

مقهى أوروبا الحديث بمقاييس تلك الأيام، كان ملتقى للكتاب والصحافيين، ورجال الادارة الاستعمارية البريطانية، والجواسيس، والعائلات العربية واليهودية والبريطانية، ويتذكر عصام السلطي ابن القدس الغربية (من مواليد عام 1931): "كان يتوسط بناية صنصور مقهى يوروب كافية الراقي الذي كان يعج بالعرب، ولقراءة أخر الأخبار من خلال الصحف التي تُجلب من مكتبة ستايمتسكي، وقت العصر".

أما ميشيل صنصور فيذكر: "مقهى أوروبا كان ملتقى للنخب في القدس من مختلف الجنسيات، حيث كانت القدس مدينة متعددة، تعج بكل الجنسيات والاديان، لدق كانت القدس في ذلك الزمن، اكثر من أي وقت مدينة دولية".

ويمكن معرفة إلى أي مدى شكّل بناء عمارة صنصور قصة نجاح في تلك المرحلة، معرفة الصعوبات التي واجهها ميخائيل صنصور، كما يقول حفيده ميشيل: "علمت من جدي ان ثلاثة من الحراس، قُتلوا على أيدي عناصر صهيونيه، في مراحل مختلفة خلال تشييد العمارة، لان تلك العناصر لم يروق لها تشييد بناء عربي في تلك المنطقة، وأيضا حدث اعتداء من المتطرفين اليهود على العمارة وازالوا زخارف رومانية عنها، بحجة انها تذكرهم بما يصفونه الاحتلال الروماني للقدس قبل ألفي عام".

ومثل العائلات الفلسطينية الأخرى، وجد ميخائيل صنصور نفسه في خضم الأحداث التي عصفت بالأرض المقدسة، محتارا ماذا يفعل؟ وكما يقول حفيده ميشيل، فانه وعائلته كانوا اخر من ترك حي القطمون بالقدس إلى لبنان، بعد ان اتخذوا قرارا بالذهاب مبكرا لقضاء الصيف هناك، كما يفعلون كل عام، والعودة بعد ان تهدأ الأوضاع.

يقول صنصور الحفيد: "خرجت عائلتنا من القطمون بسيارتين إلى لبنان، واحدة قادها جدي الذي كان له عشرة أبناء، والأخرى، قادها سائق، وترك جدي المنزل والعمارة في عهدة آخرين، حتى يعود، ولكن حدثت الكارثة، وقُسمت القدس إلى شرقية وغربية، ولم نعد نستطيع نصل إلى أملاكنا في القدس الغربية، عاد جدي بعد عامين إلى بيت لحم، من لبنان، وفي القدس المحتلة استولى حارس املاك الغائبين الاسرائيلي لسنوات طويلة على العمارة، وكان يجمع الايجارات، بقي المستأجرون اليهود في العمارة، بينما الآخرون فان الكارثة التي حلت بشعبنا شتتهم، وكما أخبرني والدي، فان حارس أملاك الغائبين، منح مسؤولة العمارة وصيانتها للوكالة اليهودية، بدعوى ان لديها امكانيات أكبر تمكنها من صيانة العمارة، وهي الان محتلة من قبل الوكالة. لدينا الأوراق الثبوتية التي تؤكد حقنا في العمارة، ولكننا مثل باقي اللاجئين ننتظر حلا عادلا يعيد لنا أملاكنا، في الواقع ان عقارات وأراضي الفلسطينيين في القدس الغربية تضاهي الموجودة في القدس الشرقية".

احتضنت عمارة صنصور، في فترة من الفترات إدارة الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس) في زمن الانتداب البريطاني، وشهدت أحداثا مهمة كثيرة.

وحول إذا كانت عائلة صنصور تحركت قضائيا لاسترجاع العمارة يقول ميشيل صنصور: "لم يكن لدينا تحرك قضائي بخصوص هذه العمارة، ولكننا تحركنا باتجاه عقار آخر، تشغله القنصلية اليونانية العامة في القطمون، والعقار بناه جدي سنة 1946، خصيصا للسفارة المصرية، وبالفعل شغله المصريون لمدة عامين، وعندما حدثت الحرب، غادر المصريون. كل القنصليات التي كانت موجودة في القدس، تولت مسؤوليتها القنصلية البلجيكية، التي أعطت العمارة للحكومة اليونانية، لتكون مقرا لقنصليتها، اليونان دفعوا الايجار لمدة عامين لعائلتنا، ولكنهم توقفوا، في أوائل سبعينات القرن الماضي، رفع  جدي قضية ضد الحكومة اليونانية، مطالبا بالإيجار باثر رجعي، واخلاء المبنى، وفعل ذلك، لان اليونان حكومة صديقة، ووجد امكانية حقيقية لاسترجاع المبنى، وربح القضية التي تولاها محام يهودي مشهور، ولكن حكومة الاحتلال جمدت قرار التنفيذ، وتُدرّس هذه القضية، كنموذج على انتهاك الحقوق في كلية الحقوق في الجامعة العبرية".

بعد الاحتلال عام 1967، أصبح ميخائيل صنصور، يزور العمارة باستمرار ويتأمل فيها كثيرا، متذكرا كل تفاصيل رحلته في بنائها. يتذكر حفيده ميشيل: "حتى وفاته عام 1992، عن عمر يناهز 94 عاما، لم يفقد جدي الأمل ابدا باسترجاع العمارة، رغم شعوره بالقهر والاحباط".

حجارة العمارة، جُلبت من محاجر غرب القدس، ويمكن ملاحظة حجارة الطابق الأول الكبيرة، وبنيت العمارة بأيدي عمال مهرة فلسطينيين.

يقول صنصور الحفيد: "أملاك عائلتي موجودة على مرمى حجر من هنا، وفيها ناس غرباء، أشعر بالقهر، وأفكر أحيانا، هل لوّ صمد جدي في القدس؟، لربما ما زالت هذه الأملاك بحوزتنا، وربما شجع ذلك عائلات عربية أخرى على الصمود".

ويضيف: "من وقت لآخر، عندما يكون بحوزتي تصريح لدخول القدس أزور العمارة، واطلع أولادي عليها. العمارة تسكن وجداننا، وهناك أيضا من يربطها بنا، من الجانب الاخر، قبل نحو 15 عاما، كان في تجديد في العمارة، وأذكر ان احد الحراس اليهود كبار السن في العمارة، اتصل بنا وقال بسذاجة لقد اخلوا مكتبين، تعالوا استلموها قبل ان يعاد تأجيرهما. لقد ارتبطت عائلتنا قبل النكبة بعلاقات مع عائلات يهودية، لم يكن أفرادها راضين عما حدث لنا ولعمراتنا".

ومن الذكريات المؤسفة التي لا ينساها ميشيل صنصور ما حدث في ثمانيات القرن الماضي مع والدته، حيث كان بإمكان مواطني الضفة الدخول إلى القدس بسياراتهم: "ذهبت والدتي، بسيارتها إلى المنطقة. قطعت شارع هيليل قاصدة ميدان صهيون، وبينما كانت تلتف حول المدور أمام العمارة، أوقفها الجنود وصلبوها على العمارة، لتفتيشها، وتفتيش السيارة التي تحمل لوحة تسجيل ضفة غربية، وبينما كان الجنود يفككون السيارة، جاءت امراة يهودي تملك محل نظارات، وقالت للجنود: كيف تفعلون هكذا بالسيدة صنصور، التي تملك هذه العمارة؟ وعندما افرج عن والدتي وعادت إلى بيت لحم، كانت في حالة توتر شديدة، تجهش بالكباء وتشعر بإهانة كبيرة".

لا يملك ميشيل صنصور، القوة لاسترجاع العمارة، التي لا تغيب عن ذهنه، ولكنه يقول: "نأمل ان يكون هناك بحث خلال أية مفاوضات في أملاك العائلات المقدسية في القدس الغربية، وكذلك أملاك اللاجئين في المدن والقرى التي هجروا منها عام 1948".



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق