أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمر شبانة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عمر شبانة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 15 يونيو 2025

بنت القدس الجديدة: غريبة مغتربة ومنكوبة/ عمر شبانة


 


منذ العتبة الأولى لهذه الرواية، أقصد منذ عنوانها الرئيس، نلتقط عنوانين مهمين في العنوان الأساسي "بنت من القدس الجديدة"، ففي العنوان ثمة بنت، وثمة اسم المدينة "القدس الجديدة". وحين ننتهي من قراءة الرواية، بنهاية مأسوية بموت البنت (صالحة، لنلحظ رمزية الاسم ودلالاته)، واختفاء المدينة "التي فقدت اسمها وأصبحت القدس الغربية، يقطنها غرباء"... نكتشف الرابط بين بطلتين رئيستين في الرواية، هما البنت والمدينة، الرابط المتمثل في المصير المشترك بينهما. بطلتان تتناوبان على مركزية السرد و"البطولة"، بطولة سلبية بالطبع، تنطوي على الكثير من المعاناة لكل منهما... مع وجود شخصيات واقعية وحقيقية تحتل مكانة في حوادث الرواية ووقائعها. وهو ما سنلمسه في الرواية عبر الوقوف على بعض أبرز معالمها ومكوناتها ومحطات منها.

في رواية أسامة العيسة هذه "بنت من القدس الجديدة"، تتكون من 28 فصلًا أو مقطوعة (دار المتوسط، 2025)، وقريبًا مما فعل في روايته السابقة "سماء القدس السابعة" (المتوسط أيضًا، 2023)، ولكن بعيدًا عنها أيضًا، نقف على مدينة القدس، من خلال قضية الفتاة (صالحة، ابنة حي البقعة، الجميلة، والمثقفة، والمتمردة)، وهي قضية تبدو هامشية أو ثانوية في مجتمعنا الذكوري، لكنها في الواقع، وكما تتعامل صالحة معها، قضية اجتماعية مركزية، وهي قضية فقدان الفتاة عذريتها بفعل شاب غير مسؤول، وإن كانت "حكايتها"، كما جاء في نهاية الرواية، تحيل على مسؤوليتها هي (صالحة) أيضًا، عن فقد بكارتها، ولكنها تبرر ذلك بالجو الذي جرت فيه عملية فض البكارة؛ الغناء وعازف البزق النوري (الغجري) والحاصدات في الحقول.

نهاية الرواية وبداية القصة

حين نصبح على العتبة النهائية للرواية، نكتشف أن صالحة، كما يأتي على لسانها، قد أسلمت نفسها إلى الشاب المتهور محمد حنا الذي جاء به والدها ليعلمها قواعد اللغة العربية (بعض المسيحيين يطلقون اسم محمد على أبنائهم في بعض الحالات)، منذ سمحت ليديه بالاشتباك مع يديها وكتفها، ثم وضع رأسها على كتفه، وتبادل القبلات، وصولًا إلى "الخط الأحمر" ومحاولتها الانسحاب ولكن بعد أن "وقعت الفأس في الرأس"، كما نقول في أمثالنا... حيث كان قد وقع المحظور. والغريب في أمر صالحة إصرارها على اللجوء إلى القضاء للحصول على حقها "ثمن البكارة" التي لا تقدر بثمن، أمر أثار سخرية الناس والقضاة، لأنه ليس من عادات بلادنا ومجتمعاتنا.

لكن القدس تغيرت، ففي سياق التعريف بمجتمع القدس، يلقي الروائي نظرة على فتيات المدينة ونسائها من خلال قصيدة للشاعر إسكندر الخوري البيتجالي يعرض فيها أخلاق بنات القدس المتأثرات برياح ضربت المدينة: "بارزات النهود حمر الخدود/ عاريات الصدور ضمر القدود/ يتخطرن في الشوارع تيهًا/ بحلي من أساور وعقود/ وبرود شفافة من حرير/ شف عما اختفى وراء البرود". ونعثر في الرواية على بيوت دعارة ومظاهر فساد جعلت من المدينة مدنسة، وهو ما يلفت إلى سعي الكاتب للوقوف على هذه المظاهر، خصوصًا في عالم القضاء... مستعيرًا شيئًا من لغة الأسلاف التراثية في وصف بعض فئات المجتمع، من "المجانين، الهبل، الحمقى، والنوكى"...

الوثائقي والتاريخي

وقد فتح الروائي الأبواب ليدخل عوالم عجيبة وغرائبية، حين راح القاضي يبحث في كتب القضاء عن حالة مشابهة ليقيس عليها (يكتشف القاضي، بين ما يكتشف، قضايا دعارة في ملفات محكمة في عام 1545 م والقرن السادس عشر ميلادي)، ولكن القاضي لا يجد قضية مشابهة. وسنتعرف في نهاية الرواية على بعض مراجع الروائي ومصادره التي اتكأ عليها لكتابة روايته، هذه الرواية التي تجمع الوثائقي التاريخي، الحوادث الواقعية، فضلًا عن المتخيل- الأنموذجي كما تجسده حكاية صالحة ومصيرها. ولجهة هذه المصادر والمراجع، يذكر منها الروائي ما يسميها "استهداءات"، وهي: بحث للدكتور محمد علي مصطفى العلمي عن قضاة القدس الشريف ومجالس حكمهم، و"تاريخ القضاء والإفتاء في بيت المقدس" لبشير عبد الغني بركات، و"يوميات خليل السكاكيني" (8 مجلدات).

وفيما يتعلق بـ"بطولة" المدينة، فهي تتجسد في مظاهر عدة، أبرزها ما يعرفه الكاتب ويرويه عنها على لسانه حينًا، فهو يتخذ موقع الراوي على نحو مباشر في بعض المقاطع، بل يحضر بصفته "كاتب/ راوي المجانين"، وما يرويه على لسان صالحة وآخرين حينًا آخر. وهو يستعين في ذلك بمشاهداته ومعلوماته وقراءاته عن المدينة التي لا يتردد في وصفها بالمدينة "المقدسة المدنسة"، وتكرار هذا الوصف في غير موقع من الرواية، وفي سياقات مختلفة منها.

هجرة وغائبون وأملاك مصادرة

القدس مدينة منكوبة قبل نكبة عام 1948 وبعدها أيضًا، وذلك من خلال هجرة بعض أهلها الأثرياء، إلى أنحاء عدة من العالم، وخصوصًا إلى مصر، حيث نستمع إلى (صالحة) تتحدث عن إقامتها هي ووالدها وبعض الفلسطينيين في أحياء مصر الراقية، ويتبع ذلك حديث عن مصادرة بيوت الغائبين وأملاكهم من قبل الوكالة اليهودية، ومنحها إلى اليهود المهاجرين. وفي السياق يجري الحديث عن مصادرة المكتبات العربية، أو إتلافها، ومن ذلك مصادرة مكتبة خليل السكاكيني التي تحتوي آلاف الكتب من مجلدات ووثائق في تخصصات نادرة... فضلًا عن مكتبة والد صالحة (تحتوي على آلاف العناوين)، وكتب مهداة له من كتاب عرب تركوا مؤلفاتهم بتوقيعاتهم من أمثال العقاد وطه حسين وغيرهما، وإضافة إلى مكتبات ومحتويات الجيرمن كولوني والغريك كولوني.

وبينما صالحة تواجه ما تبقى من أيامها، وتفكر في العودة إلى القدس الشرقية، بعد ضياع الغربية، تسمع أن محمد حنا قُتل بنيران العصابات الصهيونية، أي أن قضيتها قد انتهت، وتكون نهايتها الأولى بإيداعها في دير للمجانين في بيت لحم، مدينة مجانين فلسطين، كما يحب الكاتب أن يسميها، وهو المتخصص بكتابة تاريخها وحوادثها وشخوصها. وفي دير المجنونات، قسم العاقلات، تغدو صالحة راوية "حكاءة" محبوبة لدى النزيلات، تروي حكايات تجمعها من هنا وهناك، وترويها وتعيد روايتها. بل كتبت عددًا من المفكرات تروي فيها يوميات وحوادث، مفكرات آلت إلى الخباز "أبو ميلاد"، المهجر من الكرك لأسباب قبلية تتعلق بالثأر، ومن آلت إلى الكاتب الذي لا بد أنه أعاد صياغتها بوصفها واحدة من حكايات مجانين القدس.

في فصل بعنوان "إسراطين في زمن التايمزيين"، وما بين الجد والهزل، يظهر في الرواية تيار علماني يحضر فيه والدها، وتحضر أسماء من التيار اليساري القومي والشيوعي، ويصدر صحيفة شعارها "حرية، إخاء، مساواة"... تيار يبرز من خلال صدامه مع العثمانيين ومع المجتمع. ومن بين مقترحاته اشتقاق، أو اختراع "إسراطين" من إسرائيل وفلسطين... ويعرض لما جرى في تاريخ فلسطين من غزوات وفتوحات باسم كتاب الدين، وينادي بدولة علمانية لجميع سكانها، سابقًا مشروع القذافي وكتابه الأخضر واقتراحه الشهير. وفي سياقات أخرى سوف نلتقي بصالحة ولقاءاتها بالصحافي الشاب إميل حبيبي، ونقرأ عن نجيب نصار وكثيرين غيرهما من بين شخصيات واقعية.

نقرأ في الرواية وخلاصاتها أن حكايات القدس "شهرزادية طويلة لا تنتهي". هذه واحدة من خلاصات الرواية وحكاياتها المتفرعة، وبلا دخول في تفاصيلها، فالكاتب صاحب تجربة عميقة في الصحافة، وجمع التحقيقات والشهادات، والرصد الحثيث للأمكنة في المدن والمخيمات، وهو "يؤلف"، أي يقوم بالموالفة، بين ما يجمعه من هنا وهناك، وبين ما تجترحه تخيلاته لـ"صناعة" روائية يحاول بها أن يحدث اختراقًا فنيًا غير معهود في الرواية. وهذا يتبدى في أساليب السرد، كما يبدو في الملامح التي عرضناها من هذه الرواية التي ترسم بعض تشوهات المجتمع الفلسطيني، منذ الاستعمار العثماني، ثم البريطانيين (يسميهم العيسة "التايمزيين"، نسبة إلى نهر التايمز، وربما جريدة التايمز)، وصولًا إلى الاستعمار الكولونيالي الصهيوني، القائم على النفي والتهجير ثم الاستيطان.

وإلى هذا كله، ثمة الكثير من أحوال القدس والمقدسيين الجديرة بالقراءة والتعمق.

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/books/2025/6/15/%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%86%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A9?fbclid=IwY2xjawK76NhleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFUeHVJQlFaR25NQWxZM1EzAR7mDJ6sILKMfJx07dKy7fMvbfnDj4mSCr0DmUQmrV8FcNwdO0aSUgaVqwMABQ_aem_jA924_e2A6WRZlWx2B5vzQ

الأحد، 16 فبراير 2025

عن "يوميّات كاتب في انتفاضة مغدورة"/ عمر شبانة


 تذكّرنا عبارة "بهِمِّش" في عنوان الكتاب الجديد للروائيّ والكاتب الفلسطينيّ أسامة العيسة، بعبارة الصحافي في قناة الجزيرة وائل الدحدوح "معَلِشّ" بعد استشهاد ابنه وعدد من أفراد عائلته، ثم الاستهداف المباشر والمقصود له. للعبارتين معانٍ مشتركة، فهما تتضمنّان التهديد والوعيد للعدو الصهيوني على ما اقترفه من إبادة جماعيّة لأهل غزة والضفة الغربية، في صور شتّى. هما عبارتان وليستا مجرد كلمتين، تعبّر كلّ منهما عمّا يمكن للفلسطيني أن يقوم به في هذه المواجهة غير المتكافئة ولكن المفتوحة على الاحتمالات في عبارتين تختزلان الكثير: بِهِمِّش، مَعَلِشّ. بهمّش التي هي اسمٌ لما بدا أنه الانتفاضة الثالثة (2015)... "انتفاضة بهمّش" وذلك بسبب "تردادها من قبل الحاج زياد أبو هليّل الذي كان ينزل إلى نقطة تماس المواجهات في مدينة الخليل، محاولًا حماية الفِتية من الجنود، مخاطبًا الجنود بلهجته المحليّة وبأسلوبه الذي عرفه الناس من خلال الفضائيّات: بهمّش".    

هذا ما يؤكّده المؤلّف في مقدمته لكتابه، التي حملت عنوان "خطبة اليوميّات"، أي أنّنا أمام "أدب اليوميّات"، وينطلق العيسة في كتابه هذا "بهِمِّش: يوميّات كاتب في انتفاضة مغدورة" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 328 صفحة، 2025، من مخيّم عايدة، مع التفاصيل الصغيرة التي يجيد سبكها وسردها، تفاصيل تتعلّق بالزمان الذي هو 18 شباط/ فبراير 2024، والمكان وهو مخيّم عايدة، بمحاذاة الجدار الضخم المحيط بقبّة راحيل، هذا المقام الإسلاميّ المسيحيّ الذي استولى عليه المحتلّون، وحوّلوه إلى جيب عسكريّ استيطانيّ، وتمّ ضمّه إلى بلدية القدس، هذه البلدية الاحتلالية. وهنا أيضًا تقع العيون على جنود من جيش الاحتلال يحرسون المقام من أصحابه الفلسطينيين، كما يصرّح العساكر الصهاينة أنفسهم.

وكما تابعنا العيسة في إبداعه الروائي، وأسلوبه السرديّ المتميّز، وتابعناه أيضًا في كتب توثيقية وشهادات واقعية، فإننا نتابعه هنا في رسم شخصيّات واقعية- حقيقيّة من الشارع الفلسطينيّ، وبما يشبه رواية وثائقية، حيث نبدأ بشخصية الطفل عبد الرحمن شادي عبيد الله الذي استشهد يوم 5/ 10/ 2015، ودُفن في المقبرة الإسلامية الرئيسة في بيت لحم، قريبًا من المقام المذكور أعلاه. مقام تحوّل إلى نقطة تماس بين أطفال الحجارة ووحوش الجيش الصهيوني وأجهزة أمن السلطة معًا، بعد اتفاقات أوسلو.

يكتب الكاتب عن الانتفاضة- الانتفاضات المغدورة- المهدورة، ولكن المستمرة والمتواصلة في صور عدة، فهو يلتقط مشاهد من مقاومة أطفال الحجارة واشتباكهم مع جنود الاحتلال من جهة، واعتداء أجهزة أمن السلطة عليهم من جهة مقابلة، في ما يشبه رصد يوميّات المواجهات بعينين قادرتين على توثيق المشهد ووضعه في سياقه، والتعليق عليه بكل ما يحيط به من مفارقات ترى أجهزة أمن السلطة وعملها "في خدمة العدوّ الصهيوني جهارًا نهارًا". وهذه الحالة يمثّلها الاعتداء على فتى بطريقة وحشية، ثم اعتقاله لاحقًا من الجيش الإسرائيلي، واستشهاده. وحين أدان بعض السياسيين الفلسطينيين هذه العمليّة الوحشية، تمّ اتهامهم بأنهم "من الطابور الخامس الهادف إلى زرع بذور الفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني".

في الكتاب أيضًا، وكما في كتابه السابق "شهداء الرب"، الذي جمع فيه شهادات عن شهداء الانتفاضة من الأطفال، ثمة مشاهد سريعة بتأمّلات عميقة ومعبرة تجسد مشاهد سينمائية مؤثرة. فـ"متطوّع الإطارات"، وهو قريب أحد الشهداء، يأتي "واثقًا هادئًا ناقمًا... يُنزل الإطارات من صندوق مركبته، يقبض بشفتيه على سيجارته المشتعلة، يمكن أن أتخيّله في مشهد سينمائيّ، يمسك عقب سيجارته بعد الانتهاء من تنزيل إطاراته، ويقذفها نحوها فتهبّ النار وتتصاعد علّها تشفي غليل المقهورين". مشهد واقعي يمارسه الفلسطينيون ويشاهدونه كل يوم. لكنّ طبيعة السرد هنا تمنحه تلك السحرية في الرواية، ما يحوّل "حياة المقاومين من الأطفال"، هذه المقاومة الواقعية أقرب إلى الأسطورة. وسنقف في مقالنا هذا أمام أبرز ملامحه.

ومن بين حكايات كثيرة، حكاية "فتى الكرسيّ" العنيد، جزء من حركة المنتفضين والمقاومين في بيت لحم. فتى يحمل كرسيّه البلاستيك، ويجلس وسط جزيرة في شارع من شوارع بيت لحم. تناله حجارة المقاومين من جهة، وقنابل غاز جيش المحتلّين الصهاينة من جهة مقابلة، لكنها لا تثنيه عن جلسته "الاستعلائية" التي يتأمّل من خلالها العالم من حوله، ولا يترك مكانه إلّا حين يقترب الخطر، فيحمل كرسيّه وينتقل إلى أزقة المخيّم وشوارعه، حتى يتراجع الخطر، فيعود إلى كرسيّه- عرشه، لا يتبادل الكلام مع كثيرين، يحافظ على غموضه.

هل يحقّ للفلسطينيّ المسيحيّ الذي يُقتل في المواجهة مع قوات الجيش الصهيوني، وهو يحمل الصليب، أن يوضَع في خانة "شهيد"، أم أن صفة شهيد مخصّصة للمسلم؟ هذا السؤال واحد من أسئلة عدة يطرحها العيسة، وبعبارات قليلة يجيب عليها، إذ يعود إلى تلك الحقبة التي عرفت الحدود بين المناضل والعميل، ورُفع الصليب بجانب الهلال في المظاهرات، ويكثف العيسة "الصليب ليس أداة سحرية لكشف العملاء فقط، ولكن يمكن أن يكون- أيضًا- رمزًا مهمًّا للانتفاضة الكبيرة المقبلة، يحيل إلى الشهيد الفلسطينيّ الأوّل في مواجهة الاحتلال الرومانيّ والسلطة الدينية، وهو الذي يحظى باحترام مليارات الناس في العالم...".

"لاعبات البنانير" كما يطلق عليهنّ المؤلّف، ظاهرة ترتبط برماة الحجارة والبنانير، تقوم الفتيات فيها بتزويد الشبّان بالبنانير التي يصطادون بها عيون الجنود الصهاينة. فتيات يشترين البنانير من مصروفهنّ اليوميّ، تقول إحداهنّ "نريد إحراز أكثر النتائج إبهارًا، لذا فإنّ من يقذف الكرات هم من نثق بهم أكثر من كلّ اللاعبين السياسيّين المُضجرين...". ووفاءً لهذه "اللعبة" التي كان يمارسها السّارد- المؤلّف في شوارع المخيّم المُتربة، يقرر تقديم تبرع (5 دولارات) لشراء ذخيرة! وارتباطًا بظاهرة البنانير، يرسم المؤلّف صورة فتى في الحادية عشرة تلتصق به صورة حامل زجاجة من الحجم العائلي مملوءة بالبنانير، يقول إنه يحملها دائمًا لكي يكون "جاهزًا لتزويد من يطلب من الرماة الماهرين".

هي إذًا محاولات لأسطرة المقاومة والمقاومين، في حكايات وشذرات ولمحات سريعة، كلّها لتخليد صور من المقاومة، وابتكار الموازي الأدبيّ لما يجري على الأرض من وقائع خارقة، تصبّ كلّها في نهر الكفاح متواصل الجريان. ونواصل في هذا النهر الطويل والعميق، زمانًا ومكانًا، مع كاتب يرصد بوعي ثاقب وعينين حادّتَي الرؤية، تفاصيل النضال الصغيرة وهي تبني هرم المقاومة الأكبر. مقاومة مهدورة بفعل قوى المساومة. وهي مقاومة تقوم على جهود الفتيان (والأطفال)، الأمر الذي يؤكد أسطوريّتها، ويمنحها تميّزها.

حكايات كثيرة تستوقفنا مع المؤلّف، لا يمكننا الوقوف معها، لذا نقف، أخيرًا، مع حكاية هي بعض من حكايات الأمكنة، إذ يتوقف العيسة عند الأمكنة التاريخية البارزة والمعروفة، منها على سبيل المثال "جبل المكبّر"، هذا الجبل صاحب السيرة الميثولوجيّة الخرافية "لقاء توماس مان وعنترة بن شدّاد، وشيطنة الملك داود... مكانته أسيرة ميثولوجيا الدين الإبراهيميّ بتجلياته في الميثولوجيا اليهودية، المكان الذي أطلّ منه أبو الأنبياء، على جبل الموريا وهو يقود ابنه إسحق ليضحّي به...". فيما عُرف الجبل في الميثولوجيا المسيحية باسم "جبل المؤامرة" أو "جبل المشورة الفاسدة" حيث تقع فيه دار الكاهن الأكبر، المكان المفترض لاجتماع يهوذا الإسخريوطي والكهنة والقادة العسكريين، والاتفاق على تسليم السيد المسيح. ويذهب العيسة إلى أن ملحمة الاستيطان العربي الجديد للجبل تحضر في رواية محمود شقير "فرس العائلة"، ولا ينسى التذكير ببيت الشعر الشهير للشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) مهدّدًا قصر المندوب السامي الذي أقيم على الجبل، وفيه يقول أبو سلمى:

جبلَ المُكبّر، لن تلين قناتُنا
حتى نحطّمَ فوقكَ الباستيلا... 

الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

في معرض فلسطين للكتاب!


 


رواية سماء القدس السابعة، وصلت الأراضي المحتلة.

في معرض فلسطين الدولي للكتاب-جناح دار المتوسط.

الأديب عمر شبانة عن الراوية:

"عمل يقارب الروح الملحمية والتراجيدية".

#عمر_شبانة

#سماء_القدس_السابعة

#أسامة_العيسة

#منشورات_المتوسط

#معا_لنحارب_طواحين_الهواء

الأحد، 9 يوليو 2023

رواية القدس بروح ملحمية وتراجيدية/عمر شبانة


 


عمر شبانة في الإندبندت عربية عن رواية سماء القدس السابعة. إنَّها شهادة أديب كبير أعتز به، وبها:

*"عمل روائي يخرج على تقاليد الرواية الكلاسيكية التقليدية، بينما يقارب الروح الملحمية والتراجيدية، مع مقاربة مدهشة للفانتازيا والسحر والأسئلة، وقدر كبير من السخرية والمواقف الطريفة".

*"تتشكل مدينة القدس وقراها، في الرواية، من مجموعة هائلة من المعالم والتفاصيل، تفوق في تنوعها ما يمكن أن تتشكل منه أي لوحة فسيفسائية، فمن الصعوبة الإلمام حتى بالملامح الرئيسة التي يرصدها المؤلف".

*"تتجلى فسيفساء المدينة، أكثر ما تتجلى، في الأنماط العمرانية المتعددة، أنماط تعكس في تعددها وتنوعها عدد الحضارات والثقافات والنبوات والديانات، التي عبرتها أو أقامت بين أسوارها، وخارج الأسوار، هذا فضلاً عن التعددية الراهنة التي تجعل منها مدينة كوزموليتانية بامتياز واضح. وما يجعل المادة التاريخية خفيفة الثقل على القارئ، هو أمر يتعلق بأسلوب السرد الروائي".

*"برع الكاتب في توظيف الفانتازيا، في مواقف عدة".

*"وإذ تبلغ الرواية زمن اتفاقيات أوسلو، تبدو واضحة في إدانتها هذه الاتفاقيات، وأسلوب القيادة الفلسطينية ونهجها، وفساد زعماء الفصائل، بل الممارسات الفاسدة لمنظمة التحرير وقيادتها".

تفاصيل:

https://www.independentarabia.com/node/471486/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D9%8A%D8%B3%D8%A8%D8%B1-%D8%A3%D8%BA%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D9%88%D8%AD-%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR3ucpCaKscDxzpedeU7hkwcCq7mpdsrpNoD6Fhrnmy3QJ5K86nrvmLxiVY

#عمر_شبانة

#سماء_القدس_السابعة

#أسامة_العيسة

#منشورات_المتوسط

#معا_لنحارب_طواحين_الهواء

#نحن_نظرة

الاثنين، 11 أكتوبر 2021

شهداء الرب في تنوين..!


 


كتب عمر شبانة:

"دَمُهم شِريانٌ لحيواتٍ جديدة، وأرواحُهم طُيورٌ لا تكلّ من التّحليق، وقلوبهم عامرةٌ بحُبٍّ عظيم وشوقٍ هائل لمُلاقاة أحلامهم الذّاهبة في وطنٍ يعيشون لأجله فلا يموتون، وأمّا عقولهم، فقد تجاوزت الزّمن "العاديَّ"، وباتت أكبر من الأسطورة "المحلومَة"، وخارجَ الأطُر المألوفة. فمن هُم هؤلاء "الشُّهَداء" الذين لا تكاد تعرفهم حتى تنخرطَ في "شهاداتهم"؟!"

#العائدون_للنشر

#مكتبة_تنوين

#عمر_شبانة

السبت، 25 سبتمبر 2021

شُهَداءُ الرّبّ، شُهَداءُ العيَسَة/عمر شبانة


 


أن تقرأ عن الأطفال الشُّهَداءُ.. فــ"تَراهُم" و"تلمَسَهُم"

نعم، هذا ما تفعله كتابة المبدع أسامة العيَسَة بقارئه/قارئها، فهي تجعله يرى ما يقرأ ويلمسه ويشمّ رائحته ويتذوّقه. لذلك فإنّهم، بالنسبة إلى هذا القارئ، شهداء يتمنّى القارئ أن يكون معهم. فهُم شُهَداءُ "حُب الحياة"، شُهَداءُ "الحريّة" و"الكرامة"!

فأطفالُ/ شُهَداءُ العيَسَة ليسوا أسماء فقط، إنّهم مشاعرُ وأحاسيس وحكايات وبيوتٌ وآباء وأمّهاتٌ وجيران وأصدقاء ومدارس و.. انتفاضات لا تتوقّف.

دَمُهم شِريانٌ لحيواتٍ جديدة، وأرواحُهم طُيورٌ لا تكلّ من التّحليق، وقلوبهم عامرةٌ بحُبٍّ عظيم وشوقٍ هائل لمُلاقاة أحلامهم الذّاهبة في وطنٍ يعيشون لأجله فلا يموتون، وأمّا عقولهم، فقد تجاوزت الزّمن "العاديَّ"، وباتت أكبر من الأسطورة "المحلومَة"،وخارجَ الأطُر المألوفة. فمن هُم هؤلاء "الشُّهَداء" الذين لا تكاد تعرفهم حتى تنخرطَ في "شهاداتهم"؟!

لعلّ الغالبية العظمىممّن عرفوا انتفاضات الفلسطينيّين ضدّ الكيان الصهيونيّ العنصريّ، عرفوها عبر الصورة، وعن بُعد، ويأتي كتابُ العيَسَة هذا ليغوصَ فيها، في روحها وأعماقها، من خلال "أبطالها/ ضحاياها" الأوائل، خصوصًا الانتفاضة الأولى (1987)، وانتفاضة الأقصى (2000). فهو يخصّص كتابَه لأرواح شُهَداء الانتفاضَتَين من الأطفال، فيسمّيهم "شُهَداء الربّ"، و"ضحايا يَهوه"، لأنّهم ضحيّة قوّة خرافيّة- أسطوريّة ترتبط بالدّين وتتستّر خلفَ مقولاته، فيما هي تمارس أبشعَ جريمةٍ على وجه الأرض. 

ولقارئ هذا الكتاب أن يتوقّع الفصل بين زمن ما قبل قراءته وزمن ما بعد القراءة، فهو إذ ينتهي من قراءته سيكون شخصًا آخر يختلف عمّا كان عليه قبل ذلك. ستعرّف على عوالمَ وأسرار وخبايا الجريمة الصهيونية من جهة، وعلى عوالم الشُّهَداء ودوافعهم، في ضَعفهم كما في مواجهتهم وبطولاتهم، من جهة مقابلة!

أسامة العيَسَة: عرفناروائيًّا مبدعًا ومحلِّلًا بارعًا يتنقّل بين الميثولوجيا والواقع بقَدْر كبير من الرشاقة والعمق. ونتعرّف عليه، في كتابه هذا، خائضًا في الدّم "من الوريد إلى الوريد"!

#عمر_شبانة

#العائدون_للنشر

#معرض_عمان_الدولي_للكتاب

الجمعة، 17 سبتمبر 2021

يصدر قريبًا...


<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<
يصدر عن "العائدون للنشر" خلال أيام، كتاب أسامة العَيَسَة "شُهَداءُ الرّبّ: طفولة فلسطين المستَباحة في الانتفاضتين"
يصدر عن دار "العائدون للنشر والتوزيع"، خلال الأيام القليلة القادمة، كتاب الكاتب والباحث والروائي الفلسطيني أسامة العَيَسَة الذي يحمل عنوان "شُهَداءُ الرّبّ: طفولة فلسطين المستَباحة في الانتفاضتين"، ويقع الكتاب في (220) صفحة، ويضمّ عددًا من الفصول، تبدأ بـ "مُفتَتح: حيث كانت كاميرا"، ثم "عندما يمعنون في الغياب"، و"كم رصاصة تكفي لاغتيال الحلم والعمر الجميل؟"، و"من قتل حلمي شَوَشَة؟؟"، و"استمرّ المسلسل"، و"شهيد وملاك وآمنة وحسن وأوفير الإسْرائِيلِيّ وآخرون"، و"كم لونًا للدمّ؟"، و"قرابين وكهنة"، و"شهادات الرَّبّ"، و"كانوا هناك"، ويختم المؤلف بفصل "حيث لم تكن كاميرا".
وجاء في كلمة الغلاف التي وقّعها المحرّر الأوّل للدار عمر شبانة:
شُهَداءُ الرّبّ، شُهَداءُ العيَسَة
أن تقرأ عن الأطفال الشُّهَداءُ.. فــ"تَراهُم" و"تلمَسهُم"
نعم، هذا ما تفعله كتابة المبدع أسامة العيَسَة بقارئه/قارئها، فهي تجعله يرى ما يقرأ ويلمسه ويشمّ رائحته ويتذوّقه. لذلك فإنّهم، بالنسبة إلى هذا القارئ، شهداء يتمنّى القارئ أن يكون معهم. فهُم شُهَداءُ "حُب الحياة"، شُهَداءُ "الحريّة" و"الكرامة"!
فأطفالُ/ شُهَداءُ العيَسَة ليسوا أسماء فقط، إنّهم مشاعرُ وأحاسيس وحكايات وبيوتٌ وآباء وأمّهاتٌ وجيران وأصدقاء ومدارس و.. انتفاضات لا تتوقّف.
دَمُهم شِريانٌ لحيواتٍ جديدة، وأرواحُهم طُيورٌ لا تكلّ من التّحليق، وقلوبهم عامرةٌ بحُبٍّ عظيم وشوقٍ هائل لمُلاقاة أحلامهم الذّاهبة في وطنٍ يعيشون لأجله فلا يموتون، وأمّا عقولهم، فقد تجاوزت الزّمن "العاديَّ"، وباتت أكبر من الأسطورة "المحلومَة"، وخارجَ الأطُر المألوفة. فمن هُم هؤلاء "الشُّهَداء" الذين لا تكاد تعرفهم حتى تنخرطَ في "شهاداتهم"؟!
لعلّ الغالبية العظمى ممّن عرفوا انتفاضات الفلسطينيّين ضدّ الكيان الصهيونيّ العنصريّ، عرفوها عبر الصورة، وعن بُعد، ويأتي كتابُ العيَسَة هذا ليغوصَ فيها، في روحها وأعماقها، من خلال "أبطالها/ ضحاياها" الأوائل، خصوصًا الانتفاضة الأولى (1987)، وانتفاضة الأقصى (2000). فهو يخصّص كتابَه لأرواح شُهَداء الانتفاضَتَين من الأطفال، فيسمّيهم "شُهَداء الربّ"، و"ضحايا يَهوه"، لأنّهم ضحيّة قوّة خرافيّة- أسطوريّة ترتبط بالدّين وتتستّر خلفَ مقولاته، فيما هي تمارس أبشعَ جريمةٍ على وجه الأرض.
ولقارئ هذا الكتاب أن يتوقّع الفصل بين زمن ما قبل قراءته وزمن ما بعد القراءة، فهو إذ ينتهي من قراءته سيكون شخصًا آخر يختلف عمّا كان عليه قبل ذلك. ستعرّف على عوالمَ وأسرار وخبايا الجريمة الصهيونية من جهة، وعلى عوالم الشُّهَداء ودوافعهم، في ضَعفهم كما في مواجهتهم وبطولاتهم، من جهة مقابلة!
أسامة العيَسَة: عرفناه روائيًّا مبدعًا ومحلِّلًا بارعًا يتنقّل بين الميثولوجيا والواقع بقَدْر كبير من الرشاقة والعمق. ونتعرّف عليه، في كتابه هذا، خائضًا في الدّم "من الوريد إلى الوريد"!
أسامة العيسة: كاتب وصحافي ولد في مخيم الدهيشة في مدينة بيت لحم، فلسطين في 1963. عمل في عدة صحف فلسطينية وعربية، أصدر عدة روايات، منها "مجانين بيت لحم"، التي حازت جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015، وثلاث مجموعات قصصية، وكتب بحثية في الآثار وطبيعة فلسطين. وأعدّ أفلامًا تسجيلية عن الثقافة والسياسة في فلسطين.
سيكون الكتاب في جناح "دار فضاءات" (D13)، ضمن معرض عمّان الدوليّ للكتاب الدورة الثامنة عشرة المقام بين الثاني والعشرين من أيلول والثاني من تشرين أول القادم، في قاعة معرض السيارات الدولي – طريق المطار.

 

الخميس، 16 سبتمبر 2021

من يحكي عنا/رمزي أبو صوي


 


كتاب مثير جدًا للاهتمام، الفكرة جميلة، والطرح جديد وغني ومهم.

نحتاج لمن  يحكي عنا، بإنسانية وبهذه البساطة والعمق.

_في معرض عمان الدولي للكتاب (22-9) الى (2-10-2021)

-قريبًا في فلسطين.

صورة الغلاف: جعفر صدقة

بورتريه: رمزي أبو صوي

محرر أوّل دار العائدون للنشر: عمر شبانة

تفاصيل:

https://qudsnet.com/post/520946/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%B4%D9%87%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8-%D8%B7%D9%81%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B6%D8%AA%D9%8A%D9%86

#العائدون_للنشر

#جعفر_صدقة

#رمزي_أبو_صوي

#عمر_شبانة

الخميس، 6 مايو 2021

صراع الآلهة والأديان وصراعات الراهن/عمر شبانة


أثمار أو تمار أو تمارا، وربّما النخلة، هي لعبة الأسماء والمعاني التي تلعبها الراوية/ الساردة الأولى في مطلع رواية الفلسطيني أسامة العَيَسة الجديدة "الإنجيل المنحول لزانية المعبد" (الصادرة حديثًا عن منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، ولكن أن تجعل منهنّ نخلة كنعانية؟ فهذه لعبة تستوقف القارئ، منذ البداية، عسى أن يجد ما وراءها من خيوط وخطوط. فما الذي يبتغيه الروائيّ من توظيف لهذه الأسماء؟ وهل من أكَمة وراء البدء بهذه الأسماء في مطلع الرواية؟

نعم ثمّة أكمة تبدأ منذ عنوان الرواية، فعن أيّ "زانية" من "زانيات المعابد" يجري الحديث؟ وما إنجيلها المنحول؟ وما قصّتها، وما علاقتها بالنخلة وأثمار والبقية؟ بالتأكيد لن نذهب إلى الأسطورة وجذورها إلا حيث يتطلّب الأمر، بل سنبدأ من أثمار ووالدها الكاهن الذي أسماها باسمها لأسباب دينيّة أوّلًا، ولكن الأهم في اختياره اسمها هو لكي تكون كالنخلة، جميلة مثمرة، مستقيمة بلا أيّ اعوجاج، فالأشجار كلّها تنمو مع اعوجاج إلّا النخلة تستمرّ صعودًا بجذع مستقيم. كما أنّ والدتها لم تكفّ عن ترتيل أناشيد تُعدّد فوائدها البالغ عددها 360، فتقوم بإنشادها لها حتّى تنام.

تمار إحدى ضحايا الشرق المنخور بالذكورة، ولا علاقة مباشرة لها ببني إسرائيل، لا إبراهيم ولا إسحاق ولا يعقوب، بل هي النخلة الكنعانية، امرأة تحبّ أن "تروي" وتكتب حكايتها بنفسها حتى لا يقوم كاتب (رجل) بتزويرها، أي أنّ الكاتب هنا يُسلّم أموره للراوية لتقدّم نفسها، وهذه فكرة أولى جديدة على الرواية، حيث يترك الكاتب لبطلته مهمة الكتابة، وليس مجرّد الحكي. إنّنا حيال شخصية ملتبسة بين كونها "بطلة" العمل وكونها "الكاتبة" التي تتحكّم بمصيرها ومصائر شخوص الرواية.

 

السبت، 7 يناير 2017

فلسطين العَيَسة بين الاحتلال والسلطة/عمر شبانة



بعد روايته «مجانين بيت لحم»، التي كتب في تقديمه لها «لم أكتب إلا السّطر الأوّل في ملحمة مجانين فلسطين والعرب على أرض بيت لحم، على أرض الدهيشة»!، تساءلتُ إن كان قد ظلّ في بيت لحم، ومخيّم الدهيشة، أو في فلسطين كلها، شيء لم يكتب أسامة العَيَسة؟ لكنّني فوجئت اخيراً بأن كتابه الجديد، يقول المزيد والجديد الكثير (ثمانية عشر نصّاً قصصيّاً، دار نشر الفسائل - القدس، 2017).
الكتاب الجديد مجموعة نصوص سرديّة، بطابع حكائي، يصعب تجنيسها أدبيّاً، ولا أميل إلى تصنيفها قصصاً قصيرة أو طويلة، فهي نمط جديد في السرد، في نكهة تمزج الكتابة بأسلوب التحقيق الصحافي، مع الكتابة بأسلوب «السيرة الشعبية»، و «التاريخ الشفوي»، يُنتج أدباً «شعبيّاً» قريباً من روح الشارع، بما فيه من فكاهة وسخرية تبلغ حدود «المَسْخرة» تجاه الحياة اليوميّة، وتجاه المواقف التاريخية. أقرب إلى «نصّ مفتوح»، ليس في المعنى الفنيّ فقط، بل الموضوعاتيّ أساسًا. ينفتح على حكايات متناسلة ومترابطة ومتداخلة، ويتّسع لـ «روايات» متصارعة على امتلاك «الحقيقة»، حقيقة الأرض والتاريخ والبشر في فلسطين.
يشتغل العيسة في هذه النصوص، في منطقة ما بين الأدبيّ والتاريخيّ والسياسيّ، ليقدّم من خلالها رؤيته لكثير من عناصر «رواية» ما يجري في أرض فلسطين التاريخية، أعني «الرواية» بوجهَيها المتصارعَين؛ الفلسطيني والإسرائيليّ. أي روايتين متناقضتين للحدث الواحد، ولـ «الحقيقة» نفسها، ما يعتبره كل من الطرفين حقيقة مطلقة. وفي هذا الإطار يواصل الكاتب «حفريّاته» في المكان والزمان الفلسطينيّين، فضلاً عن الحفر في جغرافيا النفس البشريّة، عربية ويهوديّة.