أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بنت من القدس الجديدة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بنت من القدس الجديدة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 19 فبراير 2026

أسامة العيسة يكتب عن بكارة صالحه



واخيرا تمكنت من الحصول على رواية الصديق المبدع اسامة العيسة (بنت من القدس الجديدة) فقد ارسلها لي مشكورا عبر مسافر ، ولم يتوانى عن تلبية طلبي في الحصول عليها، وقد قرأتها فور وصولها بشكل متواصل حتى انتهيت منها
هل أريد قراءتها مرة أخرى؟ اعترف اني ارغب بذلك، لكي أجيب عن الاسئلة التي أثارتها في راسي بأكثر تمعن، مع اني قد هضمتها من القراءة الأولى، لماذا اقول ذلك؟؟
صديقي المبدع اسامة رفيق المدرسة، والشباب، والحال في المخيم، امتلك منذ البدايات معرفة وثقافة واسعة ،خاض تجربته الخاصة بـ وعي واختيار في أجواء مفعمة بالفكر، وهو دودة كتب حقيقية ،وتخصص في نبش المخطوطات، والسير، وكتب الرحالة،وامهات التراث العربي، ولاحق حذافير التاريخ على الصخور والحجارة والأماكن ،وامتلك نواصي السير وأخبار الرحالة، وكان بذلك مختلفا عن جيل الثقافة الموجهة و المنتقاة (المؤطرة)بفكر محدد، وتنحى بوعي عن إيديولوجيات( النقيضين) المصاغة للابتلاع، وهذا يبدو بوضوح في أعماله الروائية ومنها هذه الرواية.
يقول اسامه أن هذه الرواية هي حكايته هو عن صالحة، بنت ابو صالح ،التي خرجت للعلن تطالب بثمن بكارتها! محدثا هذه الدهشة من الصفحات الاولى، بجراة تطالب القاضي أن يفصل في ثمن بكارتها التي أخذها محمد المسيحي! إمعانا في الادهاش والتساؤل، هل هذه حبكة روائي أم أنها حقيقة؟
ويدخل أسامة بسلاسة وخبرة الى تفاصيل وثائق تشابه هذه الحالة، ليتمكن القاضي من إصدار الحكم، وصالحة لا تتراجع، رغم العيب والعار، ومفاهيم مجتمع تفرض على مثل هذه الحالات السكوت ،واحيانا دفع ثمن قد يكون الحياة نفسها
يبدأ اسامة يقلب صفحات وثائق قديمة في محاكم القدس ويا لهول ما يصل إليه، وهنا يطرق ذهن القاريء اسئلة عميقة، ماذا يريد اسامة ان يقول؟ هل هو ساخر أم حزين مما وصل إليه؟؟ هل هو شامت بهذا الموروث، وخجل منه، ام انه محايد، ينفي علاقته به؟ هل تجرد من عبء الاصطفاف واصبح هو وقناعاته الخاصة؟ ما هو موقفه من كل ما قدمه في تلك الوثائق؟ هل أراد أن يسألنا أين نقف من كل ذلك؟؟ ماذا أراد منا؟؟
وتستمر الرواية في خطها الأعمق تشرح عن التهجير والاحلال وسطوة الغرباء وربما احيانا يحمل على أهل المكان، وقد غمز بذكاء لمواقفهم، واحيانا اخرى يظهر عجزهم ،ولم يخفي اسفه عن ضياع المكتبات والكتب، كل هذا وصالحة لم تتراجع عن طلب ثمن بكارتها.
كقاريء تريد وترغب أن يسحبك اسامة الى اعتبار بكارة صالحه معادل روائي للمدينة والبلاد، لكنه صلف وقاسي لا يقبل بذلك ،لا يريد لك كقارئ عربي أن تستعيض عن العار، بشماعة الاحتلال القذر ،يبقي هذا الحد الفاصل بين بكارة صالحة وضياع البلاد.
لا شك أن أسامة وهو المشاء الحكاء بامتياز، قد تعرف لحي الطالبية و القطمون و البقعة والأحياء المجاورة للمدينة ويعرف بناياتها بدقة، ويعرف بأسماء أصحابها وتفاصيل حجارتها واشجارها بشكل شخصي، وهو الباحث الموثق ،وهذا ليس مفاجا لي ،وقد أبقى اسامه تفاصيل حكاية صالحة للنهاية، ولم يخبرنا عن مصدرها إلا في نهاية الرواية ، وهذا من خبرة روائي متمكن من ادواته ،يصيغ أعماله بذكاء وهدوء يحسب له.
لم تكن رواية صالحة فكرة كاتب، بل هي حكاية حقيقية خرجت من مذكرات يمتلكها أسامة كما قال ،واضاف انه يرفض استغلالها،مما يدل على أنها تحمل أكثر مما قاله لنا ، وهذا ضمير كاتب فطن وصادق، لا يبحث عن ذاته، بل عن ما قد يهم ويفيد الآخرين،وافترض أن أسامة قد حفظ بامانة، اسرار صالحة التي لا داعي لأحد أن يعرفها، وكان محل ثقة الرجل الذي ائتمنه عليها قبل وفاته،وبذلك كان معه حق ان يثق بصديق المجانين كما قال عنه.
هذه الرواية من النوع الذي لا يتركك بعد ان تنتهي من قراءته، بل تبقى تتحرك داخلك وتطرح اسئلة ، وجبة للعقل دسمة ،ومثيرة ،رغم أنها تقع في ١٥٠ صفحة تقريبا ،لكنها تفيض عن دفتي الكتاب، واترك تشريح الرواية أدبيا لأي ناقد متخصص فأنا قارئ واكتب انطباعي من هذا المكان فقط،
هذه الرواية ازعجتني في البدايات ، لم أتردد في انهائها بشكل متواصل ،خطفتني لاكملها، واسعدني في النهاية أني حصلت عليها ، شكرا لك اسامة على إرسالها لي،

الاثنين، 29 ديسمبر 2025

القدس تُقرأ من نسائها/ ردينة ياسين


 


مدينة لا تقرأ من حجارتها فقط بل تقرأ أيضا من نسائها حيث كتب الكاتب الفلسطيني ابن مدينة بيت لحم واستاذي "أسامة العيسة" كتب عن "تقاطع الجسد مع القانون وعن الشرف حين يعرى امام مؤسسات عاجزة وعن مدينة لا تقرأ من خلال حجارتها بل من نسائها أيضا"

مدينة واحدة وعقائد ثلاث هو عنوان كتاب للكاتبة كارين أرمسترونج وهي مستشرقة بريطانية، قمت بقراءته، يتحدث عن صراع الديانات الثلاث وحق الوجود لكن عند العودة لسماء القدس السابعة للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة: نكتشف ان القدس دائما تبحث عمن يكفلها ويحميها ويقودها لبر الأمان عبر حجارة وتاريخ لكننا هنا نكتشف ناسها أكثر كافل الراوي كان تاريخا للمدينة ووصفا لشوارعها وبيوتها والتفاصيل الدقيقة المخفية لحجارتها فكانت تفاصيل الحياة داخل البيوت هامشية لإكمال السرد الروائي فقط.

لكن صالحة اخذتنا الى عتبات جديدة مخفية من القدس عتبات الناس البسطاء المساكين، الناس الذين عليهم دفع الثمن وهم على خطأ، وان كان الحق معهم فهنا نتحدث عن جنون مختلف جنون المهمشين المظلومين لا جنون العقلاء.

صالحة، ابنة حي البقعة، فتاة جميلة ومثقفة، ومتمردة، تذهب إلى المحكمة لتطالب بثمن بكارتها، التي أزيلت دون وجه حق، كما تقول. فهي ليست ضحية، بل صاحبة حق تقف وحدها، في مواجهة قاض ومجتمع وميراث طويل من التواطؤ والخوف. فنحن هنا امام تشكيل من الفساد الإداري والزوايا المخفية والحجارة التي تشهد لكنها لا تستطيع أن تنطق.

هنا القدس، ليس من بوابة التاريخ او الكتب المقدسة أو الحكايات الرسمية، بل من زاوية لم يفكر بها أحد: من معالم اسوار المدينة وحاراتها، ومن محاكمها ودوائرها الرسمية، ومن شوارعها التي تشهد ولا تنطق. "بنت من القدس الجديدة رواية عن الجسد في مدينة الجدران، وعن امرأة تطرق باب العدالة بظهر منحني يبحث عن حق ضائع وهو الشرف.

هنا نتحدث عن بيت وسقف واعمدة ثابتة بالأرض فالبيت هو اهل القدس والسقف والاعمدة هي المدينة، وصالحة هنا هي بيت القدس والبيت هو الوطن وحقها الضائع لان القدس كما صالحة هي الزمان والمكان والحاضر والمستقبل صالحة، هنا هي الجريئة والمتمردة والمثقفة فهي مجروحة كجرح القدس هي ابنة صحفي كاتب اجتماعي يتحدث عن قضايا القدس. فهنا بين القدس واسوارها واحيائها الجديدة وقصورها وبيوتها امام نكبة صالحة بنت القدس الجديدة، المدينة التي تنهض وتبنى بتسارع يتماشى مع الأنظمة الحديثة لكن صالحة سقط حجابها وبانت سوءتها وفقدت ما لا يستطاع أن يرد. كان هذا في زمن دخول أبناء التايمز مدينة القدس وخروج أبناء عثمان منها.

بين القدس وأهلها نروي حكايات الناس البسطاء العاديين بمشكلاتهم وظروف حياتهم، فنجد البقعة وحي القطمون والطالبية في القدس الجديدة التي بدأت تُبنى خارج السور القديم ببيوت ناسها التي ستسرق من قبل الغزاة بعد حين، كما نجد حكايات السكاكيني وإميل حبيبي وآخرين من رواد الثقافة والأدب، وكأنَّ زمن القدس لا يتوقف عند المكان، بل يأبى إلا أن تحضر الأسماء كشواهد في مشاهد دورة حياة القدس الجديدة التي بُنيت خارج السور القديم رغبة في الحياة والتطور الحتمي للمدن العتيقة.

يمكن تلخيص الرواية كاملة في شكوى مقدمة الى المحكمة، من فتاة مقدسية شكوى ضاعت بين تفاصيل المحاكم ودفع المظلوم ثمنها لا الظالم.

إنَّها صالحة التي كشفت عن قضيتها بكامل إرادتها، وصرخت في المحكمة، غير مهتمة بالعادات والتقاليد والمجتمع، واصرت على اخذ حقها ممن أخذ او هتك عرضها الكلمة التي دوَّت في المحكمة وجعلت القاضي في صدمة مما سمع فهي تحدث لأول مرة جعلته يتساءل هل يعيش عالم عربي او أجنبي.

تاريخ الحادثة كما وردت في الرواية، زمن قدوم الاستعمار الإنجليزي إلى البلاد، او أبناء التايمز وانتهاء زمن العثمانيون، فنحن هنا نذهب مع زمان القدس عبر صالحة واهل القدس في تتابع الزمن والاجيال، وصولًا إلى زمن القدس الجديدة المحتلة 1948 زمن الاحتلال من قبل عصابات الهاغانا وشترن والذين أصبح لهم دولة وجيش وشأن يخيف المحيط، وسيقيمون معاهدات سلام وتفاهمات مع الجوار واتفاقيات هدنة.

لا تأتي صالحة مترددة أو خائفة لا هي تأتي بكل قوة لتخاطب القاضي وتطالب بتقدير ثمن بكارتها، ثم تراجع القاضي الأعلى لأنها صدمت بطول الإجراءات، وتعالي القضاء. وفي الجلسة، حين تسترسل حجتها: «لا يوجد للواحدة منا إلا بكارة واحدة»، كان السرد هنا يتحدث هنا عن الحق والقانون والمجتمع.

من خلال قاض يلقبه أصدقاؤه الأدباء في مقهى الصعاليك حيث يجتمعون (التنكزي) لكنه قاض مأزوم بالأسئلة المهنية والأخلاقية. لا يعود إلى بيته بعد أول مواجهة مع صالحة، بل يلجأ إلى أرشيف المحكمة الضخم وغير المنظم ليقلب سجلات قديمة «بحثاً عن قضايا مشابهة نظرها أسلافه»، فيعلن منذ البداية أن زمن القدس متكرر وأن ما نشهده اليوم له سوابق وأشباه في قرون مضت. يعود القاضي إلى سجلات شرعية تعود إلى 1545م تُدين رجلاً في باب حطة وتنفِيه من المدينة، فيرى في التعزير حكماً مناسباً ويتوقف عند قسوة النفي كعقوبة تاريخية.

تتحدث الرواية أيضا عن شواهد تاريخية حدثت بالقدس مثل حادثة تفجير فندق الملك داوود، محاولا تغيير اسماء المناطق مثل البقعة حارة صالحة التي يسميها أهلها وادي الورد لحدائقها وماء الورد، في مقابل الاسم العبري «عِيمِق رفائيم»، ومحاولة تغييره في زمن الإدارة البريطانية التي رفضت خوفاً من غضب السكان. هنا تُبرز الرواية الصراع على الذاكرة والخيال، وان تغيير المعالم هو جزء من فرض السيطرة.

كذلك من سجلات الأرشيف 1556-1557 مشهد الاختلاط بين رجال القدس ونسائها في الحرم القدسي وهذا يدل على ان المجتمع يعاد تدويره وان القدس تفهم من خلال أهلها وبيوتها وسجلاتها المكتوبة.

تحدث الكاتب أيضا خبز القدس المقدس (الخبز المطبب) الذي عرفه أبو ميلاد انه رمز للضيافة مثل فنجان القهوة حيث سافر من أديرة السالزيان في إيطاليا في القرن التاسع عشر ليزيّن موائد عابرة للمتوسط موائد القدس، حيث ربط بين إيطاليا والقدس، بين الرهبنة والبيت، بين المدينة ومطبخها في تفصيل جديد لهوية المدينة.

وأخيرا برغم كل شيء تبقى القدس بناسها وحجارتها واحداثها مدينة واحدة لا تتكرر وان تشابهت في جوانب معينة مع بيت لحم.

#ردينة_ياسين

#بنت_من_القدس_الجديدة

#منشورات_المتوسط

#أسامة_العيسة

السبت، 27 ديسمبر 2025

في طولكرم المحاصرة!



في طولكرم المحاصرة، في الوطن المتشظي المحاصر.

سماء القدس السابعة:

يعودَ الروائيُ إلى قُدسِ السبعينياتِ التي تتعرضُ إلى ما يشبهُ المجاعةَ للمرةِ الثانيةِ، بعدُ خروجها منْ حربِ ثانيةٍ خلالَ عشرينَ عاما، وتحاولَ احتواءَ صدمتها، معَ محتلها المنتصرِ، والمتفوقَ.

بنت من القدس الجديدة:

هنا، يعيد أسامة العيسة تشكيل ذاكرة القدس، لا من بوابة التاريخ المقدس أو الحكايات الرسمية، بل من زواياها الهامشية من خوخات السور، ومن المحاكم، ومن الشوارع التي تشهد ولا تنطق.

ــــــــــــــــــــــــــ

احصل على نسختك من مكتبة دار أوغاريت

📍طولكرم - شارع نابلس - مجمع رياض الشلبي / ط6 .

🚚 خدمة التوصيل متوفرة إلى الضفة والقدس والداخل.

تواصل معنا أو على الرقم التالي:

0592960106

واتساب +972 526811647

#سماء_القدس_السابعة #بنت_من_القدس_الجديدة #منشورات_المتوسط #أسامة_العيسة 

الخميس، 25 ديسمبر 2025

من جنون إلى جنون/ ردينة ياسين


ربما سنذهب من جنون  بيت لحم، الـى جنون صالحة

لكن بيت لحم الآن هي وحبيبتها القدس، تحتفلان احتفالات السلام والمحبة، بمولد السيِّد المسيح.

الليلة علينا أن نفهم كيف ذهبت صالحة وما هو الجنون المخفي في الرواية.

بنت من. القدس الجديدة؛ آخر كتاب للسنة.

أسامة العيسة. وإبداعه.

#ردينة_ياسين

#بنت_من_القدس_الجديدة

#منشورات_المتوسط

#أسامة_العيسة

 

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

في العراق!


 


بنت القدس تصل بغداد، جناح منشورات المتوسط، في  #معرض_العراق_الدولي_للكتاب 2025 في(جناح رقم A1)

#إياد_شماسنة: " يقدّم أسامة العيسة في روايته «بنت من القُدْس الجديدة» عملاً سرديّاً يختبر قدرة الأدب على مساءلة القانون، والأخلاق، وذاكرة المكان والتاريخ  في آنٍ معاً".

#بنت_من_القدس_الجديدة

#منشورات_المتوسط

#أسامة_العيسة

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

"بنت من القدس الجديدة" لأسامة العيسة: مدينة من لحم ودم وخطايا!/ بديعة زيدان


 
تُعد رواية "بنت من القدس الجديدة" لأسامة العيسة، الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا، نصاً سردياً مشاغباً للتاريخ، يبتعد عن السرديات البطولية التقليدية للقضية الفلسطينية، ليغوص في التاريخ الاجتماعي والنفسي لمدينة القدس وسكانها، من خلال مأساة فردية تتحول إلى استعارة كبرى للضياع.
تدور أحداث الرواية حول "صالحة"، وهي فتاة مقدسية من حي "البقعة" (القدس الجديدة)، ابنة الصحافي المتنوّر "صالح أبو صالحة".. الحدث المحرك للرواية صادم وغرائبي، بحيث تذهب صالحة إلى المحكمة الشرعية (المدرسة التنكزية سابقاً) لتشتكي "محمد حنا" (مسيحي يحمل اسماً مركباً)، مطالبة إياه بـ"ثمن بكارتها" التي "انتهكها" بطريقة غير مشروعة، معتبرة أن هذا حق لا يسقط، بالاتكاء إلى حكم سابق من محكمة البداية.
تستعرض الرواية تفاصيل الحياة في الأحياء الجديدة خارج الأسوار (البقعة والقطمون) كرمز للحداثة الفلسطينية التي كانت تتشكل، فقد بنى والد صالحة منزلاً حجرياً جميلاً في حي البقعة، يرمز للاستقرار والنهضة العمرانية، فيما تظهر صالحة كفتاة عصرية، تقود دراجة نارية، وتذهب للسينما، وتعمل في فندق الملك داود، وتسجل في مفكراتها تفاصيل الحياة اليومية، والمشتريات، والديون، وحتى متابعتها للأغاني والإذاعات، ما يعكس نمط حياة منفتحاً يختلف عن انغلاق البلدة القديمة.
والدها "صالح أبو صالحة" صحافي ومثقف، كان عضواً في "جمعية الاتحاد والترقي"، وطرح فكرة دولة موحدة (إسراطين) كحل سياسي مبكر، لكنه قوبل بالسخرية والتخوين.
تتقاطع مأساة صالحة الشخصية مع الكوارث العامة التي حلت بفلسطين، كحادثة تفجير فندق الملك داود، حيث كانت تعمل، هي التي نجت من التفجير الذي نفذته عصابة "الأرغون" الصهيونية في العام 1946، وشاهدت الدمار الذي لحق بالمكان الذي كان يمثل جزءاً من عالمها الحديث، وكسقوط "البقعة" في العام 1948، بحيث تصف الرواية بدقة مؤلمة لحظات سقوط الحي.. لم تكن معركة عسكرية بقدر ما كانت عملية استيلاء ونهب، حيث دخلت العصابات البيوت، وسرقت الأثاث، والسجاد، والبيانو، وحولت المنازل العامرة إلى ركام أو مساكن للمهاجرين الجدد.
غادرت صالحة ووالدها القدس على أمل العودة قريباً (إجازة قصيرة)، حاملين حقائب صغيرة، متجهين إلى القاهرة، وتحديداً للعيش في حي مصر الجديدة (هليوبوليس)، الذي كان يشبه في حداثته "القدس الجديدة" المفقودة، وهناك عاشا وسط جالية فلسطينية تنتظر العودة، يجترون الذكريات ويتابعون الأخبار السياسية بأمل يتضاءل تدريجياً.
توفي والد صالحة في القاهرة مقهوراً، لتدفنه هناك، وتفقد السند الأخير الذي كان يربطها بماضيها وعزتها، وبعد حرب العام 1967، واحتلال ما تبقى من القدس، تقرر العودة، لكنها تجد مدينة مختلفة تماماً، فحين تذهب إلى منزلها تجده مسكوناً من قبل عائلة يهودية، ولم يتبقَ من ماضيها سوى شجرة الكينا والبيانو الذي لم يعد يعزف ألحانها.
وهنا تدرك صالحة أن ضياع "بكارتها" كان استعارة لضياع المدينة بأكملها، حيث لم يعد هناك من يطالب بحق أو يعيد ما سُلب، لينتهي المطاف بها في مستشفى للأمراض العقلية (دير المجانين) في بيت لحم، المكان الوحيد الذي يتسع لذاكرتها ومأساتها، قبل أن تموت وحيدة وتدفن في "مقبرة الغرباء".
وهذه التفاصيل ترسم مساراً من الصعود ممثلاً بالانفتاح إلى الهبوط ممثلاً بالنكبة والمنفى والجنون، جاعلة من جسد صالحة وحياتها خريطة لمدينة القدس وتحولاتها التراجيدية، فبكارة صالحة هي المعادل الموضوعي لـ"فلسطين" أو "القدس" نفسها، ومطالبة صالحة بـ"ثمن البكارة" في المحكمة صرخة عبثية ترمز لمطالبة الفلسطينيين بحقوقهم المسلوبة من قوى استعمارية أو متواطئة، وهي حقوق لا تُسترد.
أما "القدس الجديدة"، فترمز إلى الحداثة الفلسطينية المجهضة، خاصة أنّ الرواية تركز على العائلات التي خرجت من أسوار البلدة القديمة لتبني حياة عصرية (بيوت حجرية، وبيانو، ولغات، وانفتاح)، وكيف تم تدمير هذا "الفردوس" ونهبه، بينما يمثل "محمد حنا" الخديعة، أو ربما التناقضات الهوائية للواقع، فهو مسيحي يُدعى محمد، يستغل صالحة ثم يتنصل منها، تماماً كما تنصلت القوى الدولية من وعودها للقدس.
أمّا استخدام مفكرة "صالحة" التي تحتوي دعاية بريطانية لتدوين مأساتها الشخصية، فيرمز إلى سحق السردية الفردية الإنسانية تحت عجلات البروباغندا السياسية الكبرى.
الشخصية المحورية هي "صالحة"، وهي ليست مجرد ضحية، بل هي "القدس" المتمردة والمكسورة.. شخصية إشكالية، جريئة لدرجة الوقاحة كما قد يراها البعض، لكنها مثقفة، وإن انتهى الأمر بها بالجنون أو ما يشبهه، وهي تمثل الجانب الإنساني المغيّب للمدينة المقدسة.
القاضي الذي ينظر في القضية، ويلقب نفسه بالتنكزِي، غارق في التاريخ المملوكي، يهرب من قضايا واقعه إلى مخطوطات التاريخ وسيرة الأمير "تنكز"، يتعاطف مع صالحة إنسانياً لكنه يجد نفسه مكبلاً بالنصوص والإجراءات، فينتهي به الأمر إلى إحالة القضية للمحكمة الكنسية، ما يعني ضياع حق صالحة عملياً، وهو هنا يمثل السلطة العاجزة، والمثقف الذي يهرب من "القدس الحالية" المليئة بالدناسة والرعب إلى "القدس التاريخية" (زمن المماليك وتنكز) عبر الكتابة والبحث، في محاولة لترميم الواقع عبر التاريخ.
ويمثل صالح أبو صالحة (الأب)، المثقف الفلسطيني التنويري المهزوم، وهو صحافي أسس جريدة تدعو للحرية، واقترح دولة موحدة (إسراطين) مبكراً، لكنه انتهى لاجئاً ومهمشاً، في ترميز لجيل النهضة الذي انكسر مشروعه.
ومَنَحَ حضور خليل السكاكيني كشخصية حقيقية، الرواية، مرجعية تاريخية وتوثيقية، كممثل لضمير القدس التعليمي والتربوي الذي شهد على النكبة وضياع مكتبته الشخصية، التي ترمز لضياع الذاكرة الثقافية.
تميّز أسامة العيسة في هذه السردية بكسر الإيهام الروائي، حيث الراوي لا يكتفي بالسرد، بل يتدخل بصفته "كاتب مجانين بيت لحم" أو "الروائي"، يعلق على الأحداث، ويخاطب القارئ مباشرة، ويسخر من شخصياته أحياناً.. هذا الأسلوب يجعل من الرواية "بحثاً في كيفية كتابة الرواية" وتوثيقاً للتاريخ المنسي والمهمش (تاريخ الجنون، والمومسات، والمهمشين)، بدلاً من تاريخ القادة والزعماء.
وتدمج الرواية بين الخيال والوثيقة، حيث يستحضر الكاتب نصوصاً من سجلات المحاكم الشرعية المملوكية والعثمانية، ومقالات صحافية قديمة، وقصائد، ليعطي السرد عمقاً أنثروبولوجياً، كما تتميز بتعدد الأصوات، بحيث تتنقل الرواية بين صوت الراوي العليم، ويوميات صالحة (المفكرة)، وأبحاث القاضي التاريخية، ما يخلق منها فسيفساء لمدينة القدس.
أما اللغة فهي مشحونة بسخرية مريرة، وهي لغة تمزج بين الفصحى الرصينة (خاصة في استعارة لغة السجلات القديمة)، وبين روح اللغة المحكية الفلسطينية المقدسية، كما أنها مثقلة بالمعرفة التاريخية والجغرافية.
وتُخرج الرواية القدس من كونها "رمزاً دينياً" مقدساً وجامداً، لتصبح مدينة من لحم ودم، فيها "الدناسة" كما "القداسة".. إنها مدينة البشر بخطاياهم ونزواتهم، وليست مدينة الملائكة فقط، مركزة على تاريخ الناس العاديين، فيما كان تناول موضوع "البكارة" وربطه بضياع الوطن مدخلا جريئا وغير تقليدي في الأدب الفلسطيني.
لكن القارئ، قد يشعر أحياناً أن صوت "الباحث" يطغى على صوت "الروائي"، خاصة في الفصول التي تتناول تفاصيل العصر المملوكي والأمير تنكز، ما قد يقطع التدفق العاطفي لقصة صالحة، كما أن الانتقال بين الأزمنة والشخصيات الكثيرة، مثل: روبرت كندي، واللورد بيل، وشخصيات عابرة عدة، قد يشتت القارئ عن الخط الدرامي الرئيسي.
ورغم ذلك، يمكن اعتبار رواية "بنت من القدس الجديدة" مرثية جارحة للحداثة الفلسطينية التي قُتلت في مهدها، وكأن العيسة يطالب باستعادة ذاكرة مدينة كاملة تم انتهاكها، ليس فقط عسكرياً، بل ثقافياً وإنسانياً.. إنها رواية تقول، إن ضياع "البقعة" و"القطمون" وبيوتهما الجميلة، جرح لا يقل عمقاً عن ضياع المقدسات.

https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/421045/%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%84%D8%AD%D9%85-%D9%88%D8%AF%D9%85-%D9%88%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D9%8A%D8%A7?fbclid=IwY2xjawOStIlleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEe6-FJeUrTK8yCAjHYOPrnIBVgoVcbeBm0-LB3if7NzQxGvaLeygpS-ZQZQHI_aem_B7y9vjUT8--Fk4beH8UJYA

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

في الشارقة!


 


بنت القدس في الشارقة!

تجدون في جناح #منشورات_المتوسط

 في (Hall 1_ جناح رقم X_18)

#معرض_الشارقة_الدولي_للكتاب 2025

#بنت_من_الـقـدس_الجديدة #أسامة_العيسة

الأحد، 2 نوفمبر 2025

عدالة الجسد وسياسة المكان والذاكرة


 يقدّم أسامة العيسة في روايته «بنت من القُدْس الجديدة» عملاً سرديّاً يختبر قدرة الأدب على مساءلة القانون، والأخلاق، وذاكرة المكان والتاريخ  في آنٍ معاً. هذه الرواية «رواية مدينة» تُكتب عند تخوم المحاكم في أوائل القرن الماضي، والأرشيفات، والمخططات الاستعمارية، ومائدة الخبز اليومي. جوهرها واقعة قضائيّة تبدو بسيطة في ظاهرها: امرأة مقدسيّة (صالحة) تتقدّم صراحة إلى المحكمة وتطالب بتعويضٍ عن «إزالة بكارتها بطريقة غير مشروعة». غير أنّ العيسة يحوّل هذا الملف إلى عدسةٍ تكبّر طبقات القدس: سلطة القاضي، أخلاق الجماعة، هندسة المستعمر للفضاء، وسياسات التسمية، وحياة الناس الدقيقة. من هنا تأتي فرادة الرواية: حيث أنها تنسج التخييل بالوثيقة بدون أن تُسلم قيادها لأيٍّ منهما.

قاعة المحكمة بوصفها مسرحاً للمدينة

ينطلق السرد من قاضٍ يلقبه أقرانه الأدباء في «مقهى الصعاليك» بـ«التنكزي»، وهو قاضٍ مأزوم بالأسئلة المهنية والأخلاقية. لا يعود إلى بيته بعد أول مواجهة مع صالحة، بل يلجأ إلى أرشيف المحكمة الضخم وغير المنظم ليقلب سجلات قديمة «بحثاً عن قضايا مشابهة نظرها أسلافه»، فيعلن منذ البداية أن زمن القدس دائريّ متكرر وأن ما نشهده اليوم له سوابق وأشباه في قرون مضت. هذا التخييل لا يلغي الانحياز إلى «الوثيقة»، لكنه يفتح له ممرّاً: يعود القاضي إلى سجلات شرعية تعود إلى 1545م تُدين رجلاً في باب حطة وتنفِيه من المدينة، فيرى في التعزير حكماً مناسباً ويتوقف عند قسوة النفي كعقوبة تاريخية.
وهكذا تُبنى الرواية على حركة ذهاب وإياب بين غرفة المداولة وحواشي السجلّات: كلّ استدعاء لوثيقة قديمة يرفد الحاضر بتأويل جديد، وكلّ ترددٍ في المحكمة يدفع الراوي إلى حفريات أرشيفية أو إلى ساحة المدينة. هذا التناوب يمنح النصّ إيقاعاً بحثياً دون أن يفقد نبض الحكاية.
تتبدّى جُرأة الرواية في وضع جسد المرأة داخل لغة الحقّ. لا تأتي صالحة مستحية ولا مترددة؛ إنها تخاطب القضاء مباشرةً وتطالب بتقدير ثمن بكارتها، ثم تراجع القاضي الأعلى لأنها اصطدمت ببطء الإجراءات، وبيروقراطية القضاء. وفي الجلسة، حين تسترسل حجتها: «لا يوجد للواحدة منا إلا بكارة واحدة»، يلتقط السرد منطق الندرة والتعويض ليختبر سُبل تحويل «الفضّ» من وصمة اجتماعية إلى واقعة قانونية قابلة للإثبات والتعويض، مع ما يثيره ذلك من أسئلة: كيف يُثبت الشرع ذلك؟ وكيف تنضبط المعايير في قاعةٍ محكومة بأعراف المدينة وبيروقراطية الدولة؟
لا يقدّم النصّ أجوبة حاسمة؛ إنه يضع القاضي تحت تربّص ضميره ومهنته، يُهدّد المتقاضي بالغرامة إن استهان بالمحكمة ويعيد فرض الانضباط الرمزي على جلسة تهددها الفوضى. بهذا المعنى، القاضي «بطلٌ مُحرَج»: يُعرّي هشاشة العدالة الإجرائية عندما تُحمَّل بأعباء الجسد والسمعة.
تحتمل الرواية عنواناً فرعياً دالاً: «قاضٍ يحكم على نفسه»؛ وهو اختيار سردي يعيد مركز الثقل من «الحكم على الغير» إلى محاكمة الضمير المهني. في مشاهد متفرّقة، نرى القاضي ينتفض لكرامة المحكمة حين تتلكأ إدارات أدنى في إحالة الملف، ويواجه مراوغة المتهم واستفزازه، ثم يذكّر صالحة بحدود الخطاب في الجلشة، ينكشف القاضي كإنسانٍ محصور بين النصّ والواقع دون أن يتضخّم  دوره كبطل؛ وإذا كان قد تميز بعقوبة أوقعها على ذاته، فإن المهم سرديّاً هو الاعتراف بأن الحكم الأخلاقي لا يختزل في الصكّ القضائي، وأن العدالة ليست قراراً منفرداً بل شبكة من مؤسسات ونزعات وذاكرات.

الحداثة الاستعمارية: آشبي والخرائط التي لا تُمسك بالقدس

على الضفة الأخرى من قاعة المحكمة، تتبدّى القدس بوصفها ميداناً لحداثة استعمارية يحضر فيها المستشار البلدي البريطاني تشارلز روبرت آشبي بصوتٍ لا يخلو من سخرية وازدراء. يقول ـ على نحو كاريكاتوري ساخر ـ إن «مدينتكم هذه لا حلّ لها… معالمها الإسلامية والمسيحية واليهودية… وجمهور من الأوباش، وجميعهم لهم مصلحة في إبقاء الأمر الواقع»، فيكشف خيبة مهندسٍ يريد ضبط مدينةٍ تتفلّت من تخطيطه.
لا يُساجل النصّ الآراء العمرانية نظريّاً، بل يدحضها عبر السرد: فكلّ محاولة لتسوية المدينة في المخطط تُقابلها عودة موجات الرعب واندفاعة السكان وتداخل المقدّس بالدنيوي، كما في «وباء الرعب» الذي «ينتقل كالوباء» خارج الأسوار، فتتحرك أجهزة الأمن والدين لتهدئة الجمهور بدون معرفة سببٍ واضح لبداية الهلع ونهايته.
تبلغ الرواية ذروة نقدها للحداثة العنيفة عند تفجير فندق الملك داود: ينهض المشهد مدعّماً بالتعدادات والأرقام (91 قتيلاً، بينهم 41 عربياً و28 بريطانياً و17 يهودياً) ليذكّر بأن أدوات التنظيم الاستعماري لم تمنع تصعيد الإرهاب الصهيوني ضد المدنيين في زمن الانتداب، بل استُدرجت إلى ساحة العنف ذاتها.
في فصلٍ آخر، تُدار معركة رمزية حول اسم المكان: «البقعة» التي يسميها أهلها «وادي الورود» لحدائقها وماء الورد، في مقابل الاسم العبري «عِيمِق رفائيم»، ومحاولة تغييره في زمن الإدارة البريطانية التي رفضت خوفاً من غضب السكان. هنا تُبرز الرواية أنّ التسمية ليست حياداً لغوياً بل صراع على الذاكرة والخيال الجمعي، وأنَّ سيطرة المستعمر على الخرائط تمرّ عبر تغيير أسماء الأمكنة.
لا تكمن الفائدة السردية للاستعانة بالوثائق في توثيق الواقعة فقط، بل في توليد شعرية خاصة. حين يورد السرد خطاباً مملوءاً بألقابٍ سلطانيةٍ قديمة ـ كما في سيرة نائب السلطنة المملوكي تنكز ـ فهو لا يُعيد إنتاج البلاغة الوسيطة مجاناً، بل يفضح تضخّم السلطة في اللغة ويقارنها بلغة المحكمة الحديثة الجافّة.
كذلك يرصّ المشاهد التي تتناول «اختلاط الرجال بالنساء في الحرم القُدسي» مقرونةً بإحالاتٍ سجلية إلى سنوات 1556–1557م، بما يوحي بأن أخلاق المدينة تُعاد كتابتها دوريّاً تحت العيون ذاتها: عين القاضي، عين الصوباشي، وعين الجمهور الذي يشهد ويشي ويُصلح. هذه اللعبة الأرشيفية لا تُعطل اللذة الحكائية؛ لكنها تُقوّي إحساس القارئ بأنّ ما يقرأه له جذور في عادات التقاضي وبلاغة الحُجّة، وأنّ المدينة لا تُفهم دون لغة سجلاتها.
لا تكتفي هذه الرواية بفضاءات القضاء والسياسة؛ فتهبط إلى «اقتصاد الرموز اليومية»: مشهد «الخبز المطبطب» الذي يُعرّف به أبو ميلاد بوصفه أكثر من خبز، «رمز للثقافة والضيافة»، سافر من أديرة السالزيان في إيطاليا في القرن التاسع عشر ليزيّن موائد عابرة للمتوسط. هذا التفصيل «المطبخي» دليل على تدفّق الذاكرة عبر قنوات غير بطولية: رغيفٌ يربط بين إيطاليا والقدس، بين الرهبنة والبيت، بين نصّ المدينة ونصّ المعدة. إنه يقترح قراءةً للهوية كشبكة تذوّق بقدر ما هي شبكة عقائد.
يُعلن الراوي صراحةً في مفاصل عدة، وعيَه بصناعته: «وسوسة روائي، تفلت الخيوط من يده». كما يتردّد عنوان فصل «توجس كاتب المجانين، وكسرة كِسرى» بوصفه تعليقاً ذاتياً من داخل النص على هشاشة السيطرة السردية حين تتكاثر الملفات والشخوص والمراجع. هذا الإفصاح يؤنسن السارد ويقرّ بأن رواية مدينة متشعّبة كالقدس لا تُختزل في حبكةٍ واحدة، وأنّ «الوثيقة» نفسها تتفلّت وتتوالد.
تستثمر الرواية ذاكرة الأفكار السياسية وهي تقفز بين الأزمنة: من مقترحات «الدولة الواحدة» إلى مآلات «الرئيس الثوري» و«الكتاب الأخضر» و«الكتاب الأبيض»، في سياق تلميحاتٍ إلى سرقة الأفكار وادعاءاتها، وصولاً إلى الشعرة الفاصلة بين الشعارات والواقع. لا تشرح الرواية هذه المقارنات نظرياً، بل تتركها تعمل كإسقاطات تذكيرية داخل السرد لتسائل منطق الحلول الشمولية وصلتها بحياة الناس.
أسلوب العيسة مُركّب: يمزج لغة المحاضر القضائية الجافّة، والعامّيّات المقدسية المحتشدة بالتناص المحلي، وبلاغة السرد الكلاسيكي (التعداد، النَّبز، المبالغة الساخرة)، إلى جانب نبرة توثيقية حين يورد الأرقام والوقائع (تفجير فندق الملك داود). المقاطع التي تتبادل فيها الشخصيات الشتائم، وتلوّح المحكمة بالغرامات حفاظاً على هيبتها، تؤدّي وظيفةً فنيّة: إحياء المسرحة في قاعة المحكمة وإظهار الصراع الخطابي بين «حقّ» يُنطَق به و«هيبة» تُحافَظ عليها.
يمكن للقارئ أن يُسجّل على الرواية ميلاً إلى الاستطراد، خصوصاً حين تتكاثر المقارنات السياسية، أو حين يصرّ الراوي على تذكيرنا بأن «الخيوط تتفلّت من يده». لكن ذلك إعلان موقف جمالي: حيث أن رواية مدينة مركّبة مثل القدس لا تُختزل في سردٍ خطّي، والكاتب يفضّل أن يُبقي «الملفّ مفتوحاً» على قراءاتٍ متعدّدة. بهذه الروح، تتحقّق قوّة النصّ، فالمشهد القضائي ـ الذي قد يتحوّل لدى كاتبٍ آخر إلى مثاليةٍ وعظيّة ـ يُقدَّم هنا كمختبرٍ لأخلاقٍ متضاربة لا تني تتفاوض مع التاريخ والسياسة واللغة.
تُراهن «بنت من القُدْس الجديدة» على ذكاء قارئٍ محترف، قارئٍ يقدّر سحر التفاصيل حين تُحسن اختيار معناها، ويحتمل أن تتجاور في الصفحة الواحدة سجلات عام 1557 مع ملفٍّ في محكمة البداية ومع سخرية مهندسٍ بريطاني ومع رغيفٍ على مائدة عائلة مقدسية.
ولا تُقرأ هذه الرواية مرّةً واحدة. فهي لا تتخيّل القدس فحسب؛ بل تدرّب قارئها على قراءتها: مدينةٌ تفاوض القضاء بقديمه وحديثه، تُجرّب حداثة المستعمر ثم تُحبطها، وتُغنّي خبزها المطبطب بوصفه ذاكرةً لا تقل شأناً عن أي حكمٍ قضائي. بهذا المزج المتقن بين بلاغة الوثيقة وحياة الناس، يضع العيسة عمله في صف مهم من الروايات العربية التي أعادت التفكير في وظيفة الأدب، ليس لتأكيد هويةٍ جاهزة، بل لصناعة معرفةٍ نقدية تُسائل المكان والحقّ والاسم، وتمنح القارئ أدواتٍ جديدة لفهم القدس ـ بوصفها نصّاً مفتوحاً لا يكفّ عن إعادة كتابة نفسه.

أسامة  العيسة: «بنت من القدس الجديدة»
دار المتوسط، ميلانو 2025
160 صفحة.

السبت، 1 نوفمبر 2025

حكاية كل ألوان القهر/ سمر بنورة


القدس مليئة بالحكايات والأسرار شهادة الكاتب أم حكايته؟ إنَّها حكاية الشهادة التي لم تقل قط ولم تكتب من قبل، وهذا ما عبَّر عنه أسامة العيسة في روايته (بنت من القدس الجديدة)، فهي حكاية كل ألوان القهر والعنف والخوف واليأس والبؤس. حكاية بنت ذات حس متفجِّر. البنت البعيدة عن التنميط والقولبة. أُنوثتها الحيوية والتي تحقق حريتها ليست بتحرير الجسد بالمعنى المبتذل. 

إن المفاهيم النمطية السائدة تظل تطل برأسها في ما نكتب وفيما نقرأ، فالأديب أسامة العيسة لديه مسؤولية التحرر من قيد النمطية في كافة كتاباته.

فهو صوَّر لنا المجتمعات المهمشة والأكثر حرمانًا في القدس، واستحضر هنا قصة صالحة في روايته والتي بين سلوكها وتوجهاتها وكيفية مواجهتها، المشكلات.

أشار إلى فئة المجانين الذين هم أهم من يؤثث ذاكرتنا المضيئة وليس العقلاء، فكلام البنت صالحة كان مليء بالجنون ولكن في نفس الوقت مليئًا بالحقائق المرَّة التي تعيدنا الى أنفسنا المتعبة، ففي هذا الحال من هو العاقل في عالم فقد كليا عقله؟!

حكاية صالحة طويلة وعريضة وممتدة وغير قابلة للتلخيص.  وبالرغم من قوتها بقيت وحيدة في هذا الكون. عند دنو نهاية صالحة فعلًا لا تبقى صور للذكرى، تبقى الكلمات وحدها ولا غرابة في الزمان بين الكلمات التي مثلتها والتي كانت رموزًا في ذاك الزمان، وقد عبرت فيها عما قريب سأكون الجميع ساكون ميتة.

في هذه الرواية يجسد لنا الكاتب تجربة فلسطينية ويعطيها بأسلوبه الجديد معنى  جديدًا. حيث تتصف بالحكمة والاعتدال  وواسع الإدراك الحسي، حيث يمتلك في كتاباته لغة الحواس قبل اللسان ولغة الحوار، ولا ننسى لغة الإنسان المعاصر الراقي والمميز. فأنت، يا أسامة، تجمع في روايتك العلم والتاريخ والمعرفة والفكر والثقافة.

#سمر_بنورة #بنت_من_القدس_الجديدة #مكتبة_تنوين #منشورات_المتوسط  #أسامة_العيسة


الجمعة، 31 أكتوبر 2025

قُدس المهمَّشين في رواية بنت من القدس الجديدة

يعيدك أسامة العيسة إلى محاولة قراءة تاريخ المكان من زوايا المهمَّشين وحالهم وأحوالهم بدون تكلّف، وبلا استبعاد للواقع مهما كان فجًّا أو منهكًا أومعتلًا، بل بانصهار تام مع حياة العاديين الذين نحن منهم، الأمر الذي يدفع فيك كقارئ الفضول إلى ما هو أبعد من رؤيته وروايته. إنه انتصار الراوي والروائي الذي يفتح أمامك فصلًا آخر يكسر جمود سرد التاريخ اليابس، حين يربت على كتف قارئه/قارئته، وكأنه يقول له: لا تأخذ التاريخ مسلَّمة من مسلَّمات الحقيقة الكاملة، بل افتح ذراعيك وعقلك لاستكشاف ما هو خلف الأشياء، وامتحن صبرك في النحت والبحث من أجل نجاة أسئلتك المشروعة، لعل مصادفة تأخذك إلى الحقيقة الغائبة أو المُغيَّبة أو المسكوت عنها لأي سبب كان في زمانها المتعثر بالغزاة والمحتلين الأغراب. ولأن زمان القدس مليء بالملوك والقادة والوجهاء والأعيان، فإن حكايات العاديين البسطاء هي التي تغيب عن كل حكايات الزمن البعيد، فنجد العيسة يستحضرها ويعيدها بذات المعنى، في صورهم المعتادة من دون تكلف، ويمشي بنا في نواحي النفس وأزقة المكان.

صالحة التي أجفلت قاضي المحكمة الشرعية حين وجدها تدَّعي على شاب قالت إنه "أزال بكارتي بطريقة غير شرعية"، من هنا تبدأ حكاية صالحة في رواية أسامة العيسة الأخيرة بنت من القدس الجديدة، وللاسم دلالة واضحة تكشف عنها صفحات العمل الروائي الذي جاء مكثفًا بدون أي إطالة في صفحاته أل157 من القطع المتوسط، فبين القدس القديمة والقدس الجديدة حكايات داخل السور وخارجه: القطمون، وحي الطالبية، وسلوان، وباب العامود، وكأن القدس في سرد العيسة أكثر من مكان مقدس، أو مكان تراثي وحضاري، أو مكان من حجارة وحفر ونحت ونقوش الغزاة والطغاة والحالمين، لأن العيسة يلتقط ما هو أبعد وأعمق مما هو ظاهر للعين المجردة والفكرة الواحدة، فهو يتقفى الأثر ويسير خلفه، وليس فقط في هذا العمل الروائي، بل في أعماله السابقة، وعلى وجه التحديد سماء القدس السابعة الصادرة عن دار النشر نفسها، وهي دار المتوسط.

إنه شأن صالحة التي كشفت عن قضيتها بكامل إرادتها، وصدح صوتها في المحكمة، غير آبهة بما يقوله المجتمع، متمسكة بأخذ حقها ممن «أزال غشاء بكارتها»، الكلمة التي دوَّت في المحكمة وجعلت القاضي يكلِّم نفسه باستغراب ودهشة، فما من قضية مشابهة في سجلات المحكمة الشرعية في القدس، أو حادثة كتلك الحادثة، حيث تعود القضية إلى زمن قدوم الاستعمار الإنجليزي إلى البلاد، وانتهاء زمن بني عثمان كما جاء في وصف الكاتب. مآلات الواقع الزماني تشير إلى ما قد يسكن النفوس بين زمانين، والآمال العريضة والبسيطة، وإلى ظرف التغيير المأمول الذي قد يراه المهمشون انتصارًا لحقوقهم التي يمكن أن تُسترد، أو لا تسترد بفعل القوة التي لا تزال هاجمة عليهم.

حكاية صالحة تدور أحداثها مع بداية الانتداب البريطاني لفلسطين، والتي يشير لتلك الحقبة الكاتب بتسمية احتلال أبناء التايمز لبلادنا، لكن الكاتب لم يغفل أن يدخل عميقًا إلى زمن أبعد من بدايات الانتداب، كضرورة من ضرورات الاشتباك الحياتي بين الماضي والحاضر، لأبناء القدس وبناتها في دورة الأجيال وتتابع الأزمان، وصولًا إلى زمن القدس الجديدة المحتلة من قبل عصابات الهاغاناة وشتيرن والذين سيصير لهم دولة وجيش وشأن يخيف المحيط، وسيقيمون معاهدات سلام وتفاهمات مع الجوار واتفاقيات هدنة وتحالفات.

تجوب الرواية بين الأمكنة والأشخاص في حكايات الأيام والناس البسطاء العاديين بمشكلاتهم وظروف حياتهم، فنجد البقعة وحي القطمون والطالبية في القدس الجديدة التي بدأت تبنى خارج السور القديم ببيوت ناسها التي ستسرق من قبل الغزاة بعد حين، كما نجد حكايات السكاكيني وإميل حبيبي وآخرين من رواد الثقافة والأدب، وكأن زمن القدس لا يتوقف عند المكان، بل يأبى إلا أن تحضر الأسماء كشواهد في مشاهد دورة حياة القدس الجديدة التي بُنيت خارج السور القديم رغبة في الحياة والتطور الحتمي للمدن العتيقة.

سرد العيسة الذكي يجعل القارئ منشغلًا معه في تفكيك حبكة الحكاية وتتابع الأحداث بين العام والخاص، كما أن لغته التي باتت صنيعته، وهو ينحت صورًا بحرفه المعهود من الطراز الأنيق، تجعل الرواية وفيرة الأحداث المتماسكة، وغنية بالشواهد المكانية والتاريخية والزمانية واللغوية، حيث تطوف بالقارئ بين أزمنة وحقب تاريخية ونزوات أفندية جهوية ومحلية، وانطباعات كانت سائدة، ظلت سائدة، وقد تبقى سائدة للأبد.

يلتصق العيسة بالقدس أكثر، قدس المهمَّشين، وقدس المجانين، وقدس العاديين، لا قدس الوجهاء والولاة وأصحاب النفوذ، فهو يدخل القدس من بوابات العاديين وأسواقهم وحاراتهم، ويحاكي تفاصيل المكان والناس والاحتلالات، ليفتح الباب أمام أسئلة خاصة وعامة لا تزال تراوح مكانها. وتمامًا، فقد صار معلومًا أن العيسة في أعماله يستدعي التاريخ من باب إعادة قراءة الأشياء بصور أخرى، خارج الجمود والتسليم بما هو معروف ومعلوم، وفي الوقت ذاته فإنه يوظف هذا الاستدعاء لخدمة عمله الروائي، بدون تكلف أو تصنع، بل بطريقة تجذب القارئ، وبلغة سردية شيقة وأنيقة.

بنت من مدينة القدس الجديدة، رواية عذبة من الطراز الرفيع، تحكي واقع الناس البسطاء العاديين في القدس أبان فترة الانتداب البريطاني، حيث انتهى حقبة زمن الحكم العثماني وجاء حكم أبناء التايمز على حد وصف الكاتب، وهي ترصد التحولات بين زمانين جاء بعدهما زمن الاحتلال الذي اتخذ من احتلال القدس مكانة له بين قديمة وجديدة، فهذه الجديدة أخذها مساحة هامة في البداية لزرع هويته المزيفة في أرض مسروقة من أبنائها وناسها وأهلها ونسَّاكها ومفكريها وأفندييها ومريديها.

إنها رواية صالحة، بنت جميلة وشابة يافعة لم تتنازل عن حقها المسلوب، ولم ترهبها عادات وتقاليد أهل المكان الذين هم أهلها وناسها، بل أخذت لنفسها مكانة من الحرية لتمسح عنها لوثة التنازل عن الحق، حقها الذي انتزع منها، غير آبهة بالقيل والقال، مستعدة لمواجهة قدرها، وعاقدة العزم على مواصلة المطالبة بحقها في القضاء الشرعي والقضاء الكنسي والقضاء المدني، طامحة بأن القضاء بكل أصنافه ينصفها ويعيد لها حقها الذي انتزع منها، بيد أن بعض الحقوق تضيع، حقوق البلاد وحقوق العباد.

بقي لي أن أقول هذه الرواية صوت من أصوات العاديين مثلنا في القدس، وفيها نسيج حقيقي وواقعي، وخيط غير مرئي يمسك الرواية من أول صفحة إلى آخر الصفحات والذي يجعل القارئ يعيش معها من دون انقطاع، فهي من الروايات التي تقرأ دفعة واحدة في ليلة واحدة، وقد تقرأ على فترات ومحطات متباعدة بحيث لا تضيع المعنى والحبكة والسرد المنتظم، كما أنها لا تشتت القارئ رغم ما بها من انحناءات تاريخية هنا أو هناك، وقد جاء في كلمة الناشر على الغلاف الخلفي،" صالحة ابنة حيّ البقعة، فتاة جميلة، ومثقفة، ومتمرد، تذهب إلى المحكمة لتطالب بثمن بكارتها، التي أزيلت دون وجه حق، كما تقول. فهي ليست ضحية، بل صاحبة حق. تقف وحدها في مواجهة قاضٍ ومجتمع وميراث طويل من التواطؤ والخوف".

هنيئًا للقدس بمن يكتبها وهنيئًا للكاتب الذي يكتب هذه القدس، قديمة وجديدة، داخل السور القديم وخارجه، شبابها وبناتها، شيبها ونسائها، حاراتها ومقاماتها، حواريها وشوارعها، أسوارها ومقدساتها، وهنيئًا لأسامة العيسة الروائي القدير الذي يكتب القدس مرّة أخرى، بهذا الشكل الشجي السخي، العميق والمغاير، الغارق في نحت المكان والزمان، المبهر بصورة بطلته الصالحة، وهنيئًا لنا لأننا نقرؤك.