رحل الرَّاهب خريستو
سالفاروس، في اليونان، بعيدًا عن أريحا ودير حجلة على بعد غلوة من نهر الأردن، الَّذي
نهض به، وخلال سنوات إدارته للدير الَّذي حوَّله إلى واحة في الأغوار المشتعلة
حرارةً واحتلالًا، أصاب شهرة نسبية لامتلاكه مشروعًا، وشخصيَّة دينامية.
التقيت خريستو
كثيرًا، على مدار سنوات، آخرها في عام 2021، ووقفت على الجانب الآخر لشخصية واحد
من المثقفين الَّذين يعتقدون أنَّهم نُذروا لرسائلٍ قدرية، دون الإفصاح عن ذلك.
خريستو؛ الَّذي
يبدو متواضعًا في سلوكه وزِيه، والَّذي يتحدَّث عن الفضائل الروحيَّة، يبدو مفعمًا
بالروح القوميَّة اليونانَّية، ويظهر ذلك من إنجازه لوحة فسيفسائيَّة ضخمة، تُزيِّن
واجهة مسرح سمَّاه الاسكندر المقدونيّ، شيَّده خريستو بجانب الدَّير، وهو مشروع
يليق بأصحاب المبادرات الكبيرة، في منطقةٍ تعيش وسط اللهب، وتتضاءل ممكنات
التفاؤل.
خريستو مثير للجدل،
ولكنَّه صاحب مشروع، مثل كثير من النَّاس في فلسطين (ومعظمها لا يتحقَّق)، فهو متيَّم
بالثقافة الهيلينيَّة. قبل سنوات عندما رأيت فريقه يعمل على اللوحة، سألته عنها
فأجاب إنَّها نسخة عن خارطة مأدبا، وعندما بدأت تظهر معالم مسرح الاسكندر المقدونيّ،
كما لاحظته خلال زياارت متباعدة، تبَّين لي أنَّ الخارطة، هي مزيج من خارطة مأدبا البيزنطيَّة،
وأفكارٍ تاريخيَّة كما يراها خريستو النشط.
في حين تظهر
على خارطة خريستو، بعض المواقع كما جاءت في خارطة مأدبا، إلَّا أنَّ مواقع أخرى شُطبت
مثل مدينة القدس، الَّتي تعتبر مركز الخارطة الفسيفسائيَّة، في القرن السَّادس
الميلاديّ.
من الواضح أن
خارطة خريستو مزيج من عدة خرائط، تُمثِّل تأثر فلسطين بالثقافة اليونانيَّة، تساءلت
حول دقتها العلمية. ولكن هذا غير مهم للأرشمندريت خريستو. تردَّد أنَّه يسعى
للدخول بها إلى سجل غينتس للأرقام القياسيَّة، باعتبارها أكبر لوحة فسيفسائيَّة
معلَّقة، تصل مساحتها إلى 90 م2.
لا شك أنَّ
خريستو، رأى نفسه امتدادًا لرهبان البرية، أمثال القديس افثيموس، وثيوكتستس،
وتيوذوسيوس، وكياكوس، وسابا، ولكنَّه رغب بترك بصمته التي تناسب عصره، فكانت
خارطته ومسرحه الطموح، ولكن ذلك لم يثر اهتمام الزوَّار الكافي. بقدر اهتمامهم بتمثال
نحاسيّ لأسدٍ، جُلب من اليونان، ووُضع على مدخل الدَّير.
في يناير
2016، بمناسبة عيد الغطاس على نهر الأردن، مررت على الدَّير، مع مجموعة من
الأصدقاء، أبدى خريستو كرمًا، لزوَّار ديره، الَّذين يمرُّون على الدَّير بعد
زيارة موقع المغطس، وزَّع عمّال الدَّير الطعام مجانًا، وهو طعام فلسطيني، ولكن
الشوربة إغريقيَّة!
هتف العمّال، أنَّ
هذا الطعام، طعام العيد، هو بركة، تمامًا كما هو حال المتصوفة وباعة حلوى النبي
موسى، في موسمه، وغيرهم، الذين يهتفون وهم يقدّمون الطعام أو يبيعون الحلوي، أنَّها
مقدَّسة!
عملية تثاقف
لا تتوقف في البريَّة! تمثلات الفلسطينيّ الإريكولوجية، سواء كان فلسطينيًا أو
إغريقيًا!
#دير_حجلة
#أسامة_العيسة




















