في
سنوات المدرسة الابتداية، لم يكن من النادر، التدلي إلى بيت ساحور، أو نتنندل إلى
قاعة النادي الأرثوذكسيّ العربيّ، لحضور محاضرات وندوات. منها، محاضرة لأكاديميِّ
شاب اسمه جورج رشماوي، درس في الجامعة الأردنيَّة وتخرَّج فيها عام 1973، عن كتاب
بعنوان صادم: نقد الفكر الدينيّ، لمفكرٍ صادم هو صادق جلال العظم الذي سيكتب
ثلاثية نقدية، على الأقل، هي بالاضافة لنقد الفكر الدينيّ، النقد الذاني بعد
الهزيمة، ونقد المقاومة الفلسطينيَّة. سيصدمنا عندما لم يعتبر الثورة الفلسطينيَّة
ثورة، وإنما مقاومة، وتتبع بدأب التناقضات في تصريحات قادتها. وخمَّن، وصدقناه،
إلى أين يقودون التضحيات.
أذكر
أنَّ الدكتور رشماوي، ذكر شيئًا عن تدريس العظم في الجامعة الأردنيَّة، والاستغناء
عن خدماته. أفادني أنَّ المسالة تعلَّقت بمعادلة شهادة الثانوية التي حصل عليها العظم.
يبدو أنَّ إدارة الجامعة وجدتها حجَّة للتخلص من أستاذ صادم. هل الشهادة، أيَّة
شهادة، ضرورية ليدرِّس عالم في الجامعة؟ لم لا يحقق صحفي مهتم بواقعة قديمة؟
ظلت
محاضرة رشماوي حاضرة لدي، رغم نسياني ذكريات كثيرة عن تلك المحاضرات التي تتندلت
إليها، وارتبطت ببحثٍ دؤوب عن هوية ثقافية، مرتبطة بالتحرَّر. هكذا كانت الندوات
التي تحفر وتعلِّم في بيت ساحور، ومكتبات بلديات البيرة، ورام الله، ونابلس،
وجامعة بير زيت، وجامعة بيت لحم، وغيرها.
يمكن
التمعن في مرحلة النهوض تلك، وحال الفعاليات الثقافية، ما بعد أوسلو، فلا نجد ندوة
أنتجت أدباءً أو رؤى جمالية وإبداعية، في مناخ يغلب عليه المهرجانية، وتصبح مشاركة
أحدهم أو إحداهن بكلمة، في فعالية، مثار فخر عائلي لولد الولد. ونشر صور المثقفين
مع وزير أو رئيس تجسيدًا لدونية المثقف اللاهج بالحمد.
لم
أعرف ماذا حلّ برشماوي، حتى التقيته، في مفاجأة كبيرة، في مناقشة روايتي جسر على
نهر الأردن الصادرة عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، وتقديمه مداخلة نقدية. كان اللقاء
معه واهتمامه، بعد ثلاثة أو أربعة عقود مثار اهتمامي. بالطبع لم يكن ليتذكر، ولدًا
حضر محاضرته ذات مساء رطب في مدينة حالمة، أكثر من اللازم.
يقيم
رشماوي في أميركا، ويقضي جزءًا من الصيف في البلاد. يمكن للأكاديميِّ أن يكون مثقف
رصيفي مثلي. على الرضيف دردشنا في مواضيع عديدة. أخبرني رشماوي عن منهجه في
القراءة، حيث يخصِّص عدَّة أشهر قراءة لموضوع حديد. أؤيد هذا النوع من القراءة
الممنهجة، وآخر منهجيته ما يتعلَّق بالنساك ىبرية القدس. سألته عن اللاهوتي
الفلسطينيّ أبو قورة، تلميذ يوحنا الدمشقيّ الذي أقام في دير مار سابا، وتطرقنا إلى
أهمية المخططوات المتعلقة بأبو قورة وغيره من لاهوتيين فلسطينيِّين في دير سانت
كاترين. قال إن اليونان المتحكمين بالبطريركية والأديرة، يرفضون تطويب أبو قورة،
لأنه كتب بالعربيَّة. طوَّحنا إلى المدن الميتة المنسية في شمال شرق سوريا، وكنيسة
سمعان العمودي، وجميعها مصدر نهضة معمارية في أوروبا العنصرية.
استفسرته
عن صحة كتابة ميلفل قصيدة من نحو 5000 بيت عن مار سابا، ومثلها عن بيت لحم.
عندما
أنهيت، مرَّة كتابًا عن حياة ميلفل من إصدار مؤسسة فرانكلين الدعائية الإمبريالية،
حزنت لأن "البحَّار الصغير"، لم يعش ليشهد سطوعه الثقافيّ. أكَّد رشماوي
المتخصص في أدب صاحب موبي ديك ذلك. أعرف قدرتنا على إهدار الكثير من آليات القوَّة
الناعمة.
أتفق
وصديقي على الزهو بتراثنا، ونقد العنصرية الغربية، من موقع الند، وليس التصاغر.
إنَّ الغرب يعرف ما سرقه منا، ومنا من يستحديه ويتوسله.
#جورج_رشماوي
#جسر_على_نهر_الأردن #مكتبة_كل_شيء
#أسامة_العيسة



























