أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 13 سبتمبر 2026

الروائي والبطريرك!









ظهر في سني الانتداب البريطانيّ الأولى، التي حملت أملًا، مجموعة من الشباب الناهض، من بينهم يوحنا خليل دكرت، الذي نشأ في حوش دكرت، قبالة كنيسة المهد، في بيت لحم القديمة.

تولى رئاسة النادي الأدبيّ عام 1918م، الَّذي عكس طموحًا بعد أربعة قرون عثمانيَّة صعبة وقلقة، وكان نائبه عيسى البندك.

ذكر جريس العلي: "في أوائل عام 1919، قرَّرت نخبة من شبيبة بيت لحم ورجالاتها، تأسيس النادي الأدبيّ الَّذي لم ينحصر نشاطه في الشؤون السياسيَّة، بل تبنى فتح مدرسة ليليَّة لتعليم الكبار، وانتخب يوحنا خليل دكرت للرئاسة، وعيسى البندك سكرتيرًا وأفسح النادي المجال لهما لإصدار مجلة اجتماعيَّة أدبيَّة"

يذكر عيسى باسيل بندك في مذكراته، عن تأسيس النادي الأدبيّ في بيت لحم، وكيف اضلطع بدورٍ سياسيّ، وأصبح كما يقول مركزًا: "للوعي الوطنيّ في فلسطين، إذ أصبح بمثابة الندوة الوطنيَّة الَّتي يلتقي فيها كبار المحاضرين من مشاهير أدباء الأمة العربيَّة، من جميع أقطارها، كما وأصبح ساحة سياسيَّة لاجتماعات وطنية متعاقبة، وكان أوَّلا اجتماع سياسي لها يوم وصول لجنة كرين عام 1919".

قد يكون البندك، بالغ متحمسا، كما فعل في مناسبات أخرى، لكن ما كتبه مؤشر على أهمية النادي.

صدرت مجلة بيت لحم ابتداءً من أيلول 1919، لتصبح ثاني مجلة تظهر في فلسطين بعد النفائس العصريَّة.

نشرت المجلة، حسب العلي: "الكثير من المقالات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة الأدبيَّة والوطنيَّة، كما هاجمت الأمراض الاجتماعيَّة الفتَّاكة، كالجهل والتعصب والطائفيَّة والعشائريَّة".

يوضح لنا هذا توجهات دكرت الإصلاحيَّة والثوريَّة. يحدَّد الدكتور عدنان مسلَّم، ما وصفها الحوافز الأساسيَّة، لصدور الجرائد والمجلات في بيت لحم، خلال السنوات الأولى للاحتلال البريطانيّ بـ "الاتصال بمئات المهاجرين من بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، الَّذين هاجروا من مسقط رأسهم إلى الأميركيتين لأسبابٍ اقتصاديَّة وغيرها، وذلك ابتداء من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأسهمت مجلة بيت لحم في تجديد الروابط بين أرض الوطن والمهاجر".

أصدر يوحنا دكرت، رواية بعنوان ظلم الوالدين، وصفتها المجلة الرائدة النفائس العصريَّة سنة 1921، أنَّها: "رواية أخلاقيَّة اجتماعيَّة غراميَّة، وضعها يوحنا دكرت أحد صاحبي مجلة بيت لحم". لم يعثر الباحثون على الرواية الَّتي تعتبر من الروايات الفلسطينيَّة الأولى.

لدكرت رواية أخرى بعنوان: أصل الشقاء. يخبرنا حنَّا أبو حنَّا نقلًا عن مجلة النفائس العصرية، أنَّ البطريرك رفع دعوى على مؤلفها، فحكمت المحكمة الابتدائيَّة عليه بغرامة ماليَّة، لكنَّه استأنف الدعوى لدى محكمة الإستئناف العليا الَّتي نظرت القرار، ولكن دكرت كان قد هاجر. أصبحت القضية والبطريرك والبلاد خلف ظهره. ما الذي أقلق البطريرك، كسلطةٍ دينيَّة في رواية شاب كان طموحًا؟

يذكر الدكتور عدنان مسلَّم، مؤرِّخ الصحافة البيتلحميَّة، أنَّ دكرت اضطر عام 1921: "للسفر مع والده بعد توقف مجلة بيت لحم، عن الصدور، إذا حصلت في الوقت نفسه نكبة ماليَّة في تجارة القمح الَّتي مارساها في القدس، وبمغادرته جُمدت نشاطات النادي الأدبيّ ومجلة بيت لحم، وبذلك خسرت بيت لحم وفلسطين شابًا من خيرة شبابها الملتزمين". 

خسارة البلاد لشبَّانها، ميراث متراكم، والتفجع الذي خفت في السنوات الماضية، جزء من لطم فلكلوري، لا ينتج شيئًا.

يعاني الكتَّاب من البنى البطريركية، وكثير منهم، الذين لا يعون ذواتهم الأدبية، يستظلون بالبطريركيات.

إذا تمعنا في مصير يوحنا، كاتبًا، الذي لا نعرف عن ما فعلته الأيَّام به، ربَّما كانت هجرته اختيارًا واعيًا، لم يرغب بمناطحة دواليب الهواء.

#يوحنا_دكرت

#أسامة_العيسة

 

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

أسئلة الهوية بين كاتبين/إياد شماسنة


 


هذا السجال بين الكاتبين أسامة العيسة وجاد المصري يفتح الباب أمام قراءة أعمق لشخصيات استثنائية تركت أثرًا في تاريخ أريحا والأغوار.

من جهة، يقدم لنا أسامة العيسة قراءة نقية وثاقبة؛ إذ يرى في الراهب "خريستو" مشروعًا ثقافيًا وقوميًا يحمل الشغف الهيليني، متسائلًا بحق عن دلالات تعديل الخرائط التاريخية وإسقاط القدس لبناء مسرح الإسكندر المقدوني. هذه العين الناقدة تفكك الرسائل الرمزية وتتصدى لإعادة رسم هوية المكان وحكايته الأصلية.

وفي المقابل، يأخذنا جاد المصري إلى الجانب الإنساني والاجتماعي المباشر، متذكرًا الراهب الذي زرع الأمل في قلوب البسطاء، ووقف إلى جانب العائلات المستورة دون تفريق، وصنع من الدير واحة للعطاء الصامت بعيدًا عن عدسات الكاميرات.

والحقيقة أن القراءتين تكتملان؛ فالعطاء الإنساني للراهب -على أهميته ونبله في تثبيت الناس ودعمهم- لا ينفي أن مشروعه العمراني والثقافي كان مسكونًا برغبة صريحة في فرض سردية قومية إغريقية على جغرافيا عربية فلسطينية أصيلة. لقد نجح الراهب في بناء شبكة أمان مجتمعية بحسه الإنساني، لكنه ترك خلفه أسئلة تاريخية مشروعة حول الهوية والأثر الذي أراد خلوده.

بين عين الناقد التي تحرس تاريخ المكان، وروح الوفاء التي تحفظ جميل العطاء، تبقى السيرة الكاملة لأي شخصية عامة هي مجموع ما فعلته للناس، وما تركته على حجارة الأرض من رموز وأفكار.

#أياد_شماسنة #جاد_المصري #دير_حجلة #أسامة_العيسة

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

خريستو الإغريقيّ!


 



رحل الرَّاهب خريستو سالفاروس، في اليونان، بعيدًا عن أريحا ودير حجلة على بعد غلوة من نهر الأردن، الَّذي نهض به، وخلال سنوات إدارته للدير الَّذي حوَّله إلى واحة في الأغوار المشتعلة حرارةً واحتلالًا، أصاب شهرة نسبية لامتلاكه مشروعًا، وشخصيَّة دينامية.

التقيت خريستو كثيرًا، على مدار سنوات، آخرها في عام 2021، ووقفت على الجانب الآخر لشخصية واحد من المثقفين الَّذين يعتقدون أنَّهم نُذروا لرسائلٍ قدرية، دون الإفصاح عن ذلك.

خريستو؛ الَّذي يبدو متواضعًا في سلوكه وزِيه، والَّذي يتحدَّث عن الفضائل الروحيَّة، يبدو مفعمًا بالروح القوميَّة اليونانَّية، ويظهر ذلك من إنجازه لوحة فسيفسائيَّة ضخمة، تُزيِّن واجهة مسرح سمَّاه الاسكندر المقدونيّ، شيَّده خريستو بجانب الدَّير، وهو مشروع يليق بأصحاب المبادرات الكبيرة، في منطقةٍ تعيش وسط اللهب، وتتضاءل ممكنات التفاؤل.

خريستو مثير للجدل، ولكنَّه صاحب مشروع، مثل كثير من النَّاس في فلسطين (ومعظمها لا يتحقَّق)، فهو متيَّم بالثقافة الهيلينيَّة. قبل سنوات عندما رأيت فريقه يعمل على اللوحة، سألته عنها فأجاب إنَّها نسخة عن خارطة مأدبا، وعندما بدأت تظهر معالم مسرح الاسكندر المقدونيّ، كما لاحظته خلال زياارت متباعدة، تبَّين لي أنَّ الخارطة، هي مزيج من خارطة مأدبا البيزنطيَّة، وأفكارٍ تاريخيَّة كما يراها خريستو النشط.

في حين تظهر على خارطة خريستو، بعض المواقع كما جاءت في خارطة مأدبا، إلَّا أنَّ مواقع أخرى شُطبت مثل مدينة القدس، الَّتي تعتبر مركز الخارطة الفسيفسائيَّة، في القرن السَّادس الميلاديّ.

من الواضح أن خارطة خريستو مزيج من عدة خرائط، تُمثِّل تأثر فلسطين بالثقافة اليونانيَّة، تساءلت حول دقتها العلمية. ولكن هذا غير مهم للأرشمندريت خريستو. تردَّد أنَّه يسعى للدخول بها إلى سجل غينتس للأرقام القياسيَّة، باعتبارها أكبر لوحة فسيفسائيَّة معلَّقة، تصل مساحتها إلى 90 م2.

لا شك أنَّ خريستو، رأى نفسه امتدادًا لرهبان البرية، أمثال القديس افثيموس، وثيوكتستس، وتيوذوسيوس، وكياكوس، وسابا، ولكنَّه رغب بترك بصمته التي تناسب عصره، فكانت خارطته ومسرحه الطموح، ولكن ذلك لم يثر اهتمام الزوَّار الكافي. بقدر اهتمامهم بتمثال نحاسيّ لأسدٍ، جُلب من اليونان، ووُضع على مدخل الدَّير.

في يناير 2016، بمناسبة عيد الغطاس على نهر الأردن، مررت على الدَّير، مع مجموعة من الأصدقاء، أبدى خريستو كرمًا، لزوَّار ديره، الَّذين يمرُّون على الدَّير بعد زيارة موقع المغطس، وزَّع عمّال الدَّير الطعام مجانًا، وهو طعام فلسطيني، ولكن الشوربة إغريقيَّة!

هتف العمّال، أنَّ هذا الطعام، طعام العيد، هو بركة، تمامًا كما هو حال المتصوفة وباعة حلوى النبي موسى، في موسمه، وغيرهم، الذين يهتفون وهم يقدّمون الطعام أو يبيعون الحلوي، أنَّها مقدَّسة!

عملية تثاقف لا تتوقف في البريَّة! تمثلات الفلسطينيّ الإريكولوجية، سواء كان فلسطينيًا أو إغريقيًا!

#دير_حجلة

#أسامة_العيسة

الخميس، 3 سبتمبر 2026

يا لقوس الفرنسيّ!









 


يمكن ملاحظة أنَّ شبابيك الواجهة الغربيَّة للمستشفى الفرنسيِّ في بيت لحم، تتميَّز بنوعٍ من الأقواس المبنية من الحجر المحليِّ على الأرجح هو حجر الدهيشة المِزِّي الحلو (يسمى المِزِّي اليهوديِّ لقساوته)، يعرف الواحد منها بالقوس المستدق (الأوجيّ) وهو واحد من أنواع مختلفة من الأقواس الَّتي تظهر التنوع المعماريّ في ما يمكن وصفه العمارة الفلسطينيَّة التقليديَّة، وهي مزيج من ثقافات معماريَّة مختلفة، نتجت عن تلاقح ثقافيّ غني، قد يؤدي تتبعه إلى نتائج مدهشة؛ آثاريَّة واجتماعيَّة وميثولوجيَّة واقتصاديَّة وهُوياتيَّة.

وصلت جماعة راهبات المحبَّة الفرنسيَّة إلى فلسطين سنة 1886م، وأسَّسن في بيت لحم مستشفى العائلة المقدَّسة عام 1889م، الَّذي سيعرف بالفرنسيِّ؛ قصر مربع الشكل، تتوسطه حديقة يمكن فيها معاينة قساطل حجريَّة من قناة الكفَّار الرومانيَّة، التي نَقلت المياه إلى القدس ونُقلت إلى الحديقة في وقتٍ لاحق. الطابق الأوَّل؛ كنيسة يُصعد إليها بدرجٍ هو المفضَّل لدى العرسان الجدد لالتقاط الصور التذكاريَّة. إن خيَّبت الأيَّام آمالهم، فتبقى ذكرى الحجارة البديعة.

كان مبنى المستشفى، واحدًا من عدَّة بنايات، شيَّدتها الإرساليَّات المتشوفة لقلوب المؤمنين المحليِّين، خارج البلدة القديمة، وسيكون لها دورًا مهمًا، في توسع البناء المحليّ، وإن بخجل في أراضي المدينة المحيطة.

لاحظ هذا التطوُّر المؤرِّخ الراحل حنَّا جقمان: "أخذ النَّاس يتشجَّعون، لبناء منازل لهم في حقولهم المجاورة لهذه الأديرة والمؤسَّسات، ومعظم الَّذين اختاروا البناء في هذه الأماكن كانوا من أبناء بيت لحم المغتربين في أميركا وغيرها".

صمَّم أغلبية المباني، معماريون صاحبوا الإرساليات، عاونهم بناؤون محليُّون، اكتسبوا خبرة ودراية ومعرفة واسعة. امتد عملهم إلى القدس ورام الله وخارج البلاد.

تحدَّث القنصل البريطانيّ، بإعجاب، عن دور البنائيين التلحميين، في تشييد النزل النمساوي (الهوسبيس) في شارع الواد بالقدس القديمة. قبل سنوات من بناء المستشفى الفرنسي.

تولى الإشراف على بناء المستشفى الفرنسيِّ عيسى جريس حزبون،  وهو والد جد نصري حزبون، التربوي والفندقي الراحل. استعان عيسى بشقيقه سعيد، وابنه جريس، الذي ما زالت داره في تمدد حارة العناترة حاضرةً، بناءً وسكنًا.

كان على الثلاثيِّ، تطبيق المخطَّطات المعماريَّة على تلة صغيرة تطل شرقًا، على جبل الملك داود ووادي الجمل وبيت ساحور وبريَّة القدس، وشمالًا على باب الزقاق وبيت جالا، وغربًا على المنطقة الممتدة الطويلة التي سمَّاها إبراهيم باشا الدهيشة.

تعامل المشرفون مع عدد كبيرٍ من البنَّائيين، ودقَّاقي الحجر، والحجَّارين، والقصيِّرة، وحمَّالي وناقلي الحجر والشيد، والعربجية.
برز أيضًا اسم المعلِّم يعقوب صالح جقمان العلي، المولود سنة 1850م، الَّذي رست عليه مقاولة توريد الحجارة اللازمة للبناء، وصار مسؤولًا عن البنائيِّين والعمَّال. على الأرجح فإنَّه جلب الحجر من محاجر الدهيشة والصْلَيِّب وغيرها.

بدأ البناء يكبر ويتضخَّم، ويدهش النَّاس، الَّذين رأوا الشبابيك والأقواس والأروقة والأعمدة والتيجان والكنيسة الجميلة وتمثال العذراء الكبير، الَّذي تضرَّر بقصف احتلالي عام 2002م، تغير الأرض البكر للأبد.

لا نعرف كيف رأى حزبون ورفاقه من البنائيين والعمَّال القوس المستدق، وهل وجدوا صعوبة في دق حجره وبنائه أم لا؟ والأهم إذا تنبهوا أنَّه لم يكن إبداعًا فرنسيًا خالصًا، وإنما فننا وقد رُدَّ إلينا.
تقول الباحثة ديانا دارك، أنَّ العباسيِّين هم من طوَّروا القوس الأوجيّ، واستخدموه لأوَّل مرَّة في عاصمتهم سامراء في القرن التاسع. واستخدم لاحقًا في العمارة الأمويَّة، حتَّى وصل فينيسيا في القرن الثالث عشر، ومنها إلى أوروبا. وظهر في أبنية شهيرة مثل برج ساعة بيج بين.

أعاد الفرنسيَّون، القوس الذي استخدموه في بناياتهم مثل النوتردام، إلى بيت لحم، في تتويج صريح لنضالهم المعقَّد بين العواصم لقدمٍ في الأرض المقدَّسة. هضم البنَّاؤون المحليُّون أنواع الأقواس المختلفة، وعندما سنحت فرصتهم لاختبارها في بنايات محليَّة، تركوا بصماتهم، وما أكثرها، العمارة والبصمات.

يمكن تتبع مآلات المعلِّمين الَّذين أنجزوا بناء المستشفى الفرنسيّ، ما يعطي فكرة عن كيف رأى الناس أنفسهم، من خلال إسهامهم في التطوّر المعماريّ لبلادٍ عاشت على مفترق طرق العالم. ولكن هذا موضوع آخر طويل وجميل.

تدير المستشفى الآن، منظمة فرسان مالطة، بقايا فرقة الإسبارتاية الصليبيَّة، التي استمرت بينما صُفيت جماعة فرسان المعبد.

عاش والدي ومات وهو يسمى المستشفى إِسْبِطار، والتقرير الطبيّ سيك يبور، والصيدلية فرمشية. وعشت أنا لأشذر قوسًا، فيتناثر تباريح ابتسرتها.

#أسامة_العيسة

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

بين جبرا والعيسة/ يوسف أبو طاعة


 

بين جبرا إبراهيم جبرا، ابن بيت لحم، وأسامة العيسة، ابن مخيَّم الدهيشة، مسافة جغرافية قصيرة، لكنَّها مسافة طويلة في الذاكرة.

جبرا خرج من بيت لحم إلى العالم، وحمل مدينته معه في اللغة، وظل يبحث، في المنفى، عن فلسطين التي ابتعدت عنه كلما اتسعت المدن.

أمَّا العيسة، فجاء من المخيم، من المكان الذي لم يكن منفى عابرًا، بل صار وطنًا مؤقتًا لأناس اقتُلعوا من أوطانهم.

كلاهما كتب عن راحيل التي لم تغادر قُبتها، وكلاهما كتب عن وليد مات بعد يومين، ليصبح (بنيامين).

وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات قسوة:

أن لا يُكتفى بمصادرة المكان، بل يُعاد ترتيب الذاكرة أيضًا؛ تُعاد تسمية الموتى، ويُعاد تفسير الحكايات، حتى يبدو صاحب المكان غريبًا في حكايته.

في عمله الجميل (بهمش) يتحدَّث العيسة عن الناس والأماكن، ويمرّ على متحف مغدور.

ولعل هذا ما يجعل كتابة العيسة لذيذة، رغم قسوة موضوعها؛ فهو لا يقدم التاريخ بوصفه سجلًا جافًا، بل يعيده إلينا كحكاية لها رائحة المكان، وملمس الحجر، وخوف الأحياء، وارتباك الموتى.

قرأته، فوجدتني أعود إلى أماكن أعرفها، وإلى أشياء ظننت أنني نسيتها.

شكرًا أسامة، فقد ذكّرتني وذكرت المتحف بحب.

#يوسف_أبو_طاعة #جبرا_إبراهيم_جبرا #بهمش #المؤسسة_العربية_للدراسات_والنشر #أسامة_العيسة


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

على رصيف مدينة!



 


في سنوات المدرسة الابتداية، لم يكن من النادر، التدلي إلى بيت ساحور، أو نتنندل إلى قاعة النادي الأرثوذكسيّ العربيّ، لحضور محاضرات وندوات. منها، محاضرة لأكاديميِّ شاب اسمه جورج رشماوي، درس في الجامعة الأردنيَّة وتخرَّج فيها عام 1973، عن كتاب بعنوان صادم: نقد الفكر الدينيّ، لمفكرٍ صادم هو صادق جلال العظم الذي سيكتب ثلاثية نقدية، على الأقل، هي بالاضافة لنقد الفكر الدينيّ، النقد الذاني بعد الهزيمة، ونقد المقاومة الفلسطينيَّة. سيصدمنا عندما لم يعتبر الثورة الفلسطينيَّة ثورة، وإنما مقاومة، وتتبع بدأب التناقضات في تصريحات قادتها. وخمَّن، وصدقناه، إلى أين يقودون التضحيات.

أذكر أنَّ الدكتور رشماوي، ذكر شيئًا عن تدريس العظم في الجامعة الأردنيَّة، والاستغناء عن خدماته. أفادني أنَّ المسالة تعلَّقت بمعادلة شهادة الثانوية التي حصل عليها العظم. يبدو أنَّ إدارة الجامعة وجدتها حجَّة للتخلص من أستاذ صادم. هل الشهادة، أيَّة شهادة، ضرورية ليدرِّس عالم في الجامعة؟ لم لا يحقق صحفي مهتم بواقعة قديمة؟

ظلت محاضرة رشماوي حاضرة لدي، رغم نسياني ذكريات كثيرة عن تلك المحاضرات التي تتندلت إليها، وارتبطت ببحثٍ دؤوب عن هوية ثقافية، مرتبطة بالتحرَّر. هكذا كانت الندوات التي تحفر وتعلِّم في بيت ساحور، ومكتبات بلديات البيرة، ورام الله، ونابلس، وجامعة بير زيت، وجامعة بيت لحم، وغيرها.

يمكن التمعن في مرحلة النهوض تلك، وحال الفعاليات الثقافية، ما بعد أوسلو، فلا نجد ندوة أنتجت أدباءً أو رؤى جمالية وإبداعية، في مناخ يغلب عليه المهرجانية، وتصبح مشاركة أحدهم أو إحداهن بكلمة، في فعالية، مثار فخر عائلي لولد الولد. ونشر صور المثقفين مع وزير أو رئيس تجسيدًا لدونية المثقف اللاهج بالحمد.

لم أعرف ماذا حلّ برشماوي، حتى التقيته، في مفاجأة كبيرة، في مناقشة روايتي جسر على نهر الأردن الصادرة عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، وتقديمه مداخلة نقدية. كان اللقاء معه واهتمامه، بعد ثلاثة أو أربعة عقود مثار اهتمامي. بالطبع لم يكن ليتذكر، ولدًا حضر محاضرته ذات مساء رطب في مدينة حالمة، أكثر من اللازم.

يقيم رشماوي في أميركا، ويقضي جزءًا من الصيف في البلاد. يمكن للأكاديميِّ أن يكون مثقف رصيفي مثلي. على الرضيف دردشنا في مواضيع عديدة. أخبرني رشماوي عن منهجه في القراءة، حيث يخصِّص عدَّة أشهر قراءة لموضوع حديد. أؤيد هذا النوع من القراءة الممنهجة، وآخر منهجيته ما يتعلَّق بالنساك ىبرية القدس. سألته عن اللاهوتي الفلسطينيّ أبو قورة، تلميذ يوحنا الدمشقيّ الذي أقام في دير مار سابا، وتطرقنا إلى أهمية المخططوات المتعلقة بأبو قورة وغيره من لاهوتيين فلسطينيِّين في دير سانت كاترين. قال إن اليونان المتحكمين بالبطريركية والأديرة، يرفضون تطويب أبو قورة، لأنه كتب بالعربيَّة. طوَّحنا إلى المدن الميتة المنسية في شمال شرق سوريا، وكنيسة سمعان العمودي، وجميعها مصدر نهضة معمارية في أوروبا العنصرية.

استفسرته عن صحة كتابة ميلفل قصيدة من نحو 5000 بيت عن مار سابا، ومثلها عن بيت لحم.

عندما أنهيت، مرَّة كتابًا عن حياة ميلفل من إصدار مؤسسة فرانكلين الدعائية الإمبريالية، حزنت لأن "البحَّار الصغير"، لم يعش ليشهد سطوعه الثقافيّ. أكَّد رشماوي المتخصص في أدب صاحب موبي ديك ذلك. أعرف قدرتنا على إهدار الكثير من آليات القوَّة الناعمة.

أتفق وصديقي على الزهو بتراثنا، ونقد العنصرية الغربية، من موقع الند، وليس التصاغر. إنَّ الغرب يعرف ما سرقه منا، ومنا من يستحديه ويتوسله.

#جورج_رشماوي #جسر_على_نهر_الأردن #مكتبة_كل_شيء

#أسامة_العيسة

الاثنين، 24 أغسطس 2026

على جبل الديك!


 


تعبِّر الصورة الَّتي تجمع الراحل فيصل الحسينيّ، وجدعون عيزرا، نائب سابق لرئيس الشاباك، عن جانب من مرحلة فلسطينيَّة بعد اتفاق أوسلو، وأوَّل انتخابات تشريعيَّة، شابها بعض التزوير، كما في القدس، والخليل، الأرجح أنَّ الرئيس عرفات أراد احكام قبضته على ملفي المدينتين.

استقبل الفلسطينيُّون، بمعظمهم، في الأرض المحتلة، الاتفاق، ولم يكن يهمهم بنوده، بترحيب وحسن نية، بعد سنوات الانتفاضة الأولى الصعبة، واحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية، ومن نشطاء فصائل من قدَّم الورود لجنود الاحتلال على الحواجز، فرحًا باتفاق سياسي. لكنَّهم اكتشفوا بسرعةٍ، بعد إحكام إغلاق القدس، الَّذي بدأ في 30 آذار 1993، خصوصًا بين التوأم بيت لحم والقدس، وعزل المدن، وأحياء المدينة الواحدة عن بعضها، أن الطريق ما زالت طويلة.

أبرز التحركات الفلسطينيَّة، كانت الهبَّة ضد الاستيطان على جبل أبو غنيم، الَّذي تحوَّل إلى أشهر جبل في العالم آنذاك. سبق الاعتصام الطويل على جبل الديك المقابل لجبل أبو غنيم، مسيرات وتظاهرات، سعت السلطة الفلسطينيَّة للتحكم فيها، وعندما نصبت خيمة على الجبل في يوم ماطر، تدخل جنود الاحتلال، لتكون في منطقة ب.
نصب فيصل الحسيني خيمته، وسط اهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية والاسرائيليَّة، ومن الأخيرة من نصب عدَّة البث استعدادًا لإيام إخبارية طويلة.

في موقع الأحداث، أخذت خيم الاعتصام في جبل الديك، تستقطب المزيد من الاهتمام، وتستقبل أعدادًا كبيرة من الزوَّار من مختلف أنحاء العالم. وإحدى هذه الخيم حوَّلها الزعيم الفلسطينيِّ الراحل فيصل الحسيني، مقراً له، واستقبل فيها ضيفًا غريبا هو جدعون عيزرا، الَّذي جاء يبحث موضوع الجبل مع الحسيني، وسط هوجة إعلاميَّة، وكان من بين المعتصمين من قال لا للزيارة واعترض على وجود عيزرا، مثل عبلة طه، وزعيم الحزب الوطني القومي الاشتراكي الجبريلي العرفاتي أبو بيبرس إخميس. لكن تدخل مرافق الحسيني الحاسم، أمَّن زيارة آمنة للضيف المخابراتي.

شارك عيزرا في لقاءات كثرت في تلك السنوات، بين نشطاء من الطرفين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وفي إحداها، عرَّف رئيس الوفد الفلسطينيّ مروان البرغوثي، على أعضاء وفده من شبيبة فتح، بذكر السنوات التي قضاها كل منهم في سجون الاحتلال. بينما عرَّف رئيس الوفد الإسرائيلي، عيزرا، بابتسامة عريضة قائلًا: هذا جدعون الذي اعتقكم كلكم!

بعد أيَّام، ودَّع الحسينيِّ، الذي يناديه الجميع بكنيته (أبو العيد) المعتصمين، وأبلغهم أنَّه سيذهب في جولة خليجيَّة، وعندما عاد، مكث وقتًا قصيرًا في الجبل، ثم شكر المعتصمين وأبلغهم أنَّه حصَّل خلال جولته، على مبلغ يناهز السبعة ملايين دولار، تبرع بها الأشقاء العرب، وهذا ما كان ليحدث لولا صمودهم. وغادر الحسينيّ ليمارس عمله من القدس، ولم يعد مرة أخرى، لكن شخصيَّات إسرائيليَّة وعربيَّة وعالمية واصلت التدفق إلى الجبل، ومنهم الكاتب المصري لطفي الخولي، أحد أقطاب ما عرف آنذاك بمجموعة كوبنهاغن. وهي مجموعة مكونة من إسرائيليِّين وعرب، رأت فيما يحدث في جبل أبو غنيم مناهضًا لسعي المجموعة من أجل السلام.

حضر أيضًا عماد الدين أديب، وحذر في حديث للصحفيِّين، وكنت حاضرًا، أميركا، قائلًا إن مصالحها في خطر، إن لم تغيِّر سياستها.

عرَّاب الاستيطان في جبل أبو غنيم، كان نتنياهو. نظم الشاعر سامي غانم من بيت ساحور، التي شارك ناسها بفعالية في الاعتصام الطويل، قصيدـتين على الأقل في ذم رئيس وزراء الاحتلال آنذاك والآن، نشرتا في العدد الأوَّل من مجلة بيت ساحور (أيول 1996م):

أنا نتنياهُ، ذا شعبي يؤيِّدني/ في وضع حدٍّ أتى بالسلم لا الحرب

عهدُ السلام مضى لا سِلمَ أطلبُهُ/ بل أطلبُ الأرض معُ أمنٍ، فذا طلبي

إذْ عهد "بيرس" قد ولَّت حكومتُهُ/ تأتي حكومتُنا بالقمعِ والرعُب

في قصيدته الثَّانية، يهدد "ببعث الانتفاضة من جديد"، وهو ما حدث بعد أربغ سنوات، وقبلها هبَّات من أجل الأسرى وضد النفق:

قولوا "لبيبي" إننا ثُوارُ ما همَّنا/ قمعُ ولا أسوارُ

#جبل_أبو_غنيم

#أسامة_العيسة

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

خنساء بغداد!


 


في تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1994م، وصلت إلى الخليل القديمة المحاصرة بالبوابات الاحتلالية، لألتقي عبد الرؤوف المحتسب، بجوار الحرم الإبراهيمي، وسط الغيتو الاستيطاني والعسكري الاحتلالي، صامدًا، يضحك، ويتسلى مع الزوَّار الأجانب، والمتضامنين مع شعبنا، متحملًا سفالة المستوطنين. وهو يرى الموت، بعينيه، يوميَّا، ولكنَّه حافظ على حس الفكاهة الخليلي، كواحد من مستلزمات الصمود.

أعددت حينها قصَّة صحفيَّة، ليس عن عبد الرؤوف، الذي سألتقيه لاحقًا، مرَّات عديدة، ولكن عن عائلة شقيقه التي قضت في قصف إمبريالي لملجأ العامرية في بغداد خلال حرب الخليج الثانية. فشلت الصواريخ الذكية واستهدفت المدنيِّين في الملجأ.

عُرفت أم غدي، التي فقدت سبعة من أبنائها في قصف الملجأ، على نطاق واسع، وأعددت عنها مادة صحفية، استنادًا لمن زاروا بغداد والتقوها في الملجأ، حيث أوقفت حياتها للشرح عن المأساة.

في شهر نيسان (أبريل) زرت بغداد، والتقيت من وصفت بخنساء بغداد، في الملجأ الذي تحوَّل لمعرض لصور الضحايا، ومن بينهم أبناء عائلة المحتسب.

بدا وجهها وقد قُد من بازلت، لا تضحك ولا تبتسم، وتقدِّم حكايتها بجدية. كتبت في سجل الملجأ، ولكن لا أعرف إذا شكَّل ذلك، عزاء لها. ما أرخص الكلام.

عثرت على صورة خنساء العراق في أرشيفي، أين رمتها الأقدار؟ كيف واصلت حياتها، في أقدار العراق العاصفة؟ وقد أضحت الخنساوات بالآلاف في أوطاننا.

هل تتبع صحفي أو كاتب مصير واحدة من العاديين أمثالنا، في أزمان الحروب؟

أمَّا عبد الرؤوف، فغادر دنيانا، غير مفرِّط في كانون أوَّل (ديسمبر) 2022م

#ملجأ_العامرية

#أسامة_العيسة

الاثنين، 17 أغسطس 2026

القوس الفلسطينيّ!






 


يشكِّل هذا البناء، خارج بلدة الخليل القديمة، إعلانًا اجتماعيًا وطبقيًا صارخًا، يتجاوز مهمة البيت الزراعيّ، الَّذي يسمى في الخليل بيت الحجر، وهو الأكثر تواضعًا معماريًا، نسبة للمناطير والقصور الممتدة من بيت لحم، حتَّى سلواد، وارتبطت بموسم العنب والتين. يعزِّب فيها الفلَّاح ما بعد عيد الخضر، حتى مطرة المساطيح الأولى. ثم يعود لاحقًا من أجل الزيتون.

بيت الحجر بدون سقف، في حين أنَّ المناطير تطوَّرت معماريًا، ومنها ما بني كطابقين، ملحق بها آبار ماء، ومدابس لصنع الدبس، والنبيذ (عابود مثلًا)، ومصاطب لصنع القطين. لم يبق من آلاف المناطير، إلَّا القليل، يمكن مشاهدة بعض النماذج متنوعة العمارة، في عين قينيا (رام الله) والمخرور (بيت جالا).

يتميَّز هذا البناء، بشكلٍ خاص، بواجهته الشرقيَّة، وفي طابقيه بما يعرف بالقوس المدبَّب، الَّذي عُرف لأوَّل مرَّة، في مسجد قبة الصخرة، وإذا كان ثمة تأثر في بناء القبة المذهل، بالفن البيزنطي، إلَّا أن ثمة بصمة عربيَّة أمويَّة، يمثلها القوس المدبب (وتفاصيل أخرى) تجعلنا نسمي هذا القوس، بقوس القدس أو القوس الفلسطينيّ.

استفاد الغربيُّون من قوسنا، وأصبج جزءًا من العمارة القوطية. ولم يكن ذلك فقط نتاج التلاقح المعماريّ-الثقافيّ، فثمت الكثير.

بعد فترة انقطاع طويلة، عاد إلينا قوسنا المدبَّب، والقوس ثلاثي الفصوص، ونماذجه الأولى بارزة داخل قبة الصخرة، مع البنايات التبشيرية بعد منتصف القرن التاسع عشر. والتي كانت ورشات تخرج منها آلاف البنائيين والحجَّارين.

في الطابق العلويِّ من هذا البناء، يمكن الوقوف على نماذج الأعمدة البصلية، التي اختفت من العمارة الفلسطينيَّة وحل محلها الأعمدة الماسورية المزعجة.

على الأغلب، فإنَّ هذا البناء وغيره، اطلع به بناؤوا بيت لحم وبيت جالا، ومنهم من ترك على البنايات، رمزًا مسيحيًا، في معقل الإسلام الإبراهيميّ.

#الخليل

#أسامة_العيسة