في رحيل عزيز
ناشط وطنيّ ومجتمعيّ، حتَّى لو رحل بصورةٍ صادمة لم أفق منها شخصيًا، فرصة للتأمل
في مسيرته التي ارتبطت بهمٍ عام.
في الصورة،
التي نشرها الأستاذ إبراهيم مزهر، قبل سنوات أظهر فيها، حسب مزهر، على اليمين،
بينما خالد هو السادس.
عندما نشرت
الصورة، لم أتبين من فيها، فكتب لي مزهر: "يارفيق (لقب لي لا يحمل دلالة
سياسية) من اليمين إلى الشمال أسامة - أنا - ناجي عوده - نسيت اسمه - خليل
الفراحين - خالد الصيفي - منير قراقع - عبدالله موسى. بس غريب أنك ماتعرف حالك
يازلمه".
المهم في
الصورة، أنَّها تجمعنا أمام مركز شباب مخيم الدهيشة الاجتماعي، اَّلذي نشطنا فيه
مبكرًا، وكان ملتقى وطنيًا ومجتمعيًا وفكريًا، وأحيانًا تناطحيًا بيننا، عندما
كانت لنا آراء ليس فقط فيما يجري في بلادنا، ولكن في بلاد النَّاس، من البليساريو،
إلى المفاضلة بين الاتحاد السوفيتيّ غير المأسوف عليه، والصين غير المأسوف على
شيوعيتها الرأسمالية.
عشنا حصارًا،
بينما ثقل العمل السياسيّ للفصائل الفلسطينيَّة، باستثناء الحزب الشيوعيِّ، في
بيروت. رغم تبعية الحزب للكهنوت الشيوعيِّ في عمَّان.
أعتقد أنَّ
فضلًا مهمًا للراحل صلاح عبد ربه، بالنهوض بالواقع الشبابي في مخيمنا، صُقل وعيه
خلال انتفاضة السموع 1966م، وهو معتقل سابق، ونشط رياضيًا وفكريًا وفنيًا، أعد
مسرحيات، مُثلت على مسرح مرتجل في المخيم، مثلًا عن قصة حال الدنيا لتوفيق زيَّاد،
وألف ولحَّن، مثل أغنية عن النقب، نظمها في سجن النقب. كما علمت من نجله عصام،
أنَّ الفنانة سناء موسى استأذنت الأستاذ خالد لتغنيها، فشوَّهت اللحن.
ترأس عبد ربه،
الهيئة الإدارية لمركز شباب الدهيشة أكثر من مرَّة، وهو يعسوبنا بدون منازع، ومثله
ترأس الهيئة، حسن عبد الجوَّاد، ومحمد الأطرش (أبو فريد)، وأحمد الزغاري، وحسين
شاهين (أبو عماد)- على سبيل المثال.
استضفنا في
المركز شخصيَّات ثقافيَّة، مثل عبد اللطيف عقل، وشعراء الرفض: فوزي البكري، وسميرة
الخطيب، وأحمد حسين، الذي ردَّد شباب المركز أشعار شقيقه راشد حسين. لاحظت أنَّ
واحدًا من ملصقات نشرت عن الأستاذ خالد حملت التعليق: أنا الأرض لا تحرميني المطر.
من قصيدة راشد.
ناقش شباب
المركز كتبًا، مثل كتاب لهادي العلوي عن الدين والتراث، ناقش فيه قضايا تراثية
ودينية، مثل آية الكنز في القرآن الكريم، وكتب لنوال السعداوي، ومقدمات في المجتمع
العربي لهشام شرابي، والنقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق العظم، وغيرها.
انتهت تجربة
المركز، بسبب عدة عوامل، قد يكون منها تدخلات قيادة منظمة التحرير المتنفذة في
العمل الاجتماعي والنقابي في الأرض المحتلة، ولكن أحسمها، هو إغلاقات قوات
الاحتلال للمركز، ومحاصرة المخيم بإغلاق طرقه بالباطون، وإحاطته بالأسلاك الشائكة،
والتوسع في الاعتقالات والقمع.
وجدنا أنفسنا
نأتي إلى هذه الدنيا، على شارع القدس-الخليل، فحاولنا فهم شرطنا التاريخي. تبنينا
شعارًا، ليس من التراث، وإنما من ماو الصيني: إذا كانت الظروف هي التي تصنع
الإنسان، فعلى الإنسان أن يصنع ظروفًا إنسانية.
يبدو أن
العدَّة الثقافية، التي صقلتها التجارب والسجون، لم تكن كافية لنواجه التحديات
اللاحقة، فوقعنا في حفرة أوسلو، واكتشف بعضنا أنَّه يمكن أن يخدم الإمبريالية
العالمية، مثلما خدم أفكار غيرها، ولكن هذه المرَّة، سيقبض الأثمان.
في الظرف
الجديد، أسَّس خالد، مع آخرين مؤسسة إبداع، ونجح في المزاوجة بين التمويل الأجنبي،
وتبني الهم السياسيّ والمجتمعي والثقافي.
خلال المأبدة،
استمر خالد في نشاطه رغم تحذيرات الشاباك. اعتقل وخرج في وضعٍ صعب، تحدى وحاول فتح
مؤسسته، اعتقل مرة أخرى، وكان القرار هذه المرة "إغلاقه" للأبد.
خلال وداعه
المهيب، تحت المطر، صدف أن كنت بجوار عبير، التي لوَّحت لخالد، ودموعها تتساقط،
مثلنا، قائلة: سلِّم على من سبقك، على صديقك.
أدركت أن
الدائرة أُغلقت بين إغلاقين. غادر خالد، ليلتقي والدها صلاح، ربَّما سيروي له ما
حدث في غيابه.
الأمور قد
تكون أبسط، أناس يولدون أحرارًا، ويستمرون كذلك.
#خالد_الصيفي










