"الجزء
الأوَّل من حوار من ستة أجزاء، أجراه الكاتب المصري عطا درغام، ليكن الله بعون من يقرِّر
أو تقرر، قراءة حوار بهذا الطول الذي سينشر تباعا على موقع الحوار المدني".
في المشهد
الثقافي العربي والعالمي، لا يقتصر الأدب على كونِه وسيلة للتعبير، بل يتجاوزها
ليصبح أداة للاشتباك الوجودي مع التاريخ والجغرافيا. ونادراً ما تجد كاتباً استطاع
أن يحفر في "جغرافيا الوجع" بمثل ما فعل الروائي والشاعر الفلسطيني
أسامة العيسة. من أزقة مخيم الدهيشة الضيقة، حيث وُلِد وعاش لتتشكل في هذا المحيط
ملامح جوهر هويته وإبداعه الأدبي الفريد، يرتفع صوت العيسة ليُعيد صياغة مفهوم
"المخيم" لا كبقعة جغرافية طارئة أو مساحة عابرة على هامش التاريخ، بل
كمعمل حقيقي للهوية، ومصنع للوعي الثقافي والوطني، ومركز تتقاطع فيه خيوط المقاومة
والتوثيق والمعرفة.
ينتمي العيسة
إلى ذلك الجيل الفلسطيني الواعي الذي نشأ بعد النكسة، ليحمل على عاتقه إرثاً
ثقيلاً من الذاكرة والشتات الداخلي. وباعتباره "كاتباً للأمكنة"
بامتياز، فقد كرّس جزءاً وازناً من مشروعه الروائي والابداعي لتفكيك سر المكان،
وتقديم الإنسان الفلسطيني في نصوصه كبشرٍ يعيش وينبض بالحياة، بعيداً عن الصور
النمطية البائسة التي طالما حاول العالم الخارجي لصقها بالمخيم وأهله. إنه محكوم
بهاجس "دين الناجي"، حيث تحولت الكتابة عنده إلى فعل بقاء ووفاء، وطريقة
لتسديد فاتورة البقاء على قيد الحكاية، موثقاً تفاصيل قريته المهجرة وكل المدن
التي عبرها وعاش فيها بهوية ثقافية ديناميكية رحبة ومتجددة.
وفي هذا
الحوار العميق والممتد، يفتح العيسة نوافذ الذاكرة ليأخذنا في رحلة عابرة للمكان
والزمن؛ مناقشاً جذور وجدلية "العصبية الدهيشية"، وتفكيك الصور النمطية
في أدب المخيم، وعبء "ذنب الناجي" الذي يدفعه دوماً لاستنطاق التاريخ.
كما يتوقف عند تأثير الهضاب الوسطى والشتات الداخلي على تشكيل مشهده البصري
والسردي، مقدماً قراءة نقدية وتاريخية واعية لتحولات المخيم الفلسطيني بين الأمس
واليوم. حوار يأخذنا إلى صلب التأسيس المعرفي والجمالي لأدب المكان، حيث تصبح
الكلمة خط الدفاع الأخير عن الروح والهوية.
المحور الأول:
"العصبية الدهيشية" وجدلية المكان والمخيم
*ولدت وعشت في
مخيم الدهيشة؛ كيف يتحول المخيَّم من مساحة جغرافية طارئة إلى مصنع للهوية والوعي
الثقافي؟
-من المهم في
البدء الإشارة إلى أنَّ المخيَّم الفلسطينيّ يختلف عن مفهوم المخيَّم الاحتلالي
الإسرائيليّ والغيتو. وضع المحتلون، المهاجرين اليهود من العالم العربيِّ والمشرق
فيما وصفوه بالمعبار، لمدد تصل إلى أعوام قبل إطلاقهم في مجتمع دولة الاحتلال
الناشئ. كان بن غوريون يخاطب اليهود الشرقيِّين: نقلناكم من الشرق إلى الغرب.
انتقل
الفلسطينيُّون من أراضيهم المحتلة إلى أراضيهم التي أصبحت تحت الإدارتين المصريَّة
والفلسطينيَّة. أقيمت المخيَّمات علي أراضي المدن. وتجاور اللاجئون المعدمين مع
مواطنيهم الفقراء في معظمهم. وسرعان ما تحوَّلت المخيَّمات، بفعل النشاط الفوَّار
للأحزاب القوميَّة واليساريَّة، إلى بؤرٍ ثوريَّة، ليس فقط لأبناء المخيَّمات،
الَّتي أفرزت قادة التيارات الفكرية المختلفة.
لم. تكن
المخيَّمات في الأراضي المحتلة، مدن صفيح، ولم يعش اللاجئون على الهامش.
*تحدثت عن
مفهوم "العصبية الدهيشية"، هل تراها آلية دفاعية نفسية أم رابطة
اجتماعية فرضها واقع اللجوء؟
-ربما يوجد
مبالغة في التوصيف "العصبية الدهيشيَّة" أو عصبية المخيَّمات. لم تكن
مقصورة على أبناء المخيَّمات، فالمخيَّم تحول إلى رمزٍ للنكبة. من المهم الإشارة
إلى ان صفة لاجئ لم تقتصر على الَّذين اقتلعوا من أراضيهم، بل شملت جميع
الفلسطينيَّين في الأراضي المحتلة، فغالبية الناس فقدوا أملاكًا لهم بسبب النكبة،
ولاحقًا في النكسة والنكسات المستمرة. يبدو أنَّ رمزيَّة المخيَّم هي التي سادت.
المخيَّمات استقطبت فئات فلسطينيَّة مختلفة وكذلك متضامنين من مختلف أنحاء العالم.
*كيف نجحت في
تفكيك الصورة النمطية للمخيم في أدبك ليظهر كشيء "مختلف جداً" عما يراه
الخارجي؟
-إذا ثمة نجاح
فعلًا، فمرده الصدق، وتقديم ناسنا، بشرًا، لم تنتج المخيَّمات قادة نضال وشهداء،
بل أيضًا كُتَّابا ومثقفين ومفكرين، وهذا وحده يمكن أن يغيِّر أي صور نمطيَّة.
السكن في المخيَّمات لم يقتصر على اللاجئين. تحوَّلت معظم المخيَّمات إلى مراكز
مدن، ثقافيًا واقتصاديًا. يمكن أن لا نجد ذلك في الأرض المحتلة فقط ولكن في
الشتات، مثل مخيَّم الوحدات في عمَّان، ومخيَّم اليرموك في دمشق، ومخيَّمات بيروت،
وفيها جميعًا يعيش فلسطينيُّون ومصريُّون وسوريُّون وغيرهم. المخيَّم هُويَّة
عربيَّة متجددة.
*المنحدرون من
قرى مدمرة حول القدس يحملون ذاكرة مزدوجة؛ كيف ينعكس هذا الشتات الداخلي على
كتاباتك؟
-الهُويَّة
الفلسطينيَّة، بشكلٍ عام، هي هُويَّة ديناميكيَّة، أنا مثلًا متعدِّد الهُويات،
انتمي لقريتي المهجرة وللمدن التي عشت فيها، ولعالم عربيّ مفكك. الهويات هي نتاج
تحدي، فعندما يجهد الاحتلال في تهويد أرضك يجعلك تؤكد هويتك، وعندما يشتمك على
الحواجز وفي أقبية التعذيب باعتبارك عربيًا، تتمسَّك أكثر بعروبتك.
* "نحن
من نجا ليكمل الطريق"؛ هل تشعر بعبء أو ذنب الناجي وأنت تكتب عن المخيَّم
وتوثق تفاصيله؟
-يشعر كل واحد
منا، أنَّه يعش عمرًا زائدًا، يحدث هذا عندما يتذكَّر المرء زملاء مدرسة أو رفاق
معتقل، استشهدوا، كان يمكن أن يكون منهم. من نجا من النكبة، قضى في النكسة، أو
خلال سنوات القمع الاحتلاليّ الطويلة. أنا ككاتب، عندما أتأمَّل في نجاتي، أشعر
أنَّ عليَّ دينًا يجب تسديده، أحاول ذلك من خلال الكتابة.
*كيف تؤثر
الهضاب الوسطى وقرى القدس المدمرة في تشكيل المشهد البصري في نصوصك الروائية؟
-تتميَّز فلسطين،
وهي بلد صغير، بتعدد هائل في طوبغرافيتها، ممكن خلال ساعة في السيَّارة الانطلاق
من شاطيء المتوسط إلى قاع العالم عند البحر الميت، وما بينهما الجبال التي يزيد
ارتفاعها عن الألف متر. الهضاب الوسطى مثل القباب التي تحيط بالقدس، بالمعنى
العسكريِّ الاستراتيجيِّ، وأيضا كتمهيد سردي بصري قبل الصعود للمدينة المقدَّسة
الجبليَّة. تختلف الأشكال الفنيَّة في رواياتي، وما بين الصور الرومانسيَّة لمواطن
الأجداد وحكايات الأمهات، والجهد المعرفيّ لتفكيك سرّ المكان، تنهض الهضاب الوسطى
في نثري، ليس دائمًا بشكلٍ واعي. أنا كاتب أمكنة.
*هل تراجع
مفهوم المخيَّم اليوم كرمز للمقاومة أمام تبدلات الواقع السياسي الفلسطيني؟
-واقع الأمر
أنَّ الأراضي المحتلة، تحوَّلت إلى مخيَّمات، وينطبق ذلك أيضًا على ناسنا في
الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م. من ناحية نضالية، تحولت فلسطين، منذ الانتفاضة الكبرى
عام ١٩٨٧ إلى مفهوم المخيَّم نضاليًا. ذابت الفروق بين الريف والمدن والمخيمات.
أصبحت فلسطين كلها رمزًا.
* المخيَّم في
أدب غسان كنفاني يختلف عنه في أدب جيلك؛ ما الَّذي أضافه أسامة العيسة لـ
"أدبية المخيَّم"؟
-ارتبط مخيَّم
غسَّان كنفاني، بحركة المقاومة الفلسطينيَّة المعاصرة المسلحة في الشتات، بينما
كان علينا نحن جيل المخيَّم بعد النكسة، أنَّ نجترح أشكالنا النضالية المختلفة، في
ظروفٍ تكاد تكون مختلفة تمامًا، وفي بطن الحوت الاحتلالي، المخيَّم الَّذي عرفته
تطوَّرت هُويته، واضحت فلسطينيته، أكثر رحابة، لا أزعم أنَّني أضفت جديدًا، لكنني
كتبت وأكتب معتقدًا أنَّ مبرر الكتابة، هو تقديم شيئًا جديدًا. ربَّما كان مخيَّم
كنفاني أكثر رومانسيَّة ثوريَّة وأملًا. لكن حتى مخيَّمات الشتات التي كتب عنها
كنفاني تغيَّرت. تواجه تحديات أكثر من قوى محليَّة. دُمَّر الكثير منها ليس فقط بأيدي
الأعداء. زرت مخيم شاتيلا في لبنان، تحوَّل إلى مدينة مهمشين، قد يكون معظمهم
ليسوا من الفلسطينيِّين، يواجهون مشاكل عديدة مع الدولة، من نقص الخدمات الحاد إلى
الملاحقات ومعظمها بمبررات جنائية.
*هل تعتقد أن
النخبوية الثقافية أحياناً تعجز عن فهم "العصبية" والروابط العميقة التي
تنشأ داخل الدهيشة؟
-أنتجت
الدهيشة نخبويَّة سياسيَّة وثقافيَّة متعددة، منها نخب سلطوية مقررة في السلطة
الفلسطينيَّة، ومنظمة التحرير وحركة فتح الحاكمة، ومنها نخب ثوريَّة معارضة، تدافع
عن نسغ الهُويَّة الفلسطينيَّة كما يجب أن تكون كما تعتقد. المخيَّم ما زال قادرًا
على المواجهة اليوميَّة مع الاحتلال، وتقديم الشهداء والأسرى.
*كيف يمكن
للمكان (المخيَّم) أن يظل حياً في وجدان الكاتب حتى لو تغيرت ملامحه الديموغرافية؟
-يبقى
المخيَّم حيًا، ويدرك ابنه أنَّه يمكنه خلال ربع ساعة مشيًا العودة إلى قريته
المهجرة، أو نصف ساعة أو ساعة، على الأكثر بالسيَّارة. إضافة إلى أن انصهار هويات
في المخيَّم، أنشأ حنينًا لا شفاء منه ليس فقط لمن سكنه ولكن لمن ولدوا في الغربة
لعائلات سكنت في المخيَّم. تشارك الفقدان والألم والكفاح يضفر وجدانًا حيًا.


























