أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 21 يونيو 2026

الظلال في الجوانب كلّها!



لطالما بدا لي غالب شعث (1934-2022م)، شخصًا غامضًا، أو شهابًا انطفأ!

في عام 1975 تقريبًا، عرض في سينمات بيت لحم والقدس فيلم: الظلال في الجانب الآخر. كانت دور السينما في المدينتين تتناوب النسخة الوحيدة من الفيلم التي تصل الأرض المحتلة، خلال الربع ساعة، فترة الاستراحة بين الفيلمين. وكانت السينمات، بالنسبة لنان أطفالًا وفتية، جزءًا من يومياتنا الباحثة في الشوارع والأزقة.

لم يستمر عرض الفيلم أكثر من يومين أو ثلاثة. الرقابة العسكريَّة الاحتلالية أوقفته. لم أكن أعلم أنَّ الفيلم واجه أيضًا رقابة في مصر، حيث أُنتج بالشراكة بين جماعة السينما الجديدة ومؤسَّسة السينما، لما فيه من نفحات عن المقاومة، والقضية الفلسطينيَّة. أنتج الفيلم في مصر قبل أن تظهر بشكل واضح توجهات النظام التي اتضحت لاحقًا بخيانة السادات. رصدها شعث نفسه في مذكراته التي صدرت متأخرة.

ذكر الناقد أمير العمري في منشور (20 تموز 2026) على صفحته الفيسبوكية: "أن السيد يوسف السباعي وزير ثقافة السادات، منع الفيلم مع ثلاثة أفلام أخرى هي "زائر الفجر" لممدوح شكري، "العصفور" ليوسف شاهين، و"التلاقي" لصبحي شفيق ووصف الأفلام الثلاثة بانها من "أفلام التلبك المعوي"، فقد ظهرت الأفلام الأربعة في فترة كانت تشهد جدلًا كبيرًا حول حالة "اللا سلم واللا حرب"، والانتفاضات الطلابية ضد نظام السادات الذي كان يرفع شعارات معينة، ثم سرعان ما تخلى عنها، في حين أنَّه كان مشغولًا في الواقع بتصفية خصومه السياسيِّين الذين كان يشتم وجودهم بوجه خاص، في أوساط المثقفين".

تعامل شعث في فيلمه الروائيِّ الطويل، مع نجوم في السينما العربيَّة، كمحمود ياسين، ونجلاء فتحي. لم أسمع عنه كثيرًا بعد فيلمه الَّذي حضرته في سينما بيت لحم، وكنت أسال، لاحقًا، عن المخرج الذي قدَّم بيضة ديكه مبكرًا، واختفى.

في مذكراته، أو أوراقه التي صدرت في القدس التي ولد فيها، بعنوان: من أوراق مهاجر، يتطرَّق لمحطَّات عديدة في حياته الفنية، كعمله في التلفزيون المصري، والسينما الفلسطينيَّة، لكن تجربة فيلم بقيمة الظلال في الجانب الآخر، لم تتكرَّر.

يبدو أنَّ دائرة الإعلام الموحد التابعة لمنظمة التحرير التي عمل فيها شعث، لم تستفد منه كثيرًا!

لم أقرأ خبرًا، أو عرضًا لمذكراته. الصدفة هي التي قادتني إليها، في ركن منسي في مكتبة هامشية.

رحل شعث قبل أربع سنوات، وبيانات النعي طفحت بالكلام المجانيّ، مشيرة إلى خسارة الثقافة الفلسطينيَّة برحيله. في الواقع، هذه الثقافة كانت خسرته مبكرًا، بتعطله عن الإنتاج والإبداع.

#غالب_شعث

#أمير_العمري

#الظلام_في_الجانب_الآخر

#أسامة_العيسة

الجمعة، 19 يونيو 2026

حديث الكتب!


 


السؤال الأصعب (ربما الأقسى)، بالنسبة لي، الَّذي طرحته نجوى بركات، على ضيفها الكاتب نبيل سليمان، حول مصير مكتبته بعد رحيله، مبررة السؤال، بمصير مكتبات كتَّاب، وذكرت أسماءً. مثل ممدوح عزَّام، أطال الله في عمر إبداعه، الذي فقد مكتبته في أحداث سوريِّة بعد سقوط النظام، والغائب المهم، ممدوح عدوان، ولا أعرف شيئًا عن مصير مكتبته.

أذكر أنَّني قرأت، صغيرًا، قصيدة للشاعر هارون هاشم رشيد، في مجلةٍ ربَّما كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي أو ستينياته، يرثي فيها مكتبته، الَّتي نكبتها النكبة. بحثت عن القصيدة ولم أعثر عليها، خلال كتابتي رواية: بنت من القدس الجديدة، فهي أيضًا عن رثاء المكتبات التي وصل بعضها، مجزوءًا إلى المكتبة الوطنيَّة في دولة الاحتلال، أو فُقدت تمامًا مثل مكتبة توفيق كنعان، الَّذي كان يتسلَّق سور القدس، مطلًا على منزله في المصرارة وهو يحترق، ودخان الكتب يتصاعد.

عانينا في الأرض المحتلة من حرب الاحتلال على مكتبتانا الصغيرة، أي اعتقال أو دهم، يعني تحميل الكتب، وبعض الَّذين صودرت كتبهم، قدموا للمحاكمة.

أذكر أنَّ أحدهم، مدَّني بمنشورات سرية، كان يخفيها مع قصائد لناظم حكمت والشاعر عبد المعين الملوحي في شق جدار مهترء، باعتبارها محظورة.

أعتقد أنَّ الأمر لم يكن يختلف في الدول العربيَّة. حدثني المخرج حنا مصلح، وكان عائدًا من دراسته في الخارج، أنَّ زملاءً عراقيين، حسدوه لأنَّه سيعود إلى مكتبته، بينما هم لا يستطيعون ليس فقط العودة (زمن صدَّام)، ولكن مكتباتهم فُقدت.

لكن ربما نظراتنا للأمور تتباين بتباين الأعوام وكرورها. أضيق مثلًا بسؤالين، عادة ما يطرحان من أصحاب يزورونني في مكتبتي، الأوَّل أتسامح معه قهرًا: هل قرأت هذه الكتب كلها؟ يعقبه عادة شهقة مفاجأة. أُقيِّم الزائر من هذا السؤال، فهذا يعني أنَّه لا يعرف شيئًا عن القراءة، ولا الصحبة. ولكن سماجة الزائر تتفاعل، فيرمي سؤالًا عن مصير المكتبة بعد عمري الطويل. وكأنَّه يرأني مغادرًا في الغد.

في سهرةٍ مع صديقٍ أكاديميّ وفنانة تشكيليَّة، أخذ الحديث عن مكتبتي، ولا أعرف كيف مسارًا عجائبيًا، بدأت التشكيليَّة تقدَّم لي مقترحات حول أفضل الأماكن التي يمكن أن أتبرع لها بمكتبتي.

ماذا يجري حقًا؟!!

أخبرني أحدهم، أن صديقة زارت مكتبته، وشهقت عندما رأت كتبه مكومة على الأرض، بعد دهم احتلالي لمنزله، سائلة: هل قرأت هذه الكتب؟ قال: رأيتها، وأنا أعاني من تبعات الدهم، بأسنانٍ تقطر دمًا، وقرون البلاهة تنبت في رأسها.

من يفتقد التعاطف مع الكتب، ويفكِّر فيم بعد موت الكاتب أو المثقَّف، فملامحه تعكس وجهًا كريها! الأمر لا يتعلَّق بالأفراد فقط، ولكن بمجتمعات، وقد يكون هذا مسوِّغ سؤال الكاتبة نجوى، التي ربَّما فكَّرت بمكتبتها، وهي تسأل الكاتب نبيل، بينما ظلال الجوانب كلها تخيِّم.

#نبيل_سليمان

#نجوى_بركات

#بنت_من_القدس_الجديدة

#أسامة_العيسة