أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

طائر الفينيق من قلب الدهيشة (1-6)/ عطا درغام


 


"الجزء الأوَّل من حوار من ستة أجزاء، أجراه الكاتب المصري عطا درغام، ليكن الله بعون من يقرِّر أو تقرر، قراءة حوار بهذا الطول الذي سينشر تباعا على موقع الحوار المدني".

في المشهد الثقافي العربي والعالمي، لا يقتصر الأدب على كونِه وسيلة للتعبير، بل يتجاوزها ليصبح أداة للاشتباك الوجودي مع التاريخ والجغرافيا. ونادراً ما تجد كاتباً استطاع أن يحفر في "جغرافيا الوجع" بمثل ما فعل الروائي والشاعر الفلسطيني أسامة العيسة. من أزقة مخيم الدهيشة الضيقة، حيث وُلِد وعاش لتتشكل في هذا المحيط ملامح جوهر هويته وإبداعه الأدبي الفريد، يرتفع صوت العيسة ليُعيد صياغة مفهوم "المخيم" لا كبقعة جغرافية طارئة أو مساحة عابرة على هامش التاريخ، بل كمعمل حقيقي للهوية، ومصنع للوعي الثقافي والوطني، ومركز تتقاطع فيه خيوط المقاومة والتوثيق والمعرفة.

ينتمي العيسة إلى ذلك الجيل الفلسطيني الواعي الذي نشأ بعد النكسة، ليحمل على عاتقه إرثاً ثقيلاً من الذاكرة والشتات الداخلي. وباعتباره "كاتباً للأمكنة" بامتياز، فقد كرّس جزءاً وازناً من مشروعه الروائي والابداعي لتفكيك سر المكان، وتقديم الإنسان الفلسطيني في نصوصه كبشرٍ يعيش وينبض بالحياة، بعيداً عن الصور النمطية البائسة التي طالما حاول العالم الخارجي لصقها بالمخيم وأهله. إنه محكوم بهاجس "دين الناجي"، حيث تحولت الكتابة عنده إلى فعل بقاء ووفاء، وطريقة لتسديد فاتورة البقاء على قيد الحكاية، موثقاً تفاصيل قريته المهجرة وكل المدن التي عبرها وعاش فيها بهوية ثقافية ديناميكية رحبة ومتجددة.

 

وفي هذا الحوار العميق والممتد، يفتح العيسة نوافذ الذاكرة ليأخذنا في رحلة عابرة للمكان والزمن؛ مناقشاً جذور وجدلية "العصبية الدهيشية"، وتفكيك الصور النمطية في أدب المخيم، وعبء "ذنب الناجي" الذي يدفعه دوماً لاستنطاق التاريخ. كما يتوقف عند تأثير الهضاب الوسطى والشتات الداخلي على تشكيل مشهده البصري والسردي، مقدماً قراءة نقدية وتاريخية واعية لتحولات المخيم الفلسطيني بين الأمس واليوم. حوار يأخذنا إلى صلب التأسيس المعرفي والجمالي لأدب المكان، حيث تصبح الكلمة خط الدفاع الأخير عن الروح والهوية.

المحور الأول: "العصبية الدهيشية" وجدلية المكان والمخيم

*ولدت وعشت في مخيم الدهيشة؛ كيف يتحول المخيَّم من مساحة جغرافية طارئة إلى مصنع للهوية والوعي الثقافي؟

-من المهم في البدء الإشارة إلى أنَّ المخيَّم الفلسطينيّ يختلف عن مفهوم المخيَّم الاحتلالي الإسرائيليّ والغيتو. وضع المحتلون، المهاجرين اليهود من العالم العربيِّ والمشرق فيما وصفوه بالمعبار، لمدد تصل إلى أعوام قبل إطلاقهم في مجتمع دولة الاحتلال الناشئ. كان بن غوريون يخاطب اليهود الشرقيِّين: نقلناكم من الشرق إلى الغرب.

انتقل الفلسطينيُّون من أراضيهم المحتلة إلى أراضيهم التي أصبحت تحت الإدارتين المصريَّة والفلسطينيَّة. أقيمت المخيَّمات علي أراضي المدن. وتجاور اللاجئون المعدمين مع مواطنيهم الفقراء في معظمهم. وسرعان ما تحوَّلت المخيَّمات، بفعل النشاط الفوَّار للأحزاب القوميَّة واليساريَّة، إلى بؤرٍ ثوريَّة، ليس فقط لأبناء المخيَّمات، الَّتي أفرزت قادة التيارات الفكرية المختلفة.

لم. تكن المخيَّمات في الأراضي المحتلة، مدن صفيح، ولم يعش اللاجئون على الهامش.

*تحدثت عن مفهوم "العصبية الدهيشية"، هل تراها آلية دفاعية نفسية أم رابطة اجتماعية فرضها واقع اللجوء؟

-ربما يوجد مبالغة في التوصيف "العصبية الدهيشيَّة" أو عصبية المخيَّمات. لم تكن مقصورة على أبناء المخيَّمات، فالمخيَّم تحول إلى رمزٍ للنكبة. من المهم الإشارة إلى ان صفة لاجئ لم تقتصر على الَّذين اقتلعوا من أراضيهم، بل شملت جميع الفلسطينيَّين في الأراضي المحتلة، فغالبية الناس فقدوا أملاكًا لهم بسبب النكبة، ولاحقًا في النكسة والنكسات المستمرة. يبدو أنَّ رمزيَّة المخيَّم هي التي سادت. المخيَّمات استقطبت فئات فلسطينيَّة مختلفة وكذلك متضامنين من مختلف أنحاء العالم.

*كيف نجحت في تفكيك الصورة النمطية للمخيم في أدبك ليظهر كشيء "مختلف جداً" عما يراه الخارجي؟

-إذا ثمة نجاح فعلًا، فمرده الصدق، وتقديم ناسنا، بشرًا، لم تنتج المخيَّمات قادة نضال وشهداء، بل أيضًا كُتَّابا ومثقفين ومفكرين، وهذا وحده يمكن أن يغيِّر أي صور نمطيَّة. السكن في المخيَّمات لم يقتصر على اللاجئين. تحوَّلت معظم المخيَّمات إلى مراكز مدن، ثقافيًا واقتصاديًا. يمكن أن لا نجد ذلك في الأرض المحتلة فقط ولكن في الشتات، مثل مخيَّم الوحدات في عمَّان، ومخيَّم اليرموك في دمشق، ومخيَّمات بيروت، وفيها جميعًا يعيش فلسطينيُّون ومصريُّون وسوريُّون وغيرهم. المخيَّم هُويَّة عربيَّة متجددة.

 

*المنحدرون من قرى مدمرة حول القدس يحملون ذاكرة مزدوجة؛ كيف ينعكس هذا الشتات الداخلي على كتاباتك؟

-الهُويَّة الفلسطينيَّة، بشكلٍ عام، هي هُويَّة ديناميكيَّة، أنا مثلًا متعدِّد الهُويات، انتمي لقريتي المهجرة وللمدن التي عشت فيها، ولعالم عربيّ مفكك. الهويات هي نتاج تحدي، فعندما يجهد الاحتلال في تهويد أرضك يجعلك تؤكد هويتك، وعندما يشتمك على الحواجز وفي أقبية التعذيب باعتبارك عربيًا، تتمسَّك أكثر بعروبتك.

* "نحن من نجا ليكمل الطريق"؛ هل تشعر بعبء أو ذنب الناجي وأنت تكتب عن المخيَّم وتوثق تفاصيله؟

-يشعر كل واحد منا، أنَّه يعش عمرًا زائدًا، يحدث هذا عندما يتذكَّر المرء زملاء مدرسة أو رفاق معتقل، استشهدوا، كان يمكن أن يكون منهم. من نجا من النكبة، قضى في النكسة، أو خلال سنوات القمع الاحتلاليّ الطويلة. أنا ككاتب، عندما أتأمَّل في نجاتي، أشعر أنَّ عليَّ دينًا يجب تسديده، أحاول ذلك من خلال الكتابة.

*كيف تؤثر الهضاب الوسطى وقرى القدس المدمرة في تشكيل المشهد البصري في نصوصك الروائية؟

-تتميَّز فلسطين، وهي بلد صغير، بتعدد هائل في طوبغرافيتها، ممكن خلال ساعة في السيَّارة الانطلاق من شاطيء المتوسط إلى قاع العالم عند البحر الميت، وما بينهما الجبال التي يزيد ارتفاعها عن الألف متر. الهضاب الوسطى مثل القباب التي تحيط بالقدس، بالمعنى العسكريِّ الاستراتيجيِّ، وأيضا كتمهيد سردي بصري قبل الصعود للمدينة المقدَّسة الجبليَّة. تختلف الأشكال الفنيَّة في رواياتي، وما بين الصور الرومانسيَّة لمواطن الأجداد وحكايات الأمهات، والجهد المعرفيّ لتفكيك سرّ المكان، تنهض الهضاب الوسطى في نثري، ليس دائمًا بشكلٍ واعي. أنا كاتب أمكنة.

*هل تراجع مفهوم المخيَّم اليوم كرمز للمقاومة أمام تبدلات الواقع السياسي الفلسطيني؟

-واقع الأمر أنَّ الأراضي المحتلة، تحوَّلت إلى مخيَّمات، وينطبق ذلك أيضًا على ناسنا في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨م. من ناحية نضالية، تحولت فلسطين، منذ الانتفاضة الكبرى عام ١٩٨٧ إلى مفهوم المخيَّم نضاليًا. ذابت الفروق بين الريف والمدن والمخيمات. أصبحت فلسطين كلها رمزًا.

* المخيَّم في أدب غسان كنفاني يختلف عنه في أدب جيلك؛ ما الَّذي أضافه أسامة العيسة لـ "أدبية المخيَّم"؟

-ارتبط مخيَّم غسَّان كنفاني، بحركة المقاومة الفلسطينيَّة المعاصرة المسلحة في الشتات، بينما كان علينا نحن جيل المخيَّم بعد النكسة، أنَّ نجترح أشكالنا النضالية المختلفة، في ظروفٍ تكاد تكون مختلفة تمامًا، وفي بطن الحوت الاحتلالي، المخيَّم الَّذي عرفته تطوَّرت هُويته، واضحت فلسطينيته، أكثر رحابة، لا أزعم أنَّني أضفت جديدًا، لكنني كتبت وأكتب معتقدًا أنَّ مبرر الكتابة، هو تقديم شيئًا جديدًا. ربَّما كان مخيَّم كنفاني أكثر رومانسيَّة ثوريَّة وأملًا. لكن حتى مخيَّمات الشتات التي كتب عنها كنفاني تغيَّرت. تواجه تحديات أكثر من قوى محليَّة. دُمَّر الكثير منها ليس فقط بأيدي الأعداء. زرت مخيم شاتيلا في لبنان، تحوَّل إلى مدينة مهمشين، قد يكون معظمهم ليسوا من الفلسطينيِّين، يواجهون مشاكل عديدة مع الدولة، من نقص الخدمات الحاد إلى الملاحقات ومعظمها بمبررات جنائية.

*هل تعتقد أن النخبوية الثقافية أحياناً تعجز عن فهم "العصبية" والروابط العميقة التي تنشأ داخل الدهيشة؟

-أنتجت الدهيشة نخبويَّة سياسيَّة وثقافيَّة متعددة، منها نخب سلطوية مقررة في السلطة الفلسطينيَّة، ومنظمة التحرير وحركة فتح الحاكمة، ومنها نخب ثوريَّة معارضة، تدافع عن نسغ الهُويَّة الفلسطينيَّة كما يجب أن تكون كما تعتقد. المخيَّم ما زال قادرًا على المواجهة اليوميَّة مع الاحتلال، وتقديم الشهداء والأسرى.

*كيف يمكن للمكان (المخيَّم) أن يظل حياً في وجدان الكاتب حتى لو تغيرت ملامحه الديموغرافية؟

-يبقى المخيَّم حيًا، ويدرك ابنه أنَّه يمكنه خلال ربع ساعة مشيًا العودة إلى قريته المهجرة، أو نصف ساعة أو ساعة، على الأكثر بالسيَّارة. إضافة إلى أن انصهار هويات في المخيَّم، أنشأ حنينًا لا شفاء منه ليس فقط لمن سكنه ولكن لمن ولدوا في الغربة لعائلات سكنت في المخيَّم. تشارك الفقدان والألم والكفاح يضفر وجدانًا حيًا.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=928100&fbclid=IwY2xjawTV2oBwZG9mA2V4dG4DYWVtAjEwAGJyaWQRMWI5MWJsUFpWTFY3d08yY0pzcnRjBmFwcF9pZA81MTQ3NzE1NjkyMjgwNjEAAR5gQ9u_88SV9N_svw0tP_bNeZEBHwi06Zt_F8MijzRD8bGyzUJKNJNCCEpUMA_aem_7Y5SB0BwxwYUgXnu-Mcm-w

الاثنين، 27 يوليو 2026

شخصيات آسرة ولغة أدبية رفيعة/ عبد الهادي السعدون


 


عن منشورات جامعة أليكانتي صدور رواية مجانين بيت لحم في إسبانيا: إحدى أبرز روايات الأدب الفلسطيني المعاصر

أصدرت منشورات جامعة أليكانتي الترجمة الإسبانية لرواية مجانين بيت لحم للكاتب والصحفي الفلسطيني أسامة العيسة، بترجمة عن العربية أنجزتها نويمي فييرو. ويتيح هذا الإصدار للقارئ الناطق بالإسبانية فرصة الاطلاع، للمرة الأولى، على واحدة من أهم الروايات في الأدب الفلسطيني المعاصر، والحائزة على جائزة الشيخ زايد للكتاب، إحدى أرفع الجوائز الأدبية في العالم العربي. تدور أحداث الرواية في مدينة بيت لحم، حيث يحوّل أسامة العيسة مستشفىً للأمراض النفسية إلى فضاء روائي بالغ الرمزية، يستكشف من خلاله الذاكرة والهوية والآثار الإنسانية للاحتلال. ومن خلال شخصيات آسرة ولغة أدبية رفيعة، تتجاوز الرواية الحدود التقليدية بين العقل والجنون، لتكشف كيف يعيد العنف والاقتلاع تشكيل الحياة اليومية ونظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم. مجانين بيت لحم ليست مجرد رواية عن فلسطين، بل هي تأمل إنساني عميق في الكرامة والمقاومة والقدرة على صون الذاكرة في مواجهة النسيان. وتمزج الرواية ببراعة بين التاريخ والخيال والالتزام الأخلاقي، مما يجعلها عملاً أدبياً لا غنى عنه لكل من يرغب في التعرف إلى أحد أبرز الأصوات في الأدب العربي المعاصر. وتفتح الترجمة الإسبانية التي أنجزتها نويمي فييرو نافذة جديدة أمام القارئ الإسباني للتعرّف إلى هذا العمل الأدبي المتميز، في خطوة تمثل إضافة مهمة إلى حضور الأدب الفلسطيني في الفضاء الثقافي الناطق بالإسبانية (بيانات الكتاب: أسامة العيسة:  مجانين بيت لحم، ترجمة إلى الإسبانية نويمي فييرو. منشورات جامعة أليكانتي. 321 صفحة، 2026).

Se publica en la editorial de la Universidad de Alicante  Los locos de Belén, una de las destacadas novelas de la literatura palestina contemporánea

La editorial de la Universidad de Alicante incorpora a su catálogo Los locos de Belén, del escritor y periodista palestino Osama Alaysa, en traducción de la árabe realizada por Noemí Fierro. Con esta publicación, el lector en lengua española tiene acceso por primera vez a una de las novelas más relevantes de la narrativa palestina contemporánea, galardonada con el Sheikh Zayed Book Award, uno de los premios literarios más prestigiosos del mundo árabe. Ambientada en la ciudad de Belén, Los locos de Belén convierte un hospital psiquiátrico en un poderoso escenario desde el que explorar la memoria, la identidad y las consecuencias humanas de la ocupación. A través de personajes inolvidables y una escritura de gran riqueza simbólica, Osama Alaysa cuestiona los límites entre la cordura y la locura, mostrando cómo la violencia y el desarraigo transforman la vida cotidiana y la percepción de la realidad. Más que una novela sobre Palestina, Los locos de Belén es una reflexión universal sobre la dignidad humana, la resistencia y la capacidad de preservar la memoria frente al olvido. Su combinación de historia, ficción y compromiso convierte esta obra en una lectura imprescindible para quienes desean acercarse a una de las voces más originales e influyentes de la literatura árabe actual. La cuidada traducción de Noemí Fierro permite al lector hispanohablante descubrir una obra de extraordinaria calidad literaria, cuya publicación supone un acontecimiento editorial para los estudios árabes, la literatura comparada y todos aquellos interesados en conocer la realidad palestina a través de la ficción. (Ficha del libro : Osama Alaysa (2026). Los locos de Belén. Traducción del árabe de Noemí Fierro. Ediciones Universidad de Alicante. 321 páginas).

#عبد_الهادي_السعدون

#نويمي_فييرو

#مجانين_بيت_لحم

#أسامة_العيسة

الأحد، 26 يوليو 2026

ملعقة طائر مصري من تلّ زكريَّا!


 


تعود هذه الآنية الصغيرة، المكتشفة في تلّ قريتنا زكريَّا، في الهضاب المنخفضة، إلى العصر البرونزيِّ المتأخر، حيث واجه ناسنا تدميرا لمستقرهم.

كيف قاوموا؟ بعد كل محرقة، لم يعش ليخبر الآخرين.

يمكن لهذه الآنية، إثارة الاهتمام، رغم صغرها، وربَّما بسببه، فطولها 12 سم فقط من المقبض إلى المقبض.

عندما عُثر عليها في واحدٍ من مواسم التنقيب الَّتي لا تجري بإذننا، كان سطحها سلسًا ولامعًا ومصقولًا لدرجة اعتقد المنقبون من آثاريي الدويبة، أنَّها قد تكون مصنوعة من الرخام. فيما بعد أدركوا أنَّ جزءًا من مظهرها الممَّيز كان نتيجة الحريق الشديد الذي دمَّر المبنى اَّلذي وُجدت فيه. حتَّى اليوم، يمكن رؤية آثار السخام على سطحها. إنَّها شاهدة على واحدة من محارق ناسنا المستمرة.

الآنية أو الوعاء مصنوع من المرمر وينتمي إلى نوعٍ مصريِّ معروف للآثاريين، يسمونه: ملعقة الطيور. كانت هذه الأشياء الأنيقة تستخدم عادة لمستحضرات التجميل وكثيرًا ما تظهر في السياقات الجنائزية المصريَّة. معظمها أنتجت في مصر، وصُدرت للخارج، ووصلت نساء قريتنا الحزينات، ورثت أمهاتنا عنهن الحزن المعتَّق، والألم التاريخيّ. لقد عشت بين الحزينات في المخيَّم، تتسربل واحدتهن بثوبٍ أسود، بتطريز أخصر أو نيلي، عنوان حزن على فقيد، لا تخلعه بعد سنوات، حتَّى لو أحبت، خشية من القيل، وخجلًا من ميت ستقابله يومًا، تحت التراب. ٍستقول له: لم أفك حدادي! كما أخلصن الجَدَّات، ها أنا على درب حزنهن غير النهائيّ!

ما يجعل هذا الاكتشاف أكثر إثارة هو السياق الذي اكتشف فيه. عُثر على ملعقة الطائر هذه، في مبنى يعود للعصر البرونزيّ المتأخر مع العديد من الأشياء الأخرى ذات الأصل المصريّ، بما في ذلك الخنفساء والتمائم، وأغراض إضافية على الطراز المصريّ.

تقدِّم هذه الاكتشافات لمحة عن الروابط الوثيقة بين قريتنا وتلالنا، ومصر خلال العصر البرونزيّ المتأخر، عندما كانت من يسميها العهد القديم: أرض كنعان تحت الحكم المصريّ. بعد أكثر من 3,300 سنة، سنة نكرّ أختها، لا يزال هذا الوعاء الصغير يحكي قصة عن الروابط الثقافيَّة والتبادل والحياة في العالم القديم.

قبل أيَّام، انطلق موسم حفريات جديد في تلنا، بغيابنا!

#تلّ_زكريا

#قرية_زكريا

#أسامة_العيسة




























 

السبت، 25 يوليو 2026

دون وداع أخير/ نضال عفانة


 


"بِهمّش - يوميات كاتب في انتفاضه مغدورة".

حجزت النسخه الأخيره على رفوف مكتبه تنوين.

شاءت الظروف أن يصلني الكتاب صباح الأربعاء الماضي بالتوافق مع حفل زفاف أخي الطيب الجميل أمير.

أمير الذي كان صديق وحبيب ووصية من ذهب بلا وداع أخير لأبي. كنت مغيبًا خلف القضبان!

هو الغياب المؤلم والموجع  كتلك الرصاصة التي قرَّرت أن تستقر في صدري منذ عشرين عامًا.

في آخر صفحة من الكتاب قرر أسامه أن يكتبني، ويكتب وجع غياب أبي في غيابي هناك.

أقرأ ما تبقى من ذكريات وحكايات تقهر قلوبنا المكسورة.

في آخر النهار أذهب لفرحتي بآخر العنقود وأجمل الأبناء وأطيب القلوب أمير.

دام الوفاء يا أسامة!

#نضال_عفانة #مكتبة_تنوين

#بهمش_يوميات_كاتب_في_انتفاضة_مغدورة

#المؤسسة_العربية_للدراسات_والنشر

#أسامة_العيسة

الجمعة، 24 يوليو 2026

لو وُجدت!


 

بتاريخ 22/11/1937، كان لدى عيسى البندك (1896-1984)، الصحفي والناشط والموالي بشدة للحاج أمين الحسيني، ما يشغله في خضم الثورة، التي كان الفلَّاحون وقودها. لعله أحس بالفراغ، مع وجود العديد من النخب خارج البلاد. وهذا موضوع يمكن قول الكثير فيه.
جلس البندك، ليحرِّر رسالة لعوني عبد الهادي (1882-1970) أحد الزعماء المقيمين خارج البلاد، متمنيًا أن لا تطول غيبته "عن الوطن المفدى، وقد جاهدتم في سبيله جهاد الأبطال الصناديد". يحب البندك ترصيع كلامه وتفخيم أوصافه، هكذا فعل مع الحاج أمين، ولاحقًا مع العائلة الهاشميَّة.
مما جاء في الرسالة، التي أراد رئيس بلدية بيت لحم، من خلالها، في منعطف آخر من منعطفات البلاد، نقل حقيقة الأوضاع في فلسطين: "البلاد ما زالت في بحران (الخطأ في الأصل) من القلق والاضطراب النفسي على أثر حوادث نفي الإخوان إلى سيشل ومنع الآخرين من دخول البلاد، وحل الهيئات الوطنيَّة التمثيليَّة. فقد استولى الوجوم على جميع الطبقات على السواء، إلَّا أنَّ الطبقة العادية كانت أقل اكتراثًا وأكثر إيمانًا وأصلب عقيدة من طبقة الخاصَّة".
أكَّد: "لا أكون مبالغًا إذا قلت لكم أنَّ معنوية الشعب تدعو إلى الاعتزاز، ولو وُجدت قيادة جريئة لسجَّل هذا الشعب مرَّة ثانية كفاءته على إتيان الأهوال بل والأعاجيب".
واصل البندك الغمز من النخب، وكان واحدًا منها: "..استولى الرعب على قلوب البارزين من رجالات البلاد المتخلفين وظنوا أنَّ الغنيمة في الهزيمة فانزووا في بيوتهم فقبروا سمعتهم وفازوا باحتقار الرأي العام".
يا له من فوز عظيم!
في رسالة أخرى (30/11/1939) يخبر البندك، عبد الهادي:
"السينما تشتغل بصورة مدهشة هذه الأيَّام، وبفضل الحركة الوطنيَّة في السنتين الآخيريتين قد يُطلِّق كثيرون الاهتمام بالسياسة، وأرجو أن لا يَصْدق تشاؤمي".
لكل جيل فلسطينيّ وعربيّ ربيعه. يمكن مثلًا، تتبع مصائر مجموعة شباب الربع الأوَّل من القرن العشرين: عيسى البندك، يوحنا دكرت، عبد الله البندك، حنَّا ميلادة، خليل قزاقيا، سليم العشي (الدكتور داهش لاحقًا)، ويوسف جبرا، وغيرهم. والتأمل في البدايات وكيف ينتهي ربيع الأفكار، إلى خريف يطول.
*الصورة: عوني عبد الهادي/ مذكرات عوني عبد الهادي، تحقيق خيرية قاسمية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002م.

ثقافة ونيِّف!



من الأسئلة المستفزة التي تُطرح في الندوات واللقاءات، المتعلقة بدور المثقَّف. أعجب من ثقة السائل أو السائلة، والشحنة الاتهامية للمثقَّف (دون تمييز بين مثقف ومثقف) وكأنَّه المسؤول عن شرور العالم.
يمكن أن يكون للمثقف دورًا، بتوفر عدَّة عوامل منها، قناعة لدي فئات اجتماعيَّة بدوره. لا أعرف إذا كان ذلك متاحًا، في مناخ فيه الاهتمام الاجتماعيّ بمرشح لموتمر الحزب الحاكم، يفوق هموم المجتمع كلَّها.
دعوني أشاركم حكاية، معتذرًا لأنَّها شخصية. أعمل على بحثٍ منذ عقدين ونيِّف (مش عارف إذا كانت هذه النيِّف مهمة أم لا؟) خلال ذلك تراجعت عن نشره مرَّتين، لمزيد من البحث والتدقيق والعمل الشاق ومراجعة عشرات المراجع وإجراء عشرات المقابلات. لكن يأتي وقت لا بد أنَّ النيِّف يشكو ويملّ قبل أن يتحوِّل الانتظار عقدًا حديدًا.
اتفقت العام الماضي مع مركزٍ متخصِّص بالمعمار على نشر البحث. أخبرتني المسؤولة عن النشر، أنَّه سينشر العام المقبل (٢٠٢٦) بعد توفير التمويل الَّذي سيشمل: الطباعة والتصميم والتدقيق اللغويّ والتصوير والرسوم البيانيَّة وأمور أخري. سألتها، خلال المهاتفة، ماذا عن حقوق الباحث؟ وهو في هذه الحالة حظرتنا. أجابت بعد هنيهة وكأنَّ السؤال باغتها بوجود متفرقات!
استفسرتها، فعلمت أن حقوق الباحث المادية يمكن إدارجها في بند: متفرقات!
شعرت بإهانة، كيف يمكن أن تكون حقوق المولف متفرقات، وهو في الواقع الَّذي شغَّل كل ما ذكرته الحهبذة المسؤولة؟
أُرجِّح أنَّ إدارة المركز لم تفكِّر بحقوق الباحث الغلبان أصلًا، ولم تدرجه في خطَّة النشر، وما الإجابة السمجة المهينة: متفرقات، إلَّا طفح صفراء الدمن، تقرَّحت فجأة على عقل متبجِّح مريض يدير مركزًا ثقافيًا. قد لا تدرك المسؤولة القميئة أنَّها تسبَّبت بإيذاء نفسي، ومارست عنفًا رمزيًا على الباحث، وكأنَّه مجرد رحم مستأجر، ليشغِّل أورطة تكنوقراط بليدين، لكن ببلاش.
يمكنكم توقع رفضي لنشر البحث، دفاعًا عن نتفٍ من كبرياء الكُتَّاب، رجاء بلاش الأسئلة المضللة حول دور المثقف. تُطرح لتزجية الوقت، وإثبات حضور من السائل الاستعلائي. لمجرد السؤال، ليثبت أنَّه مثقف ونيِّف أيضًا.
بصراحة نيِّفتوننا قرفًا. ربَّما اجترحنا بروتوكولًا، يحدِّد من له الحق في التداخل خلال الندوات!
*الصورة: عدسة مصور الحياة البرية: محمد الشعيبي

المشَّاء!



"ديروا الميِّة على الصفصاف، واحنا السريان ما بنخاف!". تكاد تكون هذه الاهزوجة النشيد الوطنيِّ للسُّريان في بلدتي بيت لحم والقدس القديمتين.
لكنَّني أعتقد، أنَّ جبرا كان يخاف، مثلي أنا مواطنه ومُحبه. احتاج وقتًا ليكتشف فلسطينيته، وعندما قدَّمها في البحث عن وليد مسعود، صنفه النقد الأيدولوجيّ بكاتب البرجوازيَّة الفلسطينيَّة، ولكن صورته لوردًا إنجليزيًا، تهاوت عندما عاد إلى بيت لحم، في بئره الأولى.
امتن جبرا دائما، لشقيقه الأكبر يوسف، ولدوره في إنقاذ العائلة من الفقر، وتوفير الدعم لشقيقه ليكمل تعليمه ويواصل إبداعه.
عمل يوسف جبرا نجَّارا، وعندما أهداه جبرا نسخة من سيرته البئر الأولى كتب في الإهداء: إلى أخي يوسف الَّذي لولاه لما امتلأت بئري هذه أبدًا، وهذا نوع من تقدير للأخ الأكبر الَّذي لعب أدوارًا في حيوات العائلات الفلسطينيَّة.
يفخر جبرا، في سيرته: شارع الأميرات، بانتمائه لقبيلة المشَّائين، أنا أيضا أنتمي لهذه القبيلة، لكن بدون فخر بأنواع القبائل كلَّها.
لم يكن جبرا، إلَّا مشاء، وعلى خطاه مشيت كثيرًا في دروبه، وصادقت شقيقه يوسف وزوجته الملائكية، وجلست في عزائه، وكتبت عنه.
سعدت بالندوة: عودة جبرا إلى بيت لحم، بلقاء أحباء بعضهم لم ألتقيهم منذ سنوات؛ كبيرنا قسطندي شوملي، وشقيق البحث مايك سلمان، والأخ المعنوي صالح أبو لبن، والأخوة: حسن اللحام وعصام فرَّاج والشَّاعر عطا الشَّاعر، المرابط على خط الشعر، فارتجل أبياتا في حضرة جبرا. بالطبع والأب الأديب إلياس عبده، عندما أسمعه في العزاءات اردَّد مع المعزين خلفه: آبانا، يبدو وكأنَّه وكأنَّنا نردِّد فاتحة الكتاب. ونهتف: آمين!
صدى جدنا أمون، يتردَّد في جنبات الشرق وانعطافاته!

النسخة الأخيرة/ نضال عفانة


 

ظفرت بالنسخة الأخيرة في مكتبة تنوين، من كتاب أسامة (بهمش: يوميات كاتب في انتفاضة مغدورة).
نعم الظفر!