أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الاثنين، 29 يونيو 2026

لن أبحث عن سارة!



تستغرقني المسافة بين حاوية النفايات التَّاريخيَّة على شارع القدس- الخليل التَّاريخيّ إلى المستشفى الفرنسيّ التَّاريخيِّ في بيت لحم التَّاريخيَّة، خمس دقائق مشيًا. لكنَّها مع الرضيعة سارة المصابة الَّتي لم ترضع شيئًا ولم يكن لها اسم، أخذت أربع ساعات من عمرها النادر، تحت المطر النيسانيّ.
لا يترك شهر آذار وهو يغادر ناس الجبال في فلسطين دون ترك ذكرى، تكون في غالب الأوقات، مطرًا وبردًا وفي مرَّات ثلجًا تعزَّز سمعته كأبي سبع ثلجات كبار. يمتد وداع آذار إلى خلفه نيسان الخفِر، كما حدث في اليوم الثَّاني من الشهر الجديد عام 2002.
يمثِّل ناس الجبل، دور المتعجب المتفاجيِ، من ترددات شهر آذار، وكأنَّ ما يفعله، مودعًا، شيئًا جديدًا على عاداته.
كانت قوَّات الاحتلال اجتاحت بيت لحم، وقتلت من سيظلون. جثثًا في الشوارع والأزقة لأيَّام وفي المنازل بين أحبائهم الأحياء، وحاصر كنيسة المهد، وسيظل أوَّل شهيد فيها نحو أسبوعين بين المحاصرين. سيكثر الشهداء وسيطول الحصار.
في الحصار التَّاريخيِّ للكنيسة التَّاريخية التي شهدت مولد الرب، بالنسبة للبعض، ونبي القلب حسب وصف الغزالي، والقتل وحظر التجول، أرهف أحد المحاصرين في منزله مثل الآخرين سمعه، فدله إلى صراخٍ في حاوية النفايات التَّاريخَّية. تشجَّع وغامر، ملهما بصوت السماء، فتأكَّد من وجود كتلة لحميَّة مبللة تتنفَّس تضرَّر رأسها بسبب رميها وارتطامه بالحديد، من أحدهم أو إحدهن، أو من كليهما. قرَّرا التخلص من الَّتي وصلت في ظرفٍ غير مناسب لهما، فأعاداها إلى العدم. ولكنَّها لم ترغب، ويبدو أنَّ السماء الماطرة استجابت لها، بعكس ما حدث لمن وُلد على أحد الحواجز الاحتلالية القريبة، أطلق الجنود النَّار على والديه، ومُنعوا من الوصول إلى المستشفى، فعاش أربعين دقيقة بعيدًا عن قريته نَحالين، ربَّما مكنته من اختبار أحوال الأرض المقدَّسة وآذارها المنقلع ونيسانها الَّذي سينفض خفره، وسيكون طويلًا على ناسها.
تمكَّن الشجاع من الاتصال بمركبة إسعاف الَّتي تمكَّنت من الوصول الى المكان، وانتشال الكتلة اللحميَّة. وكان معروف للمسعفين إلى أين سيحملون الكتلة، الَّتي تتأوه باختناق. سيتجه المسعفون بها الى الملجأ في المستشفى الفرنسيّ. حيث الراهبة اللبنانيَّة صوفي، الَّتي لم يكن من النادر التعبير عن فرحها بالمناسبات بزغرودة لبنانيَّة. هكذا استقبلت مرَّة ياسر أبو عمَّار الأوَّل.
لكن كيف الوصول الى المستشفى الَّذي تحطَّم جزء من تمثال العذراء الضخم على سطحه في اجتياح قريب سابق.
بعد مفاوضات واتصالات على وقع الرَّصاص والدبابات والجنود المستفزين سُمح للمسعفين بالوصول إلى الراهبة صوفي، الَّتي استلمت كتلة اللحم، جائعة ومصابة بجفافٍ حاد، وتبعات الارتطام. منحتها اسم سارة، واحدة من شخصيَّات عهد الشرق القديم، آملة. تفصيل صغير وسط القنَّاصين والدبابات. لم يكن في واردها إطلاق اسم هاجر الجارية على اللحميَّة.
لم تكن وسائل الإعلام وناس الجبال، ليهتمون بكتلة لحميَّة مرمية في حاوية تاريخيَّة، وعلى الأرجح لم يعلموا بها، فاللحم مفتت على الإسفلت، والدماء تقطر على الساحة المبلطة بحجارة الأرض المقدَّسة.
لا أعرف لماذا لم أفكِّر بمعرفة مصير سارة. قرَّرت أن لا أسأل ولا أقتفي. ماذا يمكن القول لمن جاءت لأرضنا المقدَّسة في الوقت المدنَّس. وهل عاشت أرضنا، أصلًا أوقاتًا غير مدنسة؟ المقدَّس والمدنَّس يتلازمان، لا معنى للقداسة بدون الدنس.
لجمت نفسي عن اقتفاء سارة، لم أبحث عنها، رغبت عن التلصص على مصيرها، وأنا الَّذي كتب عن مصير مثيلاتها. تذكرت سارة وأنا اتمعَّن في لوحة غير مكتملة للصديق شاهر، شرح لي نواقصها. لم أخبره سرّ اهتمامي بلوحته، لم اخبره بحكاية سارة، حتَّى وهو يقرِّر إهدائها لي، بعد إنهائها. لكن خيِّل لي أنَّه يعرف حكايات لأكثر من سارة من بلادنا. يأتن مثلنا في أوقات الأرض المقدَّسة غير المناسبة، ويعشن، مثلنا، في مغالبة مخاتلة الأرض وقرارات السماء، غير المفهومة.

الرواية العيسوية/ محمد نبيل كبها


 


نظَّم مقهى شباك الثقافي في مدينة رام الله أمسية أدبية ثقافية مفتوحة مع الصحفي والروائي أسامة العيسة، حيث شارك فيها كل من الإعلامية والصحفية رانيا الحمدالله، والفيلسوف والمفكر والأديب م.محمد نبيل كبها، ومدير عام الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين جمعة الرفاعي، والكاتب والسياسي د.إياد البرغوثي، وغيرهم من الكتاب والمثقفين.

حيث حاورت الإعلامية المتميزة رانيا الحمدالله الروائي أسامة العيسة، وتطرقت الى شذرات من سيرته، وبداية كتاباته، واستعرضت بعض من مؤلفاته.

من جانبه تحدث الصحفي والروائي أسامة العيسة عن مكان نشأته في مخيم الدهيشة للّاجئين جنوب مدينة بيت لحم عام 1963 وتأثيره عليه، وعن تجربته في الكتابة الإبداعية والصحافية، والكتابة عن الشُهداء، وغيرها.

كما وتحدث الفيلسوف والمفكر والأديب م.محمد نبيل كبها على أن العلاقة بين الصحافة والرواية زواج مقدس، وأن الصحافة منحت عين العيسة عيناً راصدة تلتقط تفاصيل الهامش والناس المعدومين في المخيم والمدينة، وتسقطها في رواية تتغذى على الأحداث الحقيقية، والشهادات الشفوية، والتحقيقات التي عاشها العيسة كصحفي. بدءا من مجانين بيت لحم وحتى المسكوبية والتي تتكأ على البنية الشهرزادية وأنسنة الجغرافيا.

وأضاف كبها أن الروائي العيسة يتعامل مع الرواية أحياناً بنَفَس المحقق وأسلوبه المُشبع بالتقصي والاستقصاء، والذي يقدم الشخوص بضعفهم وانكساراتهم، ويرى أن مشروعه الروائي مغامرة تجريبية مستمرة تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر المهمشين والمهزومين، وليس من منظور المنتصرين، فتجدها العصب الحركي للرواية العيسوية، ويعتقد كبها أنه يعمد الى ذلك كوقف أخلاقي وسياسي ونضالي يعيد الاعتبار لمن أهملهم التاريخ وكف صفحاته عنهم.

https://www.alquds.com/ar/community/3186

عوالم من التاريخ والذاكرة والخيال/ رانيا الحمد الله


 


سعدت بتقديم الأديب والروائي أسامة العيسة التلحمي الأصل وحتى النخاع.

رواياته  ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل بواباتٌ مفتوحة على عوالم متشابكة من التاريخ والذاكرة والخيال؛ فمن رواية مجانين بيت لحم الفائزة بـ جائزة الشيخ زايد للكتاب، إلى سماء القدس السابعة التي بلغت القائمة القصيرة لـ الجائزة العالمية للرواية العربية، مرورًا بأعماله البارزة: المسكوبية، وقبلة بيت لحم، والإنجيل المنحول لزانية المعبد.

قامة أدبية استحق هذه الوقفة عند اصدارته في صالون أدبي  بصحبة لفيف من الأدباء والنقاد والصحفين والمهتمين.

كل الشكر لشباك و للشاعر جمعة الرفاعي الذي نسق ورتب لهذه الأمسية الأدبية.

الخميس، 25 يونيو 2026

اختلاط العقل بالجنون/ بوسف أبو طاعة



سعدت بحضور لقاء مع الروائي والصديق أسامة العيسة، صاحب التجربة السردية المميزة التي تمزج التاريخ بالذاكرة، والواقع بالأسطورة. كان لقاءً ثرياً أضاء جوانب من عالمه الروائي، ولا سيما قدرته على التقاط حكايات الناس البسطاء وتحويلها إلى أدب حي يروي سيرة المكان والإنسان .
في عالم أسامة يختلط العاقل بالمجنون، والتاريخ بالأسطورة، حتى يصبح السؤال الأهم:
كيف يمكن لإنسان يعيش في أرض مثقلة بالحروب والاحتلال والاقتلاع أن يحافظ على توازنه؟

الاثنين، 22 يونيو 2026

النط إبداعًا!



تبقى الذكرى الأقرب إلى قلب أسامة العيسة، الفائز في فرع #الآداب ضمن #جائزة_الشيخ_زايد_للكتاب 2015، تلك الفرحة المفاجئة عند تلقيه خبر الفوز.

لحظة تختصر الجانب الإنساني العميق الكامن وراء كل تتويج.

The memory that remains closest to Osama Alaysa's heart, winner of the 2015 #SZBA #Literature category, is the unexpected joy of receiving the news.

A reminder that behind the win is a deeply human moment of celebration.

#أسامة_العيسة

الأحد، 21 يونيو 2026

الظلال في الجوانب كلّها!



لطالما بدا لي غالب شعث (1934-2022م)، شخصًا غامضًا، أو شهابًا انطفأ!

في عام 1975 تقريبًا، عرض في سينمات بيت لحم والقدس فيلم: الظلال في الجانب الآخر. كانت دور السينما في المدينتين تتناوب النسخة الوحيدة من الفيلم التي تصل الأرض المحتلة، خلال الربع ساعة، فترة الاستراحة بين الفيلمين. وكانت السينمات، بالنسبة لنان أطفالًا وفتية، جزءًا من يومياتنا الباحثة في الشوارع والأزقة.

لم يستمر عرض الفيلم أكثر من يومين أو ثلاثة. الرقابة العسكريَّة الاحتلالية أوقفته. لم أكن أعلم أنَّ الفيلم واجه أيضًا رقابة في مصر، حيث أُنتج بالشراكة بين جماعة السينما الجديدة ومؤسَّسة السينما، لما فيه من نفحات عن المقاومة، والقضية الفلسطينيَّة. أنتج الفيلم في مصر قبل أن تظهر بشكل واضح توجهات النظام التي اتضحت لاحقًا بخيانة السادات. رصدها شعث نفسه في مذكراته التي صدرت متأخرة.

ذكر الناقد أمير العمري في منشور (20 تموز 2026) على صفحته الفيسبوكية: "أن السيد يوسف السباعي وزير ثقافة السادات، منع الفيلم مع ثلاثة أفلام أخرى هي "زائر الفجر" لممدوح شكري، "العصفور" ليوسف شاهين، و"التلاقي" لصبحي شفيق ووصف الأفلام الثلاثة بانها من "أفلام التلبك المعوي"، فقد ظهرت الأفلام الأربعة في فترة كانت تشهد جدلًا كبيرًا حول حالة "اللا سلم واللا حرب"، والانتفاضات الطلابية ضد نظام السادات الذي كان يرفع شعارات معينة، ثم سرعان ما تخلى عنها، في حين أنَّه كان مشغولًا في الواقع بتصفية خصومه السياسيِّين الذين كان يشتم وجودهم بوجه خاص، في أوساط المثقفين".

تعامل شعث في فيلمه الروائيِّ الطويل، مع نجوم في السينما العربيَّة، كمحمود ياسين، ونجلاء فتحي. لم أسمع عنه كثيرًا بعد فيلمه الَّذي حضرته في سينما بيت لحم، وكنت أسال، لاحقًا، عن المخرج الذي قدَّم بيضة ديكه مبكرًا، واختفى.

في مذكراته، أو أوراقه التي صدرت في القدس التي ولد فيها، بعنوان: من أوراق مهاجر، يتطرَّق لمحطَّات عديدة في حياته الفنية، كعمله في التلفزيون المصري، والسينما الفلسطينيَّة، لكن تجربة فيلم بقيمة الظلال في الجانب الآخر، لم تتكرَّر.

يبدو أنَّ دائرة الإعلام الموحد التابعة لمنظمة التحرير التي عمل فيها شعث، لم تستفد منه كثيرًا!

لم أقرأ خبرًا، أو عرضًا لمذكراته. الصدفة هي التي قادتني إليها، في ركن منسي في مكتبة هامشية.

رحل شعث قبل أربع سنوات، وبيانات النعي طفحت بالكلام المجانيّ، مشيرة إلى خسارة الثقافة الفلسطينيَّة برحيله. في الواقع، هذه الثقافة كانت خسرته مبكرًا، بتعطله عن الإنتاج والإبداع.

#غالب_شعث

#أمير_العمري

#الظلام_في_الجانب_الآخر

#أسامة_العيسة

الجمعة، 19 يونيو 2026

حديث الكتب!


 


السؤال الأصعب (ربما الأقسى)، بالنسبة لي، الَّذي طرحته نجوى بركات، على ضيفها الكاتب نبيل سليمان، حول مصير مكتبته بعد رحيله، مبررة السؤال، بمصير مكتبات كتَّاب، وذكرت أسماءً. مثل ممدوح عزَّام، أطال الله في عمر إبداعه، الذي فقد مكتبته في أحداث سوريِّة بعد سقوط النظام، والغائب المهم، ممدوح عدوان، ولا أعرف شيئًا عن مصير مكتبته.

أذكر أنَّني قرأت، صغيرًا، قصيدة للشاعر هارون هاشم رشيد، في مجلةٍ ربَّما كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي أو ستينياته، يرثي فيها مكتبته، الَّتي نكبتها النكبة. بحثت عن القصيدة ولم أعثر عليها، خلال كتابتي رواية: بنت من القدس الجديدة، فهي أيضًا عن رثاء المكتبات التي وصل بعضها، مجزوءًا إلى المكتبة الوطنيَّة في دولة الاحتلال، أو فُقدت تمامًا مثل مكتبة توفيق كنعان، الَّذي كان يتسلَّق سور القدس، مطلًا على منزله في المصرارة وهو يحترق، ودخان الكتب يتصاعد.

عانينا في الأرض المحتلة من حرب الاحتلال على مكتبتانا الصغيرة، أي اعتقال أو دهم، يعني تحميل الكتب، وبعض الَّذين صودرت كتبهم، قدموا للمحاكمة.

أذكر أنَّ أحدهم، مدَّني بمنشورات سرية، كان يخفيها مع قصائد لناظم حكمت والشاعر عبد المعين الملوحي في شق جدار مهترء، باعتبارها محظورة.

أعتقد أنَّ الأمر لم يكن يختلف في الدول العربيَّة. حدثني المخرج حنا مصلح، وكان عائدًا من دراسته في الخارج، أنَّ زملاءً عراقيين، حسدوه لأنَّه سيعود إلى مكتبته، بينما هم لا يستطيعون ليس فقط العودة (زمن صدَّام)، ولكن مكتباتهم فُقدت.

لكن ربما نظراتنا للأمور تتباين بتباين الأعوام وكرورها. أضيق مثلًا بسؤالين، عادة ما يطرحان من أصحاب يزورونني في مكتبتي، الأوَّل أتسامح معه قهرًا: هل قرأت هذه الكتب كلها؟ يعقبه عادة شهقة مفاجأة. أُقيِّم الزائر من هذا السؤال، فهذا يعني أنَّه لا يعرف شيئًا عن القراءة، ولا الصحبة. ولكن سماجة الزائر تتفاعل، فيرمي سؤالًا عن مصير المكتبة بعد عمري الطويل. وكأنَّه يرأني مغادرًا في الغد.

في سهرةٍ مع صديقٍ أكاديميّ وفنانة تشكيليَّة، أخذ الحديث عن مكتبتي، ولا أعرف كيف مسارًا عجائبيًا، بدأت التشكيليَّة تقدَّم لي مقترحات حول أفضل الأماكن التي يمكن أن أتبرع لها بمكتبتي.

ماذا يجري حقًا؟!!

أخبرني أحدهم، أن صديقة زارت مكتبته، وشهقت عندما رأت كتبه مكومة على الأرض، بعد دهم احتلالي لمنزله، سائلة: هل قرأت هذه الكتب؟ قال: رأيتها، وأنا أعاني من تبعات الدهم، بأسنانٍ تقطر دمًا، وقرون البلاهة تنبت في رأسها.

من يفتقد التعاطف مع الكتب، ويفكِّر فيم بعد موت الكاتب أو المثقَّف، فملامحه تعكس وجهًا كريها! الأمر لا يتعلَّق بالأفراد فقط، ولكن بمجتمعات، وقد يكون هذا مسوِّغ سؤال الكاتبة نجوى، التي ربَّما فكَّرت بمكتبتها، وهي تسأل الكاتب نبيل، بينما ظلال الجوانب كلها تخيِّم.

#نبيل_سليمان

#نجوى_بركات

#بنت_من_القدس_الجديدة

#أسامة_العيسة