استيقظ سكَّان
نابلس (ليس مجازًا)، ليجدوا أنَّهم لا ينتمون لولاية بيروت، التي أضحت تحت الحماية
الفرنسيَّة، أمَّا هم فسيكونون تحت إمبراطورية عظمى أخرى.
هذا ليس منعطف
تاريخيّ نادر في شرق المنعطفات. سبقهم مثلًا أهالي رفح، الَّذين استيقظوا يومًا،
ليجد الأب أنه أصبح مصريًا خالصًا بينما ابنه فلسطينيًا متعاليًا لوجهه تعالى. لم
يفهم الاثنان لماذا قرَّرت امراطوريتان، ليس لهما عالقة بالبلاد، ولأسبابٍ طارئة
وضع خط اعتباطي قسَّم الجسد الواحد؟ ما زالت رفح لم تتعافى منه حتَّى الآن.
تكرَّر الأمر
مع الكرك والخليل، ونابلس والسلط، ومادبا وبيت لحم، والقدس التابعة لآيالة طرابلس،
والعقبة ومصر، والأمثلة تكرّ وتهرّ وتشرّ.
الغريب هو ردة
فعل النَّاس، الَّذين استسلموا، لقطيعة جغرافية وتاريخ امتد آلاف الأعوام، وكذلك
النخب والحركة الوطنيَّة الفلسطينيَّة والقوميَّة العربيَّة، التي وصفت وما زالت،
بغباء أظنها لا تحسد عليه، فلسطين الانتدابية، بالتاريخيَّة.
أفكَّر دائمًا،
كيف كان على جَدِّي، الَّذي مات منكوبًا في مخيم لاجئين، دون أن ألتقيه، وهو الذي
خدم في حملة السويس، عثمانيًا قد لا يكون فخورًا، وكلَّفه ذلك فقدان النظر، أن
يتقبل هوياته الجديدة، من العثمانيَّين إلى البريطانيَّين إلى المصريِّين والأردنيَّين!
قرر الملك عبد
الله الأوَّل في أذار 1950، إلغاء اسم فلسطين. تأسست الأحزاب العقائدية، قابلة
الوضع الجديد: حزب بعث أردني وشيوعي أردني وأخوان مسلمون، وقوميون عرب.
ستتساوق
النخب: عجاج نويهض، والياس البندك، وفؤاد نصًّار، ووصفي التل (الذي رُشح لقيادة
الجهاد المقدَّس بعد عبد القادر)، وأكرم زعيتر، وقاسم الريماوي (الذي قاوم في
الوضع الجديد بالسلاح)، والشيخ الجعبري، وعبد الرؤوف الفارس وغيرهم. مسألة التساوق
النخبوي، كما سيتضح في منعطفات لاحقة، لم يكن عجيبًا. لكن ربما العجيب سرعته.
حسب حجم الخط
على خرائط الهدنة، أصبح هناك بيت صفافا أردنيَّة وأخرى إسرائيليَّة، ومثلها
الكثير، إضافة إلى أكثر من مائة قرية أماميَّة. يا للمصطلح!
عندما تجاوز
الرفحيون والغزيون، مرةً، الحدود، بسبب الجوع، هاجمتهم نخب مصرية من بينها يسارية.
تسامح مفكِّر يساري بارز مثل صلاح عيسى، وقال في لقاءٍ متلفز: بهمش هذه المرَّة،
سنعتبرها حق الشفاعة. كيف نفسِّر هذا السقوط المريع، ليساري، تلفزته الانعزالية الكامب
ديفيدية، متخليًا عن مبادئه؟ ماذا عن المرة المقبلة؟ في منعطفٍ آخر سيصرخ المؤلف
السينمائيّ وحيد حامد، محذرًا: الفلسطينيُّون سيحتلون سيناء. فجأة لم يعد يعرف، أنَّ
المصريِّين والفلسطينيِّين حملوا هوية واحدة، لأكثر من خمسة الآف عام. وأنَّ مدنا
فلسطينيَّة، هي مصرية حديثة، كيافا مثلًا.
كيف تولَّد
الفخر الوطنيّ، و"فرية" الدم القُطرية؟ يمكن أن تكون كويتيًا فخورًا،
فتغدو، مجردًا من كويتيتك منبوذًا. يمكن أن تكون مواطنًا صالحًا، ثمّ تغدو المدعو
الطالح.
إذا كانت هذه
الأوطان من ورق يمكن تمزيقها بسهولة، لماذا قُبل بها؟
عندما فك
الملك الراحل الحسين الارتباط مع الضفة الغربيَّة، قُسَّم النَّاس إلى خضر وصفر،
نقف على الجسر يحمل كل منا بطاقة صفراء أو خضراء. أحمل أنا بطاقة خضراء، بينما
معظم أفراد العائلة وأكثريتهم في الأردن يحملون بطاقات صفراء.
نشهد الآن كيف
يحدِّد الاحتلال خانات الفلسطينيِّين، مثل صفة مقدسي ومقدسية، فتصبح مثار فخر
طلقاء كتَّاب وفنانين وسياسيِّين، منتشين بوهم التحديد الاحتلالي.
يمكن للفخر أن
يطال "أسير مقدسي" بينما جاره أو شقيقه أسير "اشتاخيمي" بدون
أي فخر. مرَّة أخرى، سؤال عن قبول النَّاس، وغباء نخبهم، أو خيانتهم!
#أسامة_العيسة


























