أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الجمعة، 24 يوليو 2026

لو وُجدت!


 

بتاريخ 22/11/1937، كان لدى عيسى البندك (1896-1984)، الصحفي والناشط والموالي بشدة للحاج أمين الحسيني، ما يشغله في خضم الثورة، التي كان الفلَّاحون وقودها. لعله أحس بالفراغ، مع وجود العديد من النخب خارج البلاد. وهذا موضوع يمكن قول الكثير فيه.
جلس البندك، ليحرِّر رسالة لعوني عبد الهادي (1882-1970) أحد الزعماء المقيمين خارج البلاد، متمنيًا أن لا تطول غيبته "عن الوطن المفدى، وقد جاهدتم في سبيله جهاد الأبطال الصناديد". يحب البندك ترصيع كلامه وتفخيم أوصافه، هكذا فعل مع الحاج أمين، ولاحقًا مع العائلة الهاشميَّة.
مما جاء في الرسالة، التي أراد رئيس بلدية بيت لحم، من خلالها، في منعطف آخر من منعطفات البلاد، نقل حقيقة الأوضاع في فلسطين: "البلاد ما زالت في بحران (الخطأ في الأصل) من القلق والاضطراب النفسي على أثر حوادث نفي الإخوان إلى سيشل ومنع الآخرين من دخول البلاد، وحل الهيئات الوطنيَّة التمثيليَّة. فقد استولى الوجوم على جميع الطبقات على السواء، إلَّا أنَّ الطبقة العادية كانت أقل اكتراثًا وأكثر إيمانًا وأصلب عقيدة من طبقة الخاصَّة".
أكَّد: "لا أكون مبالغًا إذا قلت لكم أنَّ معنوية الشعب تدعو إلى الاعتزاز، ولو وُجدت قيادة جريئة لسجَّل هذا الشعب مرَّة ثانية كفاءته على إتيان الأهوال بل والأعاجيب".
واصل البندك الغمز من النخب، وكان واحدًا منها: "..استولى الرعب على قلوب البارزين من رجالات البلاد المتخلفين وظنوا أنَّ الغنيمة في الهزيمة فانزووا في بيوتهم فقبروا سمعتهم وفازوا باحتقار الرأي العام".
يا له من فوز عظيم!
في رسالة أخرى (30/11/1939) يخبر البندك، عبد الهادي:
"السينما تشتغل بصورة مدهشة هذه الأيَّام، وبفضل الحركة الوطنيَّة في السنتين الآخيريتين قد يُطلِّق كثيرون الاهتمام بالسياسة، وأرجو أن لا يَصْدق تشاؤمي".
لكل جيل فلسطينيّ وعربيّ ربيعه. يمكن مثلًا، تتبع مصائر مجموعة شباب الربع الأوَّل من القرن العشرين: عيسى البندك، يوحنا دكرت، عبد الله البندك، حنَّا ميلادة، خليل قزاقيا، سليم العشي (الدكتور داهش لاحقًا)، ويوسف جبرا، وغيرهم. والتأمل في البدايات وكيف ينتهي ربيع الأفكار، إلى خريف يطول.
*الصورة: عوني عبد الهادي/ مذكرات عوني عبد الهادي، تحقيق خيرية قاسمية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002م.

ثقافة ونيِّف!



من الأسئلة المستفزة التي تُطرح في الندوات واللقاءات، المتعلقة بدور المثقَّف. أعجب من ثقة السائل أو السائلة، والشحنة الاتهامية للمثقَّف (دون تمييز بين مثقف ومثقف) وكأنَّه المسؤول عن شرور العالم.
يمكن أن يكون للمثقف دورًا، بتوفر عدَّة عوامل منها، قناعة لدي فئات اجتماعيَّة بدوره. لا أعرف إذا كان ذلك متاحًا، في مناخ فيه الاهتمام الاجتماعيّ بمرشح لموتمر الحزب الحاكم، يفوق هموم المجتمع كلَّها.
دعوني أشاركم حكاية، معتذرًا لأنَّها شخصية. أعمل على بحثٍ منذ عقدين ونيِّف (مش عارف إذا كانت هذه النيِّف مهمة أم لا؟) خلال ذلك تراجعت عن نشره مرَّتين، لمزيد من البحث والتدقيق والعمل الشاق ومراجعة عشرات المراجع وإجراء عشرات المقابلات. لكن يأتي وقت لا بد أنَّ النيِّف يشكو ويملّ قبل أن يتحوِّل الانتظار عقدًا حديدًا.
اتفقت العام الماضي مع مركزٍ متخصِّص بالمعمار على نشر البحث. أخبرتني المسؤولة عن النشر، أنَّه سينشر العام المقبل (٢٠٢٦) بعد توفير التمويل الَّذي سيشمل: الطباعة والتصميم والتدقيق اللغويّ والتصوير والرسوم البيانيَّة وأمور أخري. سألتها، خلال المهاتفة، ماذا عن حقوق الباحث؟ وهو في هذه الحالة حظرتنا. أجابت بعد هنيهة وكأنَّ السؤال باغتها بوجود متفرقات!
استفسرتها، فعلمت أن حقوق الباحث المادية يمكن إدارجها في بند: متفرقات!
شعرت بإهانة، كيف يمكن أن تكون حقوق المولف متفرقات، وهو في الواقع الَّذي شغَّل كل ما ذكرته الحهبذة المسؤولة؟
أُرجِّح أنَّ إدارة المركز لم تفكِّر بحقوق الباحث الغلبان أصلًا، ولم تدرجه في خطَّة النشر، وما الإجابة السمجة المهينة: متفرقات، إلَّا طفح صفراء الدمن، تقرَّحت فجأة على عقل متبجِّح مريض يدير مركزًا ثقافيًا. قد لا تدرك المسؤولة القميئة أنَّها تسبَّبت بإيذاء نفسي، ومارست عنفًا رمزيًا على الباحث، وكأنَّه مجرد رحم مستأجر، ليشغِّل أورطة تكنوقراط بليدين، لكن ببلاش.
يمكنكم توقع رفضي لنشر البحث، دفاعًا عن نتفٍ من كبرياء الكُتَّاب، رجاء بلاش الأسئلة المضللة حول دور المثقف. تُطرح لتزجية الوقت، وإثبات حضور من السائل الاستعلائي. لمجرد السؤال، ليثبت أنَّه مثقف ونيِّف أيضًا.
بصراحة نيِّفتوننا قرفًا. ربَّما اجترحنا بروتوكولًا، يحدِّد من له الحق في التداخل خلال الندوات!
*الصورة: عدسة مصور الحياة البرية: محمد الشعيبي

المشَّاء!



"ديروا الميِّة على الصفصاف، واحنا السريان ما بنخاف!". تكاد تكون هذه الاهزوجة النشيد الوطنيِّ للسُّريان في بلدتي بيت لحم والقدس القديمتين.
لكنَّني أعتقد، أنَّ جبرا كان يخاف، مثلي أنا مواطنه ومُحبه. احتاج وقتًا ليكتشف فلسطينيته، وعندما قدَّمها في البحث عن وليد مسعود، صنفه النقد الأيدولوجيّ بكاتب البرجوازيَّة الفلسطينيَّة، ولكن صورته لوردًا إنجليزيًا، تهاوت عندما عاد إلى بيت لحم، في بئره الأولى.
امتن جبرا دائما، لشقيقه الأكبر يوسف، ولدوره في إنقاذ العائلة من الفقر، وتوفير الدعم لشقيقه ليكمل تعليمه ويواصل إبداعه.
عمل يوسف جبرا نجَّارا، وعندما أهداه جبرا نسخة من سيرته البئر الأولى كتب في الإهداء: إلى أخي يوسف الَّذي لولاه لما امتلأت بئري هذه أبدًا، وهذا نوع من تقدير للأخ الأكبر الَّذي لعب أدوارًا في حيوات العائلات الفلسطينيَّة.
يفخر جبرا، في سيرته: شارع الأميرات، بانتمائه لقبيلة المشَّائين، أنا أيضا أنتمي لهذه القبيلة، لكن بدون فخر بأنواع القبائل كلَّها.
لم يكن جبرا، إلَّا مشاء، وعلى خطاه مشيت كثيرًا في دروبه، وصادقت شقيقه يوسف وزوجته الملائكية، وجلست في عزائه، وكتبت عنه.
سعدت بالندوة: عودة جبرا إلى بيت لحم، بلقاء أحباء بعضهم لم ألتقيهم منذ سنوات؛ كبيرنا قسطندي شوملي، وشقيق البحث مايك سلمان، والأخ المعنوي صالح أبو لبن، والأخوة: حسن اللحام وعصام فرَّاج والشَّاعر عطا الشَّاعر، المرابط على خط الشعر، فارتجل أبياتا في حضرة جبرا. بالطبع والأب الأديب إلياس عبده، عندما أسمعه في العزاءات اردَّد مع المعزين خلفه: آبانا، يبدو وكأنَّه وكأنَّنا نردِّد فاتحة الكتاب. ونهتف: آمين!
صدى جدنا أمون، يتردَّد في جنبات الشرق وانعطافاته!

النسخة الأخيرة/ نضال عفانة


 

ظفرت بالنسخة الأخيرة في مكتبة تنوين، من كتاب أسامة (بهمش: يوميات كاتب في انتفاضة مغدورة).
نعم الظفر!

المكان العالي/ تحسين يقين



هو الأجمل لعل مشروعه الروائيّ من أهم ما تابعته..ولدت الرواية الأولى مكتملة..الخبرة بالحياة والكتابة والمعرفة..جعلته يتبوأ المكان العالي.
مشروع العيسة هو الأكثر اكتمالا وصدقا ومتعة..إبداع أصيل.

الحذاء يتحدَّث!


 يدرك العلَّامة، أنَّ طريق الصحافة والسياسة، محفوف بالرقابات العديدة، واختلافات الدول. والمثل الشاخص، شقيقه أحمد شاكر، الذي رحل مبكرًا، تاركا غصةً وأثرًا، بعد إنجازات أدبيَّة وسياسيَّة. عندما كان في دمشق يصدر مجلة الميزان، وصديقه محمد علي الطاهر في القاهرة يتراسلان،  يتحاوران في مسائلٍ أدبيَّة، ونقدات شخصيَّة عن أناس معروفين لهما. فوجئا بالرقيب الدمشقيِّ يتدخِّل، ويطرِّز هوامش الرسائل الغادية والرائحة، برأيه في المسائل المطروحة، بلطفٍ ولباقةٍ. بدا الأمر غريبًا ومفاجئًا، لكنَّهما أدركا أنَّ الرقيب المتدخل، أديب مثقَّف مطلِّع. رغب الطاهر في معرفة هُويَّة الرقيب المثقَّف، فبدأ يحدِّث صديقه بعبارات لطيفة مطمئنة، جعلت الرقيب يطمئن، خصوصًا وهو يعرف هوية المتحاورين المراقَبين، فأسفر عن هويته فإذا به الشَّيخ حسين محي الدين الحبَّال، الأديب البيروتيّ الشهير في زمنه، الَّذي قبل توظفه رقيبًا كانن يصدر جريدة أبابيل. يصفها الطاهر: "جريدة نقَّادة مخيفة طالما روَّعت سخفاء عصرها".

اشتهر كمال ناصر، بمقالاته الصحفية الهادرة. عندما كان نائبا لرئيس تحرير صحيفة فلسطين، ضاق من الرقابة الَّتي تشطب. وضع تحت عنوان الافتتاحية: حديث فلسطين، صورة حذاء. أراد قول كلمته في أحلك الأوقات. قال لرفيقه عبد المحسن القطَّان: "أردت أن أقول للرقيب وأسياده، ذات يوم لن يخاطبكم غير هذا الحذاء، ستسودكم أحذية الجماهير".

لحظاتهم المنسية/ رند صافي


 

لا يكلُ الأسير في محاولته اختلاس النظر إلى السَماء، لعله يجدها كاملة في ذهابه إلى عيادة السجن، وخلال اقتياده إلى زنزانة فردية لقضاء فترة عقوبة وعندما يسرع بشوقٍ إلى موعد زيارة الأهل. لكنَّه يجد نفسه محاصراً بالشبك. مكعبات في كلّ مكان، لها القدرة على إحالة كلَ شيء، لا السماء فقط إلى أجزاءٍ ونتف، ومكعبات مختلفة الأحجام..من خلال الشبك الضيٌق يرى وجه الأم وأنف الأخ وأصابع الصغير التي تحاول اختراق شبك الزيارة، دون جدوى، وعيني الأب..كلُها مكعبات، عالم من المكعبات.
أبدع العيسة بنقلنا فرداً فرداً إلى دير المجانين حتى نعيش لحظاتهم المنسية.
بانتظار الأسطر المقبلة التي سيكتبها مجنون عاش في دير المجانين.
"أجن شيء في الكون عندما يفقد الموت هيبته، ويصبح أكثر الأشياء طبيعية".

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

أُم حازم المصريَّة!

 


عندما وصلت أم حازم المصرية، إلى مخيمنا، رفقة زوجها الشيخ محمود، الحاصل على عالمية الأزهر، لم تحتاج لوقتٍ لتتفلسطن، انضمت، بنكهتها المدينية إلى أمهاتنا الفلاحات السابقات، واللاجئات حاليًا.

ولم يأخذ بكرها حازم، وقتًا ليؤكد مخيميته، فانضم لفرقة رشق الحجارة على مركبات المحتلين على شارع القدس-الخليل، وعلى دربه سار الأشقاء، وتكرر سجنه مع أطفال المخيم. في الانتفاضة الثانية، قدَّمت أم حازم والشيخ محمود، ابنهما مصطفى شهيدا.

يوم أمس، غادرت أم حازم دنيانا، واستقرت تحت تراب فلسطين.

 

الأربعاء، 8 يوليو 2026

مغامرة تجريبية مستمرة/ محمد نبيل كبها


 

أعتقد أن بين الصحافة والرواية زواج مقدس، وكون أسامة العيسة صحفي وروائي، فأجد أن الصحافة منحت عين العيسة عيناً راصدة تلتقط تفاصيل الهامش والناس المعدومين في المخيم والمدينة، وتسقطها في رواية تتغذى على الأحداث الحقيقية، والشهادات الشفوية، والتحقيقات التي عاشها العيسة كصحفي. بدءا من مجانين بيت لحم وحتى المسكوبية والتي تتكأ على البنية الشهرزادية وأنسنة الجغرافيا.
‏‪‬وكونه يتعامل مع الرواية أحياناً بنَفَس المحقق وأسلوبه المُشبع بالتقصي والاستقصاء، والذي يقدم الشخوص بضعفه وانكساراتهم، فأرى أن مشروعه الروائي -والذي أحترمه وأقدره- يمثل مغامرة تجريبية مستمرة تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر المهمشين والمهزومين، وليس من منظور المنتصرين، فتجدها العصب الحركي للرواية العيسوية، وباعتقادي أنه يعمد الى ذلك كوقف أخلاقي وسياسي ونضالي يعيد الاعتبار لمن أهملهم التاريخ.
‬‏أثناء تقشيري لروايات أسامة العيسة وجدت أسلوبه أقرب للكاتب الساخر الشهير "مارك توين"، حيث يتجلى أسلوب التهكم في رواياته والذي وجدته قريبا من الفيلسوف الطبيعي "سقراط" الذي كان يعالج المسائل الفكرية بالسخرية، حيث درج أسلوبه الفكري المعروف بالتهكم السقراطي، والذي كان يجعل التلميذ أمامه تلميذا واستاذا في ذات الوقت.
للروائي العيسة طريقته اللاذعة توظف التهكم لتشريح الواقع السياسي والاجتماعي المأزوم.
‬يتسم أسلوبه بالخيال الواقعي المرن الذي لا ينفصل عن الأرض والتاريخ، ومن هو الكاتب ان لم يسبح بين مساحات العالم المتخيلة كما فعل العيسة، الذي وظف الخيال الساخر والمواقف الغرائبية لتمرير معانٍ سياسية عميقة ونقد "تابوهات" المجتمع والسياسة الدولية، كما يظهر بوضوح في روايته الفائزة بجائزة الشيخ زايد "مجانين بيت لحم". لقد اختصر "ألبرت أينشتاين" هذه المسألة قائلا: العلم يأخذك من نقطة أ الى ب، بينما الخيال يأخذك الى كل مكان.