أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 15 مارس 2026

دير مجانين!




 


لا أعرف أذا فكَّر أحد من باحثينا وباحثاتنا، إحصاء عدد ما فقدناه في حروب، من الحرب الإيرانيَّة-العراقيَّة، في مشرقنا العربيِّ فقط، كنقطة بحث معيارية.

فقط خلال هذه الفترة التي ما زالت مستمرة حتَّى الآن، دُمرت فيها بلداننا، وكان اللاعبون مجانين، سواء كانوا من طغاة العالم، أو من دكتاتوريين محليين.

قتل الأميركيون، عربا، مسلمين ومسيحيين وقتل مسلمون، مسلمين، وقتل مسيحيون، مسيحيين.

لا أعرف أيضًا، إذا فكَّر أحد، بقراءة سلوك المجرمين، نفسيًا. يمكن أن أمد حبل الاتفاق طويلًا، مع المخالفين، من يسار: "شبيحة للأبد لعيونك يا أسد"، إلى محبذي الإجرام القومي وأقر بوطنية من حكمنا، من الحاج أمين، وعبد النَّاصر، والقذافي، وعرفات، والأسدين، وصدّام، وأمراء الحروب اللبنانية، والسيد نصر الله، والخميني والخامنئي، والقبائل اليمنيَّة الماركسية المتعاركة، لكنَّهم جميعًا مارسوا الاعتقال السياسيِّ، والتغييب القصري، والاغتيالات، وقتل المتظاهرين، وقتل بعضهم بعضًا، وفرض عقوبات جماعية على الأهل والأقارب، وكل ما يخطر من عنف مرَّ على شرقنا. والغريب أنَّ منا من يحبهم ويدافع عنهم.

سمَّى أسلافنا المكان الذي يُحتجز فيه المجانين، ديرًا، وقد يكون ديرًا دينيًا، يُحجز فيه المجانين، والبحث في اللفظة يطول. نحن نعيش فعلًا في دير مجانين كبير، ما الَّذي يجبر أجيال منا على تحمل هذا العنف كله؟ وكيف نتحمله؟

ستصمت المدافع، ونعود للحظات بدء؛ غرب متوحش، وزعامات، ستكون أشجع، بما لا يقاس، في قتل متظاهرين، واعتقال أصحاب رأي، وإغلاق صحف، ورقابة كتب، واغتيالات، حتَّى موعد مواجهات أخرى بين مجانين التوحش، ومجرمي الحكم الوطني. كأنَّها رحى لا فكاك منها.

أمَّا بالنسبة للمارقة إياها، فلن تكون أكثر من حقبة صغيرة في تاريخنا الطويل، يمكننا تخيُّل كيف سيتذكرها من سيعيشون مكاننا، ولكن إذا ظلوا تيوسًا مثلنا، فسيستمرون، رهينة الروس، والإيرانيِّين، والأتراك، والأميركيِّين، والصينيِّين، والفرنسيِّين، ربَّما يبحثون عن حلول خارج حدودنا، وينسون حدودهم!

وطنيون، نعم، لكن كارثيين نيرونيين فاسدين قاتلي أحلامنا!. بؤس الوطنية!

#أسامة_العيسة

مقلاع داود وقيثاره!


 


كان داود التوراتي قاطع طرق. سيحافظ على صورته هذه، بعد تحوِّله نبيًا في التراث الإسلاميِّ. يعاني ندمًا، لأفعاله غير الأخلاقيَّة. قبل سنوات ارتفعت أصوات في دولة الاحتلال، تطالب بعدم تعليم سيرته في المدارس. أسطورة داود، واحدة من حكايات أسلافنا الشفهية، التي توقفت عند تدوينها، وإلَّا لاستمرت حتَّى الآن بصيغة ملحمة شعبيَّة.

واحدة من منعطفات داود، رئيس عصبة أشرار، علاقته مع شاؤول. لكنَّه سيدخل قلوب الاسرائيليَّات، ويحتل مكانة، لن يتبوأها شاؤول أبدًا، ولم يكن ذلك لحسنه وفتوته وعزفه القيثار، ولكن لشقاوته.

غنت الإسرائيليَّات ممتدحات شاؤول لقتله الألوف، وداود لزهق عشرات الألوف "فَأَجَابَتِ النِّسَاءُ اللاَّعِبَاتُ وَقُلْنَ: «ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَدَاوُدُ رِبْوَاتِهِ." (1 صم 18: 7).

"فَاحْتَمَى شَاوُلُ جِدًّا وَسَاءَ هَذَا الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: «أَعْطَيْنَ دَاوُدَ رِبْوَاتٍ وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ! وَبَعْدُ فَقَطْ تَبْقَى لَهُ الْمَمْلَكَةُ»." (1 صم 18: 8).

بدا زعل شاؤول مبررًا، ففي رقبته آلاف رقاب الموآبين والعمونيين والأدوميين والفلسطينيين والعماليق. لقد ضرب شاؤول في كل مكان، ولكن ذلك لم يكن كافيًا. ألا يستحق مكانة أفضل في عيني الربّ والإسرائيليَّات اللواتي لم يتوقفن حتَّى الآن عن الغناء لقطاع الطرق.

 

أحب الرب داود أكثر. وتخلى عن شاؤول وعاقبه بروح شريرةٍ عذبته، فانتحر بعد هزيمة من الفلسطينيين.

تأثير الحكاية على نهضوي أوروبا يتبدى بانحياز مرعب. رمبرانت رسم شاؤول مستبدًا شرقيًا. أمَّا داود، فيظهر في لوحات فناني العصور الوسطى، حاكمًا أوروبيًا معاصرًا. وعند مايكل إنجلو، الإنسان بصورته الأسمى.

من يقتل أكثر يصبح حضاريًا أكثر. احتلت بلادنا، وبلاد تشبهنا (إفريقيا، أميركا اللاتينية) بمن حملوا السيف بيد، وكتاب مقدَّس بيد، سيطور نهضويو أوروبا الأمر، إلى مقلاع داود بيد، وفي الأخرى قيثارة. يا له من إرهاب حضاري.

سينحط الغرب أكثر؛ كتاب مقدَّس، ومجنون عجوز يعتقد أنَّه نبيًا، يرفض صورة شاؤول، ينافس مجنونًا أصغر منه، تتلبسه صورة داود، يتقارضان إشعال النيران، في بلادنا، وفي العالم.

الصورة: لوحة شاؤول وداود/ رمبرانت.

الجمعة، 13 مارس 2026

فلسطينية البهارات/ مهيب لحبيري


 


من جنوبة التونسية

قراءات شهر فيفري تونسية الهوى، مسكيليانية الذائقة فلسطينية البهارات:

1-العظماء يموتون في أفريل: أميرة غنيم (تونس).

2-بلاص اليهودي: ميّة الكسوري (تونس).

3- مجانين بيت لحم: أسامة العيسة (فلسطين)

4-أشباح السقيفة: ماهر عبد الرحمان (تونس).

5-أصحاب الهدهد: سفيان رجب ( تونس).

6-رماد مقدّس: هادي التيمومي (تونس).

#جنوبة

#مجانين_بيت_لحم

#هاشيت_أنطوان

#أسامة_العيسة

الأحد، 8 مارس 2026

قُدَّ كَبَد!


 


هذه ليست لوحة ولا غلافًا!

إنَّها بطاقة حب. شذره روح من خالد الناصريِّ للقدس. رأيتها كذلك. قُدَّ كَبَد! مؤثرة، شجية، حتَّى الحزن، وارتفاع الروح.

محظوظ ببعض النَّاس. يمكن أن يكونوا في حيواتنا، حبات بَرد دافئة.

خطوط عن صغيرة الشام، والقدس صغيرتها، ضحية حسنها.

ممتن للناصريِّ. لا أعرف لماذا تأثرت بوحدةٍ، يمكن أن تعبر عن أزلية وحدتنا الوجودية. أكباد وحيدة نحن، نمضي، ونرحل.

#خالد_الناصري

#وحيدا_تحت_سماء_القدس

#جائزة_ابن بطوطة_لأدب_الرحلة

#أسامة_العيسة

السبت، 7 مارس 2026

"الإنجيل المنحول لزانية المعبد"/ معين عوَّاد


 


 رواية "الإنجيل المنحول لزانية المعبد" للكاتب الفلسطيني المهجّر في مخيم الدهيشة "أسامة العَيسة" وله عدة روايات وكتابات تهتم بتدوين حكايا الناس وقصصهم وربطها بالتاريخ ومحاولة للحفاظ على الموروث الشفوي للتاريخ الفلسطيني. طبعا يعتمد كثيرا على أحداث ومصادر تاريخية أيضا من الكتب ومن أشخاص يقابلهم ويسمع حكاياتهم.

رواية "الإنجيل المنحول لزانية المعبد" تحكي حكاية من سفر التكوين فصل 38 حيث يتزوج يهوذا ابن يعقوب من إمرأة كنعانية وينجب منها ثلاثة أبناء ويدور الزمن ويتزوج إبنه البكر "عِير" من "تمار" الكنعانية ولكنه يموت قبل أن ينجب ثم يتزوجها أخيه "أونان" حسب العُرف المتعارف عليه ويميته إلهه "يهوه" لأنه لا يريد إنجاب ذرية تحمل اسم أخيه "عير" حسب العرف ويرفض يهوذا تزويجها من إبنه الثالث "شيلة" خوفا عليه ويفرض عليها أن تبقى في لباس الحداد حتى تقرر "تمار" الكنعانية أن تنتقم من "يهوذا" فتتخفى بهيئة زانية معبد وهذا أيضا كان متعارف عليه حيث تتبرع الزانية بجزء من مدخولها للمعبد ويعاشرها "يهوذا" بشروط تفرضها "تمار" وتحمل منه.

الرواية تتحدث كثيرًا عن الصراعات بين الآلهة وتصف "يهوة" إله يهوذا باالغيور، المنتقم والأناني وتصف "البعل" و"عشتار" وآلهة الكنعانيين بآلهة خير وبركة.

".. عشتارًا مبتسمةً، لكن من دون فتح شدقيها، مكشوفة الصدر بنهدين ناتئين غير بارزين، وبذراعين لامعتين، وعينين عميقتين، وشعر قصير أملس، وفخذين مصقولتين، وقدمين صغيرتين ...  شامة على خد عشتار الأيسر" .

"لماذا يكون صعبًا أن نرضي أكثر من إله ورب؟ لماذا تختلف الأرباب كل هذا الإختلاف؟ وهل هي بحاجة لرضى وطاعة مخلوقاتها إلى درجة الإنتقام ...." ص71

الرواية تتعرض كثيرا لموضوع المرأة وحريتها وحقوقها وقضية الزنا ومحاسبة الأنثى دائما وكأن الأمر مشروع للذكر.

"لم يفكروا ولو للحظة، من هو الزاني؟ مع من زنيت؟ ... الزاني لا عقاب له، يفلت من أي عقاب، فهو غير ملام، إنما المسؤولية على الزانية...." 227

"أسامة العَيسة" كاتب رواية "الإنجيل المنحول لزانية المعبد"  فلسطيني فمن الطبيعي أن تكون توجهاته فلسطينية لذلك يشدد على ضرورة كتابة وتوثيق الأحداث وحفظها للأجيال القادمة لأن من يكتب التاريخ والأحداث أشخاص يكتبونه بوجهة نظر معينة تصبح حقائق بعد أجيال.

"يمكنكم بعد كل هذه السنوات، يا من تقرأون قصتي التي غيبتها كتبة الكتب المقدسة..... وأنصح كل واحد وواحدة أن يخط إنجيله، وتخط إنجيلها"

" لا تدعوهم يروون عنكم، ويستنتجون، ويحددون، ويفرزون ويقررون. إن لم تكتبوا أناجيلكم فسيكتبها الآخرون، ومن يكتب يستحوذ ويؤول ويؤلف، ويترك بصمة لا تمحى في أقوال التاريخ، وهي زوايا نظرمن يكتبون، تضحي حقائق لأجيال لاحقة".195

كثير من الأساطير الكنعانية والفينيقية تشابكت في أحداث الرواية وصراعات الآلهة

"أسامة العَيسة" في كتاباته جميلة سلسة تنساب قراءتها انسيابا ولا تشعرك بالملل.

الأربعاء، 4 مارس 2026

قبل الحرب بيوم!


التقيت أبو اللَّيل، قبل الحرب بيوم، الطرق سالكة، بدون ازدحامات. مزاجه رائق رغم تنغيصات المحتلين واعتداءات المستوطنين.

الحرب آخر همومي، وشائجي النَّاسيَّة هي الغالبة. يبسِّط أبو اللَّيل في الساوية، قرب قبلان. هنا كان خان ذات يوم على طريق ظهر الجبل. لا يبعد كثيرًا عن خان اللُّبن. حاجة لطريق القوافل والحروب المستمرة.
يزرع أبو اللَّيل أرضه، على الأغلب، في وادي عليّ كما سمَّاه القسطلي قبل نحو قرن ونصف. قرون المستوطنين لم تجهد كثيرًا سمُّوا مستوطنتهم (عليه/ علي). أُم الصديقة ميسَّر، عندما سجَّلتُ معها ذات مساء في رفيديا، لاحظتُّ أنَّها تذكره: وادي محمد علي
عدوى التصحيف أصاب مستوطني (لَبُونة)، مطلين مهددين اللُّبن، حيث عزيزنا واجد يغازل الغيم. حارسًا المفردات. لاحظت أنَّ سهوب اللُّبن وكأنَّها مهجورة. المستوطنون يحتلون ما يطل عليها. اقتحموا مؤخرًا مدرسة طالبات.
ماذا يفعل أبو اللَّيل في الحروب، مثلما فعل أسلافنا. بلاد تُغيِّر مستبديها ومحتليها، وناسها يوطنون أنفسهم على البقاء.
أبو اللَّيل بائع لوف، وبيض بلدي، وفجل بلدي، وأشياء أخرى بلدية. ليس مثل اللوف، بالنسبة لي، يمد وشائج بيني وناسي.
#ميسر_عطياني
#واجد_نوباني
#أسامة_العيسة

الأحد، 1 مارس 2026

من جندوبة/ تونس

 


Mouheb Lahbiri:

مجانين بيت الكتب

مجانين بيت لحم

#جنوبة

#مجانين_بيت_لحم

#هاشيت_أنطوان

 #أسامة_العيسة 

السبت، 28 فبراير 2026

بين إغلاقين!



في رحيل عزيز ناشط وطنيّ ومجتمعيّ، حتَّى لو رحل بصورةٍ صادمة لم أفق منها شخصيًا، فرصة للتأمل في مسيرته التي ارتبطت بهمٍ عام.

في الصورة، التي نشرها الأستاذ إبراهيم مزهر، قبل سنوات أظهر فيها، حسب مزهر، على اليمين، بينما خالد هو السادس.

عندما نشرت الصورة، لم أتبين من فيها، فكتب لي مزهر: "يارفيق (لقب لي لا يحمل دلالة سياسية) من اليمين إلى الشمال أسامة - أنا - ناجي عوده - نسيت اسمه - خليل الفراحين - خالد الصيفي - منير قراقع - عبدالله موسى. بس غريب أنك ماتعرف حالك يازلمه".

المهم في الصورة، أنَّها تجمعنا أمام مركز شباب مخيم الدهيشة الاجتماعي، اَّلذي نشطنا فيه مبكرًا، وكان ملتقى وطنيًا ومجتمعيًا وفكريًا، وأحيانًا تناطحيًا بيننا، عندما كانت لنا آراء ليس فقط فيما يجري في بلادنا، ولكن في بلاد النَّاس، من البليساريو، إلى المفاضلة بين الاتحاد السوفيتيّ غير المأسوف عليه، والصين غير المأسوف على شيوعيتها الرأسمالية.

عشنا حصارًا، بينما ثقل العمل السياسيّ للفصائل الفلسطينيَّة، باستثناء الحزب الشيوعيِّ، في بيروت. رغم تبعية الحزب للكهنوت الشيوعيِّ في عمَّان.

أعتقد أنَّ فضلًا مهمًا للراحل صلاح عبد ربه، بالنهوض بالواقع الشبابي في مخيمنا، صُقل وعيه خلال انتفاضة السموع 1966م، وهو معتقل سابق، ونشط رياضيًا وفكريًا وفنيًا، أعد مسرحيات، مُثلت على مسرح مرتجل في المخيم، مثلًا عن قصة حال الدنيا لتوفيق زيَّاد، وألف ولحَّن، مثل أغنية عن النقب، نظمها في سجن النقب. كما علمت من نجله عصام، أنَّ الفنانة سناء موسى استأذنت الأستاذ خالد لتغنيها، فشوَّهت اللحن.

ترأس عبد ربه، الهيئة الإدارية لمركز شباب الدهيشة أكثر من مرَّة، وهو يعسوبنا بدون منازع، ومثله ترأس الهيئة، حسن عبد الجوَّاد، ومحمد الأطرش (أبو فريد)، وأحمد الزغاري، وحسين شاهين (أبو عماد)- على سبيل المثال.

استضفنا في المركز شخصيَّات ثقافيَّة، مثل عبد اللطيف عقل، وشعراء الرفض: فوزي البكري، وسميرة الخطيب، وأحمد حسين، الذي ردَّد شباب المركز أشعار شقيقه راشد حسين. لاحظت أنَّ واحدًا من ملصقات نشرت عن الأستاذ خالد حملت التعليق: أنا الأرض لا تحرميني المطر. من قصيدة راشد.

ناقش شباب المركز كتبًا، مثل كتاب لهادي العلوي عن الدين والتراث، ناقش فيه قضايا تراثية ودينية، مثل آية الكنز في القرآن الكريم، وكتب لنوال السعداوي، ومقدمات في المجتمع العربي لهشام شرابي، والنقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق العظم، وغيرها.

انتهت تجربة المركز، بسبب عدة عوامل، قد يكون منها تدخلات قيادة منظمة التحرير المتنفذة في العمل الاجتماعي والنقابي في الأرض المحتلة، ولكن أحسمها، هو إغلاقات قوات الاحتلال للمركز، ومحاصرة المخيم بإغلاق طرقه بالباطون، وإحاطته بالأسلاك الشائكة، والتوسع في الاعتقالات والقمع.

وجدنا أنفسنا نأتي إلى هذه الدنيا، على شارع القدس-الخليل، فحاولنا فهم شرطنا التاريخي. تبنينا شعارًا، ليس من التراث، وإنما من ماو الصيني: إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان، فعلى الإنسان أن يصنع ظروفًا إنسانية.

يبدو أن العدَّة الثقافية، التي صقلتها التجارب والسجون، لم تكن كافية لنواجه التحديات اللاحقة، فوقعنا في حفرة أوسلو، واكتشف بعضنا أنَّه يمكن أن يخدم الإمبريالية العالمية، مثلما خدم أفكار غيرها، ولكن هذه المرَّة، سيقبض الأثمان.

في الظرف الجديد، أسَّس خالد، مع آخرين مؤسسة إبداع، ونجح في المزاوجة بين التمويل الأجنبي، وتبني الهم السياسيّ والمجتمعي والثقافي.

خلال المأبدة، استمر خالد في نشاطه رغم تحذيرات الشاباك. اعتقل وخرج في وضعٍ صعب، تحدى وحاول فتح مؤسسته، اعتقل مرة أخرى، وكان القرار هذه المرة "إغلاقه" للأبد.

خلال وداعه المهيب، تحت المطر، صدف أن كنت بجوار عبير، التي لوَّحت لخالد، ودموعها تتساقط، مثلنا، قائلة: سلِّم على من سبقك، على صديقك.

أدركت أن الدائرة أُغلقت بين إغلاقين. غادر خالد، ليلتقي والدها صلاح، ربَّما سيروي له ما حدث في غيابه.

الأمور قد تكون أبسط، أناس يولدون أحرارًا، ويستمرون كذلك.

#خالد_الصيفي

#أسامة_العيسة 

الجمعة، 27 فبراير 2026

ما استعجم في مُعجم البلاد!


قبل سنوات (في عام 2008م)، عندما كتبت استعراضًا لكتاب الأب مرمرجي الدومنكي: بلدانية فلسطين  العربيَّة اعتبرته: "لبنة أولى، في الأعمال المعجمية الجغرافية حول المواقع الفلسطينيَّة، وهو جانب يعتريه نقص كبير".

يأتي مُعجم الدكتورة نائلة الوعري: فلسطين في كتب الجغرافيِّين والرحالة العرب والمسلمين من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر الهجري، كأنَّه محاولة جادة وطموحة لسد النقص الكبير.

يقع المُعجم في مجلدين، مكوَّن من 1676 صفحة. صدرت في عمَّان عن دار ورد الأردنيَّة (تمييزًا عن دار ورد السوريَّة) عام 2014.

أمامي الآن، المجلد الثَّاني الذي يضم فهارس: الآيات القرآنيَّة، والأعلام، والأماكن، والقبائل والجماعات، والكتب الواردة في متن الكتاب، وقوافي الشعر، وقائمة المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات.

يختتم المجلد بتعريف الكاتبة، التي ولدت في حارة السعدية في القدس القديمة، مجازة بدكتوراة الدولة في التَّاريخ الحديث والمعاصر، من جامعة بيروت العربيَّة. وهي، بالإضافة إلى عملها البحثيِّ ناشطة في العمل المجتمعيِّ في مملكة البحرين، حيث تقيم.

سبق وتعرفت إلى الدكتورة، خلال زيارة ثقافية للبحرين، واستمر التواصل الإنسانيّ والثقافيّ.

يضم المجلد الثَّاني الأحرف: من القاف إلى الياء. نهجت المؤلفة فيه، نفس نهج المجلد الأوَّل، وهو ذكر، ما ذكره الرحالة، عن المواقع الفلسطينيَّة، وبعضها لم يستطيع المعجم تحديده، ربَّما بسبب أنَّ كثيرًا من المواقع دُرست، لأسبابٍ كثيرة، منها، تداول الدول فلسطين، والَّذي شكَّل دائمًا، بغض النظر عن هوية المنتصر، كارثة على الأقل ديموغرافيًا، وعلى الأماكن. في فلسطين، يحيط بالتجمعات السكَّانيَّة، ما يسمى بالخِرب، وهي مستوطنات وحواضر سادت ثم بادت. وتشي بعدد سكان فلسطين الكبير، في فترات معينة، كالبيزنطيَّة، الَّذي ناهز الملايين، وانخفض بشكل حاد، ولم تستطع البلاد تعويض نفسها سكانيًا، حتى الآن.

وقعت المؤلفة في فخ التكرار، اضطرت لإعادة ما كتبه الرحالة أو الجغرافي عن موقع، وهي تقدم ما ذكره عن موقعٍ آخر، وحجم هذا التكرار، الذي لم أدرسه بدقة، كبير، وكان يجب التخلص منه، ولكنَّنا أمام عمل، يستوجب تحريرًا وبحثًا مؤسساتيًا، وهو ما لم يتوفر لدى الباحثة، صاحبة جهد فرديِّ مقدَّر، رغم أنَّها استعانت، بطلبة من الجامعة الأردنيَّة كما ذكرت لي.

كان وأصبح

لم يكن من مهمة المُعجم، كما يبدو، تتبع ما حدث لبعض الأماكن، خصوصًا بعد الغزوة الصهيونيَّة، مثل قبر أبو ثور، الذي يحمل الحيّ المقدسي الثوري اسمه، ولكنَّها تذكر أنَّ القبر كان: "مزارًا لأهل فلسطين حتَّى سنة 1948، عندما احتل الإسرائيليُّون قمة الجبل وأزالوا الضريح والمصلى وحولوه إلى مسكن". تنقل ذلك عن المؤرخ الجاد كامل العسلي في كتابه: أجدادنا في ثرى بيت المقدس. حكاية الحيّ طويلة، ولكن المقام، ما زال موجودًا، في حديقة منزل مستوطن، وهو ما وثقته في تحقيق صحفي. الهجمة الاستيطانية على الحيّ ما زالت مستمرة حتى الآن.

الاحتلال أيضًا يسيطر على مقام النبي داود، الذي تتبعت المؤلفة ظهوره لدى الرحالة والجغرافيِّين، على جبل صهيون، وقصته أيضًا طويلة، ويضم غرفة العشاء الأخير، التي فاوضت سلطات الاحتلال، الفاتيكان، مفاوضات سرية طويلة، ولم تسلمه المكان.

بالنسبة لقبر راحيل، المعروف محليًا باسم قُبَّة راحيل، فمحاولات الاحتلال للسيطرة عليه، مستمرة منذ أكثر من قرن، وهو الآن جيب استيطاني وعسكري. ارتقى عدد كبير من الشهداء برصاص جنود الاحتلال المسيطرين عليه.

الصخرة والأقصى

أفردت المؤلفة لقُبَّة الصخرة، فصلًا، وللمسجد الاقصى فصلاً مستقلاً، وأعتقد أنَّه كان من الأسلم بحثيًا دمجهما في فصلٍ واحد، لأن الرحالة والجغرافيِّين، لم يكن لديهم التمييز الحاد بين الموقعين، بل إنَّ مسمى المسجد الأقصى يشمل كل ما يحيط بالسور، من مبانٍ أموية، مثل قُبَّة الصخرة، وما سبقها من منشآت ترقى للعهد الروماني.

يتحفَّظ الدارسون، على إطلاق تسمية الحرم القدسي الشريف، لأسبابٍ يرونها دينية. رغم أنني أفضل هذه التسمية، لأنها أكثر أيضاحًا، فالحديث عن المسجد الأقصى في الغالب يُقصد به، الآن على الأقل، المسجد القبلي.

في حديث شخصي مع المؤلفة، أكدت حرصها على تخليص المُعجم من الإسرائيليَّات، وهو موقف جدلي، لأن الحجب يحرم الباحث من غنى إنثربولوجي، ولكنَّ في فصول الكتاب، خصوصًا فيما يتعلَّق بقبَّة الصخرة والمسجد الأقصى، فإنَّ الإسرائيليَّات قد تكون غالبة، إضافة إلى التكرار الكثير في فصلي القُبَّة والأقصى.

لُبس

وقع المعجم في حالة لبس، على الأقل، فيما يتعلق بما ورد تحت مادة: محراب داود عليه السلام، فالرحالة يقصدون إحدى منشآت المسجد الأقصى، كما أورد المُعجم على ألسنة عدد منهم، لكن يوجد خلط بينه وبين ما يعرف بقلعة داود، وهي قلعة باب الخليل، في مدخل المدينة المقدسة المشرع على الغرب.

النصوص المقتبسة تفصح عن ذلك. حُرمت قلعة باب الخليل، أو داود، من مادة مستقلة.

الأمر أيضًا ينسحب على مادة المدرسة الجراحية، فالمقصود، كما جاء في النص، وهو الأصح: الزاوية الجراحية، في حيّ الشيخ جرَّاح المنسوب لها.

أيضًا، يذكر المُعجم، أنَّ مسجد الحيات، ناسبًا ذلك للحنبلي، من المشاهد التي كانت بظاهر القدس الشريف، والواقع أنَّ المسجد، كما يذكر الحنبلي نفسه، يقع بقرب كنيسة القيامة، وما زال موجودًا حتى يوم النَّاس هذا في مكانه، وسبق أن حققت موقع وإنشائه، وما يحيط به من حواف إنثربولوجية.

ذكر المُعجم على لسان مصطفى البكري الصديقي، عندما زار قلعة البرك موقع: قوقين، وهو خطأ إملائي، والمقصود قوفين.

تحت مادة قوفين يذكر المُعجم: "لعلها ذاتها قوقيل المتقدم ذكرها، وهي قرية تقع شمال شرق طولكرم على بعد 22 كلم. أمر غريب كيف يمكن نقل موقع من جنوب الضِّفَّة الغربيَّة إلى شمالها. يورد المعجم كلام الرحالة مصطفى البكري الصديقي، بعد زيارته لقلعة البرك، المعروفة الآن، خطأ قلعة مراد، بسبب عدم تدقيق عارف العارف.

طبعًا نصح الصديقي واضح لا لبس فيه، وقرية قوفين، هي الآن خربة تتبع بلدة بيت أمر، قريبة من شارع القدس-الخليل، كانت عامرة على الأقل قبل قرن من الزمان، وأهلها انتقلوا إلى صوريف، على الأرجح نتيجة القلاقل والمعارك البينية.

لمحات ذكية

ليس مثل اللمحات الذكيَّة، مداعاة للابتهاج، يشير المُعجم، مثلًا في مادة يازور، إلى الوزير اليازوري "وزير المصريِّين"، الذي أبديت نحوه اهتمامًا خاصًا، وهو شخصية فلسطينيَّة بارزة، تكاد تكون مجهولة، تمكَّن من الصعود في سلم الدولة الفاطمية، انتهت ملحمة حياته نهاية مأساوية.

الأمر يتعلق أيضًا بمقام يقين، الذي يسيطر المحتلون عليه الآن. يورد المعجم فقرات من زيارة واحد من أبرز الشخصيَّات في الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة، إلى واحد من أهم، إن لم يكن أهم مقام في فلسطين، لم يرتبط فقط بالدين الشعبيِّ.

أميل للاعتقاد، أنَّ المعجم، لم يستفد كاملًا من بعض الرحلات المهمة، والكتب المهمة كرحلة أبو البقاء ابن العربي التي تتضمن لمحات عن الحياة الفكريَّة في القدس، وسيرة ابن خلدون بقلمه، وكتب الصوفيين الموسوعية، كحلية الأولياء لأبي نعيم، وغيرها.

أعتقد ضرورة الاستفادة من كتب التراجم، وهي كثيرة خصوصًا في العصر المملوكيِّ، والتي تظهر فيها القدس وصفد ونابلس، حواضر حاضرة، وإذا درست منهجيًا، سيشكِّل ذلك إضافة مهمة لتاريخ القدس وفلسطين، بعيدًا عن إعادة انتاج ما كتب، من تهويمات، وفضائل وأساطير، تعامل كحقائق، رغم أنَّ مجالها الأدب، ومع ذلك لم تستغل من الأدباء.

لي عودة مع المجلد الأوَّل.