أصدر حسن
مصطفى (1914-1961)، رائد المبادرات الريفيَّة كتابًا صغيرًا عام 1945 بعنوان: خطرات
ريفيَّة، قدم له الدكتور اسحق موسى الحسيني (1904-1990)، وفي عام 1948 أصدر كتابًا
بعنوان: شخصيَّات، عن مطبعة بيت المقدس في القدس، قدَّم له صديقه وزميله المربي
خليل السكاكينيّ (1878-1953)، الذي كتب كلمة قصيرة مبديًا دهشته من إقدام صديقه
على إصدار جديد، فقط بعد ثلاث سنوات من إصداره الأوَّل.
سبب الدهشة:
"لأنَّني قدَّرت أن طبع كتابه الأوَّل استنفذ كلّ ما في جيبه إذا لم يحمِّله
ديونًا طائلة، وتحدِّثه نفسه بعد ذلك أن لا يطبع من أثاره شيئًا إلَّا إذا كان
ينوي لسببٍ ما أن يعلن إفلاسه".
نصح السكاكينيّ
صديقه، أن لا يهدي كتابه: "لأحد، فإذا فتح هذا الباب ذهب الكتاب هدايا، خير
لك أن تأكله الأرض فلا تبقى منه ولا تذر من أن يأكله القراء وعينك تنظر".
يبدو الأمر
قاسيًا. تعيد مسألة آكلي الكتب، إلى آكلي أموال اليتامى. أتذكَّر وصفًا لأكاديميّ،
همس لي ناصحًا عن بعض دور النشر: "إنهم كآكلي أموال اليتامى". لم يعاني السكاكينيّ،
من "أكل القراء للكتب" فمطبوعاته كانت معتمدة في المدارس، وحقَّق منها
ثروة (لم تمنعه من الشكوى أحيانًا من الساعين إليه أو إليها)، كما نعلم ذلك من
يوميَّاته، الَّتي لا تخلو من جرد حساب للمبيعات، وتدريب ابنه سري على ذلك.
ما كتبه السكاكينيّ،
عام النكبة، عن نكبة المؤلف في بلادنا، لا أظنه تغيَّر كثيرًا، ربَّما أكثر ما
يزعج الكاتب، عندما يوقفه صديق معاتبًا، لأنَّه لم يرسل له نسخة من كتابه. هذا
النوع من القرَّاء من "آكلي الكتب" أعداء للكاتب، فضلًا على أنَّهم يمكن
تصنيفهم في دركٍ أسفل من القرَّاء، هذا إذا كانوا من القرَّاء أصلًا. هم معاول
هدم. أسميهم: طلقاء القرَّاء!
في صيف 1982م،
كنت أتسرمح مع الصديق محمد مناصرة نزولًا إلى باب الدَّير، ربما في طريقنا إلى
نقابة العمَّال. قرب مخبز قويدر، التقينا الشاعر علي الخليليِّ (1943-2013)، صاعدًا،
سأله أبو نادر عن وجهته، أخبره إلى بتير بحثًا عن جذر. لا أذكر ولكن قد تكون ابنة
حسن مصطفى، طالبة جامعة بيت لحم المثقفة، برفقته. في تلك الأيَّام كانت مركبات
بتير وقرى عرقوب القدس، تتوقَّف قرب مخبز السالزيان.
استخدم
الخليليِّ وصف "جذر" في مقاله عن حسن مصطفى في العدد 22 من مجلة الفجر الأدبيِّ
(تموز 1982) التي رأس تحريرها. عنوان المقالة: حسن مصطفى مدخل إلى التجربة
الرائدة.
كتب: "في
البدء كانت مفاجأة لنا، في الفجر الأدبيِّ، أن نكتشف عدم معرفتنا بالرائد
الفلسطينيِّ حسن مصطفى، حتى شاءت الصدفة أن تدفع بنا نحو معرفة معمَّقة به، لنكتشف
فيه جذرًا أساسيًا من تراثنا الوطنيِّ الحديث".
نعرف من مقال
الخليليّ أنَّ كتاب شخصيَّات، لم تتح له فرصة الانتشار مثل كتاب مصطفى الأوَّل:
"وذلك لبقاء معظم نسخه في المطبعة بسبب الحرب. تعطَّل حسن مصطفى بعد النكبة
ثلاث سنوات".
عاد الخليليِّ،
بعد سنوات مذكرا بما كتبه: "حاثًا الكتاب والمفكرين المحليين إلى العناية
بهذا الرائد وفكره وتجربته التربوية في بلده ووطنه".
وعاد، أيضًا،
إلى حسرات المثقفين الكلاسيكيَّة: "ولكن المقال كان كغيره من عشرات المقالات
والدراسات الثقافيَّة صرخة في واد".
حكايات مصطفى،
مع قريته وأهلها، خلال النكبة وبعدها كثيرة، وما زالت متداولة، وكذلك ارتقائه
بالقرية، التي دَّلل على ذلك بقوله، إن الدجاجات في بتير تسير على الإسفلت!
ترك السكاكينيّ،
منزله في القطمون، مبكرًا مثل النخب التي تركت البلاد، مبكرة اجازاتها، على أمل
العودة، بعد تضحية الفلَّاحين بأنفسهم لإنقاذ أحياء الأفندية، ولا شك عرف، إذا وجد
الوقت، بمصير كتاب صديقه المأساوي، ولعله تحسَّر على خسارته المادية. أو ربَّما لم
يجد الوقت لذلك فالحسرة، لا شك أكلته في المجتمع الفلسطيني المصغَّر الذي نشأ بفعل
النكبة في مصر الجديدة، وفيه وصلته أخبار سقوط منزله، والاستيلاء على مكتبته،
ورحيل ابنه سري.
#خليل_السكاكينيّ
#حسن_مصطفى #علي_الخليلي #أسامة_العيسة

























