أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

السبت، 28 فبراير 2026

بين إغلاقين!



في رحيل عزيز ناشط وطنيّ ومجتمعيّ، حتَّى لو رحل بصورةٍ صادمة لم أفق منها شخصيًا، فرصة للتأمل في مسيرته التي ارتبطت بهمٍ عام.

في الصورة، التي نشرها الأستاذ إبراهيم مزهر، قبل سنوات أظهر فيها، حسب مزهر، على اليمين، بينما خالد هو السادس.

عندما نشرت الصورة، لم أتبين من فيها، فكتب لي مزهر: "يارفيق (لقب لي لا يحمل دلالة سياسية) من اليمين إلى الشمال أسامة - أنا - ناجي عوده - نسيت اسمه - خليل الفراحين - خالد الصيفي - منير قراقع - عبدالله موسى. بس غريب أنك ماتعرف حالك يازلمه".

المهم في الصورة، أنَّها تجمعنا أمام مركز شباب مخيم الدهيشة الاجتماعي، اَّلذي نشطنا فيه مبكرًا، وكان ملتقى وطنيًا ومجتمعيًا وفكريًا، وأحيانًا تناطحيًا بيننا، عندما كانت لنا آراء ليس فقط فيما يجري في بلادنا، ولكن في بلاد النَّاس، من البليساريو، إلى المفاضلة بين الاتحاد السوفيتيّ غير المأسوف عليه، والصين غير المأسوف على شيوعيتها الرأسمالية.

عشنا حصارًا، بينما ثقل العمل السياسيّ للفصائل الفلسطينيَّة، باستثناء الحزب الشيوعيِّ، في بيروت. رغم تبعية الحزب للكهنوت الشيوعيِّ في عمَّان.

أعتقد أنَّ فضلًا مهمًا للراحل صلاح عبد ربه، بالنهوض بالواقع الشبابي في مخيمنا، صُقل وعيه خلال انتفاضة السموع 1966م، وهو معتقل سابق، ونشط رياضيًا وفكريًا وفنيًا، أعد مسرحيات، مُثلت على مسرح مرتجل في المخيم، مثلًا عن قصة حال الدنيا لتوفيق زيَّاد، وألف ولحَّن، مثل أغنية عن النقب، نظمها في سجن النقب. كما علمت من نجله عصام، أنَّ الفنانة سناء موسى استأذنت الأستاذ خالد لتغنيها، فشوَّهت اللحن.

ترأس عبد ربه، الهيئة الإدارية لمركز شباب الدهيشة أكثر من مرَّة، وهو يعسوبنا بدون منازع، ومثله ترأس الهيئة، حسن عبد الجوَّاد، ومحمد الأطرش (أبو فريد)، وأحمد الزغاري، وحسين شاهين (أبو عماد)- على سبيل المثال.

استضفنا في المركز شخصيَّات ثقافيَّة، مثل عبد اللطيف عقل، وشعراء الرفض: فوزي البكري، وسميرة الخطيب، وأحمد حسين، الذي ردَّد شباب المركز أشعار شقيقه راشد حسين. لاحظت أنَّ واحدًا من ملصقات نشرت عن الأستاذ خالد حملت التعليق: أنا الأرض لا تحرميني المطر. من قصيدة راشد.

ناقش شباب المركز كتبًا، مثل كتاب لهادي العلوي عن الدين والتراث، ناقش فيه قضايا تراثية ودينية، مثل آية الكنز في القرآن الكريم، وكتب لنوال السعداوي، ومقدمات في المجتمع العربي لهشام شرابي، والنقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق العظم، وغيرها.

انتهت تجربة المركز، بسبب عدة عوامل، قد يكون منها تدخلات قيادة منظمة التحرير المتنفذة في العمل الاجتماعي والنقابي في الأرض المحتلة، ولكن أحسمها، هو إغلاقات قوات الاحتلال للمركز، ومحاصرة المخيم بإغلاق طرقه بالباطون، وإحاطته بالأسلاك الشائكة، والتوسع في الاعتقالات والقمع.

وجدنا أنفسنا نأتي إلى هذه الدنيا، على شارع القدس-الخليل، فحاولنا فهم شرطنا التاريخي. تبنينا شعارًا، ليس من التراث، وإنما من ماو الصيني: إذا كانت الظروف هي التي تصنع الإنسان، فعلى الإنسان أن يصنع ظروفًا إنسانية.

يبدو أن العدَّة الثقافية، التي صقلتها التجارب والسجون، لم تكن كافية لنواجه التحديات اللاحقة، فوقعنا في حفرة أوسلو، واكتشف بعضنا أنَّه يمكن أن يخدم الإمبريالية العالمية، مثلما خدم أفكار غيرها، ولكن هذه المرَّة، سيقبض الأثمان.

في الظرف الجديد، أسَّس خالد، مع آخرين مؤسسة إبداع، ونجح في المزاوجة بين التمويل الأجنبي، وتبني الهم السياسيّ والمجتمعي والثقافي.

خلال المأبدة، استمر خالد في نشاطه رغم تحذيرات الشاباك. اعتقل وخرج في وضعٍ صعب، تحدى وحاول فتح مؤسسته، اعتقل مرة أخرى، وكان القرار هذه المرة "إغلاقه" للأبد.

خلال وداعه المهيب، تحت المطر، صدف أن كنت بجوار عبير، التي لوَّحت لخالد، ودموعها تتساقط، مثلنا، قائلة: سلِّم على من سبقك، على صديقك.

أدركت أن الدائرة أُغلقت بين إغلاقين. غادر خالد، ليلتقي والدها صلاح، ربَّما سيروي له ما حدث في غيابه.

الأمور قد تكون أبسط، أناس يولدون أحرارًا، ويستمرون كذلك.

#خالد_الصيفي

#أسامة_العيسة 

الجمعة، 27 فبراير 2026

ما استعجم في مُعجم البلاد!


قبل سنوات (في عام 2008م)، عندما كتبت استعراضًا لكتاب الأب مرمرجي الدومنكي: بلدانية فلسطين  العربيَّة اعتبرته: "لبنة أولى، في الأعمال المعجمية الجغرافية حول المواقع الفلسطينيَّة، وهو جانب يعتريه نقص كبير".

يأتي مُعجم الدكتورة نائلة الوعري: فلسطين في كتب الجغرافيِّين والرحالة العرب والمسلمين من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر الهجري، كأنَّه محاولة جادة وطموحة لسد النقص الكبير.

يقع المُعجم في مجلدين، مكوَّن من 1676 صفحة. صدرت في عمَّان عن دار ورد الأردنيَّة (تمييزًا عن دار ورد السوريَّة) عام 2014.

أمامي الآن، المجلد الثَّاني الذي يضم فهارس: الآيات القرآنيَّة، والأعلام، والأماكن، والقبائل والجماعات، والكتب الواردة في متن الكتاب، وقوافي الشعر، وقائمة المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات.

يختتم المجلد بتعريف الكاتبة، التي ولدت في حارة السعدية في القدس القديمة، مجازة بدكتوراة الدولة في التَّاريخ الحديث والمعاصر، من جامعة بيروت العربيَّة. وهي، بالإضافة إلى عملها البحثيِّ ناشطة في العمل المجتمعيِّ في مملكة البحرين، حيث تقيم.

سبق وتعرفت إلى الدكتورة، خلال زيارة ثقافية للبحرين، واستمر التواصل الإنسانيّ والثقافيّ.

يضم المجلد الثَّاني الأحرف: من القاف إلى الياء. نهجت المؤلفة فيه، نفس نهج المجلد الأوَّل، وهو ذكر، ما ذكره الرحالة، عن المواقع الفلسطينيَّة، وبعضها لم يستطيع المعجم تحديده، ربَّما بسبب أنَّ كثيرًا من المواقع دُرست، لأسبابٍ كثيرة، منها، تداول الدول فلسطين، والَّذي شكَّل دائمًا، بغض النظر عن هوية المنتصر، كارثة على الأقل ديموغرافيًا، وعلى الأماكن. في فلسطين، يحيط بالتجمعات السكَّانيَّة، ما يسمى بالخِرب، وهي مستوطنات وحواضر سادت ثم بادت. وتشي بعدد سكان فلسطين الكبير، في فترات معينة، كالبيزنطيَّة، الَّذي ناهز الملايين، وانخفض بشكل حاد، ولم تستطع البلاد تعويض نفسها سكانيًا، حتى الآن.

وقعت المؤلفة في فخ التكرار، اضطرت لإعادة ما كتبه الرحالة أو الجغرافي عن موقع، وهي تقدم ما ذكره عن موقعٍ آخر، وحجم هذا التكرار، الذي لم أدرسه بدقة، كبير، وكان يجب التخلص منه، ولكنَّنا أمام عمل، يستوجب تحريرًا وبحثًا مؤسساتيًا، وهو ما لم يتوفر لدى الباحثة، صاحبة جهد فرديِّ مقدَّر، رغم أنَّها استعانت، بطلبة من الجامعة الأردنيَّة كما ذكرت لي.

كان وأصبح

لم يكن من مهمة المُعجم، كما يبدو، تتبع ما حدث لبعض الأماكن، خصوصًا بعد الغزوة الصهيونيَّة، مثل قبر أبو ثور، الذي يحمل الحيّ المقدسي الثوري اسمه، ولكنَّها تذكر أنَّ القبر كان: "مزارًا لأهل فلسطين حتَّى سنة 1948، عندما احتل الإسرائيليُّون قمة الجبل وأزالوا الضريح والمصلى وحولوه إلى مسكن". تنقل ذلك عن المؤرخ الجاد كامل العسلي في كتابه: أجدادنا في ثرى بيت المقدس. حكاية الحيّ طويلة، ولكن المقام، ما زال موجودًا، في حديقة منزل مستوطن، وهو ما وثقته في تحقيق صحفي. الهجمة الاستيطانية على الحيّ ما زالت مستمرة حتى الآن.

الاحتلال أيضًا يسيطر على مقام النبي داود، الذي تتبعت المؤلفة ظهوره لدى الرحالة والجغرافيِّين، على جبل صهيون، وقصته أيضًا طويلة، ويضم غرفة العشاء الأخير، التي فاوضت سلطات الاحتلال، الفاتيكان، مفاوضات سرية طويلة، ولم تسلمه المكان.

بالنسبة لقبر راحيل، المعروف محليًا باسم قُبَّة راحيل، فمحاولات الاحتلال للسيطرة عليه، مستمرة منذ أكثر من قرن، وهو الآن جيب استيطاني وعسكري. ارتقى عدد كبير من الشهداء برصاص جنود الاحتلال المسيطرين عليه.

الصخرة والأقصى

أفردت المؤلفة لقُبَّة الصخرة، فصلًا، وللمسجد الاقصى فصلاً مستقلاً، وأعتقد أنَّه كان من الأسلم بحثيًا دمجهما في فصلٍ واحد، لأن الرحالة والجغرافيِّين، لم يكن لديهم التمييز الحاد بين الموقعين، بل إنَّ مسمى المسجد الأقصى يشمل كل ما يحيط بالسور، من مبانٍ أموية، مثل قُبَّة الصخرة، وما سبقها من منشآت ترقى للعهد الروماني.

يتحفَّظ الدارسون، على إطلاق تسمية الحرم القدسي الشريف، لأسبابٍ يرونها دينية. رغم أنني أفضل هذه التسمية، لأنها أكثر أيضاحًا، فالحديث عن المسجد الأقصى في الغالب يُقصد به، الآن على الأقل، المسجد القبلي.

في حديث شخصي مع المؤلفة، أكدت حرصها على تخليص المُعجم من الإسرائيليَّات، وهو موقف جدلي، لأن الحجب يحرم الباحث من غنى إنثربولوجي، ولكنَّ في فصول الكتاب، خصوصًا فيما يتعلَّق بقبَّة الصخرة والمسجد الأقصى، فإنَّ الإسرائيليَّات قد تكون غالبة، إضافة إلى التكرار الكثير في فصلي القُبَّة والأقصى.

لُبس

وقع المعجم في حالة لبس، على الأقل، فيما يتعلق بما ورد تحت مادة: محراب داود عليه السلام، فالرحالة يقصدون إحدى منشآت المسجد الأقصى، كما أورد المُعجم على ألسنة عدد منهم، لكن يوجد خلط بينه وبين ما يعرف بقلعة داود، وهي قلعة باب الخليل، في مدخل المدينة المقدسة المشرع على الغرب.

النصوص المقتبسة تفصح عن ذلك. حُرمت قلعة باب الخليل، أو داود، من مادة مستقلة.

الأمر أيضًا ينسحب على مادة المدرسة الجراحية، فالمقصود، كما جاء في النص، وهو الأصح: الزاوية الجراحية، في حيّ الشيخ جرَّاح المنسوب لها.

أيضًا، يذكر المُعجم، أنَّ مسجد الحيات، ناسبًا ذلك للحنبلي، من المشاهد التي كانت بظاهر القدس الشريف، والواقع أنَّ المسجد، كما يذكر الحنبلي نفسه، يقع بقرب كنيسة القيامة، وما زال موجودًا حتى يوم النَّاس هذا في مكانه، وسبق أن حققت موقع وإنشائه، وما يحيط به من حواف إنثربولوجية.

ذكر المُعجم على لسان مصطفى البكري الصديقي، عندما زار قلعة البرك موقع: قوقين، وهو خطأ إملائي، والمقصود قوفين.

تحت مادة قوفين يذكر المُعجم: "لعلها ذاتها قوقيل المتقدم ذكرها، وهي قرية تقع شمال شرق طولكرم على بعد 22 كلم. أمر غريب كيف يمكن نقل موقع من جنوب الضِّفَّة الغربيَّة إلى شمالها. يورد المعجم كلام الرحالة مصطفى البكري الصديقي، بعد زيارته لقلعة البرك، المعروفة الآن، خطأ قلعة مراد، بسبب عدم تدقيق عارف العارف.

طبعًا نصح الصديقي واضح لا لبس فيه، وقرية قوفين، هي الآن خربة تتبع بلدة بيت أمر، قريبة من شارع القدس-الخليل، كانت عامرة على الأقل قبل قرن من الزمان، وأهلها انتقلوا إلى صوريف، على الأرجح نتيجة القلاقل والمعارك البينية.

لمحات ذكية

ليس مثل اللمحات الذكيَّة، مداعاة للابتهاج، يشير المُعجم، مثلًا في مادة يازور، إلى الوزير اليازوري "وزير المصريِّين"، الذي أبديت نحوه اهتمامًا خاصًا، وهو شخصية فلسطينيَّة بارزة، تكاد تكون مجهولة، تمكَّن من الصعود في سلم الدولة الفاطمية، انتهت ملحمة حياته نهاية مأساوية.

الأمر يتعلق أيضًا بمقام يقين، الذي يسيطر المحتلون عليه الآن. يورد المعجم فقرات من زيارة واحد من أبرز الشخصيَّات في الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة، إلى واحد من أهم، إن لم يكن أهم مقام في فلسطين، لم يرتبط فقط بالدين الشعبيِّ.

أميل للاعتقاد، أنَّ المعجم، لم يستفد كاملًا من بعض الرحلات المهمة، والكتب المهمة كرحلة أبو البقاء ابن العربي التي تتضمن لمحات عن الحياة الفكريَّة في القدس، وسيرة ابن خلدون بقلمه، وكتب الصوفيين الموسوعية، كحلية الأولياء لأبي نعيم، وغيرها.

أعتقد ضرورة الاستفادة من كتب التراجم، وهي كثيرة خصوصًا في العصر المملوكيِّ، والتي تظهر فيها القدس وصفد ونابلس، حواضر حاضرة، وإذا درست منهجيًا، سيشكِّل ذلك إضافة مهمة لتاريخ القدس وفلسطين، بعيدًا عن إعادة انتاج ما كتب، من تهويمات، وفضائل وأساطير، تعامل كحقائق، رغم أنَّ مجالها الأدب، ومع ذلك لم تستغل من الأدباء.

لي عودة مع المجلد الأوَّل.



الخميس، 19 فبراير 2026

أسامة العيسة يكتب عن بكارة صالحه



واخيرا تمكنت من الحصول على رواية الصديق المبدع اسامة العيسة (بنت من القدس الجديدة) فقد ارسلها لي مشكورا عبر مسافر ، ولم يتوانى عن تلبية طلبي في الحصول عليها، وقد قرأتها فور وصولها بشكل متواصل حتى انتهيت منها
هل أريد قراءتها مرة أخرى؟ اعترف اني ارغب بذلك، لكي أجيب عن الاسئلة التي أثارتها في راسي بأكثر تمعن، مع اني قد هضمتها من القراءة الأولى، لماذا اقول ذلك؟؟
صديقي المبدع اسامة رفيق المدرسة، والشباب، والحال في المخيم، امتلك منذ البدايات معرفة وثقافة واسعة ،خاض تجربته الخاصة بـ وعي واختيار في أجواء مفعمة بالفكر، وهو دودة كتب حقيقية ،وتخصص في نبش المخطوطات، والسير، وكتب الرحالة،وامهات التراث العربي، ولاحق حذافير التاريخ على الصخور والحجارة والأماكن ،وامتلك نواصي السير وأخبار الرحالة، وكان بذلك مختلفا عن جيل الثقافة الموجهة و المنتقاة (المؤطرة)بفكر محدد، وتنحى بوعي عن إيديولوجيات( النقيضين) المصاغة للابتلاع، وهذا يبدو بوضوح في أعماله الروائية ومنها هذه الرواية.
يقول اسامه أن هذه الرواية هي حكايته هو عن صالحة، بنت ابو صالح ،التي خرجت للعلن تطالب بثمن بكارتها! محدثا هذه الدهشة من الصفحات الاولى، بجراة تطالب القاضي أن يفصل في ثمن بكارتها التي أخذها محمد المسيحي! إمعانا في الادهاش والتساؤل، هل هذه حبكة روائي أم أنها حقيقة؟
ويدخل أسامة بسلاسة وخبرة الى تفاصيل وثائق تشابه هذه الحالة، ليتمكن القاضي من إصدار الحكم، وصالحة لا تتراجع، رغم العيب والعار، ومفاهيم مجتمع تفرض على مثل هذه الحالات السكوت ،واحيانا دفع ثمن قد يكون الحياة نفسها
يبدأ اسامة يقلب صفحات وثائق قديمة في محاكم القدس ويا لهول ما يصل إليه، وهنا يطرق ذهن القاريء اسئلة عميقة، ماذا يريد اسامة ان يقول؟ هل هو ساخر أم حزين مما وصل إليه؟؟ هل هو شامت بهذا الموروث، وخجل منه، ام انه محايد، ينفي علاقته به؟ هل تجرد من عبء الاصطفاف واصبح هو وقناعاته الخاصة؟ ما هو موقفه من كل ما قدمه في تلك الوثائق؟ هل أراد أن يسألنا أين نقف من كل ذلك؟؟ ماذا أراد منا؟؟
وتستمر الرواية في خطها الأعمق تشرح عن التهجير والاحلال وسطوة الغرباء وربما احيانا يحمل على أهل المكان، وقد غمز بذكاء لمواقفهم، واحيانا اخرى يظهر عجزهم ،ولم يخفي اسفه عن ضياع المكتبات والكتب، كل هذا وصالحة لم تتراجع عن طلب ثمن بكارتها.
كقاريء تريد وترغب أن يسحبك اسامة الى اعتبار بكارة صالحه معادل روائي للمدينة والبلاد، لكنه صلف وقاسي لا يقبل بذلك ،لا يريد لك كقارئ عربي أن تستعيض عن العار، بشماعة الاحتلال القذر ،يبقي هذا الحد الفاصل بين بكارة صالحة وضياع البلاد.
لا شك أن أسامة وهو المشاء الحكاء بامتياز، قد تعرف لحي الطالبية و القطمون و البقعة والأحياء المجاورة للمدينة ويعرف بناياتها بدقة، ويعرف بأسماء أصحابها وتفاصيل حجارتها واشجارها بشكل شخصي، وهو الباحث الموثق ،وهذا ليس مفاجا لي ،وقد أبقى اسامه تفاصيل حكاية صالحة للنهاية، ولم يخبرنا عن مصدرها إلا في نهاية الرواية ، وهذا من خبرة روائي متمكن من ادواته ،يصيغ أعماله بذكاء وهدوء يحسب له.
لم تكن رواية صالحة فكرة كاتب، بل هي حكاية حقيقية خرجت من مذكرات يمتلكها أسامة كما قال ،واضاف انه يرفض استغلالها،مما يدل على أنها تحمل أكثر مما قاله لنا ، وهذا ضمير كاتب فطن وصادق، لا يبحث عن ذاته، بل عن ما قد يهم ويفيد الآخرين،وافترض أن أسامة قد حفظ بامانة، اسرار صالحة التي لا داعي لأحد أن يعرفها، وكان محل ثقة الرجل الذي ائتمنه عليها قبل وفاته،وبذلك كان معه حق ان يثق بصديق المجانين كما قال عنه.
هذه الرواية من النوع الذي لا يتركك بعد ان تنتهي من قراءته، بل تبقى تتحرك داخلك وتطرح اسئلة ، وجبة للعقل دسمة ،ومثيرة ،رغم أنها تقع في ١٥٠ صفحة تقريبا ،لكنها تفيض عن دفتي الكتاب، واترك تشريح الرواية أدبيا لأي ناقد متخصص فأنا قارئ واكتب انطباعي من هذا المكان فقط،
هذه الرواية ازعجتني في البدايات ، لم أتردد في انهائها بشكل متواصل ،خطفتني لاكملها، واسعدني في النهاية أني حصلت عليها ، شكرا لك اسامة على إرسالها لي،

حمامة الأقصى!


 


هذه صورة أبو مصطفى العزة، صاعدًا درج باب العمود، باب القدس المهيب، لعل تصميمه العثماني الأخير، من نصيب الأسطوري معمار سِنان.

شُرِّد أبو مصطفى من قريته بيت جبرين، الحاضرة في عدَّة حضارات، وسكن مخيم العَزِّة، واحد من مخيَّمات، ما بعد النكبة على شارع القدس-الخليل. في فترة ما، أصبح أبو مصطفى، كما أحب تعريف نفسه، حمامةً من حمائم الأقصى، مرابطًا، محبًا، شغوفًا، مكملًا سيرة موقع ومكان، قدَّسه الفلسطينيون، منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. أحيانًا يخطر لي، حول قدرة شعراء القدس على أسطرة المكان، من أرميا، وأشعيا، وسليمان، وداود، والجامعة، الذين واصلوا حضورهم، مع تغيير ناس القدس، دينهم، في المسيحيَّة والإسلام.

يدهشني، حضور شعراء القدس، في الإرث الإسلاميِّ، الذي لم يكن فقط ناقلًا، وإنما حفر في وجدان بشريّ، تطوَّر، شكَّل نقلة من الشعر إلى السرِّد. لن يُعترف به، لفقدانه البيان اللغوي.

نجح الشعراء/ الملوك/ الأنبياء في تبوييء المكان، مكانته في وجدان نحو نصف البشر، ليس كلَّهم فهموا غاية الشعر، فأصبحت مدينة السلام، مدينة حرب دائمة.

صادقت أبا مصطفى، خلال عملي على كتاب (ظله على الأرض)، دارسًا ألقاب حكَّامنا، في نقوش المسجد الأقصى. جلست معه في قُبَّة الصخرة، المسجد المخصَّص للنساء. وجد أبو مصطفى لنفسه، مجلسًا، مفتيًا غير رسميّ، تحلَّقت حوله مؤمنات، يسألن، أعجبتني سماحته الافتائية، وسرعة أحكامه، وتنَوره الفطريّ. لم يستطع رصفائه الشباب، سحب بساطه.

أحب أبو مصطفى تسمية مجلسه الشعبيِّ، الذي أحبته المصليات، حلقة كحلقات الأقصى في زمن الغزالي. عرفت غيره من حمائم. تركوا ظلالًا في روايتي: وردة أريحا.

غادرنا أمس أبو مصطفى، وأظن أنً الإجراءات الاحتلالية، أبعدته عن مكانه المفضَّل في الأقصى، حمامةً، كما حدث له أكثر من مرَّة. طار إلى السماء. مكان لن تتمكَّن خفافيش الدفرية، وصوله.

#الشيخ_إبراهيم_العزة

#المسجد_الأقصى

#أسامة_العيسة

الأحد، 15 فبراير 2026

"غشيم فاضحنا في كل حتة"!


 


والغشيم، دفعًا لأي لبس فيما لا لبس فيه، هو حظرتنا. العنوان من وحي تعليق الدكتور إبراهيم خليل، على منشور الدكتور الأسطة حول العلاقة بين المجانين والمتشائل:

"المتشائل فيها حبكة وحكاية متواصلة. في أحداث ووقائع مترابطة. لكن مجانين بيت لحم تشبه ألبومًا وفي كل صفحة منه حكاية أو صورة لشخص لا علاقة له ولا لها بالتي قبلها ولا بالتي بعدها أو بعده ولو حذفت من الحكايات عشرا أو أكثر لما شعر القارئ بفرق ما. أعتقد أنَّ الرجل غشيم. وما قرأ رواية بحياته مثل الَّذين منحوه جائزة زايد. وأعادوا نشرها وربما ترجمتها حتى تكون الفضيحة بجلاجل".

#عادل_الأسطة #مجانين_بيت_لحم #هاشيت_أنطوان #أسامة_العيسة

السبت، 14 فبراير 2026

مجانين بيت لحم والمتشائل/ عادل الأسطة


 


ماذا كنت أخربش في اليوم الأول من شباط منذ بدأت أخربش. 

(من مفكرة العام  ٢٠١٤)

هل ثمة صلة بين "متشائل" إميل حبيبي ورواية "مجانين بيت لحم"؟

أعتقد أن ثمة صفحات من رواية أسامة العيسة كانت أنجزت من قبل، قبل الزمن الكتابي المشار إليه في متن النص، وهو العام 2009، وأسامة يشير في متن روايته إلى أنه  اعتمد في كتابة موضوع ما، على ما كان دونه في أحد دفاتره، وإن  لم تخني الذاكرة، فإن ما كتبه عن رفع أبيه سرواله على عصا كان نشره في سنوات مبكرة من مسيرته الكتابية، وربما نشره في الفجر أو الشعب، وهذا الفصل يعيد القاريء إلى  ما ورد في "المتشائل" عن الفعلة التي أودت بسعيد بطل "المتشائل" إلى  السجن ، وهي رفع العلم الأبيض على عصا مكنسة، وأظن أن  أسامة  في هذا كان واقعا تحت تأثير  إميل  حبيبي.

تركت رواية "المتشائل" أثرها في الرواية الفلسطينية، وأظن  أنه  ما من كاتب ناشيء في فلسطين قرأها إلا تأثر بها.

وقد لاحظت هذا في اثناء قراءتي رواية "مقدسية أنا".

وكنت ، أنا  شخصيًا، في بداية مسيرتي الكتابية، تأثرت  بها، فكتبت رسائل من المخيم، على غرار رسائل "المتشائل".

 ألحظ ، وأنا  أدرس "المتشائل" أنها  تركت أثرا  أيضًا  في الرواية العربية، وقد بينت هذا وأنا أدرس طلاب الماجستير.

لا أريد أن استطرد، وأظن  أن  تقسيم رواية  "مجانين" - أعني  هيكلية الرواية - غير بعيد عن هيكلية "المتشائل"، فالروايتان تقعان في ثلاثة كتب/أسفار، وكل كتاب يتشكل من فصول، رسائل في "المتشائل" وعناوين شخصيات في "مجانين"، وتتشابه صيغة العناوين في الجزء الأول من "مجانين" مع عناوين كثيرة في "المتشائل"، حيث اتخذت صيغة السؤال. وإذا  كانت "المتشائل" تحفل بالتناص، فإن "مجانين" تحفل بالاقتباسات والإحالات التاريخية.

هذا عمومًا مجرد اجتهاد.

#عادل_الأسطة #مجانين_بيت_لحم #هاشيت_أنطوان #أسامة_العيسة

الخميس، 5 فبراير 2026

خيانات ذاكرة!




 


في انتظار الإفراج عن الأستاذ خالد، الَّذي علق به لقب الأستذة محببًا، تأثرت بحفيداته الصغيرات متجمعات واجمات، متكومات في ذيل جدار في مخيَّم مؤقت منذ ثمانية عقود، في انتظاره هن أيضًا. يعرفن أنَّه في السجن، وأنَّه عائد إليهن. هذا النوع من الانتظار طالما خبرته، لدى آباء وأمهات وأبناء ورفاق، حتَّى أصبح الانتظار احترافًا واحتراقًا.

كان ذلك يوم الجمعة 28 حزيران 2024م. وصل العائد ضعيفًا منهكًا مريضًا، فاقدًا 20 كلغم من وزنه.

علم أنَّه إن اعتقل فلن يعود هذه المرَّة. ولكنَّه عاد شهيدًا، لم ينجح كثير من الرجال بإخفاء دموعهم. السماء شاركتهم الدموع، بكت النساء. عندما استقر في مكانه المؤقت، ليلة في المستشفى مسروق الاسم. وعدنا إلى الحفيدات، سألني سليمان متشككًا: عندما يكبرن لن يتذكرن الجد خالد مالئهن الآن؟

سيتحوَّل الماليء، إلى ذكرى لديهن. نوع آخر وقاسٍ من خيانات الذاكرة.

سيتحوَّل إلى رمزٍ ومعنى في السُلالة، ويكتسب شحنات مفعمة، من الصعب الخلاص منها، قد تحدد مصائر أحفاد وحفيدات، سيعشن مثلنا على المؤقت، الذي لا يتوقت.

#خالد_الصيفي

#أسامة_العيسة

السبت، 31 يناير 2026

شجَّار بلاد ونُبل!



هشام؛ مشَّاء، وشجَّار، مُقلِّم أشجاره، وأشجاري، رفيق السرمحة، والمشي، والقراءة، وأسرار المكتبات، وتفاصيل الأمكنة، جوَّاب، دليل سياحيِّ، تعدُّدي، ابن ساحة المهد، وفيّ صداقة؛ انتدبتنا في فلسطين الانتدابية.

شجَّر في برية زعترة، صَيِّج للصحبة، وقلَّى بندورة بريَّة. مشاهد نادرة لا تنسى معه، في عسقلان، وأسدود، والمجدل، وشاطيء الجورة الأسطوري، ونهر القاضي، والجولان، وتل المتسلِّم (مجدو)، وأنفاق القدس، وقيسارية، ورملة سليمان الأموي، وبركة الأقواس العباسية، وأسوار الجزَّار، وبانياس، ومدن البرونز والحديد، وعشرات نتف بلادنا.

آخر سرمحاتنا أكتوبرية. احتفينا في مكتبة تنوين بصالحة، ابنة القدس الجديدة. حزن لموتها. "من ثمارهم تعرفونهم". نبؤة ابن مدينتنا عن هشام والشجَّارين. سقط أمام أشجاره، نام هشام اليوم بجوار سِتنا راحيل، على شارع القدس- الخليل، شارعنا، الذي دببنا عليه، ومشينا، وجُبنا عوالم، نقاشًا، وفضولًا، وظمأً، للكتب والأودية والتلال، لا يُبل.

#هشام_إخميس

#مكتبة_تنوين

#أسامة_العيسة