قبل سنوات (في
عام 2008م)، عندما كتبت استعراضًا لكتاب الأب مرمرجي الدومنكي: بلدانية فلسطين العربيَّة اعتبرته: "لبنة
أولى، في الأعمال المعجمية الجغرافية حول المواقع الفلسطينيَّة، وهو جانب يعتريه
نقص كبير".
يأتي مُعجم
الدكتورة نائلة الوعري: فلسطين في كتب الجغرافيِّين والرحالة العرب والمسلمين من
القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر الهجري، كأنَّه محاولة جادة وطموحة لسد النقص
الكبير.
يقع المُعجم
في مجلدين، مكوَّن من 1676 صفحة. صدرت في عمَّان عن دار ورد الأردنيَّة (تمييزًا
عن دار ورد السوريَّة) عام 2014.
أمامي الآن،
المجلد الثَّاني الذي يضم فهارس: الآيات القرآنيَّة، والأعلام، والأماكن، والقبائل
والجماعات، والكتب الواردة في متن الكتاب، وقوافي الشعر، وقائمة المصادر والمراجع،
وفهرس المحتويات.
يختتم المجلد
بتعريف الكاتبة، التي ولدت في حارة السعدية في القدس القديمة، مجازة بدكتوراة
الدولة في التَّاريخ الحديث والمعاصر، من جامعة بيروت العربيَّة. وهي، بالإضافة إلى
عملها البحثيِّ ناشطة في العمل المجتمعيِّ في مملكة البحرين، حيث تقيم.
سبق وتعرفت إلى
الدكتورة، خلال زيارة ثقافية للبحرين، واستمر التواصل الإنسانيّ والثقافيّ.
يضم المجلد
الثَّاني الأحرف: من القاف إلى الياء. نهجت المؤلفة فيه، نفس نهج المجلد الأوَّل،
وهو ذكر، ما ذكره الرحالة، عن المواقع الفلسطينيَّة، وبعضها لم يستطيع المعجم تحديده،
ربَّما بسبب أنَّ كثيرًا من المواقع دُرست، لأسبابٍ كثيرة، منها، تداول الدول
فلسطين، والَّذي شكَّل دائمًا، بغض النظر عن هوية المنتصر، كارثة على الأقل
ديموغرافيًا، وعلى الأماكن. في فلسطين، يحيط بالتجمعات السكَّانيَّة، ما يسمى بالخِرب،
وهي مستوطنات وحواضر سادت ثم بادت. وتشي بعدد سكان فلسطين الكبير، في فترات معينة،
كالبيزنطيَّة، الَّذي ناهز الملايين، وانخفض بشكل حاد، ولم تستطع البلاد تعويض
نفسها سكانيًا، حتى الآن.
وقعت المؤلفة
في فخ التكرار، اضطرت لإعادة ما كتبه الرحالة أو الجغرافي عن موقع، وهي تقدم ما
ذكره عن موقعٍ آخر، وحجم هذا التكرار، الذي لم أدرسه بدقة، كبير، وكان يجب التخلص
منه، ولكنَّنا أمام عمل، يستوجب تحريرًا وبحثًا مؤسساتيًا، وهو ما لم يتوفر لدى
الباحثة، صاحبة جهد فرديِّ مقدَّر، رغم أنَّها استعانت، بطلبة من الجامعة الأردنيَّة
كما ذكرت لي.
كان وأصبح
لم يكن من
مهمة المُعجم، كما يبدو، تتبع ما حدث لبعض الأماكن، خصوصًا بعد الغزوة الصهيونيَّة،
مثل قبر أبو ثور، الذي يحمل الحيّ المقدسي الثوري اسمه، ولكنَّها تذكر أنَّ القبر
كان: "مزارًا لأهل فلسطين حتَّى سنة 1948، عندما احتل الإسرائيليُّون قمة
الجبل وأزالوا الضريح والمصلى وحولوه إلى مسكن". تنقل ذلك عن المؤرخ الجاد
كامل العسلي في كتابه: أجدادنا في ثرى بيت المقدس. حكاية الحيّ طويلة، ولكن
المقام، ما زال موجودًا، في حديقة منزل مستوطن، وهو ما وثقته في تحقيق صحفي.
الهجمة الاستيطانية على الحيّ ما زالت مستمرة حتى الآن.
الاحتلال أيضًا
يسيطر على مقام النبي داود، الذي تتبعت المؤلفة ظهوره لدى الرحالة والجغرافيِّين،
على جبل صهيون، وقصته أيضًا طويلة، ويضم غرفة العشاء الأخير، التي فاوضت سلطات
الاحتلال، الفاتيكان، مفاوضات سرية طويلة، ولم تسلمه المكان.
بالنسبة لقبر
راحيل، المعروف محليًا باسم قُبَّة راحيل، فمحاولات الاحتلال للسيطرة عليه، مستمرة
منذ أكثر من قرن، وهو الآن جيب استيطاني وعسكري. ارتقى عدد كبير من الشهداء برصاص
جنود الاحتلال المسيطرين عليه.
الصخرة والأقصى
أفردت المؤلفة
لقُبَّة الصخرة، فصلًا، وللمسجد الاقصى فصلاً مستقلاً، وأعتقد أنَّه كان من الأسلم
بحثيًا دمجهما في فصلٍ واحد، لأن الرحالة والجغرافيِّين، لم يكن لديهم التمييز
الحاد بين الموقعين، بل إنَّ مسمى المسجد الأقصى يشمل كل ما يحيط بالسور، من مبانٍ
أموية، مثل قُبَّة الصخرة، وما سبقها من منشآت ترقى للعهد الروماني.
يتحفَّظ
الدارسون، على إطلاق تسمية الحرم القدسي الشريف، لأسبابٍ يرونها دينية. رغم أنني
أفضل هذه التسمية، لأنها أكثر أيضاحًا، فالحديث عن المسجد الأقصى في الغالب يُقصد
به، الآن على الأقل، المسجد القبلي.
في حديث شخصي مع
المؤلفة، أكدت حرصها على تخليص المُعجم من الإسرائيليَّات، وهو موقف جدلي، لأن
الحجب يحرم الباحث من غنى إنثربولوجي، ولكنَّ في فصول الكتاب، خصوصًا فيما يتعلَّق
بقبَّة الصخرة والمسجد الأقصى، فإنَّ الإسرائيليَّات قد تكون غالبة، إضافة إلى
التكرار الكثير في فصلي القُبَّة والأقصى.
لُبس
وقع المعجم في
حالة لبس، على الأقل، فيما يتعلق بما ورد تحت مادة: محراب داود عليه السلام،
فالرحالة يقصدون إحدى منشآت المسجد الأقصى، كما أورد المُعجم على ألسنة عدد منهم،
لكن يوجد خلط بينه وبين ما يعرف بقلعة داود، وهي قلعة باب الخليل، في مدخل المدينة
المقدسة المشرع على الغرب.
النصوص
المقتبسة تفصح عن ذلك. حُرمت قلعة باب الخليل، أو داود، من مادة مستقلة.
الأمر أيضًا
ينسحب على مادة المدرسة الجراحية، فالمقصود، كما جاء في النص، وهو الأصح: الزاوية
الجراحية، في حيّ الشيخ جرَّاح المنسوب لها.
أيضًا، يذكر
المُعجم، أنَّ مسجد الحيات، ناسبًا ذلك للحنبلي، من المشاهد التي كانت بظاهر القدس
الشريف، والواقع أنَّ المسجد، كما يذكر الحنبلي نفسه، يقع بقرب كنيسة القيامة، وما
زال موجودًا حتى يوم النَّاس هذا في مكانه، وسبق أن حققت موقع وإنشائه، وما يحيط
به من حواف إنثربولوجية.
ذكر المُعجم
على لسان مصطفى البكري الصديقي، عندما زار قلعة البرك موقع: قوقين، وهو خطأ إملائي،
والمقصود قوفين.
تحت مادة
قوفين يذكر المُعجم: "لعلها ذاتها قوقيل المتقدم ذكرها، وهي قرية تقع شمال
شرق طولكرم على بعد 22 كلم. أمر غريب كيف يمكن نقل موقع من جنوب الضِّفَّة الغربيَّة
إلى شمالها. يورد المعجم كلام الرحالة مصطفى البكري الصديقي، بعد زيارته لقلعة البرك،
المعروفة الآن، خطأ قلعة مراد، بسبب عدم تدقيق عارف العارف.
طبعًا نصح
الصديقي واضح لا لبس فيه، وقرية قوفين، هي الآن خربة تتبع بلدة بيت أمر، قريبة من
شارع القدس-الخليل، كانت عامرة على الأقل قبل قرن من الزمان، وأهلها انتقلوا إلى
صوريف، على الأرجح نتيجة القلاقل والمعارك البينية.
لمحات ذكية
ليس مثل
اللمحات الذكيَّة، مداعاة للابتهاج، يشير المُعجم، مثلًا في مادة يازور، إلى
الوزير اليازوري "وزير المصريِّين"، الذي أبديت نحوه اهتمامًا خاصًا،
وهو شخصية فلسطينيَّة بارزة، تكاد تكون مجهولة، تمكَّن من الصعود في سلم الدولة
الفاطمية، انتهت ملحمة حياته نهاية مأساوية.
الأمر يتعلق
أيضًا بمقام يقين، الذي يسيطر المحتلون عليه الآن. يورد المعجم فقرات من زيارة
واحد من أبرز الشخصيَّات في الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة، إلى واحد من أهم، إن
لم يكن أهم مقام في فلسطين، لم يرتبط فقط بالدين الشعبيِّ.
أميل
للاعتقاد، أنَّ المعجم، لم يستفد كاملًا من بعض الرحلات المهمة، والكتب المهمة
كرحلة أبو البقاء ابن العربي التي تتضمن لمحات عن الحياة الفكريَّة في القدس،
وسيرة ابن خلدون بقلمه، وكتب الصوفيين الموسوعية، كحلية الأولياء لأبي نعيم،
وغيرها.
أعتقد ضرورة
الاستفادة من كتب التراجم، وهي كثيرة خصوصًا في العصر المملوكيِّ، والتي تظهر فيها
القدس وصفد ونابلس، حواضر حاضرة، وإذا درست منهجيًا، سيشكِّل ذلك إضافة مهمة
لتاريخ القدس وفلسطين، بعيدًا عن إعادة انتاج ما كتب، من تهويمات، وفضائل وأساطير،
تعامل كحقائق، رغم أنَّ مجالها الأدب، ومع ذلك لم تستغل من الأدباء.
لي عودة مع
المجلد الأوَّل.