في يوم واحد اطلع
عدد وافر من فضائيي الفيس بوك، مثلي، على خبرين عن أحمدين. الأوَّل أحمد عودة، وهو
أستاذ في جامعة النجاح دَبك، فرحًا، واهتز ونط وصفَّق، خلال حفل تخرج طلابه، والثَّاني
أحمد عبد الكريم، مواطن غزيّ، خرج من السجن إلى خيمة النزوج، ليفاجأ بفقدان ستة من
ابنائه استشهادًا.
لو وصل
الخبران لمحرِّر صحيفة، لأبرز خبر أحمد عبد الكريم، وربَّما نشره على ثمانية
أعمدة، إذا لم تتوفر أخبارًا عن فخامته أو جلالته أو دولته، خبرًا رئيسًا على
الصفحة الأولى، فعودة أب، أي أب، ومن أي مكان ليجد أنَّ ستة من أبنائه قُتلوا أو
استشهدوا أو قضوا في عملية إجرامية أو سطو أو حريق، مأساة يُطلع عليها القرَّاء.
وربَّما، نشر
خبر الدكتور عودة، في مكانٍ على الصفحة الأولى أو أظهر صورته دابكًا، ملونة على
الصفحة الأخيرة، ضمن الطرائف أو المنوعات.
لكن في عصر
الترند الأمر اختلف، تصدَّرت دبكة الدكتور الصفحات الزرقاء، وبدلًا من سعى فضائيات
كبيرة، كالجزيرة والعربيِّ والعربيَّة، لجدولة الأخبار، وفق رؤاها، والتباهي
بقدرتها على فرضها، أخذها الترند لملعبه، وسارت خلفه. أُعدت مرئيات عن الدكتور
عودة، واستضيف، وفّخر كثيرون من طلابه ومعارفه.
أمَّا،
استشهاد ستة أبناء لأسير محرَّر نجا من موت محقَّق، فلم يصل درجة الترند، ولم يحم
حوله أو يقترب منه.
كيف يعمل
الترند فعلًا؟ هل اكتسب قوَّة ذاتيَّة؟ أم يوجد من يحدَّد لنا عناوين اهتمامتنا
اليوميَّة؟ ولماذا علينا القبول؟
لا شك بوجود
من يعلم أسرار الترند، على عكس أمثالي الجهلاء، ويصنعه مثل السيِّدة شروق، زوجة
الشيف دكتور فود، الَّتي تمكنت من جر الفضائيَّات، مثل العربيَّة والحدث، لتهتم
بإعدادها لحفلة طلاقها المفترضة، التي ستكلف من سيحضرها ما بين خمسين إلى مائة
دولار.
هل ما يحدث في
الإعلام، من الأمور الطبيعيَّة؟ أم أنَّ أمثالي غير الطبيعيين؟ أم هي المسافة، بين
من كنا نعتقد أنَّه أبغض الحلال إلى استحقاقه الاحتفال، والدفع لحضوره مباشرًا.
ما زلت أؤمن
أنَّ الصحافة، هي الصحافة المكتوبة، ولا يمكن للتحقيقات التلفازية أو نشرات
الفضائيَّات واستضافة محللين ونشطاء، التغلب عليها، مهنةً.
ما زالت بعض
الصحف تنمو، وتتكيَّف، وتخبط، مثل هآرتس، ونيويورك تايمز، التي لم يكن من النادر
أن تخصص صفحتها الأولى للشهداء الأطفال الفلسطينيِّين، هذا يترك بصيصًا. إذا فقدنا
صحافة الخبر، فبأي هلاميَّة نعيش؟






















