أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الجمعة، 5 ديسمبر 2025

تسكع تحت سماء بيت لحم/ جميل أبو حسين


 


صدفة التقينا

فنادى علينا الماضي البعيد، فردّ عليه أسامة العيسة

جاهزون للتّسَكّع كما كنا في ذاك الزمن

فمشينا في شوارع المدينة نتسكَّع على طريقتنا

تلك المدينة التي تغيَّرت كثيرًا وحاراتها القديمة وسوقها القديم وادراجها وصولاً إلى باحة الكنيسة.

ساعات ثلاث تحدثنا فيها كثيرًا عن كل شيء وفي كل شيء في السياسة والأدب وسألنا أنفسنا كثيرًا كما كانت عاداتنا القديمة.

#جميل_أبو_حسين #الياس_حلبي #ساحة_المهد #أسامة_العيسة

الخميس، 4 ديسمبر 2025

قارورة جَدَّتي التي لا أعرفها!


 


الصورة لقارورة فاتنة، إلَّا لمن يرى عكس ذلك، عُثر عليها في تل زكريا، تعود للعصر البرونزي المتأخر.

بعض القطع الأثرية تروي قصة ليس فقط من خلال كيفية استخدامها، ولكن أيضًا من خلال الصور المنقوشة بحرفية على وجهيها، مثل قارورتنا.

حسب علماء الآثار، فإنَّ القوارير هي نوع من الأوعية المميزة التي ظهرت خلال العصر البرونزي المتأخر، وأصبحت شائعة بشكل خاص في مراحله اللاحقة (LB IIB). غالبًا ما يشار إليها باسم "قوارير الحجاج"، بناءً على النظرية القائلة إنَّ المسافرين استخدموها لحمل السوائل خلال الرحلات الطويلة.

العديد من الأمثلة المعروفة من المنطقة تعرض أنماطًا هندسيَّة مرسومة، مثل اللولب والدوائر والزخارف،  أسلوب قد يعكس التأثر بالتقاليد الفنية في إيجة. لكن هذه القارورة من تلّ قريتنا، تتميَّز، بأسلوب أقل شيوعًا، وهو نقوش الحيوانات.

يمكننا رؤية على جانب القارورة، اثنين من الوعول يواجهان بعضهما، إضافة لظهور رسم لنعامة، وقد تظهر زخارف لأسماك محتملة على الجانبين. بينما تظهر زخارف الحيوانات على أنواع أخرى من الأوعية في العصر البرونزي المتأخر، إلَّا أنَّه أقل شيوعاً على القوارير، مما يجعل قارورتنا فريدة بشكل خاص.

عثر على القارورة سليمة تقريبًا، في منطقة الحفريات المعرفة بـ T2، في جزء من طبقة تدمير واسعة النطاق ترتبط بالنهاية الدرامية للموقع خلال العصر البرونزي المتأخر. ما أكثر احتلالات تلنا.

قد لا نعرف أبدًا من كان يملكها من أسلافنا، أو من حملتها، من جدَّاتنا، وماذا وجد فيها: ماء أو زيت أو نبيذ أو عطر. المهم أنها نجت من كارثة ضربت تلنا، قد تكون حملة عسكريَّة أو بيئية، ولكنَّها نجت من النَّار والدمار، وأكثر من ثلاثة آلاف عام للوصول إلينا.

أحب تسميتها قارورة جَدَّتي البعيدة، التي لم أعرفها. هل فكَّرت أنَّها يمكن أن تصلنا صورتها بعد قرون، بينما هي معتقلة في مخزن للمنقبين الغرباء في تلنا!

#قرية_زكريا #تل_زكريا #أسامة العيسة

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

في العراق!


 


بنت القدس تصل بغداد، جناح منشورات المتوسط، في  #معرض_العراق_الدولي_للكتاب 2025 في(جناح رقم A1)

#إياد_شماسنة: " يقدّم أسامة العيسة في روايته «بنت من القُدْس الجديدة» عملاً سرديّاً يختبر قدرة الأدب على مساءلة القانون، والأخلاق، وذاكرة المكان والتاريخ  في آنٍ معاً".

#بنت_من_القدس_الجديدة

#منشورات_المتوسط

#أسامة_العيسة

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

جميل جدًا/ جمال القواسمي


 


كتاب جميل جداً يا أسامة، سرد جميل وممتع بساطته وسخريته وواقعه الرمزي والحقيقي، وواضح ان بطل القصة مصدر هذا الجمال.

#جمال_القواسمي

#قط_بئر_السبع

#أسامة_العيسة

الاثنين، 1 ديسمبر 2025

يافا..القاهرة..بيروت 1947!



في عام 1947، كان لدى شاب من القدس، ما يأمله، في الأرض المقدَّسة المشتعلة. اسمه زهدي حسن جار الله. أصدر كتابًا عن المعتزلة. من منشورات النادي العربي في يافا. طبع في القاهرة.

الكتاب، المتوفرة منه نسخة على الانترنت، رسالة تبحث في تاريخ المعتزلة وعقائدهم وأثرهم في تطور الفكر الإسلامي، قدمها مؤلفها إلى دائرة التاريخ العربي في كلية العلوم والآداب بجامعة بيروت الأميركية ونال عليها رتبة أستاذ في العلوم.

أهداه إلى: "طلَّاب الحرية من شباب العرب في كل أرض، وفي كل زمان، أهدي هذه الرسالة في تاريخ دعاة التحرر الفكري من أسلافهم".

مقدمة قصيرة للدكتور الفريد جسوم الموصوف بـ المستشرق الكبير، وهو أستاذ جار الله، وأحد المشرفين على الرسالة، رفقة قسطنطين زريق، الذي سينسب إليه أجتراحه مصطلح النكبة، وصاحب التأثير على شبان سيعبرون عن رفضهم للنكبة، بأكثر الطرق ثورية، كجورج حبش مثلًا.

يقرّ الشاب القدسي، بفضل شارل مالك، الشخصية المعتبرة سياسيًا ودبلوماسيًا وأكاديميًا، المعجب بالمعتزلة. أظن أنَّ من منجزات مالك المتعددة، تأسيسه لقسم الفلسفة في الجامعة الأميركية، وربَّما هذا ما أوجب التويه بفضله.

يعرب المقدِّم عن أمله الكبير: "إذا كانت مكتبات الشيعة في اليمن أو في غير اليمن تحوي مخطوطات من أصل معتزلي، أن تقوم بنشرها". هذه ملاحظة مهمة، هل سُمع في زمنه عن مخطوطات للمعتزلة في اليمن؟ هل يقصد مؤلفات القاضي عبد الجبار، التي نشرت بالفعل، لاحقًا (في الستينيات) بإشراف طه حسين؟ وصلت بعثة مصرية في عام 1951 لتصوير مخطوطات اليمن ومن ضمنها كان (المُغني) للقاضي عبد الجبَّار، أدرك طه حسين أهمية هذا السِفر، فأشرف على نشر ما وجد منه. تتوفر نسخ منه لدى مكتبة دنديس في الخليل، التي يعيش فيها ناجح سلهب، الذي يقدم نفسه كرأس المعتزلة في فلسطين. لعل ذلك يفرح جار الله هناك في دنيا البقاء.

يقرَّ جار الله أنَّه اعتمد على ما قاله المختلفون عن المعتزلة عنهم، أملًا هو الآخر نشر مخطوطات المعتزلة الموجودة في مكتبات الشيعة "في اليمن والعجم والهند". هذا يعني أنَّ معلومات شاعت عن وجود مثل هذه المخطوطات.

لا يخفي المؤلف تعاطفه مع المعتزلة باعتبارهم روَّاد حركة فلسفيَّة علميَّة تحرريَّة، ويأخذ عليهم إعلانهم المحنة واضطهاد العلماء ليحققوا بالإكراه ما لم يحقق بالاقناع. ويرى أنهم بهذا هدموا بأيديهم في بضع سنين ما بنوه في قرن، وأعطوا أعداءهم الحنابلة سلاحًا يقاومونهم به.

يعتقد المؤلف أنَّ شدَّة تمسك المعتزلة بالعقل وتحاملهم على النقل لم يؤد إلا إلى تقوية ما يصفها الرجعية الحنبلية، ولكن أيضًا إلى نشأة حركتين رجعيتين، حسب وصفه أيضًا وهما الظاهرية، والكرَّاميةَّ. هل الظاهرية التي ترفض القياس والرأي، وقصر الإجماع على إجماع الصحابة، والتمسك بظاهرة الكتاب والسنة، رجعيَّة حقًا؟ على الأقل فيما يخص عَلمين من أعلامها، وهما ابن داود زعيمها في بغداد بعد والده، وابن حزم فالأمر مختلف. الأصح أحب أن أراهما مختلفين، فالأوَّل هو صاحب كتاب الزهرة، الذي يعتبر، حتى إشعار آخر، أوَّل كتاب في العشق في الأدب العربي، يعتقد البعض أنَّ ابن حزم، كتب طوق الحمامة، كمعارضة لكتاب الزهرة، وإن كان ذلك، بالنسبة لي، غير دقيق، إلا أنَّه يمكن تلمس تأثر القطب الظاهري البارز في الأندلس بكتاب زعيم المذهب في بغداد.

حسب جار الله فإنَّ فرقة الكرَّامية، وهم أتباع محمد بن كرَّام السجستاني، غالوا في إثبات الصفات حتى انتهوا إلى التقسيم والتشبيه، ووصل عددهم في الشام إلى 21 ألفا. استوقفتني هذه الفرقة، بعيدًا عن كتاب جار الله، لنفوذها في القدس حتى يمكن لقاريء أخبارها، يظن أنَّ القدس، في فترة زمنية، كانت كلها كرَّامية، ودفن مؤسسها في المدينة المقدسة. عموما الكرَّامية فرقة كلامية، تأثر مؤسسها، ووارثوه الذين انقسموا لفرق، كحال أصحاب علم الكلام، بالفلسفة. مؤسف أن لا أحد، على علمي تصدى لمهمة كتابة التاريخ العلمي للقدس، التي وإن لم تكن بأهمية القاهرة وبغداد ودمشق، إلا أن ساحاتها وأروقتها شهدت مناظرات، وإقامة لعديد من رموز الفكر والفلسفة فيها لفترات.

عاد جار الله، في بحثه، إلى مخطوطات، ويمكننا تقدير صعوبة عمله، نحن الذين نستطيع قرأتها وقد تحولت إلى كتب.

#زهدي_جار_الله #ناجح_سلهب #المعتزلة #أسامة_العيسة
 

السبت، 29 نوفمبر 2025

تتويج فلسطيني في جائزة ابن بطوطة!



أعلن المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق، في أبوظبي ولندن، نتائج "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة" للعام 2025-2026، التي تُمنح سنوياً لأفضل الأعمال المحققة والمكتوبة في أدب الرحلة، وقد فازت 12 كاتبة وكاتباً من المغرب، ومصر، والجزائر، وتونس، والبحرين، والإمارات، والهند، وفلسطين، وتشاد.

وعن فئة اليوميات، توج كتاب "وحيداً تحت سماء القدس.. يوميات السجن والسرطان والكورونا" للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة.

ويُقام حفل توزيع الجوائز في مايو/ أيار المقبل في المغرب وأبوظبي، ترافقه ندوة حول أدب الرحلة يشارك فيها الفائزون ولجنة التحكيم وباحثون عرب وأجانب.

سعيد بهذه الجائزة لأسباب كثيرة.

تفاصيل:

https://www.independentarabia.com/node/637266/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/12-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A7-%D9%81%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A7-%D8%A8%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%A8%D8%B7%D9%88%D8%B7%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9

#جائزة_ابن_بطوطة_لأدب_الرحلة

#تحت_سماء_القدس

#أسامة_العيسة

الخميس، 27 نوفمبر 2025

شاهد على اغتيال القط!



 


آخر الواصلين إلى ساحة المهد، لاجئاً، مع استعدادات المدينة للاحتفاء بميلاد ابنها اللاجئ الأوَّل إليها، بعد عامين من الاستنكاف، هو شعبان عمرو، مناضل قديم، تصدَّرت عمليته الفدائيَّة الأخبار، في زمنٍ مضى. تحرَّر في صفقة التبادل الكبرى في مثل هذه الأيَّام قبل 42 عامًا.

طردته حكومة الاحتلال من القدس، بعد أكثر من 35 عامًا، في محله في حارة النصارى.

شعبان شاهد على واقعة القط في سجن بئر السبع، صديق الأسرى، بطل رواية قط بئر السبع.

يتذكر شعبان ما حدث، وهو ينظر لكنيسة المهد، حزينًا،  وكأنَّ ما حدث، وقع للتو: لقد قتلوا القط، قتلوه!

#شعبان_عمرو #قط_بئر_السبع #روايات_الهلال #أسامة_العيسة

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

حمار زكريا!




للوهلة الأولى، يبدو التمثال وكأنهَّ لعبة صغيرة مكسورة، لكنَّه حمار طيني صنع يدويًا، عاش في تلنا (تل زكريا) أكثر من 4500 عامًا، حتَّى وصل إلينا.

وُجد هذا الحمار الزكراوي، خلال الحفريات الاحتلالية في تلنا، مستريحًا على أرضية من العصر البرونزي المبكر، من المرجح، أنَّ التمثال لم يصلنا كاملًا، فهو يفتقد الأنف الطويل، وربَّما حمل على ظهره بردعة أو فلاحًا.

كما الآن، في غزة مثلًا، لعبت الحمير دورًا حاسمًا في الشرق القديم، استخدم في نقل البضائع، وربط المستقرات السكنية، وساهم في تشكيل شبكات التجارة المبكرة. ليس من قبيل الصدفة العثور على العديد من تماثيل الحمير من هذه الفترة في جميع أنحاء المنطقة (الهضاب المنخضة). ولكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو أنَّه تحت الأرضية، حيث عُثر على هذا التمثال، كشف علماء الآثار عن دفن حمارين صغيرين.

هل كان هذا التمثال مجرد لعبة؟ أو عرض طقوسي؟ أو حارس رمزي لمن سافروا؟

قد لا نعرف على وجه اليقين، لكن هذا الحمار الطينيِّ الصغير يحمل قصَّة تمتد عبر آلاف السنين. رواها فلَّاح من بلدنا، ووصلت إلينا، رغم أنَّ التمثال نفسه محتجز الآن، لدى المؤسسات الاحتلالية الأثرية.

تفاصيل عن حمارنا:

*يعود إلى العصر البرونزي المبكر (EB II-III)، المنطقة S1، تل زكريا.

* الفترة التي صنع فيها 2800-2600 قبل الميلاد.

*الحجم الطول: 12.3  سم، العرض 6 سم.

#تل_زكريا

#قرية_زكريا

#أسامة_العيسة

 

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

"بنت من القدس الجديدة" لأسامة العيسة: مدينة من لحم ودم وخطايا!/ بديعة زيدان


 
تُعد رواية "بنت من القدس الجديدة" لأسامة العيسة، الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا، نصاً سردياً مشاغباً للتاريخ، يبتعد عن السرديات البطولية التقليدية للقضية الفلسطينية، ليغوص في التاريخ الاجتماعي والنفسي لمدينة القدس وسكانها، من خلال مأساة فردية تتحول إلى استعارة كبرى للضياع.
تدور أحداث الرواية حول "صالحة"، وهي فتاة مقدسية من حي "البقعة" (القدس الجديدة)، ابنة الصحافي المتنوّر "صالح أبو صالحة".. الحدث المحرك للرواية صادم وغرائبي، بحيث تذهب صالحة إلى المحكمة الشرعية (المدرسة التنكزية سابقاً) لتشتكي "محمد حنا" (مسيحي يحمل اسماً مركباً)، مطالبة إياه بـ"ثمن بكارتها" التي "انتهكها" بطريقة غير مشروعة، معتبرة أن هذا حق لا يسقط، بالاتكاء إلى حكم سابق من محكمة البداية.
تستعرض الرواية تفاصيل الحياة في الأحياء الجديدة خارج الأسوار (البقعة والقطمون) كرمز للحداثة الفلسطينية التي كانت تتشكل، فقد بنى والد صالحة منزلاً حجرياً جميلاً في حي البقعة، يرمز للاستقرار والنهضة العمرانية، فيما تظهر صالحة كفتاة عصرية، تقود دراجة نارية، وتذهب للسينما، وتعمل في فندق الملك داود، وتسجل في مفكراتها تفاصيل الحياة اليومية، والمشتريات، والديون، وحتى متابعتها للأغاني والإذاعات، ما يعكس نمط حياة منفتحاً يختلف عن انغلاق البلدة القديمة.
والدها "صالح أبو صالحة" صحافي ومثقف، كان عضواً في "جمعية الاتحاد والترقي"، وطرح فكرة دولة موحدة (إسراطين) كحل سياسي مبكر، لكنه قوبل بالسخرية والتخوين.
تتقاطع مأساة صالحة الشخصية مع الكوارث العامة التي حلت بفلسطين، كحادثة تفجير فندق الملك داود، حيث كانت تعمل، هي التي نجت من التفجير الذي نفذته عصابة "الأرغون" الصهيونية في العام 1946، وشاهدت الدمار الذي لحق بالمكان الذي كان يمثل جزءاً من عالمها الحديث، وكسقوط "البقعة" في العام 1948، بحيث تصف الرواية بدقة مؤلمة لحظات سقوط الحي.. لم تكن معركة عسكرية بقدر ما كانت عملية استيلاء ونهب، حيث دخلت العصابات البيوت، وسرقت الأثاث، والسجاد، والبيانو، وحولت المنازل العامرة إلى ركام أو مساكن للمهاجرين الجدد.
غادرت صالحة ووالدها القدس على أمل العودة قريباً (إجازة قصيرة)، حاملين حقائب صغيرة، متجهين إلى القاهرة، وتحديداً للعيش في حي مصر الجديدة (هليوبوليس)، الذي كان يشبه في حداثته "القدس الجديدة" المفقودة، وهناك عاشا وسط جالية فلسطينية تنتظر العودة، يجترون الذكريات ويتابعون الأخبار السياسية بأمل يتضاءل تدريجياً.
توفي والد صالحة في القاهرة مقهوراً، لتدفنه هناك، وتفقد السند الأخير الذي كان يربطها بماضيها وعزتها، وبعد حرب العام 1967، واحتلال ما تبقى من القدس، تقرر العودة، لكنها تجد مدينة مختلفة تماماً، فحين تذهب إلى منزلها تجده مسكوناً من قبل عائلة يهودية، ولم يتبقَ من ماضيها سوى شجرة الكينا والبيانو الذي لم يعد يعزف ألحانها.
وهنا تدرك صالحة أن ضياع "بكارتها" كان استعارة لضياع المدينة بأكملها، حيث لم يعد هناك من يطالب بحق أو يعيد ما سُلب، لينتهي المطاف بها في مستشفى للأمراض العقلية (دير المجانين) في بيت لحم، المكان الوحيد الذي يتسع لذاكرتها ومأساتها، قبل أن تموت وحيدة وتدفن في "مقبرة الغرباء".
وهذه التفاصيل ترسم مساراً من الصعود ممثلاً بالانفتاح إلى الهبوط ممثلاً بالنكبة والمنفى والجنون، جاعلة من جسد صالحة وحياتها خريطة لمدينة القدس وتحولاتها التراجيدية، فبكارة صالحة هي المعادل الموضوعي لـ"فلسطين" أو "القدس" نفسها، ومطالبة صالحة بـ"ثمن البكارة" في المحكمة صرخة عبثية ترمز لمطالبة الفلسطينيين بحقوقهم المسلوبة من قوى استعمارية أو متواطئة، وهي حقوق لا تُسترد.
أما "القدس الجديدة"، فترمز إلى الحداثة الفلسطينية المجهضة، خاصة أنّ الرواية تركز على العائلات التي خرجت من أسوار البلدة القديمة لتبني حياة عصرية (بيوت حجرية، وبيانو، ولغات، وانفتاح)، وكيف تم تدمير هذا "الفردوس" ونهبه، بينما يمثل "محمد حنا" الخديعة، أو ربما التناقضات الهوائية للواقع، فهو مسيحي يُدعى محمد، يستغل صالحة ثم يتنصل منها، تماماً كما تنصلت القوى الدولية من وعودها للقدس.
أمّا استخدام مفكرة "صالحة" التي تحتوي دعاية بريطانية لتدوين مأساتها الشخصية، فيرمز إلى سحق السردية الفردية الإنسانية تحت عجلات البروباغندا السياسية الكبرى.
الشخصية المحورية هي "صالحة"، وهي ليست مجرد ضحية، بل هي "القدس" المتمردة والمكسورة.. شخصية إشكالية، جريئة لدرجة الوقاحة كما قد يراها البعض، لكنها مثقفة، وإن انتهى الأمر بها بالجنون أو ما يشبهه، وهي تمثل الجانب الإنساني المغيّب للمدينة المقدسة.
القاضي الذي ينظر في القضية، ويلقب نفسه بالتنكزِي، غارق في التاريخ المملوكي، يهرب من قضايا واقعه إلى مخطوطات التاريخ وسيرة الأمير "تنكز"، يتعاطف مع صالحة إنسانياً لكنه يجد نفسه مكبلاً بالنصوص والإجراءات، فينتهي به الأمر إلى إحالة القضية للمحكمة الكنسية، ما يعني ضياع حق صالحة عملياً، وهو هنا يمثل السلطة العاجزة، والمثقف الذي يهرب من "القدس الحالية" المليئة بالدناسة والرعب إلى "القدس التاريخية" (زمن المماليك وتنكز) عبر الكتابة والبحث، في محاولة لترميم الواقع عبر التاريخ.
ويمثل صالح أبو صالحة (الأب)، المثقف الفلسطيني التنويري المهزوم، وهو صحافي أسس جريدة تدعو للحرية، واقترح دولة موحدة (إسراطين) مبكراً، لكنه انتهى لاجئاً ومهمشاً، في ترميز لجيل النهضة الذي انكسر مشروعه.
ومَنَحَ حضور خليل السكاكيني كشخصية حقيقية، الرواية، مرجعية تاريخية وتوثيقية، كممثل لضمير القدس التعليمي والتربوي الذي شهد على النكبة وضياع مكتبته الشخصية، التي ترمز لضياع الذاكرة الثقافية.
تميّز أسامة العيسة في هذه السردية بكسر الإيهام الروائي، حيث الراوي لا يكتفي بالسرد، بل يتدخل بصفته "كاتب مجانين بيت لحم" أو "الروائي"، يعلق على الأحداث، ويخاطب القارئ مباشرة، ويسخر من شخصياته أحياناً.. هذا الأسلوب يجعل من الرواية "بحثاً في كيفية كتابة الرواية" وتوثيقاً للتاريخ المنسي والمهمش (تاريخ الجنون، والمومسات، والمهمشين)، بدلاً من تاريخ القادة والزعماء.
وتدمج الرواية بين الخيال والوثيقة، حيث يستحضر الكاتب نصوصاً من سجلات المحاكم الشرعية المملوكية والعثمانية، ومقالات صحافية قديمة، وقصائد، ليعطي السرد عمقاً أنثروبولوجياً، كما تتميز بتعدد الأصوات، بحيث تتنقل الرواية بين صوت الراوي العليم، ويوميات صالحة (المفكرة)، وأبحاث القاضي التاريخية، ما يخلق منها فسيفساء لمدينة القدس.
أما اللغة فهي مشحونة بسخرية مريرة، وهي لغة تمزج بين الفصحى الرصينة (خاصة في استعارة لغة السجلات القديمة)، وبين روح اللغة المحكية الفلسطينية المقدسية، كما أنها مثقلة بالمعرفة التاريخية والجغرافية.
وتُخرج الرواية القدس من كونها "رمزاً دينياً" مقدساً وجامداً، لتصبح مدينة من لحم ودم، فيها "الدناسة" كما "القداسة".. إنها مدينة البشر بخطاياهم ونزواتهم، وليست مدينة الملائكة فقط، مركزة على تاريخ الناس العاديين، فيما كان تناول موضوع "البكارة" وربطه بضياع الوطن مدخلا جريئا وغير تقليدي في الأدب الفلسطيني.
لكن القارئ، قد يشعر أحياناً أن صوت "الباحث" يطغى على صوت "الروائي"، خاصة في الفصول التي تتناول تفاصيل العصر المملوكي والأمير تنكز، ما قد يقطع التدفق العاطفي لقصة صالحة، كما أن الانتقال بين الأزمنة والشخصيات الكثيرة، مثل: روبرت كندي، واللورد بيل، وشخصيات عابرة عدة، قد يشتت القارئ عن الخط الدرامي الرئيسي.
ورغم ذلك، يمكن اعتبار رواية "بنت من القدس الجديدة" مرثية جارحة للحداثة الفلسطينية التي قُتلت في مهدها، وكأن العيسة يطالب باستعادة ذاكرة مدينة كاملة تم انتهاكها، ليس فقط عسكرياً، بل ثقافياً وإنسانياً.. إنها رواية تقول، إن ضياع "البقعة" و"القطمون" وبيوتهما الجميلة، جرح لا يقل عمقاً عن ضياع المقدسات.

https://www.al-ayyam.ps/ar/Article/421045/%D8%A8%D9%86%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%84%D8%AD%D9%85-%D9%88%D8%AF%D9%85-%D9%88%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D9%8A%D8%A7?fbclid=IwY2xjawOStIlleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEe6-FJeUrTK8yCAjHYOPrnIBVgoVcbeBm0-LB3if7NzQxGvaLeygpS-ZQZQHI_aem_B7y9vjUT8--Fk4beH8UJYA