في مرئية
قصيرة (ريلز) منتشرة على الفيس بوك، يتحدَّث الأستاذ هيكل، ممرورًا تكاد الدمعة
تفر من مآقيها (ليس مجازًا)، عن تسليم مدينة القدس للبريطانيِّين، مقابل ثلاث
بيضات فقط!
الأستاذ هيكل،
أستاذي، رغم أنَّني لم ألتقه، وسرت، بعد أكثر من عقدين في شوارع مشاها، كشارع القدس-الخليل،
الذي أبصرت عليه، حياةً، تشبه حيوات ملايين، وتناقض حيوات ملايين، وأماكن أبرق
منها لصحفه، وحضر وجوده الفلسطينيّ
في روايتي: قُبلة بيت لحم الأخيرة.
الأستاذ؛ ليس
فقط أُسطى مهنتنا، ولكنَّه أيضًا أُسطى كبير في فن المسافات بين البشر، ومعرفة
الذات والمساحات المحفوظة، حفاظًا على ألق الصنعة وأينعهتا، وكرامة النفس وسموها
من النرجسية. ليس أكثر بغضًا من الاضطرار لاحتمال نرجسيّ متعالم.
يذكر هيكل،
متأثرًا، أنَّه لم يكتب حكاية البيضات، رغم الجزاء الماليّ، مشيرًا إلى أنَّه زار موقع
تسليم القدس في باب العمود، خلال الحقبة الأردنيَّة.
لا شك أنَّ
التأثر خلط الأمور على الأستاذ، فمكان تسليم القدس محلة الشَّيخ بدر من أراضي بلدة
لِفتا الفوقا، ولم يكن بإمكانه زيارته، لأنَّها مم احتل بعد 1948م. والآن تعرف
باسم روميما، تفخر بالحادثة، بنصب تركه البريطانيُّون في المكان.
حسب ما يمكن توثيقه
من مسألة تسليم القدس، مع التقهقر العثمانيِّ، أنَّ وثيقتي تسليم حُررتا بالتركية،
ترجمهما الفهَّامة الدكتور توفيق كنعان، ونشرهما الدكتور عبد اللطيف البرغوثي في
مجلة التراث والمجتمع (العددد 25/ 1995). إضافة لرسالة بالعربيَّة، من إسماعيل
الحسيني، إلى المفتي كامل الحسيني، حول تسليم المدينة.
المؤكَّد في
حكاية التسليم أنَّ حسين الحسيني رئيس البلدية، ومرافقوه استلوا شرشفًا أبيض، من
المستشفى الإيطاليِّ، في طريقهما للبحث عن ما يمكن تسليمه المدينة، وفي الشَّيخ
بدر التقيا جنودًا، فالتقط مصورو الكولونيوليَّة الأميركيَّة، صورة التسليم. وفيها
يظهر آخرون مثل لورنس، إضافة لجنديين. أمَّا شرف حمل الراية البيضاء، فكان من نصيب
اللبناني سليم، سائق سيَّارة جمال باشا المتقهقر. هل كانت المسألة عفوية وعرضية
فعلًا؟
ستتطوَّر
رواية استشراقيَّة، فيها الكثير مما سيخدم الدعاية البريطانيَّة لاحقًا، أنًّ
جنودا من الإمبراطوريَّة التي هزمت إمبراطوية فسدت بيضاتها، كانوا يبحثون عن البيض
في ريف القدس، عنما اصطدموا بالمطربش رئيس البلدية اللاهث ومرافقوه.
يمكن أن لا
تصمد حكاية بيض الإمبراطوريَّة التي لا تغب عنها الشمس، كثيرًا للنقد، فالحديث عن
شهر كانون الأوَّل، البارد في جبل القدس، وفيه تستعصي الدجاجات عن البيض وتحرن،
تحتاج على الأقل لشهر أو لشهرين، لكي تظهر الدجاجة بيضتها الأولى، إلَّا إذا كانت دجاجات
لِفتا ودير ياسين، استخف بها الفرح بقدوم بني التايمز، فباضت على أمل، تغيُّر
أحوال أربعة قرون بأفضل منها، كما فرح الكثير من النخبة المثقفة، فباضت احتفالًا،
شعرًا ونثرًا ونقاشًا مثل اسكندر الخوري البتيجاليِّ، والشيخ عبد الله الريماوي،
وخليل السكاكيني، وعادل جبر، وغيرهم.
كان الجنرال اللنبي،
قائد الحملة المصريَّة، كما عُرفت، متشوقًا لفتح القدس، مفعمًا بالاستعمارية
الدينيَّة، ليقدِّم الخبر، هدية الكريسماس لقومه، وعندما وصل باب الخليل، سار مشيًا،
احترامًا لقدسية المدينة، وعندما وقف أمام القلعة في السَّاحة التي تحمل اسم فاتح
آخر قديم لها، هو عمر بن الخطَّاب، أعلن انتهاء الحروب الصليبيَّة، فغضب مقدسيون،
ورد على "فاتح القدس" الشَّاعر أحمد شوقي، المعجب الأستاذ هيكل به.
يقدِّم واصف
جوهرية، في مذكراته رواية قد تكون الأفضل، كشاهد عيان، لتسليم القدس، ويحدِّد
أسماء من "تشرَّفوا" بتسليم المدينة، ونبذات عنهم، لأنّه عرفهم جيدًا. وفخر
أنَّه سلَّم بنفسه "علم التسليم الأبيض إلى من يحمله". كتب في مفصلٍ
تاريخيِّ، ناعيًا امبراطويَّة بني عثمان: "شاء القدر أن تتخلَّص القدس وأهلها
من نير الأتراك الظالمين وانطبق القول: دار الظالمين خراب ولو بعد حين". فكَّك
جوهرية حكاية البيضات ببراعة.
أعتقد أنَّ
الأمر لم يكن بحاجة لتأثر الأستاذ هيكل، وخسارته المالية، وهو يتبنى رواية منسوبة
لتشرشل الاستعماريِّ الساخر، الذي جلس على قمة جبل في القدس عام 1919، مؤسسًا دولًا
في شرقنا.
بيضات تشرشيل
الثقيلة، غطَّت على دماء أعداد كبيرة من الجنود العثمانيِّين، تظهر الصور مشاهد
مؤثرة لجثث ملقاة حول القدس في شعفاط وغيرها.
ربَّما كان
على هيكل الاهتمام أكثر "بالمتطوعين" الفلَّاحين المصريِّين، الذين جُروا
للخدمة في جيش الاستعمار، وقضوا، آلافًا، في محاور الحرب، ومنها في سيناء وفلسطين.
#محمد_حسنين_هيكل
#أسامة_العيسة



































