أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الاثنين، 28 ديسمبر 2020

"مواضيع ليست متوفرة في سوقنا"


 


دوروثي أوبير، مديرة دار نشر "بيلفيل إيديشنز" التي أصدرت الترجمة الفرنسية لرواية مجانين بيت لحم:

"هذا الكتاب كان محط اهتمامنا قبل أن نعلم بفوزه. المواضيع التي يطرحها أسامة العيسة ليست متوفرة في سوقنا، لذا نشعر بأنه من الضروري توفير مثل هذه الكتب للقرّاء، كما إننا نحب طريقة الكاتب في صياغة الأحداث، وأسلوبه الذكي في طرح المواضيع المختلفة"

الأحد، 27 ديسمبر 2020

الكنيسة المفقودة..!


 


حتّى في ظل كورونا، يمكن للقدس، أن تتكلم، وتفصح عن جزء من جوانيتها.

على سفح جبل الزيتون وبجوار كنيسة الجثمانية الحديثة، التي تعرضت لاعتداءات مؤخرًا، عثر في حفريات انقاذية على بقايا كنيسة بيزنطية عمرها 1500 سنة، لم تخبرنا المدونات عنها.

يكشف الفحص الأثري بأنَّ الكنيسة استمرت في تقديم خدماتها في العهود الاسلامية الاولى في القدس، ودمرت، على الأغلب مع بداية السيطرة الأيوبية على المدينة.

حكاية الكنيسة المفقودة هذه، يمكن أن تعتبر نموذجًا، على تعامل الحكّام الذين توالوا على فلسطين، مع الأماكن المقدسة، وقدرة ناس البلاد، على نجاحهم أحيانًا، في الحفاظ عليها.

استمرار وجود الكنيسة، في العهود الأموية، والعباسية، والسلجوقية، والفاطمية، يشير إلى قبول مجتمع القدس المتعدد للاختلاف، وإيجاد أساليب لحل الإشكالات الناتجة عن الفروقات الدينية.

مع دحر صلاح الدين للصليبيين، سيتغير طابع القدس الديموغرافي، فبعد التطهير العرقي الذي مارسه الصليبيون، لم يعد هناك أي وجود، لليهود، وللمسلمين في المدينة، وبشكل أقل للمسيحيين الشرقيين.

بعد أقل من قرن، على الانتصار الصليبي، سينتصر صلاح الدين، وسيتراجع عدد المسيحيين في المدينة، بشكل حاد، والموقف من وجود الكنائس (كنيسة القيامة مثلاً)، سيكون مجالاً للنقاش، يمكن تتبعه في كتاب العماد الأصفهاني، مؤرخ تلك المرحلة، المقرب من صلاح الدين.

الاعتقاد الأولي، أن الكنيسة المفقودة، ربّما دمرت، كما حدث لكنائس جبل الزيتون، في بداية الحكم الأيوبي، واستمرت في غياهب النسيان، رغم إنها أقيمت تخليدًا لذكرى، اعتقال السيد المسيح في بستان الجثمانية. واستخدمت حجارتها، كما غيرها مما دمر في ترميم سور المدينة.

الإبقاء على المعالم الدينية، أو هدمها، واستخدامها في ورشات التدوير الضخمة في القدس، هو ما أصبح عاديًا، في تاريخ المدينة الطويل، وهو ما يحدث الآن.

يمكن لسلطة الآثار الاحتلالية، أن تروج للاكتشاف الجديد، التي نفذت الحفريات فيه بالتعاون مع المعهد الفرنسسكاني للآثار وفي الوقت ذاته تتعرض كنيسة الجثمانية لاعتداء من متطرف احتلالي، وعلى بعد أمتار يمكن رؤية العصف الاحتلالي في الموقع، بما يناسب رؤية احتلالية، تقدم عبر المسارات، والكتيبات، وروايات حول معالم أخرى.

القدس ضحية الاستخدام المفرط للدين في السياسة، من قبل الحكّام، الذين استخدموا الدين، لتقوية سيطرتهم على المدينة، والمؤسف، أن الأمر لن يتغيّر في هذا القرن أيضًا، ستنز الدماء، وتهدم المعالم.

الخميس، 24 ديسمبر 2020

إعادة اكتشاف بشارة دوماني


 

سعدت باستضافة القناة الفرنسية، بشارة دوماني، للحديث عن "إعادة الفلسطينيين إلى صلب السرد التاريخي، وقلب المفهوم الاستعماري للتاريخ" وحاوره بفهم وسيم الأحمر.

من الواضح أنه وظف بفهمه، وليس بحزبه الحاكم، أو عائلته، أو بتوصية من المخابرات.

قبلها شاهدت مقتطفات من برنامج على قناة فلسطينية، عن قبة الصخرة، تحدث فيها مرشد سياحي، والدكتور يوسف النتشة، والحديث مزيج من شعبوية دينية وسياسية واسطورية، انتهت بالدكتور النتشة للإشادة بالملوك والسلاطين، السابقين والحاليين، فأمر القبة دائمًا كان برأيه أميريًا وملوكيًا. (ناس البلاد مش مهمين).

مثل هذه البرامج هي السائدة على الفضائيات الفلسطينية والعربية المطبعة والممانعة والخاصة، التي تفضل استضافة أصحاب الصوت العالي، والجهل الأعلى من دكاترة، وشيوخ، ومطارنة، وكأنَّ هناك خطة لاستمرار تغييب الوعي حول القدس وفلسطين.

في المقابل يُغيّب عن الشاشات ووسائل الاعلام الأخرى أمثال: نظمي الجعبة، وخضر سلامة، وسليم تماري، وعصام نصار، وبلال شلش، إضافة إلى ثلة باحثين أجانب وإسرائيليين، قدموا اسهامات بارزة في تاريخ القدس وفلسطين.

إذا كانت معظم الفضائيات تُطبع، وأدخلت رموز اليمين الإسرائيليّ إلى المنازل العربية، فيمكنها، من باب ابراء الذمم، أن تستضيف باحثي المعرفة الإسرائيليين، أفضل بكثير من استضافة الزاعقين الدينيين الوطنيين الثوريين.

أوّل مرة أرى دوماني في مقابلة تلفازية، سعيد بإعادة التلفزة، اكتشاف من ساهم في "إعادة اكتشاف فلسطين"، ويقدم خلاصة دراساته في الموضوع الفلسطيني، للأميركيين والبريطانيين.

**

رابط حلقة دوماني

https://www.france24.com/ar/20200613-%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%AA%D8%B5%D9%88%D8%B1%D9%87-%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A

الجمعة، 27 نوفمبر 2020

العيسة يطلق سراح مجانين بيت لحم بعد قبلتها الأخيرة

إعداد: جميل عليان

في رواية جديدة، تناولت موضوعا قد يكون الأول في الأدب العربي الحديث، يؤرخ روائي فلسطيني بمهارة وبسرد أدبي يضع الحقائق في سياق بنيوي روائي مدهش لانهيار وطن المجانين في الأرض المقدسة، تزامنا مع وطن أناسه من العقلاء ، ولكنه يتقلص هو أيضا.

في روايته (مجانين بيت لحم)، استحضر كاتب الرواية أسامة العيسة، عبر أمواج تعلو وتهبط من الحقائق الدرامية التاريخ، والجغرافيا، والحكايات الغرائبية، عن قادة، وسياسيين، وأدباء، ومدعي نبوة، ولاعبين معروفين ومجهولين، في روايته الثالثة التي صدرت مؤخرا في العاصمة اللبنانية بيروت، لتشكل حلقة جديدة من مشروعه الروائي الذي يستلهم فيه الواقع الفلسطيني، ضمن فضاءات واقعية وتاريخية وغرائبية.

والرواية هي ثلاث محاولات لكتابة رواية، يقدمها الروائي، في محاولة للإلمام بعالم المجانين، الذي يقدمه على أنه غير منفصل عن عالم العقلاء، مستحضرا روح المجنون عُجيل المقدسي (توفي عام 406هـ)، الذي يستمع الناس إلى حكمه، وشطحاته الصوفية.

وكما يبدو أن روحه تناسخت في البطل الرئيس للرواية، إذا جاز الحديث عن بطولة في عالم مجنون، كهذا الذي يعصف بالأراضي المقدسة وأهلها منذ قرون.

وخلال المحاولات الثلاث، لكتابة رواية، هناك اعترافات من الروائي للقراء، من خشيته، بعدم النجاح، وذلك لجعل القارئ متيقظا، ومساهما في صناعة العمل. وفي نهاية العمل، يعترف الروائي، بأنه تجنب سرد حكايات بعض المجانين، خشية البطش من عالم العقلاء.

وكما هو ديدن الروائي في رواياته السابقة، تبدو الرواية في جانب مهم منها، رصداً للتغيرات التي عصفت بالمكان، وبعوامل محلية، وإقليمية ودولية. وفي رواياته السابقة ظهر الروائي يدافع بقوة عن أفكار الشهود على العصر الذي يحاكمه في رواياته بكل جرأة.

يقول العيسة: “الدفاع عن وطن المجانين المجازي، هو دفاع، عن الشذرات التي تبقت من الوطن الأكبر. عندما لا يجد المجانين وطنا في وطنهم، فإن هذا يعني أنه لا وطن أيضا للعقلاء”. والمجانين يصيغون سيرة المكان بكفاحهم، كما يظهر في الرواية، ولكنهم يكافؤون بانقضاض العقلاء عليهم.

“لقد حاولت ان أُقدم حكايتنا بدون أية بهارج، أو بطولات زائفة، أو اتهامات مرسلة، وهي مهمة ليست سهلة”، قال الروائي.

قدمت دار نوفل الرواية: “تبشيرٌ ألماني رائد، وطموح إمبراطورٍ مغامر، قدَحا شرارة الدهيشة، وطن مجانين فلسطين منذ الانتداب البريطاني. لاحقًا، سيتمّ الاعتداء على ذلك الحيّز، في ظروف سياسية جديدة، وضعت المجانين ووطنهم على المحكّ. تحكي 'مجانين بيت لحم’ عن وطن المجانين الفعلي، وناسه”. 

“هي ترمز إلى الوطن الذي يتآكل تحت وطأة التغيّرات السياسية التي تعصف به. تقتحم موضوعا يكاد يكون بِكرا في الأدب العربي الحديث، وتقدّم الفلسطينيين كما هم، بشرا، من دون نبرة خطابية ولا مناجاة غنائية. رواية جديدة ليس فقط في موضوعها، ولكن أيضا في اقتراحها شكلا يناسب المضمون”.

وقال الروائي ربعي المدهون عنها: “رواية تتخلى فيها شهرزاد عن دورها لسارد مسكون بالحكاية الشعبية والتراث، يقلب ألف كتاب وكتاب، باحثا عن كل ما هو مدهش ليقدم هذا العمل المختلف، عن شخصيات تنمو وتتطور في فضاء يتشكل من واقع متخيل وخيال واقعي”.

وتذهب الرواية إلى تفكيك مذهل لنسيج عالم يصغر مع مرور الوقت، مع ظهور أقوى للقوى السياسية العالمية، التي  كانت فاعلة في صلب الوضع الفلسطيني، لدى إقامة وطن المجانين.

يتساءل الروائي من هم المجانين، ومن هم العقلاء، في بلاد تُسرق فيه الأوطان الصغيرة والكبيرة؟

وقال الروائي: “اشتغلت في هذه الرواية على الشكل، لإيماني، بأنه لا يجب على الكاتب اأن يكتب روايته مرتين، والمقصود بنفس الشكل، وحاولت أن أجعل من القارئ متلقيا فاعلا، وليس سلبيا، بفتح حوار معه، وكشف بعض أسرار اللعبة الفنية. أظن بوجود علاقة جدلية بين الشكل والمضمون، في النهاية كل مضمون يختار شكله الذي يناسبه، وإذا لم يفعل، فإن بوادر الفشل ستلوح، من المهم أن نقدم رؤانا الأدبية في أشكال تناسبها”.

ووطن المجانين، هو الاسم ذاته للمصطلح الشعبي المتداول مستشفى المجانين، أو الاسم العلمي، مستشفى الأمراض العقلية، وهو واحد من مستشفيات قليلة  مشابهة أقيمت في بعض المدن العربية الرئيسة في بدايات القرن المنصرم. 

يقول العيسة: «العنوان يعود إلى وطن مجانين فلسطين، منذ أكثر من قرن، وهو المستشفى الوحيدة للأمراض النفسية في فلسطين التي كانت تستقبل المرضى من مختلف الأديان، في حين كانت هناك مستشفى صغيرة، في القدس الغربية، لا تقبل إلا مجانين اليهود».

ولا يبعد مكان المشفى عن مكان سكن الروائي، في مخيم الدهيشة، لذلك يبدو الروائي يعيش روايته كل يوم، أو يطل عليها من شرفة منزله على أطراف مخيم الدهيشة.

تقع هذه المستشفى في منطقة الدهيشة في مدينة بيت لحم، وبعد نحو نصف قرن من إنشائها، نشأ بالقرب منها مخيم الدهيشة للاجئين الذين شردوا من قراهم في مناطق القدس، وبيت لحم، والخليل، والهضاب المنخفضة، في مرحلة جنون جديدة تتعرض لها الأراضي المقدسة.

يقول العيسة: «ارتبط تأسيس المستشفى بتقاطعات علاقات الامبراطورية العثمانية مع قوة دولية مؤثرة، مثل ألمانيا في عهد الإمبراطور غليوم، الذي افتتح المبنى الذي شيد على قطعة أرض ضخمة، شهد المبنى على حربين عالميتين، وحروب إقليمية ومحلية، وكان، مثل وطن «العقلاء»، عرضة للتغيرات الدراماتيكية التي عصفت بالجميع. في ظروف سياسية جديدة، تقلص وطن العقلاء، بفعل الاستيطان والإجراءات الاحتلالية، ما أدى إلى تقليص وطن المجانين، بسبب زحف «العقلاء» نحوه. 

هل هناك أي رابط في الرواية بين البعدين الديني التاريخي والمجانين؟

يقول العيسة: «بالطبع، في الواقع إن معظم الأنبياء، والقادة الاستثنائيين، والقديسين، اتهموا في فترات تاريخية، بإصابتهم بمس من الجنون». قبل مجانين بيت لحم كتب العيسة روايته «المسكوبية»، التي روت بشجاعة مبنية على تجربة ذاتيه، مرارة ذلك المكان، وأيضا ارتبطت الروايتان ببيت لحم وأطرافها المقدسة بشكل ما.

يقول العيسة: «الرواية هي استكمال لمشروعي عن تقديم بيت لحم، كمكان روائي، وهو ما بدأته في (قبلة بيت لحم الأخيرة) تخبرنا المدونات التاريخية، عن نظرة كل مجتمع تجاه الجنون، لدينا تراث عربي زاخر يقدم الجنون بصورة غير تلك الموجودة لدى العامة في عصرنا». 

بالنسبة للعيسة يظهر الجنون في روايته الجديدة ككناية عن الاستتار، كما فهمه العرب، ويكون ذلك خشية أو خوفا من بطش ما.

«لذا قد لا يكون المثل السائر (خذوا الحكمة من أفواه المجانين) مجرد قول عابر (...)، المجانين لديهم قدرة دائما على إثارة الدهشة، دهشة العقلاء، وإن كان من غير المحبب بالنسبة لي الفصل بين عالمي المجانين والعقلاء، فهو عالم متداخل أكثر مما نتوقع، كما يمكن للقارئ أن يجد في روايتي». قال الروائي الذي كتب من قبل نص عن خاله المجنون الذي هو فصل من الرواية.

الراوي في (مجانين بيت لحم) اعتمد على أوراق تركها خاله المجنون الذي قضى انتحارا، والذي أنقذ الأوراق مجنون آخر، ويستنتج الروائي بأن الخال لا يمكن أن يكون مجنونا لأنه انتحر، والانتحار يحتاج إلى قرار. 

بيت لحم في فكر الروائي، وكما يراها أمام عينيه أيضا هي مدينة المجانين والأنبياء، مدينة السلام التي لم تحظ به، المدينة التي يقدسها الملايين، ولكنهم تركوها بلا قدسية تواجه مصائرها بنفسها.

« كم مرة هُدمت؟ وكم مرة سبيت نساؤها؟ كم نبي ومجنون طورد وقتل فيها؟» يتساءل الروائي؛ لذلك تختلط في الرواية الحقائق، بالغرائبي، بشخوص واقعية، عندما انكب العيسة على دراستها وجد أن سلوكها كما يقال يفوق بغرابته الواقع.

 وهو أيضا الذي إذا نظر إلى الدهيشة-بيت لحم، كمكان، وجده وكأنه رواية الدنيا، أنماط عمرانية من مختلف البلدان، سياسيون ورجال دين، ومجانين من مختلف القوميات والأديان والإثنيات، تمردات وثورات، خلال قرن من الزمن شهدت عصور: الإمبراطورية العثمانية، والبريطانية، ثم سلطة مصرية، فسلطة اردنية، فاحتلال إسرائيلي كولنيالي، وسلطة وطنية فلسطينية.

وهو يريد أن يقول: «لك أن تتخيل تأثير كل هذا على مكان صغير، دارت فيها وحوله المعارك، وسار فيه فاتحون، وغزاة، ودركيون، وصحافيون، وجواسيس، وعلماء آثار، أي وطن هذا هو وطن المجانين؟».

« وأيضا لنا أن نتساءل عن تأثيره على كل الذين مروا به، في الرواية نجد تأثيرا لا مراء فيه، يسميها الروائي (لوثة الدهيشة) التي أصابت أباطرة ورؤساء ومدعي نبوة»   

 

الأحد، 22 نوفمبر 2020

المسكوبية

رواية لاسامة العيسة تقع على متن ٢٠٣ من القطع المتوسط وهي من اصدارات الرقمية للنشر والتوزيع في طبعتها الثانية ٢٠١٩.

الرواية تتحدث عن سجن المسكوبية في القدس وما يتعرض له المعتقلين الفلسطينيين من عذابات بشتى الاشكال والالوان.

فالكتاب جاء بلغة روائية بسيطة وسلسة تختزن في ثناياتها نضالات الشعب الفلسطيني وتستعرض صور القهر والعذاب التي يواجهها الفلسطيني في المعتقل، فجاء الكتاب مصورا بالتفاصيل الدقيقة حجم الجحيم الذي يواجهه المعتقل الفلسطيني في اقبية التحقيق التي يحويها ذلك المعتقل المسكوبية والاشبه بمعتقلات النازية، والخالية من ابسط مقومات الاحتياجات الانسانية.

صور مؤلمة وموجعة تلك التي ينجح الكاتب في استعراضها وعرضها ضمن سطور النص باسلوب سردي متسق وسلس ومشوق، لكنه كثير الالم والوجع. ولا يفت الكاتب طيلة احداث الرواية عن تقديم الامل وبثه عبر اثير الرواية فتجده مثلا يتحدث عن اول شهداء هذا المعتقل، ثم يتحدث عن اشهر من دخل هذا المعتقل من القيادات الوطنية ومن النخب الثقافية، اضافة لحديثه عن تاريخ الشعراء واشهر القصائد والاغنيات الوطنية التي كتبت في السجون وفي سجن المسكوبية بالذات.

ولا يفوت الكاتب ان يستعرض كل تلك العذابات التي يواجهها المعتقل في معتقل المسكوبية، دون ان يفوته ايضا استعراضه لكثير من تفاصيل المكان في القدس، من خلال استحضاره لشخصيات وامكنة وازمنة واحداث شكلت بإجتماعها تاريخ المدينة المقدسة. فجائت الرواية رواية للمكان بقلم وقلب متخصص وباحث ومصور يتفنن برؤية زوايا المكان ويتقن معرفة كل بقعة فيه، تلك التفاصيل الصغيرة والاحداث الكبيرة التي يتشكل منها تاريخ القدس ويتشكل منها الامر الاكبر والاهم وهو الوعي والانتماء الفلسطيني، فمن الطبيعي في ابجديات الوطن ان يحب الانسان وطنه وهذا امر عادي، لكن الاهم ان يكون لديه انتماء وتجذر تجاه هذا الحب، وهذا لن يتم دون وعي بالمكان والزمان، وتفاصيله هذه تساعد في ادراك حجم الترابط والتجذر مع اي بقعة يرتبط بها.

ينجح الكاتب في التقاط صور عديدة للقدس لكن تبقى صورة النجاح الاهم تتمثل في قدرته على توظيفها في سياق النص، ورغم ان العديد من هذه الصور مألوفة ومعتادة وفي اغلبها تتعلق بالقدس وتاريخها، ويبدأ الكاتب بهذا السياق والتوظيف من بداية نصه، لا بل حتى من غلاف الكتاب وعنوانه(المسكوبية) فلا يترك لنا مجالا كثيرا للابتعاد عن سبب ذلك الاسم ومدلوله في تاريخ القدس. وحسنا فعل ذلك واجاد لان هذا الاسم المسكوبية اسم فاقع الدلالة والشهرة في فلسطين وفي القدس بالذات والاهم من ذلك كله انه معلم معروف ومكروه بشدة لدى المناضلين.

يستعرض الكاتب جزء كبير من تفاصيل القدس ومكوناتها من اهلها وناسها وسكانها كالغجر والنور وتاريخهم في القدس، اضافة الى استعراضه للعديد من الاماكن مثل باب العامود وحارة الشرف وحائط البراق ودرب الالام والكنائس ودروبها والنجمة الفضية المسروقة وحرب القرم وعلاقتها بذلك وارض المسكوبية وملكيتها وقصة اهدائها وغيرها الكثير، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد وحسب، بل يعرج بنا الكاتب على تاريخ تلك البنايات(المقاطعة) في فلسطين من زمن الانتداب وحتى العثمانيين، فيبدأ بها من عند اريحا في توليفة لا تخلوا من مقاصده في بناء مداميك روايته اضافة الى اشارة سريعة منه الى خلفيته التنظيمية وانتمائه الحزبي.

وهذا كله بالاضافة الى قدرة الكاتب الكبيرة على توظيف الارث التاريخي والموروث الشعبي في فلسطين ضمن ثنايا البناء الروائي وبصورة شكلت اضافة نوعية للنصوص الادبية الفلسطينية واسهمت برفع قيمتها الوطنية والتعبوية. فنجد الكاتب قد تطرق الى التعريف بالاحتفالات الشعبية كعيد الفصح واعياد المواسم وشهر الخميس وغيرها.

ومن الممكن ان نقول ان هذه المعلومات من السهل جمعها والاطلاع عليها في اي مكان او ضمن اي كتاب او وثيقة لكن يبقى الاهم السياق التي جائت فيه تلك الشواهد والعلامات الفارقة، وهذا هو الفرق الذي نجح الكاتب في تقديمه في هذا الرواية وهذه احدى ميزات النص .

لا يتوانى الكاتب عن تقديم صور جديدة وغير مألوفة للقدس، كتناوله لمسألة المعتقلين الجنائيين من القدس وكيفية استعراضه وتناوله لقصصهم، ويقدم صورة كثيفة لهم وينجح بتسليط الضوء على من يحتكرون جزء كبير من شوارع القدس وحكاياه البعيدة النظر عنا وهو ما اسماه الكاتب العالم السفلي للقدس، وينجح الكاتب بطرح الموضوع من خلال حوار في المعتقل يدور بين الراوي وابو العز على ظهر الصفحات ٩٧-٩٩، ويتم توليد الحوار بصورة مشوقة فيبقى مستمرا بين الراوي وابو العز لكنه يدخل حيزا اخر هذه المرة؛ اذ يذهب الحوار الى اقصى غايته مع شخصية جمال وشخصية ابو العلم فيدور الحديث على لسانهما عن القدس وواقعها وظروف حرب ١٩٦٧ وسقوط القدس، حيث ينجح الحوار عبر الصفحات١٠٠-١١٨ بإلتقاط صور عدة لواقع القدس آنذاك غداة النكسة.

بعد ان ينجح الكاتب بتقديم عناصر المكان التي يريد ويربط الاحداث ببعضها ويوظفها طواعية بالسياق الذي يريد، لا يفوته ان يحدد زمن الرواية بدقة وهو 29/3/1982 وفي فترة اعتقال اقل من شهر ينجح الكاتب بادارة حوارات شتى غاية في الاهمية وتتفق مع القيم السامية والاهداف النبيلة التي يحملها الكاتب، كان اهمها ذلك الحوار مع احد قيادات فتح في المعتقل اضافة الى حواره مع ابناء القدس من رواد العالم السفلي وكيفية خروجه اليوم من قضية جنائية ليعود للسجن ثاني يوم مباشرة، لكن هذه المرة على خلفية سياسية وعلى اثر الحدث الابرز في الرواية اقتحام الاقصى وفتح النار على المصلين من قبل الجندي الاسرائيلي الان هاري غولدمان وما تبعه في تلك الفترة من الاحداث والاحتجاجات، وشملت فترة الاعتقال ايضا وهي الفترة الزمنية للرواية الظروف والايام السابقة على اجتياح بيروت.

الأحداث الواردة في الرواية شكلت قطعة فنية حقيقية من أدب السجون، ولم يكن بالامكان تقديمها بهذا الاتقان وبهذه الفنية العالية لو لم تكن تحتوي تلك الروح المناضلة الكامنة في احشائها، وهذا ما كان له ليتم لولا اننا امام سيرة حية وليست متخيلة لكاتب النص( اللفتاوي ابن مخيم الدهيشة)، بمعنى اننا قد نجد نصوص كثيرة تتعلق بادب السجون وتتحدث في سياقه، إلا انها فاقدة لتلك الروح التي تستطيع ان تعتقلك وتداهم منزلك وتزج بك في البوسطة وتعرضك لزنازين محددة بأهدافها وانواعها كالزنزانة رقم ١٢ في المسكوبية وما تتعرض له من شتى اصناف التعذيب والتي قد لا يكون اسوأها الضرب والشبح ووضع كيس الخيش ذوي الروائح الشنيعة على راسك وما يتبعه من سيل الضربات والتهيئات.

عندما ينجح الكاتب في التقاط تلك الصور لا يفوته ان يزرع الامل رغم الالم، فلا يعجز عن ابتداع عديد الصور لهذا الامل، والتي قد يكون اجملها: قدرة المعتقل على مقاومة اساليب السجان بكسر الارادة والتطويع والاسترسال في الحديث مع المحقق وغيرها الكثير، لكن يبقى ابتداع وسائل التواصل مع بقية المعتقلين من خلال لغة العيون والدق على الجدران هي الاجمل.

صاحب النص والذي اراه هو نفسه الكاتب، صاحب تجربة وطنية ناصعة وابن هذه الارض المفعم بحبها وبتفاصيلها حد الجنون، اسامة العيسة كاتب مجبول بالزمان مرهون للمكان، وقد نجح العيسة بتقديم المكان والزمان الفلسطينيين سرديا وهذا مشروع يستحق التقدير والثناء، وهذا دليل قاطع على اننا امام كاتب فذ ومبدع يدرك تماما طبيعة وابعاد الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي.

نحن امام نص يدرك كاتبه تماما ان صراعنا مع المحتل في احد اوجهه الرئيسية صراع على الرواية ونقيضها، فتأكيد روايتنا يعني فيما يعني دحض رواية الآخر والقائها في مزابل التاريخ، هذا اذا وجدت لها متسعا هناك، وهذا هو جوهر الفكرة واساس المعركة بيننا وبين اصحاب الخرافة المتسللين خلسة الى سطور التاريخ.

 

الخميس، 19 نوفمبر 2020

لا زغاريد في القُدْس


 


عندما جلس ابن مدينة الناصرة ميشيل صبّاغ، على كرسي بطريركية القُدْس، كان الجلوس حدثًا، أوقف أعلا الفخر وقوفًا، ومدعاة للاحتفال الوطني، فهو أوَّل بطريرك عربي يجلس على الكرسي اللاتيني منذ تأسيسها الحديث في القُدْس (1847م). في بداية عام 1988م، قابل صبّاغ بابا الفاتيكان، وحضر سيامته سفراء عرب، ووفد كبير من الناصرة وفلسطين، ضم أكثر من مئة شخص على رأسهم  توفيق زيّاد، رئيس بلدية المدينة الشيوعيّ.

لم يكن الأمر يتعلق فقط بأوَّل بطريرك عربي، ولكن أيضًا بلحظة الانتفاضة الكبرى، ولم يكن أقدر من الباحث والمفكر والمترجم المجاز في الثقافة الإسلامية من السوربون (في الشعر الأموي وطبقات ابن سعد)، من التقاطها، وفي ذهنه تراث لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، فمدّ ذراع كرسيه إلى المنتفضين.

بعد تنحية صبّاغ بحكم قوانين السن الفاتيكانية، حلَّ محله، كما هو متوقع، بطريرك عربي آخر، ولكن من بادية عبر الأردن، وعندما نُحي هو الآخر، بعد كرور سنوات، كُشف عن جبل جليد ذائب، وديون بقيمة 100 مليون دولار.

هذه المرة، لم يعين الفاتيكان بطريركيًا، وإنما أوكل لحارس الأراضي المقدسة المنتهية حراسته، وبعد وصوله إلى ايطاليا، متقاعدا، مهمة تدبير الكرسي البطريركي.

امتلأ المُدَبِّر، بالشعور الإنجيلي الخلاصي، فالرّبّ وحده، من دبر عودته مجددًا إلى الأراضي المقدسة، ولكن كيف سيتدبر الديون؟ طرح مشروع بيع أراضي للرعية الفلسطينية في الناصرة، فانتفضت الرعية، دون أن يقف أحد من الوطنجية معها. وما زالت منتفضة.

لا يمكن أن يظل المُدَبِّر مدبرًا، فسامه البابا، بطريركًا، منهيًا ربيع البطريركية العربيّ، الذي يدأ صاخبًا صبّاحا مع صبّاح، إلى شتاءٍ مع خليفته.

الصوت الوحيد، الذي تناهى إلى مسامعي، متسائلاً عن مصير عروبة الكرسي البطريركي، جوبه بنقدٍ، من رعية البطريركية، في إعلان فاضح للنكوص العروبي.

لم تتغير مشاعر الرعية الوطنية، ولكنّها فضلت أجنبيًا على أي عربي آخر. ما الذي تغيّر؟

عندما وصل خبر تعيين صبّاغ بطريركًا، أطلقت والدته زغرودة، تردد رجع صداها فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا. لا نعرف إذا كانت والدة البطريرك الجديد، زغردت، مأخوذة بتراث متوسطي أم لا؟ ولكن في القُدْس التي احتفت بالبطريرك الجديد، لم يزغرد أحد.

فلسطين تتغير ليس بالصدمة القاصمة، كما حدث في أمصار أخرى، وإنما بصدمات متتابعة.

قبل أوسلو كانت فلسطين "مشروع" و"مشاريع"، وبعدها أصبحت "مشاريع".