بين جبرا إبراهيم جبرا، ابن بيت لحم، وأسامة العيسة، ابن مخيَّم الدهيشة، مسافة جغرافية قصيرة، لكنَّها مسافة طويلة في الذاكرة.
جبرا خرج من بيت لحم إلى العالم، وحمل مدينته معه في اللغة، وظل يبحث، في المنفى، عن فلسطين التي ابتعدت عنه كلما اتسعت المدن.
أمَّا العيسة، فجاء من المخيم، من المكان الذي لم يكن منفى عابرًا، بل صار وطنًا مؤقتًا لأناس اقتُلعوا من أوطانهم.
كلاهما كتب عن راحيل التي لم تغادر قُبتها، وكلاهما كتب عن وليد مات بعد يومين، ليصبح (بنيامين).
وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات قسوة:
أن لا يُكتفى بمصادرة المكان، بل يُعاد ترتيب الذاكرة أيضًا؛ تُعاد تسمية الموتى، ويُعاد تفسير الحكايات، حتى يبدو صاحب المكان غريبًا في حكايته.
في عمله الجميل (بهمش) يتحدَّث العيسة عن الناس والأماكن، ويمرّ على متحف مغدور.
ولعل هذا ما يجعل كتابة العيسة لذيذة، رغم قسوة موضوعها؛ فهو لا يقدم التاريخ بوصفه سجلًا جافًا، بل يعيده إلينا كحكاية لها رائحة المكان، وملمس الحجر، وخوف الأحياء، وارتباك الموتى.
قرأته، فوجدتني أعود إلى أماكن أعرفها، وإلى أشياء ظننت أنني نسيتها.
شكرًا أسامة، فقد ذكّرتني وذكرت المتحف بحب.
#يوسف_أبو_طاعة #جبرا_إبراهيم_جبرا #بهمش #المؤسسة_العربية_للدراسات_والنشر #أسامة_العيسة
