أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 22 نوفمبر 2020

المسكوبية

رواية لاسامة العيسة تقع على متن ٢٠٣ من القطع المتوسط وهي من اصدارات الرقمية للنشر والتوزيع في طبعتها الثانية ٢٠١٩.

الرواية تتحدث عن سجن المسكوبية في القدس وما يتعرض له المعتقلين الفلسطينيين من عذابات بشتى الاشكال والالوان.

فالكتاب جاء بلغة روائية بسيطة وسلسة تختزن في ثناياتها نضالات الشعب الفلسطيني وتستعرض صور القهر والعذاب التي يواجهها الفلسطيني في المعتقل، فجاء الكتاب مصورا بالتفاصيل الدقيقة حجم الجحيم الذي يواجهه المعتقل الفلسطيني في اقبية التحقيق التي يحويها ذلك المعتقل المسكوبية والاشبه بمعتقلات النازية، والخالية من ابسط مقومات الاحتياجات الانسانية.

صور مؤلمة وموجعة تلك التي ينجح الكاتب في استعراضها وعرضها ضمن سطور النص باسلوب سردي متسق وسلس ومشوق، لكنه كثير الالم والوجع. ولا يفت الكاتب طيلة احداث الرواية عن تقديم الامل وبثه عبر اثير الرواية فتجده مثلا يتحدث عن اول شهداء هذا المعتقل، ثم يتحدث عن اشهر من دخل هذا المعتقل من القيادات الوطنية ومن النخب الثقافية، اضافة لحديثه عن تاريخ الشعراء واشهر القصائد والاغنيات الوطنية التي كتبت في السجون وفي سجن المسكوبية بالذات.

ولا يفوت الكاتب ان يستعرض كل تلك العذابات التي يواجهها المعتقل في معتقل المسكوبية، دون ان يفوته ايضا استعراضه لكثير من تفاصيل المكان في القدس، من خلال استحضاره لشخصيات وامكنة وازمنة واحداث شكلت بإجتماعها تاريخ المدينة المقدسة. فجائت الرواية رواية للمكان بقلم وقلب متخصص وباحث ومصور يتفنن برؤية زوايا المكان ويتقن معرفة كل بقعة فيه، تلك التفاصيل الصغيرة والاحداث الكبيرة التي يتشكل منها تاريخ القدس ويتشكل منها الامر الاكبر والاهم وهو الوعي والانتماء الفلسطيني، فمن الطبيعي في ابجديات الوطن ان يحب الانسان وطنه وهذا امر عادي، لكن الاهم ان يكون لديه انتماء وتجذر تجاه هذا الحب، وهذا لن يتم دون وعي بالمكان والزمان، وتفاصيله هذه تساعد في ادراك حجم الترابط والتجذر مع اي بقعة يرتبط بها.

ينجح الكاتب في التقاط صور عديدة للقدس لكن تبقى صورة النجاح الاهم تتمثل في قدرته على توظيفها في سياق النص، ورغم ان العديد من هذه الصور مألوفة ومعتادة وفي اغلبها تتعلق بالقدس وتاريخها، ويبدأ الكاتب بهذا السياق والتوظيف من بداية نصه، لا بل حتى من غلاف الكتاب وعنوانه(المسكوبية) فلا يترك لنا مجالا كثيرا للابتعاد عن سبب ذلك الاسم ومدلوله في تاريخ القدس. وحسنا فعل ذلك واجاد لان هذا الاسم المسكوبية اسم فاقع الدلالة والشهرة في فلسطين وفي القدس بالذات والاهم من ذلك كله انه معلم معروف ومكروه بشدة لدى المناضلين.

يستعرض الكاتب جزء كبير من تفاصيل القدس ومكوناتها من اهلها وناسها وسكانها كالغجر والنور وتاريخهم في القدس، اضافة الى استعراضه للعديد من الاماكن مثل باب العامود وحارة الشرف وحائط البراق ودرب الالام والكنائس ودروبها والنجمة الفضية المسروقة وحرب القرم وعلاقتها بذلك وارض المسكوبية وملكيتها وقصة اهدائها وغيرها الكثير، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد وحسب، بل يعرج بنا الكاتب على تاريخ تلك البنايات(المقاطعة) في فلسطين من زمن الانتداب وحتى العثمانيين، فيبدأ بها من عند اريحا في توليفة لا تخلوا من مقاصده في بناء مداميك روايته اضافة الى اشارة سريعة منه الى خلفيته التنظيمية وانتمائه الحزبي.

وهذا كله بالاضافة الى قدرة الكاتب الكبيرة على توظيف الارث التاريخي والموروث الشعبي في فلسطين ضمن ثنايا البناء الروائي وبصورة شكلت اضافة نوعية للنصوص الادبية الفلسطينية واسهمت برفع قيمتها الوطنية والتعبوية. فنجد الكاتب قد تطرق الى التعريف بالاحتفالات الشعبية كعيد الفصح واعياد المواسم وشهر الخميس وغيرها.

ومن الممكن ان نقول ان هذه المعلومات من السهل جمعها والاطلاع عليها في اي مكان او ضمن اي كتاب او وثيقة لكن يبقى الاهم السياق التي جائت فيه تلك الشواهد والعلامات الفارقة، وهذا هو الفرق الذي نجح الكاتب في تقديمه في هذا الرواية وهذه احدى ميزات النص .

لا يتوانى الكاتب عن تقديم صور جديدة وغير مألوفة للقدس، كتناوله لمسألة المعتقلين الجنائيين من القدس وكيفية استعراضه وتناوله لقصصهم، ويقدم صورة كثيفة لهم وينجح بتسليط الضوء على من يحتكرون جزء كبير من شوارع القدس وحكاياه البعيدة النظر عنا وهو ما اسماه الكاتب العالم السفلي للقدس، وينجح الكاتب بطرح الموضوع من خلال حوار في المعتقل يدور بين الراوي وابو العز على ظهر الصفحات ٩٧-٩٩، ويتم توليد الحوار بصورة مشوقة فيبقى مستمرا بين الراوي وابو العز لكنه يدخل حيزا اخر هذه المرة؛ اذ يذهب الحوار الى اقصى غايته مع شخصية جمال وشخصية ابو العلم فيدور الحديث على لسانهما عن القدس وواقعها وظروف حرب ١٩٦٧ وسقوط القدس، حيث ينجح الحوار عبر الصفحات١٠٠-١١٨ بإلتقاط صور عدة لواقع القدس آنذاك غداة النكسة.

بعد ان ينجح الكاتب بتقديم عناصر المكان التي يريد ويربط الاحداث ببعضها ويوظفها طواعية بالسياق الذي يريد، لا يفوته ان يحدد زمن الرواية بدقة وهو 29/3/1982 وفي فترة اعتقال اقل من شهر ينجح الكاتب بادارة حوارات شتى غاية في الاهمية وتتفق مع القيم السامية والاهداف النبيلة التي يحملها الكاتب، كان اهمها ذلك الحوار مع احد قيادات فتح في المعتقل اضافة الى حواره مع ابناء القدس من رواد العالم السفلي وكيفية خروجه اليوم من قضية جنائية ليعود للسجن ثاني يوم مباشرة، لكن هذه المرة على خلفية سياسية وعلى اثر الحدث الابرز في الرواية اقتحام الاقصى وفتح النار على المصلين من قبل الجندي الاسرائيلي الان هاري غولدمان وما تبعه في تلك الفترة من الاحداث والاحتجاجات، وشملت فترة الاعتقال ايضا وهي الفترة الزمنية للرواية الظروف والايام السابقة على اجتياح بيروت.

الأحداث الواردة في الرواية شكلت قطعة فنية حقيقية من أدب السجون، ولم يكن بالامكان تقديمها بهذا الاتقان وبهذه الفنية العالية لو لم تكن تحتوي تلك الروح المناضلة الكامنة في احشائها، وهذا ما كان له ليتم لولا اننا امام سيرة حية وليست متخيلة لكاتب النص( اللفتاوي ابن مخيم الدهيشة)، بمعنى اننا قد نجد نصوص كثيرة تتعلق بادب السجون وتتحدث في سياقه، إلا انها فاقدة لتلك الروح التي تستطيع ان تعتقلك وتداهم منزلك وتزج بك في البوسطة وتعرضك لزنازين محددة بأهدافها وانواعها كالزنزانة رقم ١٢ في المسكوبية وما تتعرض له من شتى اصناف التعذيب والتي قد لا يكون اسوأها الضرب والشبح ووضع كيس الخيش ذوي الروائح الشنيعة على راسك وما يتبعه من سيل الضربات والتهيئات.

عندما ينجح الكاتب في التقاط تلك الصور لا يفوته ان يزرع الامل رغم الالم، فلا يعجز عن ابتداع عديد الصور لهذا الامل، والتي قد يكون اجملها: قدرة المعتقل على مقاومة اساليب السجان بكسر الارادة والتطويع والاسترسال في الحديث مع المحقق وغيرها الكثير، لكن يبقى ابتداع وسائل التواصل مع بقية المعتقلين من خلال لغة العيون والدق على الجدران هي الاجمل.

صاحب النص والذي اراه هو نفسه الكاتب، صاحب تجربة وطنية ناصعة وابن هذه الارض المفعم بحبها وبتفاصيلها حد الجنون، اسامة العيسة كاتب مجبول بالزمان مرهون للمكان، وقد نجح العيسة بتقديم المكان والزمان الفلسطينيين سرديا وهذا مشروع يستحق التقدير والثناء، وهذا دليل قاطع على اننا امام كاتب فذ ومبدع يدرك تماما طبيعة وابعاد الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي.

نحن امام نص يدرك كاتبه تماما ان صراعنا مع المحتل في احد اوجهه الرئيسية صراع على الرواية ونقيضها، فتأكيد روايتنا يعني فيما يعني دحض رواية الآخر والقائها في مزابل التاريخ، هذا اذا وجدت لها متسعا هناك، وهذا هو جوهر الفكرة واساس المعركة بيننا وبين اصحاب الخرافة المتسللين خلسة الى سطور التاريخ.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق