أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الخميس، 3 سبتمبر 2026

يا لقوس الفرنسيّ!









 


يمكن ملاحظة أنَّ شبابيك الواجهة الغربيَّة للمستشفى الفرنسيِّ في بيت لحم، تتميَّز بنوعٍ من الأقواس المبنية من الحجر المحليِّ على الأرجح هو حجر الدهيشة المِزِّي الحلو (يسمى المِزِّي اليهوديِّ لقساوته)، يعرف الواحد منها بالقوس المستدق (الأوجيّ) وهو واحد من أنواع مختلفة من الأقواس الَّتي تظهر التنوع المعماريّ في ما يمكن وصفه العمارة الفلسطينيَّة التقليديَّة، وهي مزيج من ثقافات معماريَّة مختلفة، نتجت عن تلاقح ثقافيّ غني، قد يؤدي تتبعه إلى نتائج مدهشة؛ آثاريَّة واجتماعيَّة وميثولوجيَّة واقتصاديَّة وهُوياتيَّة.

وصلت جماعة راهبات المحبَّة الفرنسيَّة إلى فلسطين سنة 1886م، وأسَّسن في بيت لحم مستشفى العائلة المقدَّسة عام 1889م، الَّذي سيعرف بالفرنسيِّ؛ قصر مربع الشكل، تتوسطه حديقة يمكن فيها معاينة قساطل حجريَّة من قناة الكفَّار الرومانيَّة، التي نَقلت المياه إلى القدس ونُقلت إلى الحديقة في وقتٍ لاحق. الطابق الأوَّل؛ كنيسة يُصعد إليها بدرجٍ هو المفضَّل لدى العرسان الجدد لالتقاط الصور التذكاريَّة. إن خيَّبت الأيَّام آمالهم، فتبقى ذكرى الحجارة البديعة.

كان مبنى المستشفى، واحدًا من عدَّة بنايات، شيَّدتها الإرساليَّات المتشوفة لقلوب المؤمنين المحليِّين، خارج البلدة القديمة، وسيكون لها دورًا مهمًا، في توسع البناء المحليّ، وإن بخجل في أراضي المدينة المحيطة.

لاحظ هذا التطوُّر المؤرِّخ الراحل حنَّا جقمان: "أخذ النَّاس يتشجَّعون، لبناء منازل لهم في حقولهم المجاورة لهذه الأديرة والمؤسَّسات، ومعظم الَّذين اختاروا البناء في هذه الأماكن كانوا من أبناء بيت لحم المغتربين في أميركا وغيرها".

صمَّم أغلبية المباني، معماريون صاحبوا الإرساليات، عاونهم بناؤون محليُّون، اكتسبوا خبرة ودراية ومعرفة واسعة. امتد عملهم إلى القدس ورام الله وخارج البلاد.

تحدَّث القنصل البريطانيّ، بإعجاب، عن دور البنائيين التلحميين، في تشييد النزل النمساوي (الهوسبيس) في شارع الواد بالقدس القديمة. قبل سنوات من بناء المستشفى الفرنسي.

تولى الإشراف على بناء المستشفى الفرنسيِّ عيسى جريس حزبون،  وهو والد جد نصري حزبون، التربوي والفندقي الراحل. استعان عيسى بشقيقه سعيد، وابنه جريس، الذي ما زالت داره في تمدد حارة العناترة حاضرةً، بناءً وسكنًا.

كان على الثلاثيِّ، تطبيق المخطَّطات المعماريَّة على تلة صغيرة تطل شرقًا، على جبل الملك داود ووادي الجمل وبيت ساحور وبريَّة القدس، وشمالًا على باب الزقاق وبيت جالا، وغربًا على المنطقة الممتدة الطويلة التي سمَّاها إبراهيم باشا الدهيشة.

تعامل المشرفون مع عدد كبيرٍ من البنَّائيين، ودقَّاقي الحجر، والحجَّارين، والقصيِّرة، وحمَّالي وناقلي الحجر والشيد، والعربجية.
برز أيضًا اسم المعلِّم يعقوب صالح جقمان العلي، المولود سنة 1850م، الَّذي رست عليه مقاولة توريد الحجارة اللازمة للبناء، وصار مسؤولًا عن البنائيِّين والعمَّال. على الأرجح فإنَّه جلب الحجر من محاجر الدهيشة والصْلَيِّب وغيرها.

بدأ البناء يكبر ويتضخَّم، ويدهش النَّاس، الَّذين رأوا الشبابيك والأقواس والأروقة والأعمدة والتيجان والكنيسة الجميلة وتمثال العذراء الكبير، الَّذي تضرَّر بقصف احتلالي عام 2002م، تغير الأرض البكر للأبد.

لا نعرف كيف رأى حزبون ورفاقه من البنائيين والعمَّال القوس المستدق، وهل وجدوا صعوبة في دق حجره وبنائه أم لا؟ والأهم إذا تنبهوا أنَّه لم يكن إبداعًا فرنسيًا خالصًا، وإنما فننا وقد رُدَّ إلينا.
تقول الباحثة ديانا دارك، أنَّ العباسيِّين هم من طوَّروا القوس الأوجيّ، واستخدموه لأوَّل مرَّة في عاصمتهم سامراء في القرن التاسع. واستخدم لاحقًا في العمارة الأمويَّة، حتَّى وصل فينيسيا في القرن الثالث عشر، ومنها إلى أوروبا. وظهر في أبنية شهيرة مثل برج ساعة بيج بين.

أعاد الفرنسيَّون، القوس الذي استخدموه في بناياتهم مثل النوتردام، إلى بيت لحم، في تتويج صريح لنضالهم المعقَّد بين العواصم لقدمٍ في الأرض المقدَّسة. هضم البنَّاؤون المحليُّون أنواع الأقواس المختلفة، وعندما سنحت فرصتهم لاختبارها في بنايات محليَّة، تركوا بصماتهم، وما أكثرها، العمارة والبصمات.

يمكن تتبع مآلات المعلِّمين الَّذين أنجزوا بناء المستشفى الفرنسيّ، ما يعطي فكرة عن كيف رأى الناس أنفسهم، من خلال إسهامهم في التطوّر المعماريّ لبلادٍ عاشت على مفترق طرق العالم. ولكن هذا موضوع آخر طويل وجميل.

تدير المستشفى الآن، منظمة فرسان مالطة، بقايا فرقة الإسبارتاية الصليبيَّة، التي استمرت بينما صُفيت جماعة فرسان المعبد.

عاش والدي ومات وهو يسمى المستشفى إِسْبِطار، والتقرير الطبيّ سيك يبور، والصيدلية فرمشية. وعشت أنا لأشذر قوسًا، فيتناثر تباريح ابتسرتها.

#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق