أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 2 أغسطس 2026

مجنون يا خواجة!


 


عندما اقتحم جيش الاحتلال المخيَّم، بدأ ما ينفِّذونه غريبًا حينها، أغلقوا خلال ساعات، مدخل المخيَّم الرئيس بالإسمنت، ليصمتوا أولاد المخيَّم المجانين الذين يسوطون مركبات الاحتلال على شارع القدس-الخليل، بالحجارة.

خلال تصدي الأولاد (والبنات) الَّذين تسمنتوا، لمهمَّة جيش الاحتلال الليليَّة المفاجأة، أُصيبت إيمان، ونزل الأولاد المجانين بعد انسحاب الجيش لإزالة الكتلة الإسمنتيَّة، الضخمة فوجئوا بجفاف الإسمنت الفوريِّ. أَسمنت الجيش، على الأولاد، بجولةٍ. لكن للأولاد والبنات جولات.

أغلق الجدار الإسمنتيّ، مدخل منزل رضوان العليمي، الَّذي عانى مثل المنازل الموجودة على الشارع الرئيس من اعتداءات المستوطنين والجيش، وما أصعبها وأقساها. يتذكَّر إبراهيم رضوان، بعض أساليب التحايل على الجدار، للدخول إلى المنزل، ومساعدة آخرين من الأهالي والعمَّال والطلبة لتجاوز الجدار.

سيغلق الاحتلال مداخل المخيم كلّها، بطرقٍ إسمنتية أكثر عمليَّة، وسيبقى إغلاق المدخل الرئيس، الأكثر حرفية لعقل المحتلين الإسمنتيّ. ويحيط المحتلون المخيَّم بسياج، ويفرض حظر تجوال يمتد لأشهر طويلة، مما جعل الكثير من الناشطين والعمَّال وغيرهم الهروب من الحظر، لتحصيل رزقهم أو هروبًا من القمع الاحتلالي. بينما صرخ أعضاء في الكنيست، من النتائج الجانبية لحظر التجول الممتد، الذي يحصر تسلية ناس المخيم، في إنجاب المزيد من أولاد الحجارة.

يتذكَّر إبراهيم، كيف كان يلجأ، مثل غيره إلى دير المجانين عندما يشتد حظر التجول. كان خالي أحمد إبراهيم يعمل في مطبخ الدير. هو ابن شهيد ارتقى خلال النكبة. توجَّه الخال لمدير الدير وخلفه كتيبة من العمَّال الشباب وشرح له الموقف: هؤلاء، يا دكتور مصطفى، كما ترى مساكين يسعون وراء لقمة عيشهم،  يا ريت تكتب لكل منهم أنَّه يتلقى علاجًا في ديرنا العامر بوجودك.

وافق المدير، كما يؤكّد إبراهيم الذي فرح ورفاقه بفوزهم بشهادات المجانين الرسميِّين. في اليوم التَّالي أرادوا اختبار فعالية الورقة الممهورة بختم المدير. تقدَّم أحدهم من الجنديِّ، حارس الجدار الإسمنتيِّ، رافعًا ورقته بيمينه هاتفًا: مجنون يا خواجة!

تسامح الجنديِّ طالبًا من المجنون التقدم. نظر إلى الورقة الحكوميَّة وسمح لصاحبها بالمرور، من خلال فتحة إلى منزل العليميِّ، وفجأة تدفَّقت مجموعة من المجانين، مأخذوين بفعالية شهادة جنون رفيقهم. صُدم الجندي من المجانين غير الخائفين من التمرد على حظر التجول.

بهت الجنديّ وهو يرى كل منهم يرفع ورقته صارخًا: مجنون، والله مجنون، يا خواجة. أو: أنا مجنون مثل المجنون السابق. أيوة المجنون الذي دخل من الفتحة السريَّة التي تغاضيت عنها!

قال الجندي: كلكم مجانين، كلّ العرب مجانين. ثم رفع صوته: كل مجنون يتقدم. يالله يا مجانين مروا. هذا يوم سعدكم.

عاد الشارع فارغًا، يتنفس خوفًا، بينما الجنديّ يتمايل هاتفًا: مخيَّم مجنون، وأنا حارس مجنون على مجانين، سلاحهم حجارة، يهدد مجانين، سلاحهم بنادق!

تراقص الجندي، الذي أصيب بلوثة الدهيشة، وفرح بامتياز الجنون الذي مسه!

أحد شخوص الحكاية، رحل قبل أسابيع. عاش أحوالًا، وله مع كثيرين أحوالًا،  أشهر مدير لدير المجانين! أمَّا إيمان فنجت، وإبراهيم رضوان، ما زال على مدخل المخيَّم، يتذكَّر الحكايات التي لم تخبرها أجيال لاحقة، لها هي الأخرى حكاياتها المجنونة!

#مخيَّم_الدهيشة

#أسامة_العيسة