تعبِّر
الصورة الَّتي تجمع الراحل فيصل الحسينيّ، وجدعون عيزرا، نائب سابق لرئيس الشاباك،
عن جانب من مرحلة فلسطينيَّة بعد اتفاق أوسلو، وأوَّل انتخابات تشريعيَّة، شابها
بعض التزوير، كما في القدس، والخليل، الأرجح أنَّ الرئيس عرفات أراد احكام قبضته على
ملفي المدينتين.
استقبل
الفلسطينيُّون، بمعظمهم، في الأرض المحتلة، الاتفاق، ولم يكن يهمهم بنوده، بترحيب
وحسن نية، بعد سنوات الانتفاضة الأولى الصعبة، واحتلال الكويت وحرب الخليج
الثانية، ومن نشطاء فصائل من قدَّم الورود لجنود الاحتلال على الحواجز، فرحًا
باتفاق سياسي. لكنَّهم اكتشفوا بسرعةٍ، بعد إحكام إغلاق القدس، الَّذي بدأ في 30
آذار 1993، خصوصًا بين التوأم بيت لحم والقدس، وعزل المدن، وأحياء المدينة الواحدة
عن بعضها، أن الطريق ما زالت طويلة.
أبرز
التحركات الفلسطينيَّة، كانت الهبَّة ضد الاستيطان على جبل أبو غنيم، الَّذي
تحوَّل إلى أشهر جبل في العالم آنذاك. سبق الاعتصام الطويل على جبل الديك المقابل
لجبل أبو غنيم، مسيرات وتظاهرات، سعت السلطة الفلسطينيَّة للتحكم فيها، وعندما
نصبت خيمة على الجبل في يوم ماطر، تدخل جنود الاحتلال، لتكون في منطقة ب.
نصب فيصل الحسيني خيمته، وسط اهتمام كبير من وسائل الإعلام العالمية والاسرائيليَّة،
ومن الأخيرة من نصب عدَّة البث استعدادًا لإيام إخبارية طويلة.
في
موقع الأحداث، أخذت خيم الاعتصام في جبل الديك، تستقطب المزيد من الاهتمام،
وتستقبل أعدادًا كبيرة من الزوَّار من مختلف أنحاء العالم. وإحدى هذه الخيم حوَّلها
الزعيم الفلسطينيِّ الراحل فيصل الحسيني، مقراً له، واستقبل فيها ضيفًا غريبا هو
جدعون عيزرا، الَّذي جاء يبحث موضوع الجبل مع الحسيني، وسط هوجة إعلاميَّة، وكان
من بين المعتصمين من قال لا للزيارة واعترض على وجود عيزرا، مثل عبلة طه، وزعيم
الحزب الوطني القومي الاشتراكي الجبريلي العرفاتي أبو بيبرس إخميس. لكن تدخل مرافق
الحسيني الحاسم، أمَّن زيارة آمنة للضيف المخابراتي.
شارك
عيزرا في لقاءات كثرت في تلك السنوات، بين نشطاء من الطرفين الفلسطينيّ
والإسرائيليّ، وفي إحداها، عرَّف رئيس الوفد الفلسطينيّ مروان البرغوثي، على أعضاء
وفده من شبيبة فتح، بذكر السنوات التي قضاها كل منهم في سجون الاحتلال. بينما
عرَّف رئيس الوفد الإسرائيلي، عيزرا، بابتسامة عريضة قائلًا: هذا جدعون الذي اعتقكم
كلكم!
بعد
أيَّام، ودَّع الحسينيِّ، الذي يناديه الجميع بكنيته (أبو العيد) المعتصمين،
وأبلغهم أنَّه سيذهب في جولة خليجيَّة، وعندما عاد، مكث وقتًا قصيرًا في الجبل، ثم
شكر المعتصمين وأبلغهم أنَّه حصَّل خلال جولته، على مبلغ يناهز السبعة ملايين
دولار، تبرع بها الأشقاء العرب، وهذا ما كان ليحدث لولا صمودهم. وغادر الحسينيّ
ليمارس عمله من القدس، ولم يعد مرة أخرى، لكن شخصيَّات إسرائيليَّة وعربيَّة
وعالمية واصلت التدفق إلى الجبل، ومنهم الكاتب المصري لطفي الخولي، أحد أقطاب ما
عرف آنذاك بمجموعة كوبنهاغن. وهي مجموعة مكونة من إسرائيليِّين وعرب، رأت فيما
يحدث في جبل أبو غنيم مناهضًا لسعي المجموعة من أجل السلام.
حضر
أيضًا عماد الدين أديب، وحذر في حديث للصحفيِّين، وكنت حاضرًا، أميركا، قائلًا إن
مصالحها في خطر، إن لم تغيِّر سياستها.
عرَّاب
الاستيطان في جبل أبو غنيم، كان نتنياهو. نظم الشاعر سامي غانم من بيت ساحور، التي
شارك ناسها بفعالية في الاعتصام الطويل، قصيدـتين على الأقل في ذم رئيس وزراء
الاحتلال آنذاك والآن، نشرتا في العدد الأوَّل من مجلة بيت ساحور (أيول 1996م):
أنا
نتنياهُ، ذا شعبي يؤيِّدني/ في وضع حدٍّ أتى بالسلم لا الحرب
عهدُ
السلام مضى لا سِلمَ أطلبُهُ/ بل أطلبُ الأرض معُ أمنٍ، فذا طلبي
إذْ
عهد "بيرس" قد ولَّت حكومتُهُ/ تأتي حكومتُنا بالقمعِ والرعُب
في
قصيدته الثَّانية، يهدد "ببعث الانتفاضة من جديد"، وهو ما حدث بعد أربغ
سنوات، وقبلها هبَّات من أجل الأسرى وضد النفق:
قولوا
"لبيبي" إننا ثُوارُ ما همَّنا/ قمعُ ولا أسوارُ
#جبل_أبو_غنيم
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق