في
تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1994م، وصلت إلى الخليل القديمة المحاصرة بالبوابات
الاحتلالية، لألتقي عبد الرؤوف المحتسب، بجوار الحرم الإبراهيمي، وسط الغيتو
الاستيطاني والعسكري الاحتلالي، صامدًا، يضحك، ويتسلى مع الزوَّار الأجانب،
والمتضامنين مع شعبنا، متحملًا سفالة المستوطنين. وهو يرى الموت، بعينيه، يوميَّا،
ولكنَّه حافظ على حس الفكاهة الخليلي، كواحد من مستلزمات الصمود.
أعددت
حينها قصَّة صحفيَّة، ليس عن عبد الرؤوف، الذي سألتقيه لاحقًا، مرَّات عديدة، ولكن
عن عائلة شقيقه التي قضت في قصف إمبريالي لملجأ العامرية في بغداد خلال حرب الخليج
الثانية. فشلت الصواريخ الذكية واستهدفت المدنيِّين في الملجأ.
عُرفت
أم غدي، التي فقدت سبعة من أبنائها في قصف الملجأ، على نطاق واسع، وأعددت عنها
مادة صحفية، استنادًا لمن زاروا بغداد والتقوها في الملجأ، حيث أوقفت حياتها للشرح
عن المأساة.
في
شهر نيسان (أبريل) زرت بغداد، والتقيت من وصفت بخنساء بغداد، في الملجأ الذي تحوَّل
لمعرض لصور الضحايا، ومن بينهم أبناء عائلة المحتسب.
بدا
وجهها وقد قُد من بازلت، لا تضحك ولا تبتسم، وتقدِّم حكايتها بجدية. كتبت في سجل
الملجأ، ولكن لا أعرف إذا شكَّل ذلك، عزاء لها. ما أرخص الكلام.
عثرت
على صورة خنساء العراق في أرشيفي، أين رمتها الأقدار؟ كيف واصلت حياتها، في أقدار
العراق العاصفة؟ وقد أضحت الخنساوات بالآلاف في أوطاننا.
هل
تتبع صحفي أو كاتب مصير واحدة من العاديين أمثالنا، في أزمان الحروب؟
أمَّا
عبد الرؤوف، فغادر دنيانا، غير مفرِّط في كانون أوَّل (ديسمبر) 2022م
#ملجأ_العامرية
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق