ذات أيلول في
القدس!
في أواخر
أيلول تعيش القدس، عادةً، حالة انتظار، تسمِّم مناخاتها، وتذكِّرها بصبرها السرمديِّ،
كمدينة منتظرة، إلى ما لانهاية، قد يخفِّف منه شتوة المساطيح، رشوة تقدمها السماء،
لمدينتها الأرضية، قبل الصيف الثَّاني بين التشرينين.
في أيلول
1991، كانت المدينة تعيش حالة العالم العامَّة، ما بعد الغزو الصدَّامي الكارثيّ للكويت،
واكتشافها لنفسها مدينة خائفة، يمكن لبعض ناسها رؤية صورة متغطرس بدوي على القمر.
ما بين الأغاني التي صدحت في المصرارة، باعتبار الكويت، محطَّة على طريق القدس،
وإرهاصات مؤتمر للسلام في مدريد بعد شهرين، يبدد قطاف الانتفاضة الأولى غير
المحظوظة، والأزمة المالية التي ستطيح بمؤسسات منظمة التحرير غير الرسميَّة
كصحيفتي الفحر والشعب، سار الخطَّاط عيسى اللوصي في شارع صلاح الدين يوم 29 أيلول
1991، قاصدًا المركز الثقافيّ الفرنسيّ، ليشارك في افتتاح معرض لزميله يوسف
النجَّار، الذي خطفه الموت قبل عشر سنوات. لفتة ليست متأخرة بالنسبة لمواقيت الأرض
المقدَّسة، التي كُتب عليها في اللوح المسطور، ما بين انتفاضة وأخرى انتفاضة.
ضم المعرض 14 لوحة، بمختلف الخطوط، منها لوحة: إن الله جميل يحب الجمال، تعود لعام
1944 بخط ثلث مركب، وتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام، خطها النجَّار عام 1980
بالخط الكوفي.
ضم المعرض، أيضا، 26 لوحة من الزجاج والسيراميك، معظمها آيات قرآنية.
قدَّم للمعرض
عبد الله العَزِّة الخطَّاط، بتحية لأستاذ له قدرة عجيبة على خلق أشكال خطية
بديعة. وصفه: "رفائيل معاصره محمد صيام الخطاط وجمال بدران المزخرف".
ختم العَزِّة
الخطَّاط عن النجَّار: "لوحاته النفيسة الرائعة، والمزخرفة بالزخارف الهندسيَّة
والبنائيَّة التي دبجتها أنامله قد أعادت لفلسطين مجدًا عريقًا سالفًا في فن الخط
الكوفيّ، والَّذي لا يزال شاهدًا شاخصًا منذ القرن الأوَّل للهجرة إلى يومنا هذا
في قبة الصخرة المشرفة".
كان الحصار
المشدَّد المفروض على القدس، بعد غزو الكويت، ما زال شاخصا. بعد فترة قصيرة ستدخل
البلاد حقبة أوسلو في أيلول آخر، سيزحف يمين فلسطين ويتبعه يسار، ولكن يمين آخر
سيمتلك القدرة، لقولها لا لكل الأرض التي لا ترى خطوط الدم الفلسطيني. ستسيل
الدماء، خطوطا تحاول إكمال هوية خطاطي فلسطين، منذ أوَّل شخبطة على حجر!
*مطوية معرض
النجَّار، أُنقذت ضمن أرشيف من حاوية نفايات.
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق