الشائع أنَّ
اسم بيت لحم، الوارد في سفر التكوين، يعني بيت الخبز، ولكن بالنسبة للأب أوغسطين
س. مرمرجي الدومينكي (بغداد 1881- القدس 1963)، العراقيِّ الذي خدم في القدس في
دير الدومينكان، وخدم المدينة وفلسطين، وصاحب الكتاب الرائد (بلدانية فلسطين
العربية) المترجم للفرنسية، له رأي مختلف.
الأب مرمرجي،
واحد من ملافنة (علَّامة) عصرنا وملافتته، انضم لدير الآباء الدومينكيين في شارع
نابلس في "القدس الشريف"، وهذا الاسم العثمانيّ للقدس الَّذي تمسك به مرمرجي،
وعيِّن أستاذًا في المعهد الكتابي والآثاري.
أتقن مرمرجي:
السُّريانيَّة، والآراميَّة، والعبريَّة، والكلدانيَّة، والسومريَّة، والأكديَّة،
والحبشيَّة، والفرنسيَّة، والإنكليزيَّة. أذكر هذا لأذكِّر معجبي طلقاء البحث
الكتابي، مثل الراحل الربيعي، وراحل فلسطيني، يذكره طلقاء القرَّاء ليؤكدوا
ثقافتهم، معنى أن يكون المرء باحثًا حقًا.
في صيف عام
1926، غادر الأب مرمرجي القدس، في إجازة لبغداد، ونشر بحثًا في مجلة لغة العرب في
العام التالي، التي يحرِّرها واحد من الملافنة الكبار: أنستانس الكرملي
(1866-1947)، عن أصل كلمة بيت لحم.
كتب مرمرجي:
"لا غرابة في أن تكثر على العائد إلى الوطن أسئلة المحادثين في شأن الأصقاع
القادم هو منها، ولا سيما إذا كانت من البلاد الشهيرة وكانت منزلتها في نظرهم
منزلة عالية مثل بلاد فلسطين، وفي رأسها عاصمتها القدس الشريف، وما جاورها من
المدن ذات الشأن".
رأى الأب مرمرجي
أنَّ كلمة لحم، في اللغتين العبريَّة والآرامية، تعني الخبز، وفي العربيَّة تدل
على اللحم، وتوصَّل إلى أن معنى بيت لحم، لا يعني، فقط، بيت الخبز، إنما بيت
القوت. وتحمَّس لما توصَّل إليه.
نشر البحث
الضافي الألمعي في العدد السادس من مجلة لغة العرب عام 1927. لم يشأ المحرِّر
الكرملي، إلا كتابة ملاحظة في الهامش، مشيرًا إلى أن كلمة لحم، بمعنى خبز انتقلت
إلى العربيَّة بصورة لقم. "ولما كان الخبز يكثر في طعام جميع الناس، سمُّوا
كلّ ما يدخل الفم لقمًا من باب التوسع، وهو ما يطلق على البُر أو الشعير واللحم
واللقم من باب واحد".
كان هذا أوَّل
خلاف لُغوي بين مرمرجي والكرمليّ، صاحب المعجم المساعد، في خمسة مجلدات، و6 الآف
صفحة. ولكنَّه لم يكن الأخير. رد مرمرجي على الكرملي بمقالٍ طويل في العدد الثاني
من مجلة لغة العرب (شباط 1928) بعنوان: الألسنية السامية واللحم واللقم. خلص مرمرجي،
إنَّ: "اللحم بالحاء لا يدل على الخبز أو البُر أو الطعام في اللغة العربيَّة
كما وصلت إلينا، وأنَّ اللقم العربيَّة ليست بمبدلة من لخم العبريَّة أو لحمًا
الآرامية، وأنَّها لا تطلق على الخبز ولا على الطعام ولا على البُر، إنما معناها طريقة
من طرائق الأكل أو صفة من صفاته وهي السرعة والمبادرة إليه".
أكَّد على ما
أراده: "إن النتيجة التي كان قصدي استخراجها مما أبديته، هي أن أصل اسم بيت
لحم ليس بيت الخبز وحسب، كما يتبادر إلى الذهن، لأوَّل وهلة، بل أنَّ بيت يجدر به
أن يتخذ بمعنى الأرض أو البلد، وأن يطلق على كلمة لحم مدلول القوت، فيكون الناتج
عن ذلك بلد القوت أو الأرض المخصبة".
يضيف:
"كما يؤيد ذلك مرادفها (أفراثة) ومعناه المخصبة في العبريَّة، وهذه النتيجة
الصادرة عما جئت به من الأدلة في المقال، تبقى ثابتة لا تتغيَّر عندي، سواء اتفقت
أو لم تتفق اللغات الساميَّة الثلاث، أي العربيَّة والآراميَّة والعبريَّة في
تأدية (لحم) بمعنى الخبز".
بالطبع هذا هامش على هوامش منافرات فكرية ولغوية وتاريخية ألمعية، لملافنة، لم يغادرونا
في زمان بعيد.
تقدير للدكتور
حامد ناصر الظالمي، الذي جمع مقالات مرمرجي في كتاب وقدَّم له، وافيًا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق