حين يولد
الإنسان وينشأ في جغرافيا ترسم حدودها أسلاك الشائكة وحواجز الاحتلال، يصبح الخط
الفاصل بين العقل والجنون خيطاً أرفف من سلك، ووهماً تدمره قسوة اليومي
والاعتيادي. وفي قلب هذا المخاض الوجودي العنيف، لم يكن الكاتب والروائي الفلسطيني
أسامة العيسة بمنأى عن هذا الاشتباك المبكر؛ بل وجد نفسه ج جاراً وملتصقاً بواحدة
من أكثر المساحات رمزية وإيلاماً: مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في بيت لحم، أو
ما يُعرف شعبيّاً بـ "دير المجانين". هناك، حيث تتقاطع مآسي الروح مع
فجائع التاريخ، لم يكتفِ العيسة بدور المراقب أو العابر، بل اتخذ من هذا الهامش
القصي مرصدًا معرفياً ووجدانيّاً لإعادة قراءة مفهوم "العقل" بشجاعة
نادرة.
ليست روايته
الشهيرة "مجانين بيت لحم" سوى صرخة سردية كبرى في وجه عالم فقد صوابه
الأساسي، حيث يتحول الاحتلال إلى الشكل الأقصى والأكثر جنوناً للبشريّة المنفلتة،
ويصبح "الجنون" المعطى الوحيد المتبقي للبقاء أو المقاومة ضد واقع غير
معقول. يغوص العيسة في هذا المحور في كيمياء المهمشين والمطرودين من رحمة السكون
العادي، رافضاً "تسليع الجنون" أو تزييف حكاياتهم، ومستنطقاً تاريخاً
طويلاً من الزلازل السياسية والمجازر التي جعلت من جدران المستشفى مرايا تعكس
عزلات الوطن المفتت.
في هذا الجزء
الثاني من الحوار الممتد، يواصل أسامة العيسة الغوص في فلسفة العزل والهمس، ليكشف
كيف استمد من جيرة المجانين عدته الأولى للكتابة، ولماذا يرى أن العيش تحت
الاحتلال بذاته هو الاختبار الأكبر لجنون العقل البشري، مأخوذاً بهاجس الوفاء لمن
سكنوا ظل التاريخ وتركوا في روحه أسئلة لا تنتهي.
تفاصيل:
#عطا_درغام
#الحوار_المتمدن
#أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق