أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2025

بيت شمسنا المشرقة!


 


من ينظر من تل زكريا، غربًا، سيرسل رمشه، سجادة تمشي عليها عيناه، تكتحل بخضرة تبدو لا نهائية، تعانق السحاب، في لقائه النادر مع بحرنا في عسقلان وأسدود، وتلال وقرى أقيمت على مستوطنات بشرية تزيد أعمارها عن أربعة ألاف عام. يبدو الأمر غريبًا، كيف يمكن أن تحافظ هذه المستقرات على هوياتها، وأحيانًا أسمائها القديمة مصحفة؛ عجُّور، تلّ الصافي، بيت جبرين، إِمغلِّس، دير الذبان، البريج، سجد، ذِكرين، وغيرها، مرورًا بمستقرات ما زال تحمل أسماء التلال، كتل الترمس، وأخرى تناسب انسيابتها، كقسطينة، وفيها كلها، مزيج بشري؛ امتزاج من الشام والحجاز ومصر والمغرب، ليشكِّل شعبًا، جدلت هويته تحديات مستحيلة.

ومن ينظر إلى الشرق، فستكتحل العيون بجبال الخليل والقدس الناهضة، وإذا قرَّب نظره إلى الأسفل، فسيستكين قلبه عند معبد بيت الشمس المشرقة، مطلًا على وادي البطم، المعروف كتابيًا باسم وادي إيلا المؤسطر، بالفتى داود وجليات الفلسطينيِّ، سيؤسطره العرب بطالوت وجالوت.

أسفرت الحفريات الموسمية، التي تتم بدون موافقتنا، عن ثروة من الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه. تنضم إلى ما سبقها من آلاف الصفحات عن نتائج حفريات بدأت منذ أكثر من قرن، يمكن مراجعتها على موقع أرشيف متعدِّد اللغات.

حظي معبد الشمس، بدراسة جديدة بعنوان: "بيت الشمس المشرقة: معبد عزيقة الكنعاني"، بتوقيع أودد ليبشيتس، وهانا م. ريبس، ومانفريد أومينغ، وسابين كليمان.

تعرض الدراسة اكتشاف المعبد على أعلى المنحدر الشرقي لتلّ زكريا، وهو هيكل مقدَّس يواجه الشمس المشرقة، التي كانت تضيء أحجاره البيضاء، وجدرانه المجصصة، وأعمدته الوردية كل صباح. أسس المعبد في العصر البرونزي المتأخر، وهي فترة ازدهر فيها تلنا تحت الإدارة المصريَّة وأصبح أحد أهم مراكز منطقة الهضاب المنخفضة.

حسب الدارسين، بدأ المعبد ملاذًا مفتوحًا مع إطلالة نحو وادي البطم، ومرتفعات الخليل والقدس، فيه مذبح حجري مستدير كبير مع حوض، وكلاهما مغطى بالجص. انتصب عمود من الحجر الجيري المصقول بجانب المذبح ليعكس أوَّل ضوء للفجر.

يوازي التوجه الشرقي للمعبد بشكل وثيق المعابد الشمسية المصرية في القرنين 14-12 قبل الميلاد، وهي المعابد المخصصة للولادة اليومية للشمس.

في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عندما وصل تلّ زكريا العصر البرونزي ذروته، أعيد بناء بيت الشمس المشرقة المفتوح، كمعبد مسوَّر ضخم.

عثر على سبعة مصابيح طقسية، تناسب السياقات الثقافية المتأخرة في عصر البرونز وفي وقت مبكر من العصر الحديدي. يشابه المعبد الجديد أمثاله في التلال المعروفة، مثل تل لخيش (قبيبة أبو عوَّاد) وحاصور (تل القدح).

يقع الفناء الرئيس للمعبد في الجنوب الغربي منه، مرصوف بأرضية حصى، استخدم في الاحتفالات العامة، والطقوس والمناسبات الدينية.

يخلص الباحثون، إلى أنَّ المعبد يكشف عن صورة حية: لم يكن تلّ زكريا مدينة محصنة فقط، بل أيضًا مركز طقوس رئيس في العالم الدينيِّ والسياسيّ في أواخر العصر البرونزيّ، مما يعكس علاقات قوية مع مصر الفرعونية مع الحفاظ على هوية محليَّة.

تل زكريا، تلنا، بيت الشمس المشرقة، الذي عودتنا! آخر مرَّة تفقدت معبدنا في الخامس من أكتوبر 2023م. غادرت مع مغيب الشمس في بحرنا الكبير. أعرف أنَّها تولد في كل صباح من بحرنا الصغير المويلح، ترمي خيوطها على معبدنا!

#قرية_زكريا #تل_زكريا #أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق