أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

كتاب بين شهيد وشهيد!


 


تعلو باسمة التكروري، في الكتابة الفلسطينيَّة الجديدة، أدبًا وبحثًا وترجمةً، بكتابتها عن أماكن خبرتها، خصوصًا نابلس والقدس ويافا، ويبدو غربيًا بالنسبة لي كم العثراث والأخطاء عن الأماكن في الكتابات الجديدة، في رواية تخبرنا أنَّها عن جَدَّها، وأنَّ عليًا الشخص الرئيس في الرواية، مستوحى من حياة الجد محمد التكروري التميمي، وبذلك تدخل في اختبار الكتابة عن العائلة. أعتقد أن الكتابة عن العائلة هو الاختبار الأهم لصنعة الكتابة، يُجهبذ، بين كاتب وآخر، ولأسبابٍ كثيرة فإنَّ كثيرين من الكتَّاب العرب، يخفقون في هذا المجال.

تشير الكاتبة، إلى أعلام من عائلتها. شخصيًا أذكر بتقدير، رفيق التميمي، المثقف المهم في النصف الأوَّل من القرن العشرين، الذي درَّس في الكلية الصلاحية، قبل تحوّلها إلى كنيسة كاثوليكية، على اسم القديسة حِنة. ناس القدس يسمونها كنيسة الصلاحية، في ترابط هُوياتي ملحوظ. لعب محمد رفيق، أدوارًا سياسيَّة وطنيَّة. لكن قد يكون أهم إنجازه كتابه/ التقرير عن أحوال ولاية بيروت في أواخر الحقبة العثمانيَّة الطويلة. كُلف رفيق وزميله محمد بهجت، من والي بيروت الإصلاحي، كتابة تقرير عن أحوال الولاية، فسار ورفيقه في أنحاء الولاية من طرطوس إلى نابلس، وأمدانا بمعلومات هامة عن واقع ناسنا. تقريره أغضب ناسه النابلسيين، عندما استخدم مناهج بحثه العصرية لوصفهم. بالنسبة لي أعود دائمًا لكتاب رفيق ورفيقه (الطبعة الأولى 1914م)، الذي تُرجم جزء منه مؤخرًا إلى العبرية. أكاد لا أصدق الظروف التي عاشها ناسنا، مثلًا في نابلس وسلفيت، وكيف تمكَّن شعبنا في ظروف كتلك النهوض، ومغالبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

تعرف باسمة نفسها واحدة من سلالة العائلة، ككاتبة وشاعرة مقدسية. ومثل كل تعريف فإنَّه إشكالي. لا يقال عادة كاتب نابلسي أو ناشط وكاتب خليلي أو أسير تلحمي، لكن مقدسي تلصق بكل هذه الصفات، لمن يحمل بطاقة إقامة في القدس من الاحتلال. لكلمة مقدسي/ ة حمولات غير أدبيَّة، لا أعتقد أنَّها مناسبة لتقديم كاتب لنفسه، يكفي أن يكون كاتبًا، دون الاتكاء على إيحاءات.

رغم العلاقة التي عرفناها بين الجَدّ في الواقع، وعلي في الرواية، فإنّ القاريء أمام نصّ مصنَّف رواية، وسيتتبع الأحداث بهذا التصنيف، وتنتابه مشاعر من التشويق، لمسار الأحداث، بلغةٍ تميَّزت بها الكاتبة، مدركًا النهاية التي ستصلها الرواية، فالكاتبة تفتتح روايتها بوجود علي في مشفى في القدس الجديدة، التي تسميها الغربية، إثر دهسه بمركبة عسكريَّة احتلالية في باب الأسباط، خلال مجزرة ارتكبها الاحتلال في عام 1990م. أذكر أجواء المجزرة، وكتبت عنها تحقيقًا مطولًا تضمن شهادات، بتكليف من الراحل خليل توما، لصالح مجلة اليسار القاهرية التي كان مراسلها. وبين مولده في نابلس واستشهاده في القدس، نعرف الكثير عن علي، ومأساته الشخصية في تقاطع مع مآسي شعبه وتطورات سياسية في فلسطين والإقليم.

تظهر في الرواية ثنائية تنتمي لرواية القرن التاسع عشر، فمحمد رمز لشرٍّ مطلق، وعلي رمز مضاد آخر. ربما مثل هذه الثنائيات تناسب عمل سيري أكثر من رواية. آمل أن يحين الوقت لتكتب الكاتبة كتاب سيري، بوثائق وبتوسع، وبتفاصيل وصراعات، وخلفيات سياسية واجتماعية، ووقع دول تكالبت على البلاد، في حياة جَدَّها. تقترب الرواية، من أن تكون رواية عائلية عن الجد والجدة، وهذا قد يناقض الفعل الأدبيّ. فباستثناء محمد أخ الجد، فباقي الشخوص مثالية أو تقترب منها.

ربما اختارت الكاتبة الرواية، لكتابة سيرة جدها، لإدراكها أننا في زمن الرواية، لكنَّني أعتقد أنَّ لليوميَّات والمذكرات والسير، مكانة مهمة في المقولات الأدبية المعاصرة، كما كانت في الماضي.

رواية أخرى عن القدس، العصية أدبيًا. تحاكي فلمًا سينمائيًا، قد يشوبه إلحاح مشاهد على نهاية سعيدة نسبيًا، أو تحفظه على صناعة مشهد، إلَّا أنه يتمنى لو أنه يطول. تمتلك باسمة الموهبة وجَلد الكتابة، وهما من أهم أدوات صنعة الكتابة وقد يظهر ذلك بوضوح في أعمالٍ مقبلة.

قرأت الرواية في ليلة باردة، أراقب المطر الخفيف من خلف الشباك، بعد بضع صفحات وصلني خبر ارتقاء الشهيد الفتى عمَّار صباح (16) عامًا، ارتقى في تقوع تحت المطر أمس، ليس بعيدًا عن معتزلي في خلايل اللوز. أصوات غضب ناسه وصلت للسماء الماطرة. بعد دفنه اليوم (16/12/ 2025)، وأنا أطوي آخر صفحة من الرواية، ارتقى الفتى مهيب جبران (16) عامًا، الذي انضم لرفيقه بعد مشاركته رحلته الأخيرة. لتصبح رحلة واحدة.

يا للدم المسفوح على تخوم برية القدس!

#باسمة_التكروري #رواية_الإمام #أسامة_العيسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق