أهلين

"من عرف الله سار، ومن سار طار، ومن طار حار". عجيل المقدسي.

الأحد، 27 نوفمبر 2022

الخالدية.. مكتبة تحت الحراب











 يجد الدكتور خضر سلامة، أمين المكتبة الخالدية في القدس القديمة، صعوبة في فتح باب سطح المكتبة، للصعود إليه، من قلة الاستخدام، ولكنها صعوبة تتضاءل، أمام ما يظهر على السطح.

تبدو المكتبة، من السطح المطل على شارع باب السلسلة، والمسجد الأقصى، وحائط البراق، محاصرة من مدرسة دينية استيطانية، ومنزل آخر استولى عليه المستوطنون، ونجا مبنى المكتبة، بعد الاحتلال، بسبب نضال دؤوب.

تعتبر المكتبة الخالدية، أول مكتبة عربية عامة في القدس، أسست عام 1900، وهي من أوقاف عائلة الخالدي الذرية.

أسسها الحاج راغب الخالدي، وكما يروي سلامة: "حقق الحاج راغب رغبة والدته، التي أوقفت حصتها في حمام العين، لتأسيس المكتبة، وفعل الحاج ذلك بعد وفاتها، بناء على وصيتها".

الوالدة هي خديجة بنت الشيخ موسى الخالدي قاضي الأناضول المتوفى سنة 1835، توفيت عام 1898م، وبعد عامين حقق ابنها حلمها.

تقع المكتبة، في شارع باب السلسلة، في قلب القدس القديمة، في مبنى يعرف باسم تربة بركة خان، يضم قبور أمراء خوارزميين، بني عام 1215م، ويعتبر أقدم ثاني بناء مملوكي في القدس.

يقول سلامة: "بركة خان هو حفيد جنكيز خان، ولكنه أسلم، ينتمي لما يعرف باسم القبيلة الذهبية، حارب مع الظاهر بيبرس، الصليبيين".

بالإضافة إلى مبنى التربة، تستخدم المكتبة مبنى آخر مقابلا له، يحوي الكتب المطبوعة، ويضم ما يصل إلى نحو تسعة آلاف كتاب مطبوع، تعود في معظمها إلى ما قبل عام 1900م.

يقول سلامة: "تحتاج هذه الكتب إلى ترميم وتجليد، وفهرسة وهذا يحتاج إلى أموال طائلة".

الطابق الأول من مبنى التربة، يضم غاليري صغير، للتعريف بالمكتبة، وتاريخ عائلة الخالدي. ردا على سؤال إذا كان ذلك انحيازا للعائلة، قال سلامة: "تاريخ القدس هو تاريخ عائلات، التي كانت تتحكم في المدينة، تحاول كل عائلة إظهار إنجازاتها، لقد درست معظم أوراق عائلة الخالدي، وأستطيع القول إنها عائلة إصلاحية".

بجوار هذه القاعة، مسجد التربة، الذي حول إلى معرض صغير يضم صورا لبعض المخطوطات، مثل قاموس اللغة الكردية-العربية، ومصحف فريد يعيده سلامة، إلى القرن السادس عشر، وفرمانات من العهد العثماني، من بينها مثلا، رسالة مهمة جدا، كما يصفها سلامة، من قاضي سيناء، يخبر فيها أهل القدس، أن القوات الفرنسية دخلت سيناء، وعليهم التجهز للمواجهة.

خصص الطابق الثاني للمخطوطات، التي وضعت في ملفات، لحفظها، وحسب سلامة، فإن المكتبة، تضم أكبر مجموعة من المخطوطات ونوادرها باللغات العربية والعثمانية والفارسية، جمعها في حقب إسلامية مختلفة علماء وقضاة ومدرسون، من أبناء عائلة الخالدي الذين عملوا في مؤسسات أقاليم الدول الإسلامية المتعاقبة.

تشرف على المكتبة لجنة متولين من عائلة الخالدي، بالتعاون مع جمعية أصدقاء المكتبة في أميركا، برئاسة الدكتور وليد الخالدي، الذي وضع كتابا عنها، اعتبر فيه: "مجموعة مخطوطات الخالدية أكبر المجموعات الفلسطينية، ومن أكبر المجموعات الإسلامية الخاصة في العالم، تحوي 1263 مخطوطا تضم 2000 عنوان".

يعيد الخالدي، نواة تأسيس المكتبة إلى عام 1726م على يد محمد صنع الله الكبير، حتى افتتحت في مبناها الحالي على يد الحاج راغب الخالدي.

مما تضمه المكتبة، مكتبات وأوراق عدد من أبناء عائلة الخالدي مثل: يوسف ضياء الخالدي (1842-1906م)، رئيس بلدية القدس ونائبها في البرلمان العثماني، ومؤلف أول وآخر قاموس كردي/عربي، ومحمد روحي بن ياسين (1864-1903م) نائب القدس في البرلمان العثماني، ونظيف الخالدي، مهندس بلدية بيروت، وغيرها من كتب وأوراق ومخطوطات.

أهم المخطوطات، في المكتبة ما تسمى "المخطوطات الأم" وهي مخطوطات كتبت بخط أيدي المؤلفين، من بينها عدد من التحف الفنية النادرة مثل هدية قدمت لأبناء صلاح الدين الأيوبي.

واجهت المكتبة مصيرا مجهولا، بعد الاحتلال عام 1967، عندما صادرت سلطات الاحتلال 40 عقارا لعائلة الخالدي، واحتل جنود الاحتلال الطبقة العلوية الشرقية المطلة على ساحة المكتبة، وسلموها لاحقا للمستوطنين، الذين أسسوا مدرسة دينية، ورمي مخلفات البناء في ساحة المكتبة.

يقول سلامة: "كان لاحتلال القدس الشرقية عام 1967 أثر سلبي على المكتبة ووجودها، فتدمير حارة المغاربة المجاورة لحي باب السلسلة وطرد سكانها واستهداف المؤسسات العربية في البلدة القديمة، ربط مصير المكتبة بما حولها، فأصبح مبنى المكتبة نفسها مهددا بالمصادرة من قبل جيش الاحتلال الذي احتل الطابق الثاني من أحد البيوت المملوكة لوقف العائلة والمطلة على ساحة المكتبة، وتأسست في هذا الطابق المصادر، وفي طابق جديد بني فوقه مدرسة تلمودية (يشيفيا.(

خاض أبناء عائلة الخالدي، طريقا طويلة من المقاضاة، لإفشال سيطرة الاحتلال على المكتبة، بدعم من باحثين أجانب، حتى سمح بترميم المكتبة ما بين عامي 1990-2001م.

تخدم المكتبة الآن، الباحثين، وتصدر كتبا، يقول سلامة: "نجحنا بتصوير المخطوطات رقميا، وتوفيرها للباحثين، من مختلف دول العربية والعالمية، نزودهم بما يطلبون إلكترونيا".

ما بين مبنى التربة، ومبنى المكتبة الآخر، حاجز لجيش الاحتلال، يدقق في هويات المتوجهين إلى المسجد الأقصى، وعلى سلامة، أن يقطع المسافة الصغيرة مرات عديدة في اليوم، وسط سلاح جنود الاحتلال المشهر.https://www.alhaya.ps/ar/Article/142912/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A8



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق